← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.

стр. 10116

جبل، أو داخل مركبة، فهل ينقطع السفر، ويمتنع الترخص؟ في ذلك خلاف: فقيل: لا ينقطع السفر، ويباح له الترخص، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (١). قال في مختصر القدوري: «ولا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلد يصلح للإقامة» (٢). وقيل: ينقطع السفر، ولا يباح له الترخص، وهو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣). جاء في فتح العزيز: «إذا نوى الاقامة في طريقه مطلقًا انقطع سفره، وصار مقيمًا لا يقصر، فلو أنشأ السير بعده فهو سفر جديد، فإنما يقصر إذا توجه إلى مرحلتين هذا إذا نوى الاقامة في موضع يصلح لها من بلدة، أو قرية، أو واد يمكن للبدوي النزول فيه للإقامة، فأما المفازة ونحوها، فهل ينقطع سفره بنية الإقامة فيها، فيه قولان: .... أظهرهما عند جمهور الأصحاب: نعم» (٤).

стр. 10117

قال النووي: «أصحهما عند الجمهور انقطاعه» (١). وجه من قال: يقصر: لأنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية فبطلت النية، وبقي حكم السفر الأول مستدامًا. وجه من قال: لا يقصر: مكثه بنية الإقامة المطلقة قاطعة لسفره، فلا يجتمع السفر والإقامة المطلقة، فأحدهما ينفي الآخر، وإذا كان السفر يتحقق بالنية مع الشروع بالسفر، والظهور من محل الإقامة، فإن الإقامة تتحقق بالنية مع القرار في موضعه، فإذا نوى الرجل الإقامة المطلقة باختياره ولو في موضع لا يصلح لها فقد انقطع سفره. ولا دليل على اشتراط أن يكون الموضع صالحًا للإقامة. الراجح: الأقرب أنه إذا أقام إقامة مطلقة فإن سفره ينقطع، ودعوى أنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية غير ظاهر، فالإنسان يمكنه أن يتكلف ما يعيشه ويصلح شأنه بما يتاح له من الوسائل حتى يحوله إلى مكان صالح للإقامة، وقد أسكن إبراهيم من ذريته بواد غير ذي زرعٍ. قَالَ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. وقد تحول هذا المكان بقدرة الله إلى أن يكون أم القرى.

стр. 10118

المبحث الثاني إذا أقام المسافر لقضاء حاجة لا يدري متى تنقضي المدخل إلى المسألة: لا يؤثر نص مرفوع عن النبي ﷺ أن المسافر إذا أقام في أثناء سفره لزمه الإتمام. كان النبي ﷺ يقصر من حين يخرج من المدينة إلى أن يعود سواء أقام في أثناء سفره أم لا، وسواء أطالت إقامته أم قصرت، وسواء أعزم على الإقامة مدة معلومة أم لا. ما نقل من قصر النبي ﷺ في غزوة تبوك أو في فتح مكة، وكذلك قصر أصحابة مدة طويلة في السفر حكاية أفعال تفيد جواز القصر في مثل هذه الأفعال، ولا تمنع القصر فيما زاد عليها. لم ينقل أن النبي ﷺ حدد مدة الإقامة المبيحة للقصر من قوله، ولا أنه أتم في سفره إذا أقام في أثنائه، ولو مرة واحدة. من ادعى أن إقامة المسافر في أثناء سفره تمنع من الترخص فعليه الدليل، وقد ثبت السفر بيقين فلا يرفع إلا بيقين. السنة فرقت بين المقيم في بلده وبين المقيم في أثناء السفر، ومن سوَّى بينهما فقد خالف السنة المرفوعة، وخالف أكثر ما عليه الصحابة. إذا أجمع الإقامة مدة معلومة لزمه الإتمام في قول الأئمة الأربعة على اختلاف بينهم في تقدير هذه المدة، وهو رأي ابن عمر وروي عن علي بن أبي طالب بإسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، وروي عن ابن عباس بسند ضعيف. قال إسحاق: أكثر أصحاب النبي ﷺ والتابعين على أنهم كانوا يقيمون في أسفارهم الأشهر والسنة والسنتين لا يصلون إلا ركعتين. اه وظاهره من غير فرق بين أن يعزم على الإقامة مدة معلومة أو لا.

стр. 10119

[م-١١٣٣] المسافر إذا أقام في موضع واحد لقضاء حاجة، ولم ينو إقامة، وإنما علَّق خروجه على قضاء حاجة لا يدري متى تقضى، أتقضي في زمن قليل أم كثير، أو أقام كما لو أقام من أجل علاج فاختلفوا: فقيل: يقصر أبدًا إلا أن يعلم أن حاجته لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر فعليه الإتمام، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وقول عند الشافعية، اختاره المزني (١). قال خليل: «لو أقام، ولو شهورًا من غير نية الإقامة، بل كان لحاجة، وهو يرجو قضاءها كل يوم قصر. فالقاطع نية الإقامة، لا الإقامة» (٢). قال المالكية: ولو علم عادة أن حاجته لا تنقضي قبل أربعة أيام فالعلم بها كافٍ في إبطال القصر، ولو لم ينو الإقامة (٣). وقال فخر الدين ابن تيمية في التلخيص: «إن أقام لقضاء حاجة فعلم أنها لا تنجز في الأمد المذكور فهو مقيم ...... فإن كان يتوقع إنجازه في كل يوم، وهو عازم على

стр. 10120

الارتحال؛ فإنه يترخص، وإن أقام حولًا» (١). وحكاه في الفروع وفاقًا للأئمة إذا كان لا يعلم فراغ الحاجة قبل المدة. وقيل: ولا يظن (٢). وقال ابن قدامة: «من لم يجمع الإقامة مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة، فله القصر، ولو أقام سنين، مثل أن يقيم لقضاء حاجة يرجو نجاحها، أو لجهاد عدو، أو حبسه سلطان أو مرض، وسواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة، أو كثيرة، بعد أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا تقطع حكم السفر» (٣). فقوله: (بعد أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا تقطع حكم السفر) هذا شرط، فلو علم بتأخرها عن المدة لزمه الإتمام. وقيل: إذا لم يجمع إقامة قصر مطلقًا، ولو أقام دهرًا، سواء غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته، وهو قول للحنابلة جزم به في الكافي، ومختصر ابن تميم (٤). جاء في الكافي لابن قدامة: «ومن لم يجمع على إقامة إحدى وعشرين صلاة قصر، وإن أقام دهرًا، مثل من يقيم لحاجة يرجو إنجازها، أو جهاد، أو حبس سلطان، أو عدو، أو مرض، سواء غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته» (٥). وقال في الإنصاف: «إن ظن أن الحاجة لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر فالصحيح من المذهب أنه لا يجوز له القصر. قدمه في الفروع والرعاية. وقيل: له ذلك. جزم به في الكافي، ومختصر ابن تميم. قال في الحواشي: وهو الذي ذكره ابن تميم وغيره» (٦).

стр. 10121

وقيل: إذا علم أن حاجته لا تنقضي في أقل من أربعة أيام كاملة فلا قصر، وإذا لم يعلم متى تنقضي جاز له القصر إلى ثمانية عشر يومًا، ثم يتم، وهو الأصح عند الشافعية (١). قال الشيرازي الشافعي: «وإن أقام في بلدٍ لقضاء حاجة، ولم ينو الإقامة قصر إلى ثمانية عشر يومًا في أحد القولين، ويقصر أبدًا في القول الآخر» (٢). وقال النووي: «لو أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت قصر ثمانية عشر يومًا. وقيل: أربعة. وفي قول: أبدًا. وقيل: الخلاف في خائف القتال لا التاجر ونحوه، ولو علم بقاءها مدة طويلة فلا قصر على المذهب» (٣). وقال ابن حجر: «وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، لكن محله عنده

стр. 10122

فيمن لم يزمع الإقامة فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها أولا» (١). وقيل: يقصر المسافر مطلقًا ولو أقام في أثناء سفره، سواء أجمع على الإقامة مدة معلومة أو لم يجمع، وسواء أطالت مدة إقامته أم قصرت ما لم ينو استيطانًا، أو يرجع إلى بلده. حكاه الإمام إسحاق عن الأقلين من أهل العلم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٢). ونسبه إسحاق لأكثر الصحابة والتابعين، يقول: «وأكثر أصحاب النبي ﷺ والتابعين على أنهم كانوا يقيمون في أسفارهم الأشهر والسنة والسنتين لا يصلون إلا ركعتين» (٣). وممن صح عنه هذا القول من سادة التابعين مسروق بن الأجدع (٤)، والإمام

стр. 10123

الحسن البصري (١)، وعلقمة بن قيس النخعي (٢)، وجابر بن زيد (٣)، وعامر الشعبي (٤)، هذه هي الأقوال في مسألة المسافر إذا أقام لقضاء حاجة لا يدري متى تنقضي، وتتلخص فيما يلي: قيل: يقصر مطلقًا حتى يرجع إلى أهله أو ينوي استيطانًا بتغيير محل إقامته من

стр. 10124

غير فرق بين أن يعزم على الإقامة أو لا. وقيل: يقصر مطلقًا، ولو أقام سنوات، بشرط أن يُحْتَمل انقضاؤها في مدة القصر. وقيل: يقصر مطلقًا إذا كان لا يعلم متى تنقضي حاجته، ولو علم أنها لا تنقضي قريبًا. وقيل: يقصر إلى ثمانية عشر يومًا، ثم يتم. سبب الخلاف: تسوية كثير من الفقهاء في الحكم بين المقيم في بلده وفي بيته، وبين المقيم في أثناء سفره، مما حملهم على القول بأن الأصل الإتمام إذا أقام في أثناء سفره، وحين وقفوا على النصوص التي تنقل أن النبي ﷺ كان يقصر في أثناء إقامته في سفره، حاولوا تأويلها بالقول بأن النبي ﷺ قصر فيها؛ لأنه لم يجمع على الإقامة فيها، وحين وجدوا بعض النصوص لا تحتمل مثل هذا التأويل، وأن النبي ﷺ كان قد أجمع على الإقامة مدة معلومة كما في حجة الوداع ذهبوا إلى تخصيص القصر في حدود هذه الإقامة، ومنعوا من القصر فيما زاد عليها، وكل هذه القيود ليست منصوصة من الشارع، فلم ينقل عن النبي ﷺ أن هذا الفعل منه هو منتهى ما يقصر فيه المسافر إذا عزم على الإقامة مدة معلومة، ولم يبين النبي ﷺ أنه قصر في فتح مكة؛ لأنه لم يعزم على الإقامة، ولا أنه قصر في تبوك؛ لأنه في انتظار حرب قد تطول مع العدو، فكل هذه العلل إنما ادعيت للخروج من التزام ظاهر هذه النصوص المطلقة والعامة؛ لاعتقادهم بأن القصر للمسافر أثناء إقامته ممنوع، ولتسويتهم بين إقامة المسافر في بلده وبين إقامته في أثناء سفره، وقد دلت النصوص على الفرق بينهما، والنصوص المطلقة والعامة باقية على عمومها وإطلاقها، لا يقيدها، ولا يخصصها إلا نصوص مثلها، أو إجماع، أو قول صحابي لا مخالف له، وبالرجوع إلى فهم الصحابة رضوان الله عليهم نجدهم مختلفين، فنلتزم ظواهر النصوص؛ لأن الأصل التزام ظاهر النص إلا لدليل، والله أعلم. دليل من قال: يقصر ما لم يجمع إقامة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فقوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ يشمل المسافر إذا جدَّ به السير، والمسافر في حال إقامته

стр. 10125

إذا لم يجمع مكثًا، كما لو كان لا يدري أيسافر اليوم أو غدًا متى انتهت حاجته، بخلاف المسافر إذا أجمع على الإقامة مدة معينة، فهذا يقطع حكم سفره، ويلحقه بالمقيم، والله أعلم. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: لا يحفظ نص مرفوع عن النبي ﷺ في التفريق بين المسافر إذا أجمع مكثًا أو أو لم يجمع، فالنبي ﷺ قصر في حجة الوداع، وقد أجمع على الإقامة فيها أربعة أيام، وقيل: عشرة أيام على افتراض أن إقامته في المشاعر إقامة واحدة، وقصر في إقامته في تبوك عشرين يومًا ولم يجمع على إقامة، فدل على أنه لا فرق. الوجه الثاني: إبطال حكم القصر بالإقامة في أثناء السفر حكم وضعي، فلو كانت الإقامة في السفر تبطل حكم القصر لأبطلته من حيث كونها إقامة، لا بالنظر إلى سببها، فكما أن السفر لا ينظر إلى سببه في حكم القصر، فيقصر سواء أنشأ السفر لقربة أو لمباح، بل ولو أنشأه لمعصية على الصحيح؛ لأن الحكم معلق بالسفر، لا بسببه، فكذلك الحكم في الإقامة في أثناء السفر، فإذا صح الترخص للمسافر مع الإقامة تسعة عشر يومًا دل ذلك على أن الشارع لم ينظر إلى سبب الإقامة؛ وإنما إلى بقاء نية السفر، ومفارقة بلده، فلا يقطع السفر إلا حيث تنقطع نيته، وهي تنقطع بأحد أمرين: نية الاستيطان بتغيير محل الإقامة، أو الرجوع إلى بلده. الدليل الثاني: (ح-٣٤٨٩) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق أبي شهاب، عبد الله، قال: أخبرنا عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين (١).

стр. 10126

الدليل الثالث: (ح-٣٤٩٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة. [رجح الإمام البخاري وأبو داود والبيهقي إرساله] (١). وجه الاستدلال: قال إسحاق بن منصور: «قيل لأحمد ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أقَامَ بمكةَ ثماني

стр. 10127

عشرةَ زمنَ الفتح، قال: إنَّما أرادَ حُنينًا لم يكُنْ ثمَّ إجماعٌ، وأقامَ بتبوكَ عشرينَ لمْ يكُنْ ثَمَّ إجماعٌ، ولكن إذا أُجمِعَ على إقامةٍ زيادةً على أربع أتَمَّ الصَّلاةَ» (١). ولأن المحارب في دار الحرب لا تصح له إقامة؛ لأنه لا يتمكن من الاستيطان، فإنه بين أن يهزم عدوه فيقر، أو يغلب فيرجع، فكانوا ينتظرون الرجوع في كل يوم، فلم يجمعوا على الإقامة مدة معلومة. وقال أبو بكر الأثرم: «فأما حديث ابن عباس وعمران بن حصين في إقامة النبي ﷺ بمكة في الفتح؛ فإنه لم يكن للنبي ﷺ عزيمة تعلم. وكذلك السنة في من لم يعزم، أنه يقصر ما أقام، كما فعل أصحاب النبي ﷺ ، أقام عدة منهم سنتين يقصر الصلاة» (٢). ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: قول أبي بكر الأثر: السنة في من لم يعزم أنه يقصر: إن قصد بذلك سنة النبي ﷺ فلا يحفظ في ذلك شيء مرفوع من سنته، وإن قصد سنة أصحابه، فهم مختلفون، ولم يصح ذلك عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر في أحد أقواله التي رويت عنه، وما روي عن عليٍّ وابن عباس فضعيف، وهو معارض بفعل أنس، وعبد الرحمن بن سمرة، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود رضي الله عن الجميع (٣). الوجه الثاني: النبي ﷺ لما قصر بمكة وتبوك لم يعلل فعله إلا بالسفر، ولم يبين لهم أنه قصر مع الإقامة لأنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، ولا قال: إن حاجته يحتمل أنها تنقضي قبل الأربعة أيام، وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في القصر في مدة إقامته، فلم يقل لهم حرفًا واحدًا؛ ولا يجوز تأخر البيان عن وقت الحاجة، لهذا قال ابن عباس: في المسافر إذا أقام: يقصر تسعة

стр. 10128

عشر يومًا فإذا زاد أتم الصلاة، أخذ ذلك تأسيًا بالنبي ﷺ (١). قال شيخ الإسلام: «أقام النبي ﷺ في غزوة الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ومعلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة، حتى يقال: إنه كان يقول: اليوم أسافر، غدًا أسافر! بل فتح مكة، وأهلها وما حولها كفار محاربون له، وهي أعظم مدينة فتحها، وبفتحها ذلت الأعداء وأسلمت العرب، وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة، وكذلك في تبوك» (٢). ويقول شيخ الإسلام: «أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر. كما أقام النبي ﷺ وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان. وكان النبي ﷺ لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام» (٣). ورد على هذا النقاش: جواب شيخ الإسلام متوجه لقول الجمهور القائلين بأن من لم يجمع مكثًا يقصر بشرط أن يُحْتَمل انقضاء حاجته في مدة القصر، وهو أحد الأقوال في المسألة، وأما على القول الذي لا يشترط هذا الشرط، ويقول: إذا لم يجمع إقامة قصر مطلقًا، ولو أقام دهرًا، سواء غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته فلا يصح الاعتراض عليه بأن ما يفعل بمكة وتبوك لا يمكن أن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة، لأنه لا يشترط إلا شرطين: ألا يجمع إقامة، ولا يعلم متى تنقضي حاجته، ولو قطع أنها تتأخر جدًّا، فهذا ابن عمر الذي صرح بأنه إذا أجمع إقامة أتم قد قصر الصلاة حين حبسه الثلج بأذربيجان ستة أشهر، ومن المعلوم أن الثلج لا يذوب خلال شهر، فكأن مناط

стр. 10129

الحكم عند ابن عمر التفريق بين أن يعزم على الإقامة مدة معلومة طويلة، وبين أن يعلق سفره على تحقق حاجة لا يدري متى تتحقق، وإن علم أو ظن أنه قد يطول به المقام، والله أعلم. وسوف نجيب عن قول ابن عمر في الدليل التالي منعًا للتكرار. الدليل الرابع: (ث-٩٦٤) روى مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقول: أصلي صلاة المسافر، ما لم أجمع مكثًا، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة (١). فقوله: (ما لم أجمع مكثًا) أي ما لم أعزم على الإقامة مدة معلومة. ورواه الطبري من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يقصر الصلاة ما لم يجمع الإقامة. [سنده في غاية الصحة] (٢).

стр. 10130

وقوله: (ما لم يجمع إقامة) مفهومة: أنه إذا أجمع على الإقامة مدة معلومة أتم. وتقدم لنا ما رواه ابن القاسم، قال: أخبرني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان حين يكون بمكة يتم، فإذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة. [صحيح] (١). فظاهر أن ابن عمر كان يقدم إلى مكة مبكرًا أثناء المناسك فيقيم في مكة في مدة يراها ابن عمر تقطع أحكام السفر عنده؛ فيكون قد أجمع على الإقامة مدة معلومة، فإذا خرج إلى منى تجدد له سفره بالخروج إليها، وبعدها سيواصل سيره إلى المدينة. (ث-٩٦٥) وروى ابن المنذر من طريق محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا أزمعت بالإقامة ثنتي عشرة فأتم الصلاة. [ابن عجلان صدوق، وفي روايته عن نافع كلام، إلا أنه لم ينفرد به] (٢). وروى عبد الرزاق، عن عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهدًا، يقول: كان ابن عمر إذا قدم مكة، فأراد أن يقيم خمس عشرة ليلة سرح ظهره، وأتم الصلاة. [صحيح] (٣).

стр. 10131

ويجاب: أما الاختلاف على ابن عمر في مدة الإقامة، فالجواب عنه: بأن سالمًا ونافعًا رويا عن ابن عمر بأنه يتم إذا نوى إقامة اثنتي عشرة ليلة. وروى مجاهد بن جبر المكي: إذا أراد أن يقيم خمس عشرة ليلة. فإن حملت الثانية على أنها حكاية عن واقعة حال لا يراد منها التحديد؛ لأن الخمس عشرة اثنتا عشرة وزيادة، وإلا رجحت رواية سالم ونافع؛ لأن رواية آل بيت الرجل أرجح من رواية الغريب عنه، والله أعلم. وأما الاحتجاج برأي ابن عمر على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، فيقال: هذا رأي لابن عمر، وهو حجة لو كان لا يعلم له مخالف من الصحابة، وقد خالفه ابن عباس، فقال: يقصر إذا أقام إلى تسعة عشر يومًا، فإذا زاد عليها أتم، وسبق تخريجه من صحيح البخاري، ولم يشترط ابن عباس ألا يجمع مكثًا. كما خالفه جمع من الصحابة نقل عنهم القصر مطلقًا، منهم: أنس، وعبد الرحمن بن سمرة، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود. وسوف يأتي تخريج هذه الآثار في موضعها من الأدلة، وإذا اختلف الصحابة طلب مرجح من خارج قوليهما. الدليل الخامس: (ث-٩٦٦) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: إذا أقمت بأرض عشرًا فأتم، فإن قلت: أخرج اليوم أو غدًا، فصلِّ ركعتين، وإن أقمت شهرًا. [رجاله ثقات إلا أنه منقطع] (١). ومثله يتقوى بما ثبت عن ابن عمر من جهة اعتبار أن المسافر إذا لم يجمع الإقامة فإنه يقصر، ولو طالت المدة، وإذا نوى الإقامة مدة معلومة لم يقصر، وإن اختلفوا في

стр. 10132

تقدير هذه المدة. ويرد على هذا: الضعيف لا حجة فيه، ولو فرض صحته فقد اختلف مع ابن عمر في مدة الإقامة، وهذا دليل على أن المسألة صادرة عن اجتهاد منهما، وليس عن توقيف، وهو معارض بقول جماعة من الصحابة ترى القصر مطلقًا في الإقامة أثناء السفر. الدليل السادس: (ث-٩٦٧) فقد روى الطبري في تهذيب الآثار من طريق عبد الوارث بن سعيد، حدثنا، ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إذا قدمت أرضًا لا تدري متى تخرج، فأتم الصلاة، وإذا قلت: أخرج اليوم أخرج غدًا فَقَصْرُ ما بينك وبين عشر، ثم أتم الصلاة. [منكر] (١). (ث-٩٦٨) قد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا المثنى بن سعيد عن أبي جمرة نصر بن عمران قال: قلت لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان فكيف ترى؟ فقال: صلِّ ركعتين، وإن أقمت عشر سنين (٢). [صحيح]. وليس هذا خاصًّا بالغزو، كما يميل إليه الإمام الشافعي. (ث-٩٦٩) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا

стр. 10133

شعبة، عن أبي التياح الضبعي، عن رجل، من عنزة يكنى أبا المنهال، قال: قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولًا، لا أَشُدُّ على سير، قال: صل ركعتين (١). [صحيح] (٢). وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة، عن ابن عباس، قال: إن أقمت في بلد خمسة أشهر فاقصر الصلاة. [صحيح] (٣). وقد ورد عن ابن عباس في البخاري: إذا زاد على تسعة عشر يومًا أتم الصلاة، فإما أن نحمل الإتمام إذا زاد على تسعة عشر يومًا في حال نوى الإقامة مدة معلومة، ونحمل رواية القصر مطلقًا فيما إذا لم ينو الإقامة مدة معلومة، كالوارد عن ابن عمر أنه إذا أجمع إقامة أتم، وحين حبسه الثلج ستة أشهر قصر الصلاة. وإما أن نقول: إن ابن عباس له أكثر من قول في المسألة، وهذا أقرب. فإذا صح عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقصر الصلاة ما لم يجمع مكثًا، وجاء عن علي بن أبي طالب مثله بسند رجاله كلهم ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، وروي عن ابن عباس بسند ضعيف ومثله صالح للاعتبار، وإن اختلفوا في تقدير المدة التي إذا أجمع على إقامتها أتم، كلها يدل على التفريق بين إقامة المسافر إذا أجمع على الإقامة، وبين إقامة المسافر إذا لم يجمع مكثًا، وهو قول الأئمة الأربعة، وإن

стр. 10134

اختلفوا في تقدير المدة كان هذا القول هو المترجح في المسألة. وانظر الجواب عن هذه الآثار في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى دفعًا للتكرار. الدليل السابع: الإجماع، حكاه الترمذي وابن المنذر. قال الترمذي: «أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون» (١). وقال مثله ابن المنذر (٢). وقوله: «(ما لم يجمع إقامة): أي ما لم يعزم على إقامة. يقال منه: قد أجمع فلان على الإقامة بموضع كذا، وأزمع عليه: يراد به عزم على ذلك. ومنه قول الله : ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، يعني بذلك: أحكموا أمركم، وأعدوا واعزموا على ما أنتم عليه عازمون» (٣). ونوقش هذا: بأن الإجماع ليس محفوظًا مع وجود الخلاف في مذهب الشافعية، والعجب من متابعة ابن المنذر للترمذي في نقل الإجماع، وهو من أصحاب الإمام الشافعي، ويعلم مذهبه في ذلك، وإن كان الترمذي أيضًا من أصحاب الشافعية، لكنه إلى مدرسة المحدثين أقرب، بينما ابن المنذر من جملة الفقهاء المتقدمين، والله أعلم. دليل من قال: إذا لم يجمع إقامة قصر ولو علم أن إقامته ستطول جدًّا: الدليل الأول: (ث-٩٧٠) رواه الطبري من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يقصر الصلاة ما لم يجمع الإقامة. [سنده في غاية الصحة] (٤).

стр. 10135

وروى ابن المنذر من طريق محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا أزمعت بالإقامة ثنتي عشرة فأتم الصلاة. [ابن عجلان صدوق، وفي روايته عن نافع كلام، إلا أنه لم ينفرد به] (١). ومفهومه: أنه إذا أجمع الإقامة أقل من اثني عشر يومًا قصر الصلاة، وقد جاء ما يدل على صحة هذا المفهوم. (ث-٩٧١) فقد روى مالك عن نافع، أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليالٍ يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته. [صحيح] (٢). (ث-٩٧٢) وروى الطبري من طريق داود بن قيس، عن نافع، أن ابن عمر، أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، ولم يستطع أن يخرج من البرد، ولم يرد الإقامة. فقوله: (لم يرد الإقامة) أي لم يعزم على الإقامة مدة معلومة، وإنما علق رجوعه بذوبان الثلج، وهو أجل غير معلوم، وإن كان يتطلب وقتًا طويلًا. ورواه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: ارْتَجَّ علينا الثلج، ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة. قال ابن عمر: فكنا نصلي ركعتين. [صحيح] (٣).

стр. 10136

ورواه أبو الفضل الزهري من طريق عطاف بن خالد، عن نافع، أن عبد الله بن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، حبسه الثلج يقول: اليوم نخرج، غدًا نخرج. قوله: (اليوم نخرج، غدًا نخرج) تفرد بهذا الحرف عطاف بن خالد، وهو ثقة، إلا أن عبيد الله بن عمر وداود بن قيس روياه عن نافع، ولم يذكرا هذا الحرف، والثلج في الغالب لا يذوب في أجل قصير، المهم أنه حبس عن الخروج، ولم يرد الإقامة مدة معلومة، والله أعلم. (ث-٩٧٣) وروى عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن يزيد الرشك، قال: حدثنا أبو مجلز، قال: كنت جالسًا عند ابن عمر … وذكر فيه: قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، آتي المدينة طالب حاجة، فأقيم بها السبعة الأشهر والثمانية الأشهر، كيف أصلي؟ قال: صل ركعتين ركعتين. [صحيح] (١). فمجموع هذه الآثار عن ابن عمر تكشف لك رأي ابن عمر، فإذا أجمع مكثًا، فإن كانت الإقامة أقل من اثني عشر يومًا قصر، وإن أجمع الإقامة اثني عشر يومًا فأكثر أتم الصلاة، وإذا لم يجمع مكثًا قصر الصلاة، ولو طال به المقام حتى ولو علم أن إقامته ستطول ما دام لا يعلم متى تنقضي حاجته، ولهذا قصر ابن عمر حين حبسه الثلج بأذربيجان، والثلج عادة في تلك المناطق يحتاج حتى يذوب أن يتجاوز فصل الشتاء، وحتى إذا تجاوز فصل الشتاء فذوبانه لا يتم خلال ساعات، بل يبدأ بالذوبان التدريجي إلى أجل غير معلوم. وهذا التفصيل من ابن عمر لا يقال إلا بتوقيف، خاصة أن ابن عمر معلوم حرصه

стр. 10137

على اتباع الأثر. وفي هذا دليل على بطلان شرط الجمهور أنه يشترط للقصر ألا يعلم متى تنقضي حاجته بشرط أن يحتمل قضاؤها في مدة السفر، والله أعلم. ويجاب: بأن رأي ابن عمر لم يكن عن توقيف، وإنما هو اجتهاد منه بدليل: الأمر الأول: اختلاف ابن عمر وابن عباس على تقدير الإقامة التي تقطع حكم السفر يجعل الأمر راجعًا للاجتهاد، ولو كان عن توقيف لاتفقوا على مدة الإقامة. الأمر الثاني: أن ابن عمر كان له أكثر من رأي، وهذا يدل على أن ما صدر عنه كان عن اجتهاد. (ث-٩٧٤) فقد روى ابن المنذر معلقًا، قال: ومن حديث إسحاق، قال الوليد ابن مسلم: حدثنا الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كانت منه أشياء في قصر الصلاة في إقامته في السفر مختلفة، ثم صار إلى آخر أمره إلى أن كان إذا قدم بلدة، فأجمع أن يقيم بها اثنتي عشرة فأكثر من ذلك أتم الصلاة، وإذا قدم بلدة لا يدري ما يقيم فيها قصر الصلاة فيما بينه وبين اثنتي عشرة، فإذا كملها أتم الصلاة، وإن خرج من غد. [معلق، والمعلق ضعيف] (١). ورد على هذا الجواب: بأن ما حكاه الأوزاعي عن نافع، فهو منتقد من جهتين: الأولى: أنه معلق، علقه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن نافع. والثاني: أن رواية الأوزاعي عن نافع، وفيها كلام، وسبقت الإشارة إليه في مسألة سابقة.

стр. 10138

وأن المنقول عن ابن عمر في القصر إذا لم يجمع إقامة قولان: أحدهما: إذا أجمع إقامة اثني عشر يومًا أتم. والثاني: إذا أجمع إقامة خمسة عشر يومًا أتم. ورواية الاثني عشر يومًا رواية سالم ونافع. ورواية: خمسة عشر يومًا رواية مجاهد. فإن كان الطريق الجمع، فقد تكون رواية الخمسة عشر يومًا واقعة حال، لا تدل على التحديد، والخمسة عشر يومًا داخلة في الاثني عشر وزيادة. وإن امتنع الجمع فرواية سالم ونافع أرجح؛ لأن رواية آل بيت الرجل من المدنيين أرجح من رواية الغريب، ولأن مجاهد بن جبر مكي ولم يتابع على روايته بخلاف رواية نافع فقد تابعه عليها سالم. والنظر إنما هو في القدر المتفق عليه بين ابن عمر وعلي ﵃، وأن من عزم على الإقامة مدة معلومة أتم، وإن اختلفوا في تقدير هذه المدة، والله أعلم. دليل من قال: إذا أقام ثمانية عشر يومًا أقام الصلاة: الدليل الأول: (ح-٣٤٩١) روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا ابن علية، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران ابن حصين قال: أقمت مع النبي ﷺ عام الفتح بمكة، فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلوا أربعًا فإنا قوم سفر. [ضعيف] (١).

стр. 10139

الدليل الثاني: (ح-٣٤٩٢) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى ابن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة. [المحفوظ أنه مرسل] (١). فهذا الرواية محمولة على أن الراوي عدَّ يوم الدخول ويوم الخروج. ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن المرسل ضعيف؛ لعلة الانقطاع، فلا حجة فيه على الصحيح. الوجه الثاني: لو صحَّ، فالفقهاء يجيبون عنه بأحد جوابين: أما من يرى التحديد بأربعة أيام كالجمهور فالجواب عندهم: أن النبي ﷺ لم ينو الإقامة، بل كان ينتظر متى ينتهي من مهمته ليرحل، وكل من لم يجمع الإقامة مدة معلومة فإنه يقصر ولو مكث سنوات، وحكي إجماعًا. وأما من يرى أن المسافر يقصر حتى يرجع إلى أهله، فيرى أن قصر النبي ﷺ

стр. 10140

بتبوك هذه المدة حكاية فعل لا ينفي جواز القصر فيما زاد عليها. فمن أين لنا أن النبي ﷺ لو زاد عليها يومًا سيمتنع من القصر، والأصل أن اليوم الحادي والعشرين كاليوم العشرين، وقد ثبت السفر بيقين فلا يرتفع إلا بيقين. وأجيب على هذا: قال الشوكاني: «لا شك أن قصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، ولكن ملاحظة الأصل المذكور هي القاضية بذلك» (١). يقصد أن الأصل في المقيم الإتمام إلا ما ورد فيه النص من قصره في مكة وتبوك، ولم يصح أنه ﷺ قصر في الإقامة أكثر من ذلك فيقتصر على هذا المقدار. ورد على هذا الجواب: من قال: إن الأصل في المقيم المسافر الإتمام، فالسنة فرقت بين المقيم في بلده وبين المقيم في أثناء السفر، ومن سوى بينهما فقد خالف السنة المرفوعة، وخالف ما عليه أكثر الصحابة. الدليل الثالث: (ح-٣٤٩٣) روى البخاري من طريق أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا (٢). وهذه الرواية محمولة على أن الراوي عدَّ يوم الدخول، ولم يعد يوم الخروج، أو العكس. قال ابن حجر: «وجه الدلالة من حديث ابن عباس لما كان الأصل في المقيم الإتمام فلما لم يجيء عنه ﷺ أنه أقام في حال السفر أكثر من تلك المدة جعلها غاية للقصر» (٣). ويجاب عن حديث ابن عباس بما أجيب به حديث جابر ﵁.

стр. 10141

دليل من قال: الإقامة في أثناء السفر لا تمنع من القصر مطلقًا: هذا القول لا يرى الإقامة في أثناء السفر مانعة من الترخص في أحكام السفر مطلقًا، سواء أعزم على الإقامة مدة معلومة أم لم يعزم، فالسفر لا يرفعه إلا أحد أمرين: الرجوع إلى أهله أو نية الاستيطان بتغيير محل الإقامة. وأدلة هذا القول سوف أذكرها إن شاء الله تعالى في مسألة: حكم الترخص إذا عزم على الإقامة مدة معلومة. الراجح: أن المسافر يقصر مطلقًا، سواء أعزم على الإقامة مدة معلومة أم لا، وسواء أعلم أن حاجته تنقضي قريبًا أم بعيدًا، ولا يرفع حكم السفر إلا أحد أمرين: نية الاستيطان المطلق، أو الرجوع إلى بلده، والخطأ في هذه المسألة جاء من تسوية الإقامة في بلده وفي مسكنه بالإقامة في أثناء سفره بعيدًا عن منزله، بحجة أن الإقامة في أي موضع تنافي السفر، وغاية ما يستفيده المسافر من إقامته في سفره هو تخفيف مؤونة السفر، وإذا كان الترف في السفر لا يمنع من الترخص لم تمنع منه الإقامة إذا تخللت سفره، أما من يسوي بين الإقامة في بلده وفي مسكنه وبين الإقامة في سفره من كل وجه فقد جانب الصواب، وخالف السنة المرفوعة من عدم التفريق بينهما كما فعل النبي ﷺ في حجة الوداع، والله أعلم. وانظر المسألة التالية تكشف لك مزيد بيان في حكم المسافر مع الإقامة في أثناء السفر.

стр. 10142

المبحث الثالث في انقطاع القصر إذا عزم المسافر على الإقامة مدة معلومة المدخل إلى المسألة: كل حَدٍّ للعبادة بزمن أو مكان أو عدد فلا بد له من دليل صحيح صريح، كالمسح على الخفين مسافرًا أو مقيمًا، وعدة المطلقة والمتوفى عنها حاملًا وحائضًا وآيسة. لم ينقل أن النبي ﷺ حدد مدة الإقامة المبيحة للقصر من قوله، ولا أنه أتم في سفره إذا أقام في أثنائه، ولو مرة واحدة. من ادعى أن إقامة المسافر في أثناء سفره تمنع من الترخص فعليه الدليل، وقد ثبت السفر بيقين، فلا يرفع إلا بيقين. لا يكفي القول بأن النبي ﷺ لم يقصر إلا في هذه المدة، فما زاد عليها فلا يقصر؛ لأن الأفعال التي تقع اتفاقًا لا يستفاد منها التحديد، وقصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، والأصل استصحاب حكم السفر حتى ينوي استيطانًا، أو يرجع إلى بلده. إبطال العبادات لا يجوز إلا بحجة بينة، والأصل صحة صلاة من قصر الصلاة في أثناء إقامته في السفر. ثبت أنه ﷺ أقام في أثناء سفره وقصر الصلاة، سواء أكان ذلك في حجة الوداع، أم في فتح مكة، أم في غزوة تبوك، وهي نصوص مطلقة، والعام والمطلق باقٍ على عمومه وإطلاقه لا يخصصه، ولا يقيده إلا نص مثله أو إجماع. لم ينقل عن النبي ﷺ أن هذا الفعل منه هو منتهى ما يقصر فيه المسافر إذا أقام. لم يبين النبي ﷺ أنه قصر في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع إقامة، ولا أنه قصر في تبوك؛ لأنه في انتظار حرب قد تطول مع العدو، فكل هذه العلل إنما ادعيت

стр. 10143

استنباطًا، وليست نصًّا؛ للاعتقاد بأن القصر للمسافر أثناء إقامته ممنوع. نظر ابن عباس إلى هذه النصوص على جواز القصر في مثلها، حتى قال بجواز القصر تسعة عشر يومًا، ولم يفهم منها أن النبي ﷺ لم يجمع فيها على إقامة معلومة. إذا كانت الإقامة أربعة أيام أو عشرة أو تسعة عشر يومًا لا تقطع حكم السفر لم يقطع حكم السفر ما زاد عليها. إبطال حكم القصر بالإقامة حكم وضعي، فلو كانت الإقامة في السفر تبطل حكم القصر لأبطلته من حيث كونها إقامة لا بالنظر إلى سببها، ولم يكن هناك فرق بين الأربعة والعشرة والخمسة عشر والتسعة عشر، أو أقل أو أكثر. كل هذه المدد خارجة عن حد القليل، وإذا لم تبطل هذه المدد الترخص لم يبطل ما زاد عليها. السنة فرقت بين المقيم في بلده وبين المقيم في أثناء السفر، ومن سوَّى بينهما فقد خالف السنة المرفوعة، وخالف أكثر ما عليه الصحابة. القول بانقطاع حكم السفر إذا نوى إقامة أربعة أيام لم يثبت بنصٍّ مرفوع صريح، ولا بأثرٍ موقوف صحيح، وأول من قال به سعيد بن المسيب. لا يؤثر قول عن أحد من صحابة النبي ﷺ يقول بانقطاع حكم السفر بإقامة أربعة أيام، وإن قال بعضهم بانقطاع حكم السفر بأكثر منها. لو كانت إقامة النبي ﷺ أربعة أيام في حجة الوداع حدَّ ما بين المسافر والمقيم لكان أولى الناس في فهم هذا القول هم الصحابة رضوان الله عنهم. كل قول لا يؤثر عن الصحابة في مسألة وقعت في عصرهم فما أشد وهنه، ولو قال به الجمهور. لم يحتج مالك في الموطأ لقوله للتحديد بأربعة أيام بسنة، ولا بأثر عن صحابي، وإنما ذكر أن هذا هو قول سعيد بن المسيب، وهو أحب ما سمع في المسألة. ما كان للإمام مالك أن يحتج بقول سعيد بن المسيب، لو كان في الباب

стр. 10144

سنة أو أثر صحيح. قال أنس: أقام النبي ﷺ بمكة عشرًا يقصر الصلاة، فجعل إقامة النبي ﷺ حول مكة في حكم الإقامة فيها، وكذلك نقل نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، والله أعلم. [م-١١٣٤] إذا عزم المسافر على الإقامة مدة معلومة في أثناء سفره، فهل يعطى حكم المقيم أو يعطى حكم المسافر؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقيل: لا ينقطع سفره مطلقًا حتى يرجع إلى أهله، أو ينوي الاستيطان، حكاه الإمام إسحاق عن الأقلين من أهل العلم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (١). وكيف نسب إسحاق هذا القول للأقلين من أهل العلم، وهو نفسه يقول: «وأكثر أصحاب النبي ﷺ والتابعين على أنهم كانوا يقيمون في أسفارهم الأشهر والسنة والسنتين لا يصلون إلا ركعتين» (٢).

стр. 10145

وممن صح عنه هذه القول من سادة التابعين مسروق بن الأجدع، والإمام الحسن البصري، وعلقمة بن قيس النخعي، وجابر بن زيد، وعامر الشعبي (١). وقيل: ينقطع سفره، وهو قول الأئمة الأربعة، وبه قال بعض الصحابة، وكثير من مجتهدي هذه الأمة، على اختلاف بينهم في تحديد المدة التي إذا عزم على إقامتها انقطع سفره: فقيل: إذا عزم على الإقامة خمسة عشر يومًا وجب عليه الإتمام، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الأقوال عن سعيد بن المسيب، وبه قال الإمام الثوري، والليث بن سعد، والمزني من الشافعية (٢). وقيل: إذا عزم على إقامة أربعة أيام بلياليها أتم، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال أبو ثور، وداود وأحد أقوال ابن المسيب، ولا يحسب يوم الدخول ويوم الخروج عند الشافعية، وعند ابن القاسم من المالكية، واعتمده خليل في مختصره (٣).

стр. 10146

قال الشيرازي في التنبيه: «وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج أتمّ» (١). وقيل: إذا نوى الإقامة عشرين صلاة أتم، قال به سحنون وابن الماجشون وابن نافع، وابن المواز من المالكية، ورجحه أبو زيد القيرواني في الرسالة، والفرق بين قولهم وقول ابن القاسم أنهم اعتدوا بيومي الدخول والخروج (٢).

стр. 10147

وقيل: إذا نوى الإقامة أكثر من عشرين صلاة أتم، وإلا قصر، وبعضهم: يقول: إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، وهما بمعنى، وهذا هو المشهور عند متأخري الحنابلة، نص عليه صاحبا الإقناع والمنتهى (١). وعلى التعبير بالأيام يحسب يوم الدخول ويوم الخروج على الصحيح من المذهب عند الحنابلة، وهو وجه عند الشافعية في مقابل الأصح (٢). وقيل: إذا نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي، وابن قدامة، وقال: هذا المشهور عن أحمد. وقال ابن رجب: هذا مذهب أحمد المشهور عنه، واختيار أصحابه (٣).

стр. 10148

جاء في الفروع: «وإن نوى إقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة لم يترخص، وإن نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة فعلى روايتين، وإن لم ينو إقامة مدة معينة بل أقام لحاجته ترخص وإن طال الزمان» (١). وقيل: إذا نوى إقامة تسعة عشر يومًا أتم، وهو مذهب ابن عباس، وإسحاق بن راهويه، واختاره الخطابي (٢). وقيل: إذا أقام في مكان عشرين يومًا بلياليها قصر، فإن أقام أكثر أتم، وهذا اختيار ابن حزم (٣). وقيل: إذا أقام اثني عشر يومًا أتم الصلاة، وهو مذهب الأوزاعي (٤). وقيل: إذا أقام يومًا وليلة، وهو قول ربيعة الرأي (٥). هذه تسعة أقوال حكيت في المسألة، وهي أهم ما قيل فيها، وقد حكي فيها أقوال كثيرة غير هذه حتى أوصلها بعض أهل العلم إلى أربعة عشر قولًا، وبعضهم إلى عشرين قولًا (٦).

стр. 10149

سبب الخلاف: هل الأصل: أن كل من أقام في أثناء سفره، لزمه الإتمام؛ لأن المقيم خلاف المسافر، إلا ما نقل عن النبي ﷺ أنه أقام وقصر الصلاة، فذلك مستثنى بالنص، وقيل: وبالإجماع. أو أن الأصل: أن المسافر باقٍ على سفره، فيستصحب هذا الحكم، ولا ينقطع بالإقامة ما لم ينو إقامة مطلقة باتخاذ ذلك الموضع وطنًا، أو يرجع إلى بلده؟. وللجواب يقال: لا يوجد نص مرفوع صريح في المسألة يقطع النزاع، وكون النصوص ليست باتة فهذا يراد منه التوسعة، وما كان ربك نسيًّا. وقد أقام النبي ﷺ في سفره وقصر الصلاة، وهي مجرد أفعال، ولم يحفظ في النصوص أن النبي ﷺ أتم في أثناء إقامته في سفره، فهل يستفاد من هذا الفعل حدٌّ بين الإقامة التي لا تنافي القصر، والإقامة التي توجب الإتمام، وهي مجرد حكاية فعل؟ وهل الاحتياط فيما زاد على هذه المدة الإتمام؛ لأنه قول أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، وصرح به ابن عمر وابن عباس وعلي ﵃، ونسب جماعة من أهل العلم القول به لعثمان بن عفان ﵁ (١).

стр. 10150

ولأن الأصل الإتمام عند التردد. ولأن القصر سنة على الصحيح، والإتمام جائز مطلقًا فيكف إذا كان الإتمام للاحتياط لصحة الصلاة ومراعاة لخلاف أكثر أهل العلم. أو يقال: إن القصر جائز؛ فإذا لم تمنع إقامة النبي ﷺ في السفر من القصر، لم تمنع منه فيما زاد على ما ورد؛ لأن الأفعال لا تقتضي التحديد، فمن أين لنا أن النبي ﷺ لو زاد يومًا واحدًا على مقامه ذلك أتم؟ ولأن الإقامة في أثناء السفر لو كانت تقطع حكم السفر لوجب بيان ذلك في النصوص حتى يتبين للناس ما يتقون، فالمسألة تتعلق بالصلاة والصيام، وهما من أركان الإسلام. ولأن التسوية بين الإقامة في بلده وبين الإقامة في أثناء سفره مخالف للسنة، ولما عليه أكثر الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 10151

ولأن القائلين بانقطاع أحكام السفر بالإقامة قد اختلفوا في تقدير هذه المدة اختلافًا كثيرًا، من لدن الصحابة فمن بعدهم، ولو كان فيه توقيف لم يختلفوا على هذا النحو، حتى بلغت الأقوال فيها إلى أكثر من عشرين قولًا، بل تجد الصحابي الواحد له في المسألة أكثر من قول. والله أعلم. قال ابن رشد: «وسبب الخلاف: أنه أمر مسكوت عنه في الشرع، والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه ﵊ أنه أقام فيها مقصرًا، أو أنه جعل لها حكم المسافر» (١). إذا وقفت على سبب الخلاف نأتي إلى ذكر الأدلة. دليل من قال: إذا عزم على الإقامة أربعة أيام عدا يومي الدخول والخروج أتم: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. وجه الاستدلال: الضرب في الأرض هو السير فيها، ومع الإقامة ينتفي الضرب في الأرض، فالمقيم غير المسافر، والأصل في المقيم أن يتم الصلاة؛ لكن ثبت القصر في أقل من أربعة أيام بإقامة النبي ﷺ في مكة في حجة الوداع، فكان ذلك مستثنى بالنص، فمن زاد عليها وجب عليه الإتمام. وسوف يأتي في الدليل التالي مقام النبي ﷺ في حجة الوداع، ووجه الاستدلال به على هذه المدة إن شاء الله تعالى. وأجيب عن ذلك: الجواب الأول: الضرب في الأرض: هو قطع المسافة، وهو شرط في تحقق السفر المبيح

стр. 10152

للقصر، فإذا ضرب في الأرض حتى قطع المسافة المبيحة للترخص حق له الترخص، ولو أقام في أثناء سفره،، ولا يستفاد من الآية: أن القصر والفطر لا يباحان إلا حال الضرب بدليل قوله تعالى: ﴿مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فقوله: (على سفر) يشمل المسافر إذا جدَّ به السير، والمسافر في حال إقامته أثناء سفره، فكلاهما على سفر، وما أباح الفطر أباح القصر. ولو كان الترخص لا يباح إلا حال الضرب لامتنع القصر والفطر مع الإقامة مطلقًا، وقد قصر النبي ﷺ مع الإقامة في حجة الوداع، وفي فتح مكة، وفي غزوة تبوك، والسنة تبين القرآن. ولم ينقل عن النبي ﷺ قط أنه أتم في سفره بسبب الإقامة، وقصر ابن عمر ستة أشهر حين حبسه الثلج في أذربيجان، فدل على أن المقيم في أثناء السفر لا ينتفي عنه وصف السفر، فإذا تحقق الضرب في الأرض المبيح للقصر فلا جناح عليه أن يقصر من الصلاة، ولو أقام في أثناء سفره. والقول بأن هذه إقامة لا يدري معها متى يرجع، هذا التقييد للنصوص لم يأت به نص، والنص الشرعي لا يقيده، ولا يخصصه إلا نص مثله أو إجماع، ولا نص ولا إجماع. الجواب الثاني: الضرب في الأرض تارة يكون للجهاد وتارة يكون للتجارة، وتارة يكون لغيرهما، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:: ٩٤]. وقال تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: الآية: ٢٠]. فأباح الله تعالى القصر للضاربين في الأرض مطلقًا، ومن المعلوم أن بعض التجار ينوي البقاء أكثر من أربعة أيام لشراء السلع، وبيع ما معه منها، ويتحرى التجار هذه المواسم، ولم يستثن الله ضاربًا من ضارب، ولا حالًا من حال، فدل على عمومه، ولو كان ثمت ضارب يجب عليه الإتمام لبينه الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، فلما لم يأت ما يخصص أو يقيد النصوص

стр. 10153

المقيدة والعامة وجب العمل بإطلاقها وعمومها؛ لأن كل نص جاء مطلقًا أو عامًّا فإنه يجب إبقاؤه على إطلاقه وعمومه حتى يقوم دليل على تقييده وتخصيصه. قال ابن تيمية: «التاجر الذي يقدم ليشتري سلعة، أو يبيعها ويذهب هو مسافر عند الناس، وقد يشتري السلعة ويبيعها في عدة أيام، ولا يحد الناس في ذلك حدًّا» (١). الدليل الثاني: (ح-٣٤٩٤) روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة (٢). (ح-٣٤٩٥) وروى البخاري ومسلم من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵁، قال: … قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج … الحديث (٣). فالنبي ﷺ دخل مكة صبيحة يوم الأحد بعد أن صلى الصبح خارج مكة، وكان عازمًا على الإقامة فيها، إلى أن صلى فيها الصبح يوم الخميس يوم التروية الموافق الثامن من ذي الحجة، ثم خرج منها إلى منى، كل ذلك يقصر الصلاة، فكان مقامه أقل من أربعة أيام، فما زاد على ذلك قصر. قال الإمام أحمد أيضًا: «ما نعلم النبي ﷺ أزمع المقام في شيء من سفره إلا في حجته هذه» (٤). وقال ابن خزيمة: «لست أحفظ في شيء من أخبار النبي ﷺ أنه أزمع في شيء من

стр. 10154

أسفاره على إقامة أيام معلومة غير هذه السفرة التي قدم فيها مكة لحجة الوداع … » (١). فإذا كان لا يعلم أن النبي ﷺ أزمع المقام في شيء من سفره إلا في حجته تلك، وقد قصر في هذه المدة، فما زاد فالأصل فيه الإتمام؛ لأن الأصل أن حكم الإقامة مخالف لحكم السفر؛ وقد أجمعوا أن المقيم يتم الصلاة، فنأخذ بما اجتمعوا عليه احتياطًا حتى يتبين حكم ما اختلفوا فيه. وإنما لم يحسب يوم الدخول عند الشافعية وابن القاسم من المالكية؛ لأن النبي ﷺ كان شارف مكة اليوم الثالث، فبات قبل دخولها، والنهار لا اعتداد به عند العرب، فلما صلى الصبح دخل مكة، أو أن النبي ﷺ لما سار أول النهار حتى دخل مكة، والمسافر لا يستوعب النهار بالسير، إنما يسير في بعضه، وهو في يومي الدخول والخروج مسافر في بعض النهار، فكان في حكم المسافر فيهما، وليس في حكم المقيم. ولأنه في يوم الدخول في شغل الحط وتنضيد الأمتعة، ويوم الخروج في شغل الارتحال، وهما من أشغال السفر. فكان مقام النبي ﷺ في مكة على هذا التقدير: ثلاثة أيام، الخامس والسادس والسابع، ثم خرج في اليوم الثامن بعد أن صلى الصبح، وهو فيه في حكم المسافر، فلم يقم بمكة أكثر من ثلاثة أيام، فمن أقام مثل هذه المدة قصر الصلاة، ومن زاد عليه لزمه الإتمام احتياطًا. ونوقش هذان الدليلان من وجوه: الوجه الأول: واضح من النصوص أن السفر على قسمين: سفر حقيقي: وهو الرجل ما دام على جادة سيره. وهذا لا نزاع فيه. وسفر حكمي، وهو: إعطاء حكم الإقامة حكم السفر، وهذا ثابت في الإقامة أربعة أيام من فعل النبي ﷺ في حجة الوداع. فإذا ثبت السفر الحكمي في بعض الإقامة كالأربعة أيام فالأصل استصحابه فيما زاد على ذلك حتى يرجع إلى بلده أو ينوي الاستيطان الدائم، ولا يحكم بقطع السفر

стр. 10155

الحكمي مع بقاء نية السفر إلا بدليل صحيح صريح؛ لأن الحكم بانقطاع السفر حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي، وقد ثبت حكم السفر بيقين فلا يرفع إلا بيقين. ولا يستوي إقامة الرجل في بلده وإقامة المسافر في أثناء سفره، ومن ساوى بينهما فقد خالف السنة، وما عليه أكثر الصحابة. الوجه الثاني: كون النبي ﷺ وقع له اتفاقًا البقاء في مكة أربعة أيام هذا الفعل لا يستفاد منه التحديد، فلا يوجد نص مرفوع يقضي بأن المسافر إذا أقام أكثر من ذلك انقطع حكم سفره. وإذا كانت الإقامة ثلاثة أيام أو أربعة أيام على تقدير عشرين صلاة لا تنفي حكم السفر، فكذلك ما زاد عليها، فمن أين لكم أنه لو قدم اليوم الثالث أو الثاني كان عليه الإتمام في الصلاة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ويأمر أصحابه بالإتمام، ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك. ولو كان هذا حدًّا فاصلًا بين المقيم والمسافر لبينه للمسلمين» (١). فمن أراد التفريق بين إقامة وأخرى فعليه الدليل من النصوص، فالمقادير المحدودة بعدد معين لا بد لها من توقيف، ولا تترك هكذا، فكل أحكام الشريعة التي علقت بعدد معين أو بمدة معينة تأتي النصوص فيها بينة واضحة كالمسح على الخفين في الإقامة والسفر، وبقاء المهاجر في مكة بعد الفراغ من النسك بثلاثة أيام، وبيان عدة المطلقة بأنواعها، وبيان عدة المتوفى عنها زوجها من حامل وحائل إلى غيرها من الأحكام المعلقة بمدد معينة، كلها تأتي النصوص فيها واضحة بينة، فكيف يهمل مثل ذلك في أعظم أركان الإسلام العملية. الوجه الثالث: قولكم: (ما زاد على مقام النبي ﷺ في حجة الوداع فالأصل فيه الإتمام) غير مسلم؛ لأنه معارض بما قدمنا: أن الأصل بقاء حكم السفر، وما ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين.
следующие страницы →