← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

ويناقش: هذا الدليل مبني على مسألتين: كون القصر لا يحتاج إلى نية، وكون الرجل يصح منه الانتقال من القصر إلى الإتمام أثناء الصلاة فيصح العكس. هاتان المسألتان لا دليل فيهما على مسألتنا: أما كون القصر لا يحتاج إلى نية فهذا يقال في رجل يصح منه نية القصر، أما في مسألة الباب فهو في رجل يحرم عليه نية القصر عند افتتاح الصلاة، فكيف تريد من هذه النية المبطلة لصلاته أن تنسحب على كل صلاته، وهو في جزء من صلاته حين كان مقيمًا كان ممنوعًا من هذه النية. وأما القياس على صحة الانتقال من القصر إلى الإتمام، فنية الإتمام من المسافر لا تبطل صلاته على الصحيح، بخلاف نية القصر للرجل إذا أحرم، وهو مقيم؛ فإن صلاته لا تنعقد، فلا يصح القياس. وإن أحرم بالصلاة مسافرًا ثم أقام، عكس المسألة السابقة: فقال الجمهور: يتم الصلاة، ويبني على ما صلى (١). وقال المالكية: إذا افتتح الصلاة بنية القصر ثم أقام، فإن كان قد صلى ركعة سجد فيها أتمها اثنتين، وكانت نفلًا، ولم تجز حضرية ولا سفرية، وإلا قطعها (٢). وحمل أبو بكر الأبهري وابن الجلاب: هذا على سبيل الاستحباب، فلو بنى

стр. 10082

على صلاته، وأتمها أجزأته صلاته. قال ابن عبد البر: هو عندي كما قالا؛ لأنها ظهر، سفرية كانت أو حضرية (١). وجه قولهم: أنه لما دخل بلاده أصبح مقيمًا، فامتنع القصر. ولم تصح حضرية إن أتمها أربعًا؛ لعدم دخولها عليها. ويناقش: ما المانع أن ينتقل من القصر إلى الإتمام، غاية ما في ذلك أن النية تتعلق بعدد الركعات، لا بتعيين الفرض، ونية عدد الركعات ليس بفرض في أصح قولي أهل العلم. ورد هذا: لو جاز هذا لجاز في حق من أحرم، وهو مقيم، ثم سافر أن ينتقل إلى القصر، وهذا غير جائز، فكذلك العكس. وأجيب بوجهين: الوجه الأول: إذا أحرم بنية القصر، وهو مقيم لم تنعقد صلاته، فضلًا أن يقال بصحة الانتقال إلى القصر أثناء الصلاة، بخلاف الانتقال من القصر إلى الإتمام، فالإتمام نفسه يصح من المسافر، وإن كان خلاف السنة، فالانتقال إليه لا محظور فيه. ولو دخل المسافر في الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإقامة في أثناء الصلاة لزمه الإتمام على الصحيح، ولم تبطل صلاته على الأصح؛ فكذلك هنا. ولو دخل يظن إمامه مسافرًا، فبان مقيمًا، تابعه وصلى أربعًا، وصحت صلاته، فكذلك هنا. ولأن نية الزيادة في عدد الركعات وإن حدثت أثناء الصلاة إلا أنها حدثت في وقت يجب عليه الإتمام فصحت صلاته، والله أعلم. الوجه الثاني: أن مقتضى القياس: أن يتم صلاته على ما أحرم به، فإذا أحرم، وهو حاضر لم

стр. 10083

ينتقل إلى القصر، وإذا أحرم، وهو مسافر بنية القصر لم ينتقل إلى الإتمام؛ لأنه شرع في العبادة على وجه مأذون له فيه فليتمه على الوجه الذي بدأه به، ولا ينتقل عنه، هذا هو مقتضى القياس. وقياسًا على من وجبت عليه كفارة التخيير، فشرع في الصيام لعدم قدرته على الإعتاق، ثم وجدت القدرة أثناء الصيام لا يكلف الانتقال. وهذا يعكر عليه أمران: أحدهما: أنني لم أقف على قول لأحد من أهل العلم يقول: إذا أحرم بالصلاة وهو مسافر، ثم أقام أنه يتمها قصرًا، فإن كان قد قيل به فله وجه، وإن كان قد قيل في عكسها، وهو أولى بالمنع: أعني: إذا أحرم بالصلاة، وهو مقيم، ثم سافر، فالجمهور يتمها أربعًا، وقد قيل: إن له أن يصليها ركعتين، وهو قول عند الحنابلة. الأمر الثاني: أن من شرع في التيمم فدخل في الصلاة، فحضر الماء بطلت صلاته، مع أنه دخل في الصلاة على وجه مأذون، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة. وقد قيل: يمضي في صلاته مطلقًا، وهو مذهب المالكية. وقيل: يمضي في صلاته، إن كان تيممه في السفر، وهو مذهب الشافعية، والله أعلم (١). الراجح: أن من دخل في الصلاة مقيمًا ثم سافر، أو كان مسافرًا ثم أقام أنه يتمها أربعًا، والله أعلم.

стр. 10084

الفصل الخامس في امتناع القصر لتعليق النية المدخل إلى المسألة: الأصل في تعليق نية العبادة المنع عند الجمهور إلا في قول المأموم: (إن قصر قصرت). هناك فرق بين تعليق نية الصلاة وبين تعليق نية القصر؛ فالأولى شرط، بخلاف الثانية؛ لتعلقها بعدد ركعات الصلاة، لا بكنه الفرض. استحضار المصلي لعدد الركعات في نية الصلاة عند الإحرام ليس بشرط. نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر. من صحح تعليق نية القصر احتج بالعمل بالظاهر، وذلك أن الظاهر من حال الإمام المسافر القصر، لهذا جوز التعليق. لا يمكن العلم بنية الإمام، والواجبات تناط بالقدرة، لهذا جاز التعليق. من العلماء من يبطل العبادة بتعليق النية مطلقًا؛ لأن شرط العبادة عنده أن تكون النية جازمة، ومنهم من يجيزه مطلقًا، ومنهم من يجيزه إن استند إلى أصل أو ظاهر، كما لو اقتدى بمسافر شك، أهو قاصر أو متم، فقال: إن قصر قصرت، ومثله لو قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، ولا يقدر إلا على هذا. إذا كان الأصل في صلاة السفر القصر، لأن النبي ﷺ لم يحفظ عنه أنه أتم في سفره مطلقًا، لم يضر المصلي تعليق النية استنادًا إلى هذا الأصل. إذا لم يلزم المصلي نية الإتمام لم يلزمه نية القصر، وإذا لم تكن نية القصر شرطًا في صحة القصر لم يضر المصلي تعليق نية القصر. نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر، وإذا صح الفرض إذا عرى من نية القصر لم يضره تعليق نية القصر.

стр. 10085

[م-١١٢٧] إذا دخل المأموم الصلاة خلف الإمام، وعلق النية بقوله: إن قصر الإمام قصرت، وإن أتم أتممت: فقيل: يصح التعليق، مطلقًا، ولو كان يجهل حال الإمام أهو مسافر أم مقيم، وهو مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية وابن القيم (١). قال خليل في مختصره: «وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام» (٢). وقيل: يصح التعليق بشرط أن يعلم أن إمامه مسافر، أو يظنه ولو بأمارة وعلامة كهيئة لباس، فإن شك في سفره لزمه الإتمام. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣). قال النووي: «ولو جهل نية إمامه المسافر فعلق عليها فقال: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت، فوجهان مشهوران: أصحهما صحة التعليق فإن أتم الإمام أتم وإن قصر قصر» (٤).

стр. 10086

وقيل: لا يصح القصر للشك، وهو وجه في مذهب الشافعية (١). دليل من قال: بصحة التعليق مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٤٨١) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى ﵁ قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو بالبطحاء، فقال: أحججت، قلت: نعم، قال: بما أهللت، قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ .... الحديث (٢). وجه الاستدلال: فهذا علي ﵁ علق إحرامه بما أحرم به النبي ﷺ ، وصح إحرامه. وأجيب: بأن الحج لا يفتقر إلى تعيين النية، فإذا أطلق المحرم نية الحج انصرف إلى الحجة المفروضة إجماعًا، والصلاة إذا أحرم بلا تعيين لم يجزه عن الفرض إجماعًا حتى يعين أي صلاة يصلي. والحج قد اختص بأحكام لا يشبه غيره من العبادات، فارتكاب المحظورات فيه لا تفسده إلا الجماع قبل التحلل الأول، ويمضي في فاسده بخلاف غيره، ويقضيه من السنة القادمة، ولو أراد الخروج من النسك لم يخرج، وصح في الحج تغيير النسك بعد التلبس فيه، فقد أمر النبي ﷺ أصحابه ممن لم يسق الهدي بعد أن طافوا طواف القدوم، وسعوا سعي الحج، أن يقلبوا ذلك إلى عمرة، مع أن طواف القدوم سنة، وقد قلبه إلى ركن في العمرة، وانقلب السعي من كونه سعيًا للحج إلى كونه سعيًا للعمرة، وكل ذلك بعد الفراغ من العبادة. الدليل الثاني: (ح-٣٤٨٢) ما رواه مسلم من طريق عمرو بن هرم، عن سعيد بن جبير، وعكرمة، عن ابن عباس ﵄، أن ضباعة أرادت الحج، فأمرها النبي ﷺ أن

стр. 10087

تشترط، ففعلت ذلك عن أمر رسول الله ﷺ (١). ورواه الدارمي والنسائي والطحاوي في المشكل من طريق ثابت بن يزيد الأحول، قال: حدثنا هلال بن خباب، قال: فحدثت عكرمة، فحدثني عن ابن عباس، أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أريد أن أحج، فكيف أقول؟ قال: قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي حيث تحبسني؛ فإن لك على ربك ما استثنيت. [تفرد ثابت بن يزيد، عن هلال بقوله: (فإن لك على ربك ما استثنيت) ورواه عباد بن العوام عن هلال، وليس فيه هذا الحرف] (٢). وأخرجه الشيخان من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي، قولي: اللهم محلي حيث حبستني (٣). وجه الاستدلال: قال ابن القيم «شرع الله لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير وقد شكت إليه وقت الإحرام، فقال: (حجي واشترطي على ربك فقولي: إن حبسني حابس فمحلي

стр. 10088

حيث حبستني، فإن لك ما اشترطت على ربك) … » (١). ويجاب: بما أجيب به عن الدليل السابق، بأن الحديث ورد في النسك. الدليل الثالث: (ح-٣٤٨٣) روى الإمام البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كالسورة من القرآن وذكر فيه: … اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، ويسمي حاجته (٢). فالعبد علق طلب الإجابة بالشرط لخفاء الخيرة فيه. الدليل الرابع: (ح-٣٤٨٤) ما رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيُّمَا أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورًا، وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة (٣). وذكر في الحديث قصة. وجه الاستدلال: قال ابن القيم: وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق (٤). الدليل الخامس: (ح-٣٤٨٥) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة: حدثنا ثابت البناني،

стр. 10089

عن أنس بن مالك ﵁، قال النبي ﷺ : لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي (١). دليل من قال: يصح التعليق إذا غلب على ظنه أن الإمام مسافر: الدليل الأول: لما كان الظاهر من حال الإمام المسافر القصر، وكان للمأموم في مثل هذه الحالة أن يدخل معه بنية القصر، صار قول المأموم: إن قصر قصرت: تصريح بالمقتضي، فإن أتم الإمام لزمه الإتمام كما لو دخل بنية القصر، ثم نوى الإتمام في أثناء الصلاة. جاء في المنثور في القواعد: «الظاهر من حال المسافر القصر، فاستندت نية القصر إلى هذا الظاهر فصح التعليق» (٢). الدليل الثاني: الاستدلال بالظاهر بالشرع جائز خاصة إذا كان الظاهر قويًّا، وأحيانًا يقدم على الأصل لقوته، والظاهر أن المأموم إذا علم أو ظن أن إمامه مسافر بأمارة وعلامة كهيئة ولباس أنه يقصر الصلاة؛ لأن القصر من السنن التي داوم عليها النبي ﷺ في سفره فصح التعليق؛ لتأييد الظاهر له. الدليل الثالث: أن هذا غاية ما يمكن أن يفعله؛ لأن الوقوف على نية الإمام متعذر، والواجبات منوطة بالقدرة، فهذا غاية ما يمكن أن يفعله، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال القاضي حسين: «لأن أداء القصر جماعة لا يمكن إلا هكذا؛ إذ لا يمكنه الإطلاع على نية الإمام … ولو شك في حال إمامه أنه مقيم أو مسافر، يلزمه الإتمام،

стр. 10090

وإن بان مسافرًا» (١). قال المرداوي: «ويشترط أيضًا: أن يعلم أن إمامه إذن مسافر، ولو بأمارة وعلامة كهيئة لباس؛ لأن إمامه نوى القصر عملًا بالظن؛ لأنه يتعذر العلم، ولو قال: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت: لم يضر» (٢). دليل من قال: لا يصح الدخول بنية: إن قصر قصرت: قالوا: كل عبادة يشترط لصحتها النية، فإنه يجب الجزم بها؛ لأنها شرط لانعقادها؛ لقوله ﷺ : إنما الأعمال بالنيات. وأن يستصحب ذلك في كل الصلاة، وأن كل ما ينافي الجزم فإنه يبطلها، والتعليق في النية يبطلها للتردد فيها، والنية في العبادة يجب أن تكون ناجزة. وأجيب: بأن النية لم يتردد فيها، فهو قد جزم بأنها الظهر أو العصر، وإنما تردد في عدد ركعاتها، وذلك لا يضر، فنية القصر ليست شرطًا، وقد بحثت حكم اشتراط النية في القصر فارجع إليه مشكورًا. الراجح: صحة التعليق، ولو كان لا يعلم أن إمامه مسافر، فإن علم أن إمامه مقيم ودخل بنية القصر بطلت نيته ولم تبطل صلاته، ولزمه الإتمام؛ لأن نية القصر من المسافر لا تبطل صلاته، نعم لو كان مقيمًا ونوى القصر بطلت صلاته؛ لتلاعبه، والله أعلم.

стр. 10091

الباب الرابع ما ينتهي به السفر الفصل الأول العود إلى الوطن المبحث الأول العود إلى البلد لا لغرض المدخل إلى المسألة: منتهى القصر في الدخول هو مبدؤه في الخروج. كل موضع يشترط مفارقته للترخص، إذا بلغه المسافر في عودته امتنع الترخص. الإقامة في الوطن الأصلي لا تحتاج إلى نية بخلاف السفر؛ لأن الإقامة هي الأصل. المسافر كما يلزمه الإتمام حتى يفارق العمران، فكذلك في حال العودة له أن يقصر حتى يدخل عمران بلده. [م-١١٢٨] لو أقام المسافر في بلد إقامةً تمنعه من الترخص على مذهب من يقول: ينقطع حكم السفر إذا أجمع على الإقامة مدة معينة، فإذا خرج منه، واستأنف القصر ثم رجع إلى هذا البلد، فهل يكون الحكم كما لو رجع إلى موطنه الأصلي؟ فقيل: يترخص حتى فيه، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (١).

стр. 10092

وقيل: لا يترخص، كما لو كانت وطنًا له، وهو وجه في مذهب الشافعية (١). وأما إذا عاد المسافر إلى بلده الأصلي لا لغرض ودخل العمران فإنه لا يقصر قولًا واحدًا (٢). وقولي: (لا لغرض) واحترازًا من العود إلى بلده لحاجة نسيها أو لكونه مجتازًا إلى بلد آخر بلا نية إقامة، وسوف يأتي البحث في حكمهما إن شاء الله تعالى. وإشارة إلى أن مجرد عوده ينهي حكم سفره، ولا تشترط نية الإقامة؛ لأن الإقامة لا تحتاج إلى نية بخلاف السفر. قال الماوردي: «وجب عليه الإتمام إذا دخل بنيان بلده عند قدومه من سفره إجماعًا» (٣). واختلفوا إذا قارب البلد، هل ينقطع سفره؟ فقال الجمهور: يقصر، ما لم يدخل عمران البلد. جاء في بدائع الصنائع في بيان ما يصير المسافر به مقيمًا، ثم ذكر منها: «الدخول إلى الوطن، فالمسافر إذا دخل مصره صار مقيمًا … لأن مصره متعين للإقامة» (٤). قال الشافعية: الضابط فيه: أن يرجع إلى الموضع الذي شرطنا مفارقته في إنشاء

стр. 10093

السفر منه، فبمجرد وصوله تنقطع الرخص (١). وقال في تحفة المحتاج: «إذا رجع المسافر المستقل من مسافة قصر إلى وطنه مطلقًا، أو إلى غيره بنية الإقامة انتهى سفره ببلوغه ما شرط مجاوزته ابتداء» (٢). وقال مالك: إذا كان قريبًا من البلد لم يقصر، ولم يحد في القرب حدًّا إلا أنه أقلُّ من الميل (٣). قال مالك في البيان والتحصيل جوابًا على سؤال: « … يقصر الصلاة إلا إن كان قريبًا من القرية. فقيل له: فما حدُّ القرب؟ قال: ما نجد في ذلك حدًّا، وإنما يحد في مثل هذا أهل العراق» (٤). قال ابن عبد البر: «هذا تحصيل مذهبه عند جمهور أصحابه» (٥). ولم يرتضيه بعض المالكية، قال ابن عبد السلام: لا فرق بين الخروج والرجوع. وقال ابن الحاجب: «والقصر إليه كالقصر منه» (٦). قال خليل شارحًا قول ابن الحاجب: «يعني: منتهى القصر في الدخول هو مبدأ القصر في الخروج» (٧). ورده خليل، فقال: «وما ذكره المصنف مخالف لظاهر الرسالة؛ إذ فيها:

стр. 10094

ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء. ثم قال: ولا يزال يقصر حتى يدخل بيوت القرية أو يقاربها. وكذلك قال في المدونة، وظاهرهما أن مبدأ القصر خلاف منتهاه» (١). قال محمد بن الحسن: «ليست المقاربة بشيء، يقصر الصلاة حتى يدخل البيوت، كما أنه يتمها حتى يخرج من البيوت» (٢). وقال ابن الماجشون: حتى يدخل إلى أهله. وفي المجموعة: حتى يدخل منزله (٣). وجهه: أنهم شرطوا في الخروج مجاوزة البلد؛ لأنها مظنة العوائق، بخلاف الرجوع. ولابن حبيب: يقصر ويتم إلى الحد الذي يلزمه منه الإتيان إلى الجمعة (٤). وجهه: أن الجمعة لا تجب على المسافر، فإذا وجبت الجمعة على من كان خارج البلد فهو في حكم المقيم في البلد، فإذا بلغ ذلك صار مقيمًا؛ لوجوب الجمعة عليه لو أقام في موضعه. واستدل الجمهور على أنه يقصر إلى أن يدخل عمران بلده: (ح-٣٤٨٦) بما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. فظاهر قوله: (حتى رجعنا إلى المدينة) والمدينة تطلق على عامرها، فما حول المدينة ليس منها. لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١].

стр. 10095

فجعل من حول المدينة من الأعراب ليسوا من أهل المدينة. (ث-٩٥٦) روى عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة حين يخرج من بيوت المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخل بيوتها. [عبد الله بن عمر في حفظه شيء]. (ث-٩٥٧) وروى عبد الرزاق الصنعاني، عن الثوري عن داود، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، أن عليًّا لما خرج إلى البصرة رأى خُصًّا، فقال: لولا هذا الخصُّ لصلينا ركعتين. فقلت: ما خُصًّا؟ قال: بيت من قصب. وفي رواية ابن علية عن داود به، قال: لو كنت جاوزت هذا الخُصَّ لم أزد على ركعتين، ورواه عبد الوهاب عن داود بنحوه. [رجاله ثقات إلا أنه مرسل أبو حرب لم يسمع من علي]. فما كان مجاوزته شرطًا للترخص، فإن عودة المسافر إليه تمنع من الترخص، كما قال الشافعية: ينتهي سفره ببلوغه ما شرط مجاوزته في الابتداء، والله أعلم. والراجح: قول الجمهور.

стр. 10096

المبحث الثاني العود إلى الوطن لحاجة نسيها المدخل إلى المسألة: الرجوع لحاجة نسيها ليس رجوعًا عن السفر، فلا يسقط حكمه ما لم يدخل وطنه. إذا كان المسافر يقصر لمفارقته العمران فالعائد لحاجة نسيها لا يزال يقصر ما دام مفارقًا للعمران حتى يدخل العمران. كون الإياب لا يعد من مسافة السفر لا يعني عدم الترخص فيه. الذهاب لا يضم إلى الإياب في مسافة السفر، لا في الترخص. من قصر ثم رجع قبل استكمال المسافة لا يعيد الصلاة؛ لأن المعتبر نية مسافة القصر لا حقيقتها. [م-١١٢٩] إذا شرع الرجل في السفر، ثم بدا له الرجوع لحاجة نسيها، وكان الرجوع إلى وطنه الأصلي (١)، وهل يقصر في عودته؟ فقيل: لا يقصر في رجوعه إلا أن تكون مسافة الرجوع يقصر فيها الصلاة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وبه قال إسحاق (٢).

стр. 10097

قال ابن قدامة: «ولا يقصر في رجوعه إلا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة في نفسها» (١). وقال النووي: «هذا كله -يعني: عدم القصر- إذا لم يكن من موضع الرجوع إلى الوطن مسافة القصر، فإن كانت فهو مسافر مستأنف، فيترخص بلا خلاف» (٢). وقيل: يقصر في رجوعه مطلقًا، ما لم يدخل بيوت القرية، اختاره ابن الماجشون من المالكية، وحكاه في الموازية عن مالك، وهو وجه في مذهب الشافعية، وصفه النووي بالشذوذ، وقول في مذهب الحنابلة، قواه المجد، ورجحه شيخ الإسلام (٣).

стр. 10098

جاء في شرح الخرشي: «قال ابن الماجشون إذا رجع لشيء نسيه يقصر؛ لأنه لم يرفض سفره، وهذا إن لم يدخل وطنه وإلا فلا شك في إتمامه» (١). وقال النووي: «وحكى البندنيجي والرافعي وجهًا أنه يترخص في رجوعه، لا في البلد، وهو شاذ ضعيف» (٢). وجه من قال: لا يقصر: الوجه الأول: أن سيره في الرجوع غير سيره للخروج، فلا يضاف أحدهما إلى الآخر، وإذا

стр. 10099

لم يضف الرجوع إلى السير وجب أن يتم في الرجوع إذا كانت المسافة بينهما أقل من مسافة القصر، ولو جاز هذا لجاز القصر لمن خرج لسفر مبلغه بريدان، ونيته أن يعود من فوره؛ وإنما منع من القصر؛ لأجل أن الذهاب لا يضم إلى الإياب. الوجه الثاني: أن هذا الرجل لما نوى الرجوع انقطع سفره إلى جهته التي خرج إليها، فإذا شرع في الرجوع نظر، فإن كان وطنه يبعد عنه مسافة سفر كان سفرًا مستأنفًا، فكان له أن يقصر، وقياسًا على المسافر إذا سافر حتى بلغ غايته من سفره، فإنه يقصر في رجوعه إلى أن يدخل بلده، فكذلك هذا، يقصر في رجوعه حتى يدخل بلده. وإن كانت المسافة بينه وبين وطنه لا تبيح القصر لم يقصر لا في مقامه، ولا في عودته؛ لأنه حين قطع سفره صار مقيمًا في موضعه، فامتنع القصر. ويناقش: كونه قطع سفره إلى جهته التي خرج إليها هذا واضح، أما كونه ينقطع سفره حال إقامته مع أنه قد قطع مسافة قصر، ولم ينو في موضعه إقامة مانعة من القصر فهذا غير مفهوم، فبقاؤه في موضعه له حكم السفر كرجوعه إلى وطنه. وجه من قال: يقصر: الوجه الأول: أن الرجوع لحاجة نسيها ليس رجوعًا عن السفر، فلا يسقط حكمه. الوجه الثاني: المسافر إذا لم ينو إقامة فهو باق على حكم سفره ما لم يدخل البلد. الوجه الثالث: الذهاب لا يضم إلى الإياب في مسافة السفر، لا في الترخص. الوجه الرابع: إذا كان المسافر يقصر بشرطين: نية السفر، ومفارقة العمران، فالعائد لحاجة نسيها لم يقطع نية السفر، ولا يزال مفارقًا للعمران، فالشرطان متوفران في حقه،

стр. 10100

فيقصر حتى يدخل العمران. الراجح: الراجح أن من قطع سفره في أثناء سفره، فإن كان لم يقطع مسافة تبيح القصر لم يقصر لا في موضعه، ولا في رجوعه، وإن قطع مسافة تبيح القصر، فإنه يقصر في موضعه وفي رجوعه ما لم يدخل بلده، أو ينوي إقامة مطلقة في موضعه، والله أعلم.

стр. 10101

المبحث الثالث العود إلى الوطن مجتازًا المدخل إلى المسألة الإقامة لا تحتاج إلى نية بخلاف السفر. الوصول إلى البلد مانع من القصر سواء أنوى الإقامة أم لا. المسافر لا يكون مسافرًا إلا إذا فارق العمران وفارق أسواره إن وجدت. إذا وصل المسافر إلى بلده صار مقيمًا، فيمتنع القصر، ولو كان مجتازًا. لا ينقطع حكم السفر بالوصول إلى البلد ما لم يدخل عمرانه، أو يتجاوز سوره إلى الداخل، كما أنه لا يصير مسافرًا إلا بمفارقة ذلك. كل ما شرط مجاوزته إلى الخارج ليتحقق السفر، فهو شرط لانتهاء السفر بمجاوزة ذلك إلى الداخل. الوصول إلى سور البلد في العودة لا يكفي لانتهاء القصر ما لم يتجاوزه داخلًا، كما أن الوصول إليه في حال السفر لا يكفي للقصر حتى يتجاوزه خارجًا. [م-١١٣٠] إذا كان الرجل في موضع غير بلده، وأراد أن يسافر منه إلى بلد آخر، كما لو كان رجل من أهل القصيم في الرياض فأراد أن يسافر منه إلى المدينة، فمرَّ على القصيم مجتازًا، فأدركته الصلاة فيه، فهل يقصر الصلاة؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: لا يقصر، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (١).

стр. 10102

جاء في بدائع الصنائع: «المسافر إذا دخل مصره صار مقيمًا، سواء دخلها للإقامة أو للاجتياز أو لقضاء حاجة، والخروج بعد ذلك» (١). وقال في تحفة المحتاج: «انتهى سفره ببلوغ ما شرط مجاوزته ابتداء من سور أو غيره، وإن لم يدخله» (٢). ولا يتقيد الوصول إلى الوطن بأن يكون رجع إلى المكان الذي خرج منه (٣). جاء في الإنصاف: «لو مر بوطنه أتم مطلقًا على الصحيح من المذهب، ونص عليه» (٤). وقيل: يقصر مطلقًا إذا كان مارًّا، ولم يدخل، ولو حاذاه، وهذا مذهب المالكية (٥). قال في التوضيح: «إنما يمنع المرور بشرط دخوله أو نية دخوله، لا إن اجتاز فقط» (٦). وفي حاشية الدسوقي: «(وقطعه دخول وطنه أو مكان زوجة): أي: وأما مجرد المرور بهما من غير دخول فلا يقطع حكم السفر، ولو حاذاه … والمراد بالمكان: البلد التي هي بها، لا خصوص المنزل التي هي به» (٧). وحتى نفهم مذهب المالكية، فالمالكية قد انفردوا بالقول بأن القرب من البلد إذا

стр. 10103

عاد لوطنه مانع من القصر، ولو لم يدخل البلد، ولم يحدوا في القرب حدًّا، إلا أنه أقل من ميل، وعليه فالمرور بالبلد إن كان بدخوله منع ذلك من القصر كقول الجمهور، وإن قرب منه قربًا يمنع من القصر لو كان في غير المرور، فإن القصر لا يمنع منه في حال المرور ما لم يدخله، هذا مذهب المالكية (١). وهذا التفريق بين الدخول والقرب شاهد على ضعف القول بأنه إذا رجع إلى وطنه لم يقصر إذا قرب منه، ولو لم يدخله. وقيل: يقصر مطلقًا، وهو وجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢). جاء في مسائل أحمد رواية عبد الله: لو أن مسافرًا ورد على أهله أمسك عن الطعام وأتم الصلاة إلا أن يكون مارًّا» (٣). وجاء في الإنصاف: «وعنه يقصر، إذا لم يكن له حاجة سوى المرور» (٤).

стр. 10104

وجه من قال: يتم مطلقًا: لا يشترط في الإقامة نية الإقامة، فالوصول إلى البلد مانع من القصر سواء أنوى الإقامة أم لا. وجه من قال: يقصر مطلقًا: أن هذا المسافر لم ينو إقامة في بلده، فلا ينقطع سفره بمجرد المرور به. ورد هذا: لا يشترط في الإقامة نية الإقامة، بخلاف السفر. وجه من قال بالتفريق بين دخول البلد وبين المرور به من غير دخول: أن حكم السفر لا ينتهي إلا بدخول العمران، كما أنه لا يصير مسافرًا إلا بخروجه منه، فلا ينقطع حكم السفر بالوصول إلى البلد إذا لم يدخل عمرانه، وإن كان له سور فيشترط أن يتجاوز سوره إلى الداخل، كما أنه لا يقصر حتى يتجاوز سوره إلى الخارج. الراجح: أقرب الأقوال أن المسافر ينتهي سفره بالدخول إلى البلد، فإن مر به من غير دخول لم يمنع ذلك من القصر، ولو حاذاه لم يمنع ذلك من الترخص، والله أعلم.

стр. 10105

المبحث الرابع العود إلى بلد له فيه زوجة ولم يكن وطنًا له المدخل إلى المسألة: وطن الرجل: محل إقامته الدائمة، ولا علاقة له بوطن الزوج، ولا بوطن المال. الأصل أن المسافر إذا فارق وطنه ومحل إقامته أبيح له القصر. القول بأن وطن الزوجة وإن لم يكن وطنًا للمسافر فهو في حكم الوطن هذه دعوى في محل النزاع، فيفتقر إلى دليل. لا يوجد دليل من كتاب ولا سنة، ولا إجماع أن دخول بلد الزوجة أو دخول بلد الأقارب قاطع لحكم السفر. الأصل أن الزوجة تابعة للزوج وليس العكس. الترفه ليس هو مناط ترخص المسافر، بل مفارقة محل الإقامة، سواء أكان عزبًا أم متزوجًا. عقد النبي ﷺ زواجه على ميمونة بعد عمرة القضية، وهو في مكة، ولم يدع القصر. حج الرسول ﷺ حجة الوداع وحج معه خلق كثير من المهاجرين، وكان لعدد منهم دور وأقارب فلم يأمرهم بالإتمام، ولم يمنعهم ذلك من القصر. [م-١١٣١] اختلف أهل العلم في المسافر يمر ببلد له فيه زوجة، ولم يتخذه وطنًا، هل يقصر؟ القول الأول: أنه يتم، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وقول في مذهب الشافعية في مقابل الأصح (١).

стр. 10106

قال الحنفية: لو كان له أهل ببلدتين، فأيَّتهما دخلها، صار مقيمًا، ولو تزوج المسافر في بلد ولم ينو الإقامة، صار مقيمًا، وهو الأوجه. وقيل: لا (١). واشترط المالكية أن تكون الزوجة قد دخل بها. قال خليل: «وقطعه -أي القصر- دخول وطنه، أو مكان زوجة دخل بها فقط» (٢). قال الخرشي تعليقًا: «ولو لم يتخذه وطنًا» (٣). وهو مفهوم من عطفه مكان الزوجة على الوطن يقتضي أنه غير داخل في مسمى الوطن، وإنما هو في حكمه؛ لأن الوطن هو محل الإقامة (٤). وقوله: (دخل بها فقط) يفهم منها مسألتان: أحدهما: أن المرور بمكان زوجة غير مدخول بها، لا يقطع القصر؛ وألحق به في شرح المجموع لمحمد الأمير: دخول بلد زوجة ناشزة (٥). والمسألة الثانية: فهم من قوله: (فقط) أيضًا أن السرية وأم الولد ليست كالزوجة، وألحقهما ابن حبيب بها، ودرج عليه ابن الحاجب (٦).

стр. 10107

وقال الدردير: «يحتمل أنه أراد من قيد الزوجة الاحتراز به عن الأقارب كالأم والأب» (١). وقال الحنابلة: «إذا مر ببلد له فيه زوجة، أو دخل بلدًا فتزوج فيه أتم، قال في شرح المنتهى: وظاهره، ولو بعد فراق الزوجة» (٢). وعلم منه أنه لو كان له به أهل من والد أو ولد لم يمنعه ذلك من القصر. قال ابن تميم في مختصره: «وإن قدم بلدًا له فيه والد أو ولد أو دار أو مال فله القصر» (٣). القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في رواية أنه لا يقصر إذا كان له فيه أهل من والد أو ولد، أو ماشية، أو مال، وهو رواية عن أحمد (٤). وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: «إذا انتهى الرجل إلى أهله أو أرضه، أو ماشيته، وهو مسافر، قال: يتم الصلاة» (٥). وجاء في الإنصاف: وعنه -أي عن الإمام أحمد- يتم أيضًا إذا مر ببلد له فيه أهل، أو ماشية. وهي من المفردات» (٦). القول الثالث: إذا مرَّ ببلد له فيه زوجة أو عشيرة، ولم يتخذه محلًّا لإقامته أبيح له القصر، وهو

стр. 10108

الأصح في مذهب الشافعية، ونص عليه في الأم، واتفق عليه الرافعي والنووي (١). قال الشافعي: «وإن سافر رجل من مكة إلى المدينة، وله فيما بين مكة والمدينة مال، أو أموال، أو ماشية، أو مواشٍ، فنزل بشيء من ماله، كان له أن يقصر، ما لم يجمع المقام في شيء منها أربعًا، وكذلك إن كان له بشيء منها ذو قرابة، أو أصهار، أو زوجة، ولم ينو المقام في شيءٍ من هذه أربعًا قصر إن شاء» (٢). وقال النووي: «ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة، فهل ينتهي سفره بدخولها؟ قولان. أظهرهما: لا» (٣). ومطلق قوله: (أهل) يدخل فيها الزوجة وقد اتفق علماء اللغة على إطلاق أهل الرجل على زوجه، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ [النمل: ٧]. وقال الخليل: «أهل الرجل زوجه» (٤). ونقله ابن فارس في مقاييس اللغة مقرًّا له (٥). جاء في المصباح المنير: «وَأَهَلَ الرَّجُلُ يَأْهَلُ وَيَأْهِلُ أُهُولًا إذَا تَزَوَّجَ وَتَأَهَّلَ كَذَلِكَ، وَيُطْلَقُ الْأَهْلُ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَالْأَهْلُ: أَهْلُ الْبَيْتِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْقَرَابَةُ … » (٦). ولنص الشافعي في الأم على الزوجة وسبق نقل كلامه ﵀. ولأنه عطف العشيرة على الأهل. وقال في المجموع: «ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة وليس هو مستوطنها الآن فهل ينتهي سفره بدخولها فيه قولان مشهوران (أصحهما) لا ينتهي بل له الترخص فيها؛ لأنه ليس مقيمًا، وبهذا قطع الشيخ

стр. 10109

أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب» (١). فصارت الأقوال ثلاثة إذا دخل بلدًا له فيه زوجة ولم يتخذه محلًا لإقامته: أحدها: يتم المسافر إذا دخل بلدًا له فيه زوجة، ويقصر مع وجود غيرها من الأقارب. الثاني: يقصر مطلقًا، ولو كان له فيه زوجة أو أهل. الثالث: يتم المسافر إذا كان له فيه والد أو ولد أو مال، وبعضهم خص المال بالمنقول. دليل من قال: إذا دخل بيتًا له في زوجة أتم: الدليل الأول: (ح-٣٤٨٧) روى الإمام أحمد من طريق عكرمة بن إبراهيم الباهلي حدثنا عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبيه: أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ قول: من تأهل في بلد فليصلّ صلاة المقيم (٢). [ضعيف] (٣). الدليل الثاني: (ث-٩٥٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني عطاء، عن ابن عباس، قال: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان والطائف وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتم (٤). [صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (٥).

стр. 10110

تابع روح بن القاسم ابن عيينة. فقد رواه البيهقي من طريق روح، عن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: أقصر من مر؟ قال: لا، قال: أقصر من عرفات؟ قال: لا، قال: أقصر من جدة؟ قال: نعم، قال: من الطائف؟ قال: نعم، قال: فإذا أتيت أهلك أو ماشيتك فأتم الصلاة. [إسناده صحيح] (١). وأجيب عنه بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن الأثر مداره على عطاء، عن ابن عباس، وقد اختلف فيه على عمرو بن دينار عن عطاء بذكر الأهل. فرواه ابن عيينة، وروح بن القاسم، عن عمرو بن دينار بذكر الأهل. ورواه أيوب وشعبة، عن عمرو بن دينار فلم يذكرا لفظ الأهل (٢). ورواه ابن جريج، عن عطاء فلم يذكر الأهل، وابن جريج من أخص أصحاب عطاء. (ث-٩٥٩) روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سألت ابن عباس فقلت: أقصر الصلاة إلى عرفة، أو إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ولا تقصر الصلاة إلا في اليوم، ولا تقصر فيما دون اليوم، فإن ذهبت إلى الطائف، أو إلى جدة، أو إلى قدر ذلك من الأرض إلى أرض لك، أو ماشية فاقصر الصلاة، فإذا قدمت فأوف (٣).

стр. 10111

الجواب الثاني: أن قول الصحابي حجة بشرطين: ألا يخالف نصًّا. ولا يخالفه صحابي آخر. وهذا ما لم يتوفر في هذا الدليل فقد خالف سنة مرفوعة كما سيأتي بيانه في أدلة القائلين بأنه يقصر. وخالفه ابن عمر ﵁، فقد كان يذهب إلى مال له بخيبر فيقصر. (ث-٩٦٠) فقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يقصر الصلاة إلى مال له بخيبر يطالعه. [صحيح] (١). وروى الطبري من طريق أيوب عن نافع أن ابن عمر كان يأتي أرضه بالجرف فما يقصر ويأتي أرضه بخيبر فيقصر (٢). [صحيح]. وقال ابن حزم: «ومن طريق وكيع عن سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة الوالبي الأسدي قال: سألت ابن عمر عن تقصير الصلاة؟ فقال: حاج، أو معتمر، أو غاز؟ قلت: لا، ولكن أحدنا تكون له الضيعة بالسواد، فقال: تعرف السويداء؟ قلت: سمعت بها، ولم أرها، قال: فإنها ثلاث وليلتان وليلة للمسرع، إذا خرجنا إليها قصرنا» (٣). [رجاله ثقات إلا أنه معلق]. (ث-٩٦١) روى محمد بن الحسن، قال: أخبرنا سعيد بن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة الوالبي، قال: سألت عبد الله بن عمر ﵄، إلى كم تقصر الصلاة؟ فقال: أتعرف السويداء؟ قال: قلت: لا، ولكني قد سمعت بها، قال: هي ثلاث ليال قواصد، فإذا خرجنا إليها قصرنا الصلاة.

стр. 10112

[ومحمد بن الحسن إمام في الفقه، وتكلم في حفظه بعض أهل العلم]. (ث-٩٦٢) ما رواه ابن المنذر في الأوسط، قال: حدثنا موسى، حدثنا محمد ابن الصباح، أخبرنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سالم، أن ابن عمر: خرج إلى أرض له اشتراها من ابن بجينة فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلًا (١). [رجاله ثقات، وقد تكلم بعضهم في رواية الأوزاعي عن الزهري] (٢). فلم يمنع ابن عمر إتيانه ماله من القصر. الجواب الثالث: على فرض أن تكون لفظ (الأهل) محفوظة عن ابن عباس؛ فإنه يحتمل أن يكون مقصود ابن عباس: أي إذا عدت إلى بلدك ومحل إقامتك الذي فيه أهلك وماشيتك، ومع الاحتمال وتفرد ابن عباس بهذا الرأي، ومخالفته للسنة المرفوعة كما سيأتي بيانه في أدلة القول الثاني، واختلافه مع ابن عمر، لا يكون قول ابن عباس حجة، والله أعلم. دليل من قال: يقصر: الدليل الأول: لا يوجد دليل من كتاب أو سنة أن دخول بلد الزوجة أو دخول بلد الأقارب قاطع لحكم السفر، والأصل أن المسافر إذا فارق وطنه ومحل إقامته أبيح له القصر، وهو باقٍ على سفره حتى يرجع إلى وطنه ومحل إقامته، وهذه البلاد ليست وطنًا له، ولا محلًّا لإقامته، فلا تقطع حكم سفره. الدليل الثاني: (ح-٣٤٨٨) روى البخاري ومسلم من طريق عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، أن ابن عباس أخبره، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم (٣).

стр. 10113

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة في عمرة القضاء في مكة، وكان يقصر حتى رجع إلى المدينة. ونوقش هذا: اختلفا الروايات في زواج ميمونة، والأصح أن النبي ﷺ تزوجها، وهو حلال، وليس هذا موضع بحثها، وقد دخل بها بسرف، موضع يقع بين التنعيم ووادي فاطمة شمال غرب مكة، على بعد ١٢ كم منها، فليس فيه دليل على مسألتنا. ورد هذا: كون النبي ﷺ عقد عليها وهو حلال، لا يغير من الحكم شيئًا، فقد عقد عليها وقت فراغه من عمرة القضاء سنة سبع في ذي القعدة، وهو في مكة، وبنى بها بسرف (١). وإذا كان الرجل يكون زوجًا بالعقد فلم يمنع ذلك النبي ﷺ من القصر. ويجاب: بأن المالكية يشترطون أن يكون قد دخل بها، ولا يكفي مجرد العقد؛ لأن الترفه بالأهل لا يكون بالعقد حتى يدخل بها، وقد دخل بها في طريق عودته بسرف، وقد فارقت مكة مسافرة إلى المدينة. ويرد على هذا الجواب: بأن هذا الشرط وإن كان شرطًا للمالكية فقط، فهو يدل على ضعف منزع القول؛ لأن مناط الحكم إما أن يكون وجود الزوجة، وإما أن يكون محل إقامتها. فإن كان المانع من القصر محل إقامتها، فلماذا يشترط دخوله بها، وعلة القصر مفارقة الوطن عزبًا كان أو متزوجًا، ووطنها ليس وطنًا له، ولا محلًّا لإقامته، وليس الزوج في حكم التابع لزوجته حتى يعطى حكمها بمجرد دخوله محل إقامتها، بل العكس هو الصحيح. وإن كان المانع من القصر هو الترفه بوجود الزوجة؛ ولهذا اشترطنا دخولها بها، فلو صحبته في سفره لم يمنعه ذلك من القصر فكذلك اجتماعه بها في محل

стр. 10114

إقامتها في أثناء سفره، والله أعلم. والادعاء بأن وطن الزوجة يعطى حكم وطنه، هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على ذلك؟ دليل من قال: إن الأقارب غير الزوجة لا يمنع من القصر: حج الرسول ﷺ وحج معه خلق كثير من المهاجرين، وقد قصر النبي ﷺ بمن معه، وكان لعدد من أصحابه دار أو أكثر، وقرابات، منهم أبو بكر له بمكة دار وقرابات، وعمر له بمكة دور كثيرة، وعثمان له بمكة دار وقرابة. قال الشافعي: «فلم أعلم منهم أحدًا أمره رسول الله ﷺ بالإتمام ولا أتم، ولا أتموا بعد رسول الله ﷺ في قدومهم مكة، بل حفظ عمن حفظ عنه منهم القصر بها» (١). (ث-٩٦٣) روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (٢). [صحيح، وروي مرفوعًا ولا يصح]. وهذا كما يصدق على أمير المؤمنين، يصدق على بقية المهاجرين ممن لهم في مكة أهل ودور ومال. الراجح: أن الرجل إذا لم يتخذ وطن زوجته مسكنًا له، بل يأتيه زائرًا، ثم يعود إلى وطنه ومحل إقامته فهذا له أن يقصر إذا دخل بلد زوجه، وإن كان الإنسان قد اتخذه مسكنًا، بحيث يقيم في كلا البلدين إقامة مطلقة، فهذا قد اتخذ البلدين وطنًا له، فلا يقصر في واحد منهما، ويقصر فيما بينهما في أثناء سفره إن كان ما بينهما مسافة سفر، والله أعلم.

стр. 10115

الفصل الثاني انتهاء السفر بالإقامة في أثنائه المبحث الأول إذا نوى المسافر إقامة مطلقة أو نوى الاستيطان [م-١١٣٢] إذا نوى المسافر إقامة مطلقة في مكان صالح للإقامة من بلد أو قرية أو وادٍ يمكن للبدوي الإقامة فيه لزمه الإتمام؛ لزوال السفر المبيح للقصر بنية الإقامة. وكذلك إذا نوى المسافر الاستيطان، صار المكان الجديد هو موطنه الأصلي، وهذا بالاتفاق (١). قال النووي: «قال الشافعي والأصحاب: إذا نوى في أثناء طريقه الإقامة مطلقًا انقطع سفره، فلا يجوز الترخص بشيء بالاتفاق، فلو جدد السير بعد ذلك فهو سفر جديد، فلا يجوز القصر إلا أن يقصد مرحلتين» (٢). وإن نوى الإقامة في موضع لا يصلح للإقامة، كما لو أقام في مفازة، أو على

стр. 10116

جبل، أو داخل مركبة، فهل ينقطع السفر، ويمتنع الترخص؟ في ذلك خلاف: فقيل: لا ينقطع السفر، ويباح له الترخص، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (١). قال في مختصر القدوري: «ولا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلد يصلح للإقامة» (٢). وقيل: ينقطع السفر، ولا يباح له الترخص، وهو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣). جاء في فتح العزيز: «إذا نوى الاقامة في طريقه مطلقًا انقطع سفره، وصار مقيمًا لا يقصر، فلو أنشأ السير بعده فهو سفر جديد، فإنما يقصر إذا توجه إلى مرحلتين هذا إذا نوى الاقامة في موضع يصلح لها من بلدة، أو قرية، أو واد يمكن للبدوي النزول فيه للإقامة، فأما المفازة ونحوها، فهل ينقطع سفره بنية الإقامة فيها، فيه قولان: .... أظهرهما عند جمهور الأصحاب: نعم» (٤).

стр. 10117

قال النووي: «أصحهما عند الجمهور انقطاعه» (١). وجه من قال: يقصر: لأنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية فبطلت النية، وبقي حكم السفر الأول مستدامًا. وجه من قال: لا يقصر: مكثه بنية الإقامة المطلقة قاطعة لسفره، فلا يجتمع السفر والإقامة المطلقة، فأحدهما ينفي الآخر، وإذا كان السفر يتحقق بالنية مع الشروع بالسفر، والظهور من محل الإقامة، فإن الإقامة تتحقق بالنية مع القرار في موضعه، فإذا نوى الرجل الإقامة المطلقة باختياره ولو في موضع لا يصلح لها فقد انقطع سفره. ولا دليل على اشتراط أن يكون الموضع صالحًا للإقامة. الراجح: الأقرب أنه إذا أقام إقامة مطلقة فإن سفره ينقطع، ودعوى أنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية غير ظاهر، فالإنسان يمكنه أن يتكلف ما يعيشه ويصلح شأنه بما يتاح له من الوسائل حتى يحوله إلى مكان صالح للإقامة، وقد أسكن إبراهيم من ذريته بواد غير ذي زرعٍ. قَالَ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. وقد تحول هذا المكان بقدرة الله إلى أن يكون أم القرى.

стр. 10118

المبحث الثاني إذا أقام المسافر لقضاء حاجة لا يدري متى تنقضي المدخل إلى المسألة: لا يؤثر نص مرفوع عن النبي ﷺ أن المسافر إذا أقام في أثناء سفره لزمه الإتمام. كان النبي ﷺ يقصر من حين يخرج من المدينة إلى أن يعود سواء أقام في أثناء سفره أم لا، وسواء أطالت إقامته أم قصرت، وسواء أعزم على الإقامة مدة معلومة أم لا. ما نقل من قصر النبي ﷺ في غزوة تبوك أو في فتح مكة، وكذلك قصر أصحابة مدة طويلة في السفر حكاية أفعال تفيد جواز القصر في مثل هذه الأفعال، ولا تمنع القصر فيما زاد عليها. لم ينقل أن النبي ﷺ حدد مدة الإقامة المبيحة للقصر من قوله، ولا أنه أتم في سفره إذا أقام في أثنائه، ولو مرة واحدة. من ادعى أن إقامة المسافر في أثناء سفره تمنع من الترخص فعليه الدليل، وقد ثبت السفر بيقين فلا يرفع إلا بيقين. السنة فرقت بين المقيم في بلده وبين المقيم في أثناء السفر، ومن سوَّى بينهما فقد خالف السنة المرفوعة، وخالف أكثر ما عليه الصحابة. إذا أجمع الإقامة مدة معلومة لزمه الإتمام في قول الأئمة الأربعة على اختلاف بينهم في تقدير هذه المدة، وهو رأي ابن عمر وروي عن علي بن أبي طالب بإسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، وروي عن ابن عباس بسند ضعيف. قال إسحاق: أكثر أصحاب النبي ﷺ والتابعين على أنهم كانوا يقيمون في أسفارهم الأشهر والسنة والسنتين لا يصلون إلا ركعتين. اه وظاهره من غير فرق بين أن يعزم على الإقامة مدة معلومة أو لا.

стр. 10119

[م-١١٣٣] المسافر إذا أقام في موضع واحد لقضاء حاجة، ولم ينو إقامة، وإنما علَّق خروجه على قضاء حاجة لا يدري متى تقضى، أتقضي في زمن قليل أم كثير، أو أقام كما لو أقام من أجل علاج فاختلفوا: فقيل: يقصر أبدًا إلا أن يعلم أن حاجته لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر فعليه الإتمام، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وقول عند الشافعية، اختاره المزني (١). قال خليل: «لو أقام، ولو شهورًا من غير نية الإقامة، بل كان لحاجة، وهو يرجو قضاءها كل يوم قصر. فالقاطع نية الإقامة، لا الإقامة» (٢). قال المالكية: ولو علم عادة أن حاجته لا تنقضي قبل أربعة أيام فالعلم بها كافٍ في إبطال القصر، ولو لم ينو الإقامة (٣). وقال فخر الدين ابن تيمية في التلخيص: «إن أقام لقضاء حاجة فعلم أنها لا تنجز في الأمد المذكور فهو مقيم ...... فإن كان يتوقع إنجازه في كل يوم، وهو عازم على

стр. 10120

الارتحال؛ فإنه يترخص، وإن أقام حولًا» (١). وحكاه في الفروع وفاقًا للأئمة إذا كان لا يعلم فراغ الحاجة قبل المدة. وقيل: ولا يظن (٢). وقال ابن قدامة: «من لم يجمع الإقامة مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة، فله القصر، ولو أقام سنين، مثل أن يقيم لقضاء حاجة يرجو نجاحها، أو لجهاد عدو، أو حبسه سلطان أو مرض، وسواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة، أو كثيرة، بعد أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا تقطع حكم السفر» (٣). فقوله: (بعد أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا تقطع حكم السفر) هذا شرط، فلو علم بتأخرها عن المدة لزمه الإتمام. وقيل: إذا لم يجمع إقامة قصر مطلقًا، ولو أقام دهرًا، سواء غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته، وهو قول للحنابلة جزم به في الكافي، ومختصر ابن تميم (٤). جاء في الكافي لابن قدامة: «ومن لم يجمع على إقامة إحدى وعشرين صلاة قصر، وإن أقام دهرًا، مثل من يقيم لحاجة يرجو إنجازها، أو جهاد، أو حبس سلطان، أو عدو، أو مرض، سواء غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته» (٥). وقال في الإنصاف: «إن ظن أن الحاجة لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر فالصحيح من المذهب أنه لا يجوز له القصر. قدمه في الفروع والرعاية. وقيل: له ذلك. جزم به في الكافي، ومختصر ابن تميم. قال في الحواشي: وهو الذي ذكره ابن تميم وغيره» (٦).
следующие страницы →