المبحث الثاني في امتناع القصر لوجوب المتابعة
المدخل إلى المسألة:
كل جزء لا يُعْتَدُّ به إذا لحقته في الصلاة مع الإمام فإنك لم تدركه.
قوله ﷺ : (فما أدركتم فصلوا)، الإدراك في العبادات له حقيقة شرعية.
تفسير (الإدراك) باللحوق بالشيء هذا تفسير من جهة اللغة، ولا مدخل للغة في تفسير الأحكام الشرعية، فإدراك الحج يكون بإدراك عرفة، وإدراك الصلاة يكون بإدراك الركعة.
الحديث قابل الإدراك بالفوات (فما أدركتم … وما فاتكم) فكل مقدار فاتنا من الصلاة فلم ندركه وإن لحقنا به.
من أدرك الركوع فقد أدرك القيام وإن فاته حسًّا، ومن فاته الركوع فقد فاته السجود والجلسة بين السجدتين وإن لحق به حسًّا، وبهذا افترق الإدراك اللغوي عن الإدراك الشرعي.
قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئًا من الأحكام، لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا في الجماعة.
أفتى ابن عمر وابن مسعود وأنس ﵃ أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة.
التفريق بين إدراك الجمعة وبين إدراك سائر الصلاة تفريق لا دليل عليه.
من فاته الركوع فاتته الركعة، وهذا لا نزاع فيه.
قال ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، ومفهومه: أن المصلي ومنه المسافر إذا أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة مع الإمام.
من لم يدرك الصلاة مع الإمام لم يجب عليه الإتمام، وشرع له القصر.
стр. 10047
مفهوم الشرط حجة عند جمهور الأصوليين.
فوات الركوع يعني فوات بقية الركعة، وفوات الركوع في الصلاة كلها يعني فوات ما بقي منها، ومنه التشهد؛ ومن فاتته الصلاة شرعًا لم يدرك الصلاة مع الإمام، وإن أدركه في التشهد، فكان في حكم من صلى منفردًا، فكان له أن يقصر.
إذا أدرك المسافر صلاة الإمام المقيم بإدراك ركعة معه وجبت عليه متابعته؛ لأن القصر سنة على الصحيح، ومتابعة الإمام واجبة.
[م-١١٢٢] اتفق الأئمة الأربعة على أن المقيم إذا صلى خلف مسافر أتم صلاته إذا سلم الإمام، قال عمر ﵁ لأهل مكة: (أتموا أهل مكة فإنا قوم سفر)، وروي مرفوعًا ولا يصح (١).
جاء في المغني: «أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر، وسلم المسافر من ركعتين، أن على المقيم إتمام الصلاة» (٢).
стр. 10048
وقال الزركشي في شرح الخرقي: هذا إجماع من أهل العلم (١).
وإذا صلى مسافر خلف مقيم، فإن أدرك مع الإمام ركعة فأكثر وجب عليه الإتمام، وعلى هذا قول الأئمة الأربعة إلا خلافًا شاذًّا سوف أذكره إن شاء الله تعالى.
واختلفوا إذا أدرك المسافر خلف المقيم أقلَّ من ركعة، كما لو أدركه قبل التسليم:
فقال الحنفية والشافعية والحنابلة: يتم مطلقًا، زاد الحنفية: حتى لو أدرك سجود السهو بعد السلام وجب عليه الإتمام (٢).
وقيل: يقصر مطلقًا، حتى ولو دخل معه في أول الصلاة، وبه قال طاوس وأحد القولين عن النخعي، وتميم بن حذلم، وابن المنذر وابن حزم (٣).
قال ابن المنذر في الإقناع: «يصلي المسافر خلف المقيم فرضه وينصرف» (٤).
стр. 10049
وقال ابن حزم: «إن صلى مسافر بصلاة مقيم قصر ولا بد، وإن صلى مقيم بصلاة مسافر أتم ولا بد، وكل واحد يصلي لنفسه، وإمامة كل واحد منهما جائزة» (١).
وهذان قولان متقابلان.
وقال المالكية: إذا اقتدى المسافر بمقيم فإن نوى الإتمام أتم صلاته مطلقًا، حتى ولو أدرك مع الإمام أقل من ركعة، وإن نوى القصر، فإن كان قد أدرك معه ركعة فأكثر أتم صلاته، وإن لم يدرك ركعة قصر، وهو رواية عن أحمد، وقال به من السلف الزهري وقتادة والحسن وإسحاق بن راهويه (٢).
وقال إسحاق: «إذا صلى المسافر خلف المقيم فإن نوى الإتمام لزمه، وإن نوى القصر صلى ركعتين وجلس وسلم، فإن أدركهم في التشهد فعليه صلاة مسافر» (٣).
стр. 10050
فجعل إسحاق القصر والإتمام راجعًا إلى نية المصلي إلا أن يدرك أقل من ركعة فعليه صلاة المسافر؛ لأنه لم يدرك صلاة الإمام.
وجاء في المدونة: «وقال مالك: ومن أدرك من صلاة مقيم التشهد أو السجود ولم يدرك الركعة، وهو مسافر، إنه يصلي ركعتين؛ لأنه لم يدرك صلاة الإمام» (١). فصار الخلاف على ثلاثة أقوال:
يتم مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، وهؤلاء جعلوا من شروط القصر ألا يصلي خلف إمام مقيم.
وقيل: يقصر مطلقًا، وهو قول طاوس، وابن المنذر وابن حزم.
وقيل: إن أدرك ركعة أو نوى الإتمام أتم، وإلا قصر، وهو مذهب المالكية.
دليل من قال: يجب الإتمام إذا صلى المسافر خلف مقيم مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، حدثنا أيوب، عن قتادة،
عن موسى بن سلمة، قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين. قال: تلك سنة أبي القاسم ﷺ (٢).
[انفرد بهذا اللفظ الطفاوي، وقد رواه أصحاب قتادة فلم يذكروا فيه صلاة المسافر خلف المقيم، وهي رواية مسلم، وهي المحفوظة] (٣).
стр. 10051
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٦٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فما أدركتم) اسم شرط عام فيما أدرك من الصلاة، فمن أدرك جزءًا من الصلاة يسمى مدركًا، وإذا كان مدركًا لصلاة الإمام وجب عليه الإتمام.
стр. 10052
ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
ما هو المقصود من الإدراك في الحديث؟ أهو الإدراك الشرعي أم الإدراك اللغوي، وهو اللحوق بالشيء؟
إذا كان الإدراك في الصلاة له حقيقة شرعية، وجاء اللفظ من الشارع، فهو مقدم على الحقيقة اللغوية، فالإدراك جعل في مقابل الفوات، (فما أدركتم … وما فاتكم) فإذا فاتك الركوع فقد فاتك بقية الركعة، وإذا فاتتك ركعات الصلاة كلها إلا التشهد فقد فاتتك الصلاة، ومن فاتته الصلاة لم يدرك صلاة الإمام؛ لأنك لم تدرك منها شيئًا، وكيف تكون أدركته وأنت لا تعتد به، ولو صليته مع الإمام للمتابعة، وبالتالي لا يدخل تحت قوله: (فما أدركتم فصلوا) فالحديث يأمرك بصلاة ما أدركت لا بصلاة ما فاتك، فدخولك مع الإمام في جزء من الصلاة بعد أن فاتتك ركعات الصلاة كلها لا يعد إدراكًا شرعيًّا؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).
مفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، والإدراك في العبادات حكم شرعي، لا مدخل له في اللغة، وهو اللحوق بالشيء، فإدراك الحج يكون بإدراك عرفة، فمن فاته عرفة لم يدرك الحج، وإن كان قد بقي من الحج أركان كثيرة، وإدراك الصلاة يكون بإدراك ركعة، فمن أدرك من الصلاة أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، فكذلك قوله: (فما أدركتم فصلوا … ) هذا الإدراك لا سبيل في تفسيره تفسيرًا لغويًّا، وقد خصه الشارع بتفسير خاص، وهو إدراك ركعة، والله أعلم.
وإن فسرنا الإدراك في قوله: (فما أدركتم فصلوا) باللحوق بالشيء، وليس بالإدراك الشرعي، وقلنا: إنك مأمور بالدخول مع الإمام في أي جزء من الصلاة وما دخلت فيه مع الإمام فقد أدركته ولو كان هذا الجزء من الصلاة بقدر تكبيرة الإحرام، فلا يجوز أن نرتب على هذا الإدراك اللغوي إدراكًا شرعيًّا بحيث نقول: من أدرك مقدار تكبيرة الإحرام مع الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة، ومن أدركها فقد أدرك فضيلة الجماعة والجمعة والوقت ووجب عليه الإتمام إذا كان مسافرًا مع معارضة هذا للإجماع، أن من
стр. 10053
فاته الركوع فقد فاتته الركعة، وهذا يصدق على كل ركعات الصلاة ومن أدرك أقل من ركعة من الصلاة فقد فاتته الصلاة، ويجب عليه أن يصلي أربعًا.
قال ابن تيمية: « … والنبي ﷺ إنما علق الأحكام بإدراك الركعة، فتعليقها بالتكبيرة إلغاء لما اعتبره واعتبار لما ألغاه وكل ذلك فاسد» (١).
الوجه الثاني:
أن قوله: (فما أدركتم فصلوا) عمومه: أن كل شيء صليناه مع الإمام فقد أدركناه، هذا العموم مخصوص بمفهوم حديث: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فإن مفهومه أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة.
وتخصيص العموم بالمفهوم جائز في أحد القولين عند الأصوليين، خاصة إذا كان التخصيص بمفهوم الشرط كما هو في مسألتنا.
وقد احتج الجمهور بتخصيص العموم بمفهوم الصفة وهو أضعف، كما في قوله ﷺ : (في أربعين شاة شاة) (٢)، فإن منطوقه: وجوب الزكاة في الغنم سائمة كانت أم معلوفة.
وحديث: (وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة) (٣)، مفهومه: لا زكاة في المعلوفة، فكان منطوق حديث في أربعين شاة شاة قد خص بمفهوم حديث: (في سائمة الغنم زكاة)، والله أعلم.
الوجه الثالث:
أن الشافعية والحنابلة قد وافقوا المالكية أن الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة خلافًا للحنفية، فكذلك سائر الصلوات لا تدرك إلا بإدراك ركعة، والتفريق بين الجمعة وغيرها من الصلوات تفريق بين متماثلات.
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٧٠) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة،
стр. 10054
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته (١).
وجه الاستدلال:
قول الرسول ﷺ : (إذا أدرك أحدكم سجدة) فالسجدة هنا على حقيقتها، أي: مقدار سجدة، وذكر السجدة تنبيهًا على أن الإدراك يحصل بجزء من الصلاة حتى يكون مدركًا لفضل الجماعة بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام.
ووجه ذلك: أن الأحاديث مرة تذكر الركعة (من أدرك ركعة)، ومرة (من أدرك سجدة)، فسبرنا أوصافهما، فوجدناهما يجمعان الركنية والفرضية، وأول الفروض تكبيرة الإحرام، فقدرناه بذلك، فمن أدرك من صلاة الإمام مقدار تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام فقد أدرك صلاة الإمام، فوجب عليه الإتمام، والله تعالى أعلم.
ونوقش هذا:
بأن المراد بالسجدة هي الركعة؛ لما يلي:
أولًا:
(ح-٣٤٧١) أن البخاري ومسلم قد رويا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة (٢).
ومفهومه: أن من لم يدرك ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة.
ورواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه،
عن أبي هريرة بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (٣).
стр. 10055
ومفهومه: أن من لم يدرك ركعة من الوقت لم يدرك الوقت.
ثانيًا:
(ح-٣٤٧٢) روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه،
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع، فقد أدركها، والسجدة إنما هي الركعة (١).
فقوله: (والسجدة إنما هي الركعة) تفسير من الراوي، وهو أعلم بما روى.
ولأن حديث عائشة السجدة محمول على حديث أبي هريرة، وإلا كان الحديثان متعارضين.
ثالثًا: قد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة.
(ح-٣٤٧٣) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع،
عن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وأخرجه مسلم (٢).
(ح-٣٤٧٤) وروى مسلم من طريق سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل، حدثه،
أن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: ثم قام فصلى ثَمَانِيَ سجداتٍ وذلك ضُحًى (٣).
والمراد: ثمَاَنِيَ ركعاتٍ … والأمثلة في هذا كثيرة.
قال القرطبي: «أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة» (٤).
رابعًا: قال الباجي: «قد شرط إدراك السجدة، ومن لم يدرك الركعة فلم يدرك
стр. 10056
السجدة، بدليل أنه لا يعتد بها من صلاته» (١).
فعلم إطلاق السجدة على الركعة في العُرْفِ.
الدليل الرابع:
من الإجماع، قال النووي: «العلماء أجمعوا على أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام، ولو كان الواجب ركعتين حتمًا لما جاز فعلها أربعًا خلف مسافر ولا حاضر كالصبح» (٢).
ونوقش هذا:
لا يصح الإجماع، والخلاف محفوظ كما بينت ذلك في الأقوال، ولعل النووي نسب نقل الإجماع إلى أصحابه ليخرج من عهدته؛ لأن النووي نفسه نقل الخلاف عن جماعة من السلف، والله أعلم.
الدليل الخامس من الآثار:
الأثر الأول:
(ث-٩٤٨) وروى مسلم من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر قال: صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته. ثم إن عثمان صلى بعد أربعًا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (٣).
ونوقش هذا:
هذا الأثر ليس صريحًا بأنه إذا أدرك جزءًا من صلاة الإمام صلى معه أربعًا، وإنما يحمل على أنه صلى مع الإمام أي: أدرك صلاة الإمام، ولا تدرك صلاة الإمام إلا بإدراك ركعة.
(ث-٩٤٩) فقد روى عبد الرزاق، عن معمر والثوري، عن سليمان التيمي،
стр. 10057
عن أبي مجلز، قال: قلت لابن عمر: أدركت ركعة من صلاة المقيمين وأنا مسافر؟ قال: صلِّ بصلاتهم.
[صحيح] (١).
(ث-٩٥٠) وروى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى.
[صحيح عن ابن عمر موقوفًا] (٢).
فإدراك الجمعة كإدراك غيرها من الصلوات لا يكون إلا بإدراك ركعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر أدلتهم.
الأثر الثاني:
(ث-٩٥١) روى أبو داود، من طريق الأعمش، حدثني معاوية بن قرة، عن أشياخه، أن عبد الله صلى أربعًا، قال: فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعًا، قال: الخلاف شر (٣).
ونوقش هذا:
بأن الظاهر أن ابن مسعود كان يتحرى موافقة عثمان ولو لم يصلِّ خلفه، فليس دليلًا على مسألتنا، والله أعلم.
(ث-٩٥٢) فقد روى أبو محمد الفاكهي ومن طريقه ابن بشران في أماليه، والبيهقي في السنن الكبرى من طريق أبي يحيى بن أبي مسرة، حدثنا خلَّاد بن يحيى، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
كنا مع عبد الله بن مسعود بجمع، فلما دخل مسجد منى فقال: كم صلى أمير المؤمنين؟ قالوا: أربعًا، فصلى أربعًا، قال: فقلنا: ألم تحدثنا أن النبي ﷺ صلى ركعتين، وأبا بكر صلى ركعتين؟ فقال: بلى، وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كان
стр. 10058
إمامًا فما أخالفه، والخلاف شر (١).
وروى الطبري من طريق حكام بن سلم، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن قرة أبي معاوية، قال: جاء ابن مسعود في زمن عثمان فقال: كم صلى عثمان بمنى؟ فقالوا: أربعًا. فقال عبد الله كلمة، ثم تقدم فصلى أربعًا، فقالوا: عِبْتَ عليه، ثم صليتَ كما صلى؟ فقال: أما إني قد صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ركعتين، ولكن الخلاف شر (٢).
(ح-٣٤٧٥) وروى عبد الرزاق، عن معمر،
عن قتادة أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر، وعثمان صدرًا من خلافته كانوا يصلون بمكة وبمنى ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعًا، فبلغ ذلك ابن مسعود، فاسترجع، ثم قام فصلى أربعًا، فقيل له: استرجعت ثم صليت أربعًا؟ قال: الخلاف شر (٣).
[سبق تخريج هذه الطرق] (٤).
دليل من قال: إذا أدرك ركعة أتم وإلا قصر:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٧٦) روى البخاري ومسلم قد رويا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة (٥).
فمنطوق الحديث: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).
ومفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة، ومن لم يدرك الصلاة مع الإمام لم يجب عليه الإتمام، وشرع له القصر.
стр. 10059
ومفهوم الشرط حجة عند أكثر الأصوليين، ولو كان إدراك أقل من ركعة بمنزلة الركعة لم يكن لتخصيص الركعة معنى.
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٧٧) ما رواه مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة (١).
[قوله: (مع الإمام) انفرد بذكرها يونس بن يزيد، على اختلاف عليه في ذكرها، وقد رواه أصحاب الزهري مالك، وعبيد الله بن عمر وغيرهما ولم يذكروها، وهو المحفوظ، وقد أشار مسلم إلى إعلالها] (٢).
الدليل الثالث:
(ث-٩٥٣) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا هشيم، قال أخبرنا زكريا ابن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، قال:
قال عبد الله: من أدرك ركعة من الجمعة فليصلِّ إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع فليصلِّ أربعًا.
[صحيح] (٣).
(ث-٩٥٤) وروى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى.
[صحيح عن ابن عمر موقوفًا] (٤).
(ث-٩٥٥) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا سعيد، عن قتادة،
стр. 10060
عن أنس، وسعيد بن المسيب، أنهما قالا: من أدرك من الجمعة ركعة، فليصلِّ إليها أخرى.
[صحيح] (١).
وجه الاستدلال:
إذا كانت الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة، فكذلك سائر الصلوات مثلها، وإذا لم يدرك الصلاة مع الإمام لم يجب عليه الإتمام.
قال ابن تيمية: «الجمعة لا تدرك إلا بركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس، وغيرهم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح، ولهذا أبو حنيفة طرد أصله، وسوى بينهما، ولكن الأحاديث الثابتة وآثار الصحابة تبطل ما ذهب إليه» (٢).
دليل من قال: إذا صلى المسافر خلف المقيم قصر مطلقًا:
(ح-٣٤٧٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة أم المؤمنين قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها، ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين .... بالبناء على ما لم يسم فاعله، وهذا لفظ مالك في الموطأ، وهو رواية الأكثر (٣).
وجه الاستدلال:
إذا كان فرض المسافر ركعتين، فالاقتداء بالإمام لا يسوغ الزيادة على الفرض،
стр. 10061
فكل مصلٍّ يصلي عن نفسه، لا تضره نية غيره، فكما أن المقيم إذا صلى خلف مسافر صلى صلاة مقيم، ولا تضره مخالفة الإمام، فكذلك المسافر إذا صلى خلف مقيم، يصلي فرضه.
ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذا القول مبني على أن القصر فرض، وقد ناقشت في مسألة مستقلة حكم القصر، والجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على أن القصر سنة خلافًا للحنفية، والحنفية الذين قالوا: بوجوب القصر يوجبون على المسافر إذا صلى خلف المقيم أن يصلي أربعًا، ولو اقتصر على ركعتين فسدت صلاته، وعليه فالأئمة الأربعة يذهبون إلى وجوب الإتمام إذا صلى المسافر خلف المقيم وأدرك معه ركعة.
الوجه الثاني:
أن حديث عائشة (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين) ليس على ظاهره؛ لمعارضته ظاهر القرآن، في قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: تقصروا من الأربع، فلو كان فرض المسافر ركعتين لما صح وصفها بأنها مقصورة.
ولمخالفته حديث عمر بن الخطاب: (صدقة تصدق الله بها عليكم) يعني قصر الرباعية، ومخالفته حديث: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة)، فلا يضع إلا ما كان ثابتًا قبل أن يضعه.
ولمعارضته حديث ابن عباس في مسلم: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة) (١).
وهذه الأحاديث صحيحة، وسبق تخريجها عند الكلام على حكم القصر، وهي أقوى في الحجة من خبر عائشة؛ لأنها أخبار نصًّا عن النبي ﷺ ، بخلاف قول عائشة فيحتمل أنه من فقهها وتأويلها؛ لكون عائشة قد خالفته فكانت تتم في السفر.
стр. 10062
وقول عروة بأن عائشة تأولت كما تأول عثمان لم يحكه عروة عن عائشة، ولا ذكر عروة وجه التأويل من قبله، ولو بالاجتهاد؛ لينظر في وجهه، فأرسله مجملًا بلا تفسير، فما أغنى شيئًا، وإذا جازت الزيادة على الركعتين بأي تأويل شئت فهو يدل على أن قصر الصلاة في السفر ليس فرضًا لا يجوز مخالفته، كالزيادة على صلاة الصبح لا يسوغ تأويله بحال.
ولو كان القصر فرضًا ما أتم عثمان ﵁، وهو مسافر، ولما تابع ابن مسعود عثمان ﵄؛ لأن المأموم لا يجوز له أن يتابع إمامه في فعل يعتقده مفسدًا لصلاته علمًا أن ابن مسعود كان يتحرى موافقة عثمان ولو لم يصلِّ خلفه، ولو كان الإتمام محرمًا لما جاز له طاعته؛ لأن الطاعة بالمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقد أجبت عن حديث عائشة بتوسع عند الكلام على حكم القصر في السفر، فارجع إليه، والله أعلم.
الراجح:
أن المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة الإمام فقد أدرك صلاة الإمام، وإذا أدرك صلاة الإمام وجبت عليه متابعته، لأن القصر سنة على الصحيح، والمتابعة واجبة، وإذا كان المأموم المسبوق تغتفر له الزيادة الفعلية، وإن غيرت هيئة صلاته، كما لو كان مسبوقًا بركعة، فإذا صلى مع الإمام ركعة، فجلس الإمام وجب على المأموم الجلوس معه، وإن لم يكن موضعًا لجلوسه من أجل واجب المتابعة، وإذا صلى الإمام الركعة الثالثة كانت في حق المسبوق الركعة الثانية، ومع ذلك يدع القعدة الأولى والتشهد؛ لواجب المتابعة، ولا يلزمه سجود سهو، فإذا كان تعمد الزيادة من المأموم داخل صلاته متابعة لإمامه لا يبطل صلاته، فكذلك الإتمام لا يعد زيادة في صلاته إذا كان على وجه المتابعة، والله أعلم.
стр. 10063
المبحث الثالث في امتناع القصر إذا أعاد صلاة لزمه إتمامها للمتابعة
المدخل إلى المسألة:
ما وجب للمتابعة لا يجب بغيرها.
إذا طرأ ما يفسد الصلاة بطلت، ورجع المصلي إلى الحال التي كان عليها قبل الشروع فيها، فكأنَّه لم يصلِّ؛ لحديث: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ).
لا يصح القول: إذا بطلت الصلاة أصبحت نية الصلاة الباطلة دينًا في ذمته.
إذا بطلت الصلاة استأنفها، ولا يقال: أعادها إلا تجوزًا؛ إذ لا ارتباط بين الصلاة المستأنفة وبين الصلاة الباطلة.
إذا بطلت الصلاة بطلت نيتها تبعًا، والباطل في حكم العدم.
إذا فسدت الجمعة قضاها ظهرًا إجماعًا، ولا يقال: إذا شرع في الجمعة وجبت عليه نية الجمعة بالشروع، فكذلك سائر الفروض قياسًا على الجمعة.
وجوب الإتمام على المسافر خلف المقيم لوجوب المتابعة، فإذا زالت المتابعة زال حكمها وله أن يصليها ركعتين.
لا يجب الإتمام على المسافر إلا إذا انقطع حكم السفر، أو صلى خلف مقيم، والإتمام لا يجب بالشروع إذا فسد.
إذا أفسد المصلي جماعة فرضه صح أن يقضيه منفردًا، ولا يقال: تجب عليه الجماعة بالشروع، فكذلك إذا أفسد المسافر صلاته خلف المقيم يصح أن يقضيه ركعتين.
إذا لم تجب عليه نية القصر بالشروع لم تجب عليه نية الإتمام بالشروع.
بطلان نية القصر أو الإتمام لا يعود إلى نية الصلاة بالبطلان.
[م-١١٢٣] إذا شرع المسافر في الصلاة بنية الإتمام -على القول بلزوم الإتمام إذا لم ينو القصر مع التحريمة- أو اقتدى المسافر بمقيم لزمه الإتمام، فإذا
стр. 10064
فسدت صلاته، وأراد إعادتها فهل يجوز له قصرها؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
فقيل: يجوز له قصرها، وهو مذهب الحنفية، والثوري (١).
جاء في البحر الرائق: «ولو اقتدى مسافر بمقيم في الوقت صح وأتم … فلو أفسده صلى ركعتين» (٢).
وجه قول الحنفية:
فرض المسافر ركعتان، فإذا صلى خلف المقيم صلاه أربعًا من أجل المتابعة، فإذا زالت المتابعة رجع إلى فرضه، بخلاف ما لو اقتدى به متنفلًا، ثم أفسدها قضاها أربعًا؛ لأن النفل عندهم يجب بالشروع، فإذا شرع فيه خلف إمامه أخذ حكم الفرض تبعًا لصلاة الإمام، فلو أفسد النفل بعد الاقتداء قضاه أربعًا.
وقيل: إن أفسد الفرض بعد أن صلى مع الإمام ركعة لزمه إتمامه في الإعادة، وإن أفسده قبل أن يصلي مع الإمام ركعة فصلاته ركعتان، وهذا مذهب المالكية (٣).
جاء في الجامع لابن يونس: «والمسافر إذا أدرك خلف المقيم ركعة لزمه الإتمام» (٤).
ومفهومه: أنه إذا لم يدرك ركعة لم يلزمه إتمامه.
وقيل: إذا صلى المسافر خلف المقيم، ثم فسدت صلاته لزمه الإتمام قال النووي: بلا خلاف يعني في المذهب، وهو مذهب الحنابلة (٥).
стр. 10065
جاء في الفروع: «وإن فسدت صلاة من لزمه الإتمام، ولو خلف مقيم خلافًا لأبي حنيفة، ولو فسدت قبل ركعة خلافًا لمالك فأعادها أتم» (١).
فالمالكية والشافعية والحنابلة متفقون على أن المسافر إذا أدرك الصلاة مع الإمام المقيم ثم أفسدها لزمه الإتمام في الإعادة، إلا أنهم يختلفون متى يدرك المأموم صلاة إمامه:
فالمالكية، قالوا: يدرك صلاة إمامه إذا أدرك منها ركعة، فإن أدرك منها أقل من ركعة فلم يدركها، وصلى قصرًا.
جاء في المدونة: «وقال مالك: ومن أدرك من صلاة مقيم التشهد أو السجود ولم يدرك الركعة، وهو مسافر، إنه يصلي ركعتين؛ لأنه لم يدرك صلاة الإمام» (٢).
وقال الشافعية والحنابلة: يدرك صلاة إمامه بإدراك أي جزء من صلاته قبل التسليم تمامًا كما قالوا: إذا أدرك المسافر إمامه المقيم في التشهد، فدخل معه فالمالكية قالوا: يقضيها ركعتين. وقال الجمهور: يقضيها أربعًا؛ لأن إدراك جزء من الصلاة إدراك للصلاة، وكنت قد بحثت هذه المسألة فيما سبق فهذه المسألة فرع عنها.
وجه قول المالكية:
أن المسافر سنته ركعتان، وإذا فسدت صلاته قبل أن يدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فهو في حكم من لم يدرك شيئًا من صلاة الإمام، والمسافر إذا لم يدرك شيئًا من صلاة المقيم صلى ركعتين بإجماع.
ولحديث: أبي هريرة في الصحيحين مرفوعًا: (من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة) (٣).
стр. 10066
ومفهومه: أن من لم يدرك ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة.
وجه قول الشافعية والحنابلة:
إجماعهم على أن من نوى من حين دخوله في الصلاة الإتمام لزمه، فكذلك من دخل مع مقيم في صلاته، ولا يشترط إدراك ركعة.
ولحديث أبي هريرة في الصحيحين، وفيه: (فما أدركتم فصلوا .. الحديث) (١).
قوله: (ما أدركتم) (ما) اسم شرط للعموم، فإدراك جزء من الصلاة مع الإمام إدراك لصلاة الإمام. وسبق الجواب على الحديث.
قال ابن قدامة: «لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها خلف المقيم» (٢).
وقال التنوخي: «فإذا فسدت وجب عليه قضاء مثل ما وجب عليه» (٣).
ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن ما وجب للمتابعة لا يجب بغيرها.
مثاله: المسبوق تغتفر له الزيادة الفعلية، وإن غيرت هيئة صلاته، كما لو كان مسبوقًا بركعة، فإذا صلى مع الإمام ركعة، فجلس الإمام وجب على المأموم الجلوس معه، وإن لم يكن موضعًا لجلوسه من أجل واجب المتابعة، وإذا صلى الإمام الركعة الثالثة كانت في حق المسبوق الركعة الثانية، ومع ذلك يدع القعدة الأولى والتشهد؛ لواجب المتابعة، ولا يلزمه سجود سهو، فلو فسدت صلاته لم نوجب عليه أن يجلس في هذه المواضع التي وجب عليه الجلوس فيها من أجل المتابعة، وليس موضعًا لجلوسه لو صلى منفردًا.
الوجه الثاني:
القول بأن من نوى الإتمام في أول صلاته لزمه دعوى في محل النزاع، لا دليل عليها. وقياسًا على نية القصر، فكما لا تجب عليه نية القصر بالشروع لا تجب عليه
стр. 10067
نية الإتمام بالشروع.
وإذا صح رفض نية القصر في أثناء الصلاة والانتقال إلى الإتمام صح رفض نية الإتمام في أثنائها فضلًا أن يقال: يجب الإتمام بالشروع ولو فسد ما شرع فيه.
قال في الفروع: «ولو نوى القصر ثم رفضه ونوى الإتمام جاز خلافًا لمالك، وأتم؛ لعدم افتقاره إلى التعيين فبقيت النية مطلقة» (١).
وهذا دليل على أن بطلان القصر أو الإتمام لا يعود إلى نية الصلاة بالبطلان.
وقال في الإقناع: «ولو نوى القصر ثم رفضه ونوى في الصلاة الإتمام أتم».
ولأن القول بلزوم الإتمام مبني على أنه يشترط لصحة القصر نيته مع التحريم، فإذا لم ينو لم يصح القصر، وإذا كان الراجح أن القصر يصح، ولو لم ينوه، بل ولو نوى الإتمام؛ بطل القول بأنه يلزمه الإتمام إذا شرع بنيته.
الوجه الثالث:
ولأن نية الإتمام لا دخل لها في نية تعيين الفرض، بل في نية عدد الركعات، وهذا لا يلزم المصلي، فلو صلى فرضه ولم يستحضر عدد الركعات صح فرضه، وكما لو دخل في صلاة الوتر على أنه يريد أن يوتر بسبع ركعات، فأوتر بخمس، لم تلزمه السبع بمجرد الشروع.
ولأن المسافر على التخيير، إن شاء قصر، وإن شاء أتم، والله أعلم.
الوجه الرابع:
لو سلمنا أن من نوى الإتمام لزمه، فإنما يلزمه إذا مضى في هذه الصلاة، فإذا طرأ ما يفسد الصلاة بطلت، ورجع المصلي إلى الحال التي كان عليها قبل الشروع فيها، فكأنَّه لم يصلِّ، لا فرق بينه وبين رجل لم يشرع في الصلاة، كما قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ).
ولا يصح أن يقال: إذا بطلت الصلاة أصبحت نية الصلاة الباطلة دينًا في ذمته،
стр. 10068
لأن الصلاة إذا بطلت وجب استئنافها، ولا يقال: أعادها إلا تجوزًا؛ إذ لا ارتباط بين الصلاة المستأنفة وبين الصلاة الباطلة، وإذا بطلت الصلاة بطلت نيتها تبعًا، والباطل في حكم العدم.
ولأن الجمعة إذا فسدت قضاها ظهرًا إجماعًا، ولا يقال: إذا شرع في الجمعة وجبت عليه نية الجمعة، فكذلك سائر الفروض قياسًا على الجمعة.
والعجب أن الشافعية والحنابلة لا يقولون بأن النفل إذا فسد يجب بالشروع، فكذلك الفرض إذا فسد لا يجب قضاء نيته بالشروع، وإنما الواجب قضاء الفرض باعتبار أنه لم يصلِّ فالذمة ما زالت مشغولة، فإن صلى منفردًا أو خلف مسافر فله أن يصليه ركعتين. ولأن النية في الصلاة نية أداء في حقه، وليست نية قضاء، حتى يقال: يقضي ما أفسد بالشروع، والله أعلم.
الراجح:
أن المسافر خلف المقيم إذا فسدت صلاته سن له أن يصليها ركعتين؛ لأن الإتمام خلف المقيم واجب من أجل المتابعة، وقد زالت، والله أعلم.
стр. 10069
الفصل الثاني في امتناع القصر إذا سافر بعد دخول الوقت
المدخل إلى المسألة:
الفعل إن ذُمَّ على تركه مطلقًا فهو الواجب المضَيَّق، وإن لم يُذَمَّ على تركه مطلقًا، فهو المندوب، وإن ذُمَّ على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولم يُذَمَّ على تركه إلى بعض أجزاء الوقت فهو الواجب الموَسَّع، والصلاة من الواجب الموَسَّع.
من فعل الصلاة في أول الوقت أو في وسطه، أو في آخر وقت الاختيار، فقد أدى ما فرض الله عليه بالإجماع.
المكلف مخير بين فعل الصلاة أول الوقت وبين تأخيرها إلى آخر الوقت، والتأخير إذا كان بإذن الشارع لا يسمى تركًا.
لو كان وجوب الصلاة يتعلق بأول الوقت لما وجبت الصلاة على الحائض والكافر والصبي إذا ارتفع عنهم المانع في وسط الوقت أو في آخره، فلما وجبت الصلاة عليهم عُلِم أن أول الوقت كآخره في سبب الوجوب.
كل جزء من الوقت الموسع يعتبر سببًا تامًّا لوجوب الصلاة.
كل جزء من الوقت الموسع صالح لإيقاع الفعل.
لا يتعين الواجب الموسع إلا بتعيين المكلف أو أن يبقى من الوقت مقدار الفعل، وقيل: أو يبقى مقدار ركعة تامة بسجدتيها، والأول أصح.
إذا دخل عليه الوقت ثم سافر، فأراد أن يصلي فله الجمع والقصر؛ لأن العبرة بالصلاة المؤداة وقت الأداء؛ لأنه لم يتعين أول الوقت وقتًا لأداء الصلاة.
العبرة بالصلاة المقضية وقت الوجوب، فإذا وجبت عليه صلاة حضر، فتذكرها في سفر صلاها أربعًا، أو وجبت عليه صلاة سفر، فتذكرها في حضر صلاها ركعتين.
стр. 10070
[م-١١٢٤] إذا دخل عليه وقت الصلاة، وهو مسافر، ثم أقام قبل أن يصلي، فالعلماء متفقون على أن الإقامة تقطع حكم السفر، فليس له أن يجمع ولا يقصر (١).
واختلفوا في الرجل يدخل عليه الوقت، وهو مقيم، ثم يسافر في أثناء الوقت، فهل له أن يترخص برخص السفر، كالقصر عند الحنفية، أو القصر والجمع عند الجمهور.
والخلاف في هذه المسألة راجع إلى الاختلاف: متى تجب الصلاة على المكلف؟
فمن قال: تجب الصلاة في آخر الوقت، وهو قول أكثر العراقيين من الحنفية (٢).
أو قال: الوجوب يتعلق بزمن يسع فعل العبادة إلا أنه غير معين، وإنما يتعين الوجوب إما بالأداء، أو بأن يضيق الوقت، وهو ما عليه جمهور الحنفية، ورجحه ابن رشد من المالكية، وقال الباجي: «هذا هو الذي يجري على أصول المالكية، ورجحه ابن العربي» (٣).
أو قال: الوجوب يتعلق بجميع الوقت، وعليه جمهور المالكية (٤)، فهؤلاء لا يمنعون من الترخص برخص السفر، فإذا سافر بعد دخول الوقت فله أن يقصر الصلاة عند الحنفية، وله أن يقصر ويجمع عند المالكية، وهو رواية عن أحمد، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (٥).
قال في الجوهرة النيرة على مختصر القدوري: «ولو سافر في آخر الوقت يقصر عندنا وإن لم يبق من الوقت إلا مقدار التحريمة» (٦).
стр. 10071
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: «إذا دخل وقت الصلاة وهو مقيم متمكن من فعلها فلم يصلها إلى آخر وقتها ثم سافر وقد بقي من وقتها ما يمكنه أداؤها فيه فله أن يقصر، خلافًا لمن حكي عنه من أصحاب الشافعي أنه ليس له قصرها» (١).
وقال ابن قدامة: «وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، فقال ابن عقيل: فيه روايتان؛ إحداهما: له قصرها. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها. وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها.
والثانية: ليس له قصرها؛ لأنها وجبت عليه في الحضر، فلزمه إتمامها، كما لو سافر بعد خروج وقتها، أو بعد إحرامه بها، وفارق ما قبل الوقت؛ لأن الصلاة لم تجب عليه» (٢).
ومن قال: تجب الصلاة بأول الوقت، كالشافعية، والحنابلة، فاختلفوا:
فقال الشافعية: له الجمع والقصر، وخالفوا أصلهم (٣).
وجه التفريق:
فرق الشافعية بين وجوب الصلاة، فهذا يتعلق بأول الوقت، فإذا دخل ومضى منه ما يسع فعل الصلاة، وجبت عليه الصلاة، فلو حاضت المرأة بعد ذلك وجب عليها القضاء، وبين صفة الصلاة، فإن ذلك يتعلق بحال الأداء، لا بحال الوجوب، فإذا سافر في أثناء الوقت، فإن له أن يجمع ويقصر.
وقال الحنابلة: ليس له الترخص، فطردوا أصلهم، قال في الإنصاف: وهو من المفردات، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره المزني (٤).
стр. 10072
لأن الصلاة وجبت في ذمته وقت الحضر، فوجب أن يصليها أربعًا.
ورد عليهم:
بأن هذا ينتقض بمن دخل عليه الوقت في السفر، ثم دخل بلده، فإنكم توجبون عليه الإتمام، مع أنه حين وجبت عليه كان مسافرًا.
والراجح:
هذه المسألة فرع عن مسألة أخرى، وهي: متى يتعين وجوب الصلاة على المكلف، والخلاف في هذه المسألة يتفرع منها مسائل كثيرها، منها:
مسألة البحث، إذا دخل عليه الوقت، ثم سافر، هل له أن يجمع ويقصر أم لا؟
ومنها: هل يمسح مسح مقيم أو مسح مسافر؟
ومنها: إذا دخل الوقت، فطرأ عليه مانع من الصلاة كالحيض، هل يجب على المرأة القضاء إذا طهرت أم لا؟
إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذا الأصل.
وقد تم بحث مسألة: (متى يتعين الوقت وجوبًا لأداء الصلاة؟) في المجلد الثاني من هذا الكتاب، فأغنى ذلك عن إعادة أدلتها.
والراجح:
أن المسافر إذا سافر أثناء الوقت فله الجمع والقصر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
فهذا الخطاب عام، ولم يخص الضرب في أول الوقت ولا في آخره.
стр. 10073
الفصل الثالث في امتناع القصر إذا نسي صلاة حضر فذكرها في سفر أو العكس
المدخل إلى المسألة:
القضاء يحكي الأداء من جهر وإسرار، وقصر وإتمام.
كل جزء من الوقت الموسع صالح لإيقاع الفعل، فإذا خرج الوقت ولم يصلِّ لنوم أو نسيان استقرَّ الفرض في ذمته استقرارًا لا يتغير بتغير حاله.
من ذكر صلاة نسيها صلاها متى ما ذكرها على نحو ما وجبت عليه.
من وجبت عليه صلاة سفرية قضاها ركعتين، أو حضرية قضاها أربعًا، ولا عبرة في وقت القضاء في حضر أو سفر.
من فاتته الصلاة صحيحًا، ثم مرض صلاها على قدر استطاعته، ومن فاتته مريضًا ثم صحَّ قضاها على أتم وجوهها؛ لأن حالة المرض بدل، والبدل لا يؤتى به إلا عند العجز عن المبدل، والقصر ليس بدلًا عن الإتمام.
الناسي والنائم مكلفان في أصح قولي أهل العلم، وإنما سقط عنه الأداء لتعذره، ولذلك صح الصوم منهما، ولم يصح من المجنون.
وجوب القضاء على الناسي فرع عن تعلق الوجوب في الذمة وقت الصلاة، فكان عليه قضاء الصلاة على نحو ما وجبت عليه.
الإجماع منعقد على أن من حدثت له الأهلية بعد خروج الوقت بإسلام أو بلوغ، أو طهارة من حيض لا يجب عليهم القضاء؛ لعدم الوجوب في الوقت.
[م-١١٢٥] اختلف العلماء في الرجل إذا نسي الصلاة أو فاتته في الحضر فذكرها في السفر:
стр. 10074
فقيل: يصلي أربعًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: يصليها صلاة سفر، روي ذلك عن الحسن البصري، والمزني، وعبيد الله العنبري، ورجحه ابن حزم الظاهري (٢).
قال المازري: «قال جمهور الفقهاء: إن من نسي صلاة في الحضر، فذكرها في السفر أنه يقضيها حضرية كما وجبت عليه، خلافًا لداود، والمزني، وإحدى الروايتين عن الحسن … إلى أنها تقضى سفرية» (٣).
قال ابن حزم: «إن نسيها في حضر فذكرها في سفر فإنه يصليها سفرية» (٤).
دليل من قال: يصليها تامة:
الدليل الأول:
الإجماع، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من نسي صلاة في حضر، فذكرها في السفر أن عليه صلاة حضر، إلا ما اختلف فيه الحسن البصري» (٥).
ويجاب:
هو قول عامة أهل العلم، ولكن ليس إجماعًا؛ لأن الخلاف محفوظ، وقد استثنى
стр. 10075
ابن المنذر الحسن البصري، وحفظ القول به عن غيره بعده ممن ذكرت في الأقوال.
الدليل الثاني:
الصلاة واجب موسع، فكل جزء من الوقت الموسع صالح لإيقاع الفعل، فإذا خرج الوقت، ولم يصلِّ لنومٍ أو نسيانٍ استقر وجوبها في ذمته على نحو ما وجبت عليه في الوقت، إن كان في الحضر وجبت عليه حضرية، أو في السفر وجبت عليه ركعتين، وكذا لو كانت جهرية أو سرية قضاها على نحو ما شرعت، ولا ينظر إلى وقت القضاء، ولذلك قال الفقهاء: القضاء يحكي الأداء.
دليل من قال: يصليها ركعتين:
الدليل الأول:
أن الصلاة وجبت عليه بالذكر، والذكر حصل في السفر فيصليها ركعتين.
(ح-٣٤٧٩) روى البخاري من طريق همام، عن قتادة،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فلْيُصَلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
فجعل النبي ﷺ وقتها وقت أدائها، لا الوقت الذي نسيها فيه، أو نام عنها، فكل صلاة تؤدى في سفر، فهي صلاة سفر، وكل صلاة تؤدى في حضر فهي صلاة حضر ولا بد.
ونوقش:
بأن الرجل إذا دخل عليه الوقت، وهو نائم أو ناسٍ حتى خرج وقتها، إما أن يكون دخل وقتها وخرج، وهو غير مكلف، وإما أن يكون مكلفًا، وسقط عنه الأداء للعذر. فإن كان غير مكلف، فكيف يطالب بالقضاء، فالمجنون لو دخل عليه الوقت وخرج، وهو مجنون، ثم زال عنه الجنون لم يخاطب بالقضاء.
وإن كان مكلفًا وقت النوم والنسيان، وإنما سقط الأداء لعذر النسيان، فقد وجبت عليه الصلاة، وهو في الحضر، فيجب أن يقضيها على الصورة التي وجبت عليه في وقتها. وسوف أزيد هذه النقطة توضيحًا فيما بقي إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني:
أن العبرة في وقت الأداء، فمن فاتته صلاة الجمعة، فإنه لا يصليها إلا أربع
стр. 10076
ركعات، ولا يقال: وجبت عليه جمعة فيصليها كما وجبت.
ومن فاتته في حال مرضه صلوات كان حكمها لو صلاها أن يصليها قاعدًا أو مضطجعًا أو مومئا فذكرها في صحته، فإنه لا يصليها إلا قائمًا.
ومن نسي الصلاة وهو صحيح، ثم مرض، صلاها على قدر طاقته، ولو قاعدًا أو مضطجعًا، ولو نسيها، وهو مريض، ثم شفي، قضاها على أتم وجوهها، فالعبرة في وقت الأداء.
ونوقش هذا:
بأن صلاة الظهر بدل عن الجمعة، وحالة المريض بدل عن الواجب، والبدل لا يؤتى به إلا عند العجز عن المبدل، والقصر ليس بدلًا عن الإتمام.
ولأن المريض لا يمكنه فعلها على الوجه الذي وجبت عليه، وفي تأخيرها إلى زمن الصحة تفويت. والمسافر يمكنه فعلها في الحال تامة على حسب ما وجبت عليه.
واختلفوا في الرجل ينسى صلاة سفر، فيذكرها في الحضر:
فقيل: يصليها صلاة مسافر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والقديم من قولي الشافعي (١).
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
أن القضاء يحكي الأداء، وقد وجبت عليه في السفر، فيقضيها على نحو ما وجبت عليه.
وقيل: يصليها أربعًا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
وجه هذا القول:
أن الناسي كالنائم غير مكلف، وهو قول الجمهور، ونسبه النووي لأهل الفقه والأصول (٣).
стр. 10077
فإذا ذكر صلاة سفر في حضر فقد وجبت عليه الصلاة ساعة تذكرها، وقد خوطب بها، وهو في الحضر، فوجب عليه الإتمام.
(ح-٣٤٨٠) فقد روى البخاري من طريق همام، عن قتادة،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فلْيُصَلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
ورواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، والمثنى بن سعيد، عن قتادة به، بلفظ: من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. هذا لفظ سعيد.
ولفظ المثنى: إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليُصَلِّها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (١).
ونوقش:
لا نسلم أن الناسي غير مكلف، فالناسي غير مخاطب بالأداء وقت النسيان، وأما أهلية التكليف فباقية؛ لأن وجوب القضاء فرع عن تعلق الوجوب في الذمة وقت الأداء؛ لأن الصلاة إذا لم تجب في الوقت لم يجب قضاؤها بعد خروجه، فالإجماع منعقد على أن من حدثت له الأهلية بعد خروج الوقت بإسلام أو بلوغ، أو طهارة من حيض لا يجب عليهم القضاء؛ لعدم الوجوب في الوقت، فلما وجب على النائم القضاء إجماعًا دل على أن الصلاة عليه واجبة، وهذا معنى التكليف، سواء اعتبرنا هذا القضاء واجبًا بأمر جديد، أو بالخطاب السابق، فالشرع لم يعتبر النوم والنسيان بمنزلة الجنون، وإنما سقط الأداء عن النائم والناسي لتعذره حال النوم والنسيان، فإذا زال العذر قضى تلك الصلاة، وقضاء الصلاة لا يعني إلا التكليف وقت النوم والنسيان، فمناط التكليف العقل، والنوم والنسيان لا يرفعانه، فلا يوصف النائم بأنه غير عاقل، ولا الناسي كذلك، بخلاف المجنون، فإنه فاقد للعقل، لهذا لم يجب عليه القضاء إذا عاد إليه عقله بعد خروج الوقت، يوضح ذلك أكثر صحة
стр. 10078
الصوم من النائم، ولو كان غير مكلف لم يصح الصوم منه، بخلاف المجنون (١).
فالموانع من الأداء منها ما يرفع الأهلية كالجنون، ومنها ما يرفع أهلية الأداء والقضاء كالصلاة في حق الحائض والنفساء، ومنها ما يسقط الأداء، ولا يسقط القضاء، كالنوم والنسيان للصلاة، وكالصيام في حق الحائض والنفساء.
الوجه الثاني:
أن القصر رخصة، وليس بعزيمة، فإذا زال السفر ذهبت الرخصة.
ولأن علة القصر هي السفر، وقد زال.
ونوقش:
الأصح أن القصر ليس رخصة، وإنما هو سنة ملازمة للسفر، بخلاف الجمع والفطر في السفر فهما رخصة، يستحبان مع الحاجة، وتركهما أفضل مع عدم الحاجة، والله أعلم.
стр. 10079
الفصل الرابع من أحرم بالصلاة في الحضر ثم سافر أو العكس
المدخل إلى المسألة:
ركوب السفينة من المقيم لا يجعله مسافرًا؛ لأن الترخص بأحكام السفر لا تصح بمجرد النية حتى يفارق العمران.
من نوى الظهر ركعتين، وهو في البلد فصلاته باطلة؛ لأنه لا تصح نية القصر، وهو مقيم.
إذا أحرم في الحضر بنية الإتمام ثم نوى القصر بعد أن سارت السفينة وفارقت البلد، لم تصح منه نية القصر؛ لامتناع نية القصر في أول صلاته.
إذا لم تصح نية القصر في أول الصلاة لم تصح في آخرها؛ لأن الصلاة الواحدة لا يصلى بعضها بنية الإتمام وبعضها بنية القصر.
الأصل في الصلاة الإتمام فإذا وجد جزء منها بغير نية القصر وجب إتمامها تغليبًا للأصل.
لا يجوز القصر حتى تقع جميع الصلاة في السفر.
[م-١١٢٦] ومن أوقع بعض صلاته مقيمًا كراكب سفينة، ثم سافر، لم يقصر الصلاة، وبه قال الأئمة الأربعة (١).
стр. 10080
قال النووي: «لو أحرم بالصلاة في سفينة في البلد فسارت، وفارقت البلد وهو في الصلاة، فإنه يتمها صلاة حضر باجماع المسلمين» (١).
وأشار الماوردي إلى وجود خلاف في المسألة إلا أنه وصفه بالشذوذ.
قال في الحاوي: «وهو قول الفقهاء كافة إلا من شذَّ فجوز له القصر» (٢).
وقيل: له أن يقصر الصلاة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
وجه القول بلزوم الإتمام:
الوجه الأول:
الأصل في الصلاة الإتمام، فإذا اجتمع فيها الحضر والسفر وجب الإتمام تغليبًا للحضر.
الوجه الثاني:
أن نية القصر في أول الصلاة لا تصح بالإجماع، وإذا لم تصح في أولها لم تصح في آخرها؛ لأن الصلاة الواحدة لا يصلى بعضها بنية الإتمام وبعضها بنية القصر، فإذا وجد في الصلاة جزء منها لا تجوز فيه نية القصر وجب إتمامها، فلا يجوز القصر حتى تقع جميع الصلاة في السفر.
وجه من قال: له أن يقصر:
الأصح أن القصر لا يحتاج إلى نية، فإذا لم تجب نية القصر في أول الصلاة، لم يمتنع أن ينوي القصر في أثناء الصلاة.
ولأن الرجل لو دخل في الصلاة بنية القصر ثم نوى الإقامة في أثناء الصلاة، لزمه الإتمام، ولا يضره كون جزء من صلاته صلاها بنية القصر، فكذلك العكس.
стр. 10081
ويناقش:
هذا الدليل مبني على مسألتين: كون القصر لا يحتاج إلى نية، وكون الرجل يصح منه الانتقال من القصر إلى الإتمام أثناء الصلاة فيصح العكس.
هاتان المسألتان لا دليل فيهما على مسألتنا:
أما كون القصر لا يحتاج إلى نية فهذا يقال في رجل يصح منه نية القصر، أما في مسألة الباب فهو في رجل يحرم عليه نية القصر عند افتتاح الصلاة، فكيف تريد من هذه النية المبطلة لصلاته أن تنسحب على كل صلاته، وهو في جزء من صلاته حين كان مقيمًا كان ممنوعًا من هذه النية.
وأما القياس على صحة الانتقال من القصر إلى الإتمام، فنية الإتمام من المسافر لا تبطل صلاته على الصحيح، بخلاف نية القصر للرجل إذا أحرم، وهو مقيم؛ فإن صلاته لا تنعقد، فلا يصح القياس.
وإن أحرم بالصلاة مسافرًا ثم أقام، عكس المسألة السابقة:
فقال الجمهور: يتم الصلاة، ويبني على ما صلى (١).
وقال المالكية: إذا افتتح الصلاة بنية القصر ثم أقام، فإن كان قد صلى ركعة سجد فيها أتمها اثنتين، وكانت نفلًا، ولم تجز حضرية ولا سفرية، وإلا قطعها (٢).
وحمل أبو بكر الأبهري وابن الجلاب: هذا على سبيل الاستحباب، فلو بنى
стр. 10082
على صلاته، وأتمها أجزأته صلاته. قال ابن عبد البر: هو عندي كما قالا؛ لأنها ظهر، سفرية كانت أو حضرية (١).
وجه قولهم: أنه لما دخل بلاده أصبح مقيمًا، فامتنع القصر.
ولم تصح حضرية إن أتمها أربعًا؛ لعدم دخولها عليها.
ويناقش:
ما المانع أن ينتقل من القصر إلى الإتمام، غاية ما في ذلك أن النية تتعلق بعدد الركعات، لا بتعيين الفرض، ونية عدد الركعات ليس بفرض في أصح قولي أهل العلم.
ورد هذا:
لو جاز هذا لجاز في حق من أحرم، وهو مقيم، ثم سافر أن ينتقل إلى القصر، وهذا غير جائز، فكذلك العكس.
وأجيب بوجهين:
الوجه الأول:
إذا أحرم بنية القصر، وهو مقيم لم تنعقد صلاته، فضلًا أن يقال بصحة الانتقال إلى القصر أثناء الصلاة، بخلاف الانتقال من القصر إلى الإتمام، فالإتمام نفسه يصح من المسافر، وإن كان خلاف السنة، فالانتقال إليه لا محظور فيه.
ولو دخل المسافر في الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإقامة في أثناء الصلاة لزمه الإتمام على الصحيح، ولم تبطل صلاته على الأصح؛ فكذلك هنا.
ولو دخل يظن إمامه مسافرًا، فبان مقيمًا، تابعه وصلى أربعًا، وصحت صلاته، فكذلك هنا.
ولأن نية الزيادة في عدد الركعات وإن حدثت أثناء الصلاة إلا أنها حدثت في وقت يجب عليه الإتمام فصحت صلاته، والله أعلم.
الوجه الثاني:
أن مقتضى القياس: أن يتم صلاته على ما أحرم به، فإذا أحرم، وهو حاضر لم
стр. 10083
ينتقل إلى القصر، وإذا أحرم، وهو مسافر بنية القصر لم ينتقل إلى الإتمام؛ لأنه شرع في العبادة على وجه مأذون له فيه فليتمه على الوجه الذي بدأه به، ولا ينتقل عنه، هذا هو مقتضى القياس.
وقياسًا على من وجبت عليه كفارة التخيير، فشرع في الصيام لعدم قدرته على الإعتاق، ثم وجدت القدرة أثناء الصيام لا يكلف الانتقال.
وهذا يعكر عليه أمران:
أحدهما: أنني لم أقف على قول لأحد من أهل العلم يقول: إذا أحرم بالصلاة وهو مسافر، ثم أقام أنه يتمها قصرًا، فإن كان قد قيل به فله وجه، وإن كان قد قيل في عكسها، وهو أولى بالمنع: أعني: إذا أحرم بالصلاة، وهو مقيم، ثم سافر، فالجمهور يتمها أربعًا، وقد قيل: إن له أن يصليها ركعتين، وهو قول عند الحنابلة.
الأمر الثاني: أن من شرع في التيمم فدخل في الصلاة، فحضر الماء بطلت صلاته، مع أنه دخل في الصلاة على وجه مأذون، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة.
وقد قيل: يمضي في صلاته مطلقًا، وهو مذهب المالكية.
وقيل: يمضي في صلاته، إن كان تيممه في السفر، وهو مذهب الشافعية، والله أعلم (١).
الراجح:
أن من دخل في الصلاة مقيمًا ثم سافر، أو كان مسافرًا ثم أقام أنه يتمها أربعًا، والله أعلم.
стр. 10084
الفصل الخامس في امتناع القصر لتعليق النية
المدخل إلى المسألة:
الأصل في تعليق نية العبادة المنع عند الجمهور إلا في قول المأموم: (إن قصر قصرت).
هناك فرق بين تعليق نية الصلاة وبين تعليق نية القصر؛ فالأولى شرط، بخلاف الثانية؛ لتعلقها بعدد ركعات الصلاة، لا بكنه الفرض.
استحضار المصلي لعدد الركعات في نية الصلاة عند الإحرام ليس بشرط.
نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر.
من صحح تعليق نية القصر احتج بالعمل بالظاهر، وذلك أن الظاهر من حال الإمام المسافر القصر، لهذا جوز التعليق.
لا يمكن العلم بنية الإمام، والواجبات تناط بالقدرة، لهذا جاز التعليق.
من العلماء من يبطل العبادة بتعليق النية مطلقًا؛ لأن شرط العبادة عنده أن تكون النية جازمة، ومنهم من يجيزه مطلقًا، ومنهم من يجيزه إن استند إلى أصل أو ظاهر، كما لو اقتدى بمسافر شك، أهو قاصر أو متم، فقال: إن قصر قصرت، ومثله لو قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، ولا يقدر إلا على هذا.
إذا كان الأصل في صلاة السفر القصر، لأن النبي ﷺ لم يحفظ عنه أنه أتم في سفره مطلقًا، لم يضر المصلي تعليق النية استنادًا إلى هذا الأصل.
إذا لم يلزم المصلي نية الإتمام لم يلزمه نية القصر، وإذا لم تكن نية القصر شرطًا في صحة القصر لم يضر المصلي تعليق نية القصر.
نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر، وإذا صح الفرض إذا عرى من نية القصر لم يضره تعليق نية القصر.
стр. 10085
[م-١١٢٧] إذا دخل المأموم الصلاة خلف الإمام، وعلق النية بقوله: إن قصر الإمام قصرت، وإن أتم أتممت:
فقيل: يصح التعليق، مطلقًا، ولو كان يجهل حال الإمام أهو مسافر أم مقيم، وهو مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية وابن القيم (١).
قال خليل في مختصره: «وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام» (٢).
وقيل: يصح التعليق بشرط أن يعلم أن إمامه مسافر، أو يظنه ولو بأمارة وعلامة كهيئة لباس، فإن شك في سفره لزمه الإتمام. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣).
قال النووي: «ولو جهل نية إمامه المسافر فعلق عليها فقال: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت، فوجهان مشهوران: أصحهما صحة التعليق فإن أتم الإمام أتم وإن قصر قصر» (٤).