ولأن القائلين بانقطاع أحكام السفر بالإقامة قد اختلفوا في تقدير هذه المدة اختلافًا كثيرًا، من لدن الصحابة فمن بعدهم، ولو كان فيه توقيف لم يختلفوا على هذا النحو، حتى بلغت الأقوال فيها إلى أكثر من عشرين قولًا، بل تجد الصحابي الواحد له في المسألة أكثر من قول. والله أعلم.
قال ابن رشد: «وسبب الخلاف: أنه أمر مسكوت عنه في الشرع، والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه ﵊ أنه أقام فيها مقصرًا، أو أنه جعل لها حكم المسافر» (١).
إذا وقفت على سبب الخلاف نأتي إلى ذكر الأدلة.
دليل من قال: إذا عزم على الإقامة أربعة أيام عدا يومي الدخول والخروج أتم:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
وجه الاستدلال:
الضرب في الأرض هو السير فيها، ومع الإقامة ينتفي الضرب في الأرض، فالمقيم غير المسافر، والأصل في المقيم أن يتم الصلاة؛ لكن ثبت القصر في أقل من أربعة أيام بإقامة النبي ﷺ في مكة في حجة الوداع، فكان ذلك مستثنى بالنص، فمن زاد عليها وجب عليه الإتمام.
وسوف يأتي في الدليل التالي مقام النبي ﷺ في حجة الوداع، ووجه الاستدلال به على هذه المدة إن شاء الله تعالى.
وأجيب عن ذلك:
الجواب الأول:
الضرب في الأرض: هو قطع المسافة، وهو شرط في تحقق السفر المبيح
стр. 10152
للقصر، فإذا ضرب في الأرض حتى قطع المسافة المبيحة للترخص حق له الترخص، ولو أقام في أثناء سفره،، ولا يستفاد من الآية: أن القصر والفطر لا يباحان إلا حال الضرب بدليل قوله تعالى: ﴿مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
فقوله: (على سفر) يشمل المسافر إذا جدَّ به السير، والمسافر في حال إقامته أثناء سفره، فكلاهما على سفر، وما أباح الفطر أباح القصر.
ولو كان الترخص لا يباح إلا حال الضرب لامتنع القصر والفطر مع الإقامة مطلقًا، وقد قصر النبي ﷺ مع الإقامة في حجة الوداع، وفي فتح مكة، وفي غزوة تبوك، والسنة تبين القرآن.
ولم ينقل عن النبي ﷺ قط أنه أتم في سفره بسبب الإقامة، وقصر ابن عمر ستة أشهر حين حبسه الثلج في أذربيجان، فدل على أن المقيم في أثناء السفر لا ينتفي عنه وصف السفر، فإذا تحقق الضرب في الأرض المبيح للقصر فلا جناح عليه أن يقصر من الصلاة، ولو أقام في أثناء سفره.
والقول بأن هذه إقامة لا يدري معها متى يرجع، هذا التقييد للنصوص لم يأت به نص، والنص الشرعي لا يقيده، ولا يخصصه إلا نص مثله أو إجماع، ولا نص ولا إجماع.
الجواب الثاني:
الضرب في الأرض تارة يكون للجهاد وتارة يكون للتجارة، وتارة يكون لغيرهما، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:: ٩٤].
وقال تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: الآية: ٢٠].
فأباح الله تعالى القصر للضاربين في الأرض مطلقًا، ومن المعلوم أن بعض التجار ينوي البقاء أكثر من أربعة أيام لشراء السلع، وبيع ما معه منها، ويتحرى التجار هذه المواسم، ولم يستثن الله ضاربًا من ضارب، ولا حالًا من حال، فدل على عمومه، ولو كان ثمت ضارب يجب عليه الإتمام لبينه الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، فلما لم يأت ما يخصص أو يقيد النصوص
стр. 10153
المقيدة والعامة وجب العمل بإطلاقها وعمومها؛ لأن كل نص جاء مطلقًا أو عامًّا فإنه يجب إبقاؤه على إطلاقه وعمومه حتى يقوم دليل على تقييده وتخصيصه.
قال ابن تيمية: «التاجر الذي يقدم ليشتري سلعة، أو يبيعها ويذهب هو مسافر عند الناس، وقد يشتري السلعة ويبيعها في عدة أيام، ولا يحد الناس في ذلك حدًّا» (١).
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٩٤) روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع،
عن ابن عمر ﵄ قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة (٢).
(ح-٣٤٩٥) وروى البخاري ومسلم من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵁، قال: … قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج … الحديث (٣).
فالنبي ﷺ دخل مكة صبيحة يوم الأحد بعد أن صلى الصبح خارج مكة، وكان عازمًا على الإقامة فيها، إلى أن صلى فيها الصبح يوم الخميس يوم التروية الموافق الثامن من ذي الحجة، ثم خرج منها إلى منى، كل ذلك يقصر الصلاة، فكان مقامه أقل من أربعة أيام، فما زاد على ذلك قصر.
قال الإمام أحمد أيضًا: «ما نعلم النبي ﷺ أزمع المقام في شيء من سفره إلا في حجته هذه» (٤).
وقال ابن خزيمة: «لست أحفظ في شيء من أخبار النبي ﷺ أنه أزمع في شيء من
стр. 10154
أسفاره على إقامة أيام معلومة غير هذه السفرة التي قدم فيها مكة لحجة الوداع … » (١).
فإذا كان لا يعلم أن النبي ﷺ أزمع المقام في شيء من سفره إلا في حجته تلك، وقد قصر في هذه المدة، فما زاد فالأصل فيه الإتمام؛ لأن الأصل أن حكم الإقامة مخالف لحكم السفر؛ وقد أجمعوا أن المقيم يتم الصلاة، فنأخذ بما اجتمعوا عليه احتياطًا حتى يتبين حكم ما اختلفوا فيه.
وإنما لم يحسب يوم الدخول عند الشافعية وابن القاسم من المالكية؛ لأن النبي ﷺ كان شارف مكة اليوم الثالث، فبات قبل دخولها، والنهار لا اعتداد به عند العرب، فلما صلى الصبح دخل مكة، أو أن النبي ﷺ لما سار أول النهار حتى دخل مكة، والمسافر لا يستوعب النهار بالسير، إنما يسير في بعضه، وهو في يومي الدخول والخروج مسافر في بعض النهار، فكان في حكم المسافر فيهما، وليس في حكم المقيم.
ولأنه في يوم الدخول في شغل الحط وتنضيد الأمتعة، ويوم الخروج في شغل الارتحال، وهما من أشغال السفر.
فكان مقام النبي ﷺ في مكة على هذا التقدير: ثلاثة أيام، الخامس والسادس والسابع، ثم خرج في اليوم الثامن بعد أن صلى الصبح، وهو فيه في حكم المسافر، فلم يقم بمكة أكثر من ثلاثة أيام، فمن أقام مثل هذه المدة قصر الصلاة، ومن زاد عليه لزمه الإتمام احتياطًا.
ونوقش هذان الدليلان من وجوه:
الوجه الأول:
واضح من النصوص أن السفر على قسمين:
سفر حقيقي: وهو الرجل ما دام على جادة سيره. وهذا لا نزاع فيه.
وسفر حكمي، وهو: إعطاء حكم الإقامة حكم السفر، وهذا ثابت في الإقامة أربعة أيام من فعل النبي ﷺ في حجة الوداع.
فإذا ثبت السفر الحكمي في بعض الإقامة كالأربعة أيام فالأصل استصحابه فيما زاد على ذلك حتى يرجع إلى بلده أو ينوي الاستيطان الدائم، ولا يحكم بقطع السفر
стр. 10155
الحكمي مع بقاء نية السفر إلا بدليل صحيح صريح؛ لأن الحكم بانقطاع السفر حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي، وقد ثبت حكم السفر بيقين فلا يرفع إلا بيقين.
ولا يستوي إقامة الرجل في بلده وإقامة المسافر في أثناء سفره، ومن ساوى بينهما فقد خالف السنة، وما عليه أكثر الصحابة.
الوجه الثاني:
كون النبي ﷺ وقع له اتفاقًا البقاء في مكة أربعة أيام هذا الفعل لا يستفاد منه التحديد، فلا يوجد نص مرفوع يقضي بأن المسافر إذا أقام أكثر من ذلك انقطع حكم سفره. وإذا كانت الإقامة ثلاثة أيام أو أربعة أيام على تقدير عشرين صلاة لا تنفي حكم السفر، فكذلك ما زاد عليها، فمن أين لكم أنه لو قدم اليوم الثالث أو الثاني كان عليه الإتمام في الصلاة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ويأمر أصحابه بالإتمام، ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك. ولو كان هذا حدًّا فاصلًا بين المقيم والمسافر لبينه للمسلمين» (١).
فمن أراد التفريق بين إقامة وأخرى فعليه الدليل من النصوص، فالمقادير المحدودة بعدد معين لا بد لها من توقيف، ولا تترك هكذا، فكل أحكام الشريعة التي علقت بعدد معين أو بمدة معينة تأتي النصوص فيها بينة واضحة كالمسح على الخفين في الإقامة والسفر، وبقاء المهاجر في مكة بعد الفراغ من النسك بثلاثة أيام، وبيان عدة المطلقة بأنواعها، وبيان عدة المتوفى عنها زوجها من حامل وحائل إلى غيرها من الأحكام المعلقة بمدد معينة، كلها تأتي النصوص فيها واضحة بينة، فكيف يهمل مثل ذلك في أعظم أركان الإسلام العملية.
الوجه الثالث:
قولكم: (ما زاد على مقام النبي ﷺ في حجة الوداع فالأصل فيه الإتمام) غير مسلم؛ لأنه معارض بما قدمنا: أن الأصل بقاء حكم السفر، وما ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين.
стр. 10156
ولأن السنة فرقت بين إقامة الرجل في بلده وبين إقامة المسافر أثناء السفر.
وإذا كانت إقامة عشرين صلاة أربعة أيام لا تقطع حكم السفر لم يقطعه ما زاد على ذلك إلا بدليل، ولا دليل.
الوجه الرابع:
من المؤكد أن هناك من أصحاب النبي ﷺ من جاء للحج قبل النبي ﷺ بيوم أو أكثر، فزادت إقامتهم على أربعة أيام، وهناك منهم من سيتأخر في مكة بعد الفراغ من الحج، فلو كان الحكم في حقهم وجوبَ الإتمام لَوَجَبَ على النبي ﷺ أن يُبيِّنه لدُعاء الحاجة للبلاغ والتبيين، كما قام النبي ﷺ بإبلاغ المهاجر ألا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، فلما لم يمنع النبي ﷺ هؤلاء من الترخص، علم أن الإتمام ليس بواجب.
الوجه الخامس:
لو تنزلنا وقلنا: إن الإقامة في أثناء السفر تقطع حكم السفر لم يصح القول بانقطاعه في أربعة أيام، فالوارد عن ابن عمر من رواية سالم ونافع: اثنا عشر يومًا، ومن رواية مجاهد عنه: خمسة عشر يومًا.
والوارد عن ابن عباس: إقامة تسعة عشر يومًا.
والوارد عن علي ﵁ إقامة عشرة أيام، هذه هي الأقوال المسندة عن بعض الصحابة، ليس منها ما يقضي بانقطاع السفر في الإقامة أربعة أيام، فأقلها عشرة أيام، وأكثرها تسعة عشر يومًا، وقد خرجتها في المسألة التي قبل هذه.
نعم نسب القول بإقامة أربعة أيام إلى عثمان ﵁، إلا أني لم أقف عليه مسندًا عنه، والحجة إنما في المسند الصحيح، والثابت عن عثمان أنه أتم في منى، وهي حكاية فعل، ولم يكن هناك نص ثابت عن عثمان عن سبب إتمامه بمنى، لهذا ذهب العلماء في تأويل فعل عثمان إلى أقوال كثيرة، لا يثبت منها شيء عن عثمان (١).
стр. 10157
قال ابن عبد البر: «ولا يصح عندي منها إلا أنه اختار التمام؛ لعلمه بصحة تخيير المسافر بين القصر والتمام» (١).
وقال النووي في شرحه على مسلم: «الصحيح الذي عليه المحققون أنهما -أي عثمان وعائشة- رأيا القصر جائزًا، والإتمام جائزًا، فأخذا بأحد الجائزين، وهو الإتمام» (٢).
وإذا لم يثبت الحدُّ بأربعة أيام بنصٍّ مرفوع صريح، ولا بأثرٍ موقوف صحيح، ضعف منزع القول به، وإن قال به الجمهور، فإن أئمتنا يستدل لأقوالهم ولا يستدل بها، ولو كان الاستدلال من إقامة النبي ﷺ عام حجة الوداع صحيحًا، وأن ذلك حد ما بين المسافر والمقيم لكان أولى الناس في فهم هذا القول هم الصحابة رضوان الله عنهم، فلمَّا لم تجد أحدًا من صحابة النبي ﷺ يقول بانقطاع حكم السفر بالإقامة أربعة أيام عُلم أن القول به مرجوح، وكل قول لا يؤثر عن الصحابة في مسألة وقعت في عصرهم فما أشدَّ وهنَه، ولو قال به الجمهور، فلا عصمة لقول الجمهور، وإن كانت الكثرة مظنة الإصابة غالبًا.
ومالك في الموطأ لم يحتج لهذا القول بسنة، ولا بأثر عن صحابي، وإنما ذكر أن هذا هو قول سعيد بن المسيب، وهو أحب ما سمع في المسألة.
(ث-٩٧٥) روى مالك في الموطأ، عن عطاء الخراساني، أنه سمع سعيد بن
стр. 10158
المسيب قال: من أجمع إقامة أربع ليالٍ، وهو مسافر أتم الصلاة. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي (١).
فما كان للإمام مالك أن يحتج بقول سعيد بن المسيب، وهو من سادة التابعين لو كان في الباب سنة أو أثر صحيح.
وحاول ابن العربي توجيه احتجاج مالك في قول ابن المسيب، فقال: «سعيد بن المسيب صحب سبعين بدريًّا، ومن الصحابة جملة وافرة، ووعى علمًا كثيرًا فأفتى بهذه الفتوى، ولا يقتضيها النظر، ولا يعطيها القياس، فكانت حجة على ما أشرنا إليه من أصله، والله أعلم» (٢).
يريد أن يقول: إن قول سعيد لا يعرف بالرأي، فله حكم الرفع.
وهذا التوجيه ضعيف، لأن التابعي إذا قال قولًا مما لا مجال للرأي فيه ليس له حكم الرفع، وإنما هذا خاص في قول الصحابة، كيف وقول سعيد بن المسيب مخالف لما جاء عن ابن عمر وابن عباس، وعلي ﵁ كما تقدم بيانه في المسألة التي قبل هذه، والله أعلم.
الوجه السادس:
أن أنس بن مالك جعل إقامة النبي ﷺ في المشاعر كلها التي حول مكة في حكم الإقامة في مكة، وكذلك نقل نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، وهو ظاهر النصوص أن الحرم كله مكان واحد، كما قدمت في المسألة التي قبل هذه.
(ح-٣٤٩٦) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال:
سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
فاعتبر أنس ﵁ مقام النبي ﷺ في المشاعر من الإقامة بمكة.
وروى مالك عن نافع، أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليالٍ يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.
стр. 10159
[صحيح] (١).
فقوله: (أقام بمكة) أي من أجل النسك؛ لأن المهاجر ممنوع من الإقامة بمكة عشرًا، واتفق أنس وابن عمر في جعل الإقامة بالمشاعر من الإقامة بمكة، فالتنقل بين المشاعر لا يعد إحداثًا لسفر جديد، فكلها تابعة لمكة، قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، فإذا بلغ الهدي أو الفدية أي موضع من الحرم فَنَحَر فيه فقد بلغ الكعبة.
وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥].
وإنما كان الصد عن الحرم كله.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأهل الحرم من حاضري المسجد الحرام: والحاضر ضد المسافر. وعلى هذا لو كان يستفاد من الفعل التحديد لقيل بالتحديد بالعشرة، فما زاد فيتم، والله أعلم.
وكون الجمهور جعلوا توجه النبي ﷺ من مكة إلى منى يوم التروية شروعًا في سفر جديد، وقطعًا لإقامته في مكة فهذا لم يؤثر عن أحد من الصحابة، وهو مخالف لقول أنس ﵁، ومخالف لما نقله نافع، عن ابن عمر.
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٩٧) روى البخاري ومسلم من طريق عبد الرحمن بن حميد، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن يزيد، فقال السائب:
سمعت العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ثلاث ليالٍ يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر (٢).
وفي رواية لمسلم: يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا (٣).
стр. 10160
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ جعل مقام المهاجر في الثلاث مسافرًا، وذلك أن المهاجر لا يجوز له أن يتخذ مكة دار إقامة؛ لأنه تركها وهاجر إلى الله ورسوله، فحكمه في الإقامة بمكة ثلاثة أيام حكم المسافر، فوجب بهذا أن يكون من نوى المقام أكثر من ثلاث فهو مقيم ومن كان مقيمًا لزمه الإتمام، ووجب أن تكون الثلاث فصلًا بين السفر والإقامة.
(ث-٩٧٦) وقد روى مالك في الموطأ رواية أبي مصعب، عن نافع، عن أسلم، مولى عمر بن الخطاب،
أن عمر بن الخطاب ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليالٍ يتسوقون بها، ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث ليال.
[صحيح] (١).
قال ابن عبد البر والمازري: وقد جعل عمر ﵁ لأهل الذمة لما أجلاهم من الحجاز إذا قدموا أن يقيموا ثلاثًا، فدل على أن ما زاد على الثلاث في حكم الإقامة.
وقد جعل الله الثلاثة قريبًا. قال تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٤ - ٦٥] (٢).
ولما كان المسافر لا بد له من إقامة تتخلل سفره سقط اعتداد قليل الإقامة وافتقر إلى حد فاصل بين القليل منها والكثير، فكان التحديد بالثلاث أولى لما قدمناه من الأدلة.
стр. 10161
ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
هذه الأحاديث لم تسق في معرض بيان الفرق بين المسافر والمقيم حتى يمكن الاستدلال بها على مسألة إقامة المسافر، خاصة أن هذه الإقامة حدثت في سفر النبي ﷺ ، ولم تمنع من الترخص.
قال ابن تيمية: «ليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم، بل المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء المناسك. فعلم أن الثلاث مقدار يرخص فيه فيما كان محظور الجنس. قال ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج) (١).
وقال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (٢)» (٣).
فلا يقاس ما كان جنسه محظورًا، فأبيح القليل منه، على حكم القصر، وهو مسنون، فالمقيم لا يجوز له القصر، ولو كان فرضًا واحدًا، فلما استحب القصر للمسافر مع الإقامة العارضة دل على قيام سببه، وهو السفر، ولا يقطعه إلا الرجوع إلى بلده، أو نية الإقامة الدائمة.
الوجه الثاني:
أن هذا الحكم خاص من حيث الأشخاص بالمهاجر بخلاف غيره فيباح له الإقامة بمكة أكثر من ثلاث، وخاص من حيث المكان بمكة، فلا يشمل غيرها، وخاص من حيث الزمن بعد الفراغ من النسك، فلو قدم المهاجر للحج قبل الموسم بشهر وبقي إلى الموسم لم يمنع من البقاء في مكة، فلا يصح تعميم ما كان خاصًّا بالأشخاص والزمن والمكان على جميع المسافرين ولجميع الأماكن، فالحكم لا علاقة له بتحديد مدة الإقامة المانعة من الترخص، وإنما رخص لهم بالثلاث بعد الفراغ من النسك؛ لأنها مظنة قضاء الحاجة، والتهيؤ للسفر.
стр. 10162
وسؤال آخر: هل يُظن أن تُعنى الشريعة بتحديد هذا مع خصوصه في الزمان والمكان والأشخاص ثم تدع بيان حد الإقامة مع عمومه لهذه الأحوال؟
الدليل الرابع:
أن وجوب الإتمام هو مقتضى الاحتياط للعبادة.
قال الأثرم: «قلت له -أي للإمام أحمد-: فلم لم يقصر على ما زاد من ذلك؟ قال: لأنهم اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم» (١).
وقال ابن تيمية: «وأحمد أمر بالإتمام فيما زاد على الأربعة احتياطًا» (٢).
وقال أبو ثور: «لما أجمعوا على ما دون الأربع، أنه يقصر فيها، واختلفوا في الأربع فما فوقها، كان عليه أن يتم، وذلك أن فرض التمام لا يزول باختلاف» (٣).
وقال الإمام الشافعي: «أن يتم وله أن يقصر أحب إلينا من أن يقصر، وعليه أن يتم» (٤).
ويجاب:
إذا كان منزع الحكم بالإتمام هو الاحتياط، وليس ظهور الأدلة، فما فعل احتياطًا، لا يقال بوجوبه، ولا يحكم بفساد صلاة من قصر الصلاة إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام؛ لأن إبطال العبادات لا يجوز إلا بحجة بينة، والأصل صحة الصلاة.
وقولكم: أجمعوا أن المقيم يتم الصلاة، فنأخذ بما اجتمعوا عليه احتياطًا.
إنما أجمعوا على المقيم الذي لم يحدث سفرًا، ولم يجمعوا على المقيم في سفره، فالقول بأنه يلزمه الإتمام ليس أخذًا بما اجتمعوا عليه، بل هو أخذ بما اختلفوا فيه، وذلك أن القصر واجب عند الحنفية ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا.
أيضًا الفقهاء لم يجمعوا على ما دون الأربع، حتى قال ربيعة: من أقام يومًا وليلة أتم صلاته.
الدليل الخامس:
أن الحكمة من مشروعية القصر والفطر للمسافر تخفيف مشقة السفر، ومن
стр. 10163
أقام أربعة أيام فقد ألقى عنه تعب السفر.
(ح-٣٤٩٨) روى البخاري ومسلم من طريق سمي، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه، فإذا قضى نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله (١).
قال الشنقيطي: «القصر شرع لأجل تخفيف مشقة السفر، ومن أقام أربعة أيام فإنها مظنة لإذهاب مشقة السفر عنه» (٢).
ويجاب عن ذلك:
المشقة: هي الحكمة من مشروعية القصر، وليست علة للقصر، فالقصر علته السفر، فلو صحب السفر ترف لا مشقة فيه كما يكون في سفر الملوك والأمراء، لم يبطل ذلك أحكام الترخص.
والمسافر اليوم يذهب بالطائرة، ويقيم في أفخم الفنادق التي توفر أطايب الطعام للمسافر، مما يجعل السفر راحة ومتعة تفوق راحة المقيم، وكل ذلك لا يجعل القصر ممنوعًا على المسافر؛ لانتفاء المشقة، والله أعلم.
دليل من قال: لا يقصر إلا إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام:
(ح-٣٤٩٩) وروى الإمامان البخاري ومسلم من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵁، قال: … قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج … الحديث (٣).
وجه الاستدلال:
فالنبي ﷺ دخل مكة صبيحة يوم الأحد بعد أن صلى الصبح خارج مكة، وكان عازمًا على الإقامة فيها، إلى أن صلى فيها الصبح يوم الخميس، ثم خرج منها إلى منى، كل ذلك يقصر الصلاة.
فصلى يوم الأحد أربعة أوقات، وصلى يوم الخميس الصبح، فمجموع ذلك
стр. 10164
خمسة أوقات، وصلى ثلاثة أيام كاملة: خمس عشرة صلاة، فالمجموع عشرون صلاة، أربعة أيام، فإن زاد مقامه على أربعة أيام أتم.
وهذا القول قائم على احتساب عدد الصلوات، وهو أجود من إلغاء يومي الدخول والخروج.
ويرد على هذا القول ما ورد على القول الأول؛ لأن الخلاف بينهما هو في طريقة احتساب مقامه ﷺ في مكة، ويكفي أن هذا القول لا يؤثر عن صحابي، والله أعلم.
دليل من قال: لا يقصر إلا إذا نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة:
هذا القول دليله دليل القول السابق، والخلاف معه في طريقة احتساب الأيام، فعدَّ صلاة يوم الأحد يومًا كاملًا؛ لأن بياته بذي طوى وصلاته الصبح فيها لا يخرجه عن مقامه في مكة؛ لأن ذي طوى قريبة جدًّا من المسجد الحرام، مع ثلاثة الأيام، فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح يوم التروية في الأبطح تمام إحدى وعشرين صلاة، وقد قصر النبي ﷺ فيهن الصلاة، فما زاد على ذلك لزمه الإتمام.
وأجيب:
يجاب عن هذا القول بما أجيب به القول السابق، بأن القول هذا لا يؤثر عن صحابي واحد من أصحاب النبي ﷺ .
وما نقل من قصر النبي ﷺ في حجة الوداع، أو في فتح مكة، أو في غزوة تبوك -مع إقامته فيها مددًا مختلفة- حكاية أفعال تفيد جواز القصر في مثل هذا العدد، ولا تفيد منع القصر فيما زاد عليها، وإذا وجدت أحكام السفر مع الإقامة في أثنائه، دل على أن إقامة المسافر لا تنافي الترخص، فمن أراد أن يخرجه من أحكام السفر في غيرها من المدد فعليه الدليل.
يقول شيخ الإسلام: «من جعل للمقام حدًّا من الأيام: إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثني عشر، وإما خمسة عشر، فإنه قال قولًا لا دليل عليه من جهة الشرع، وهي تقديرات متقابلة. فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى مسافر، ومقيم .... وتقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن، وهذا التقسيم لا دليل عليه
стр. 10165
من جهة الشرع، فالناس إما مسافر، وإما مقيم» (١).
ومن خرج من بيته مسافرًا فله أن يترخص من غير فرق بين كونه مقيمًا في سفره، وبين كونه قد جدَّ به السير، ولا يقطع حكم السفر إلا أمران: أن ينوي الإقامة المطلقة، وذلك بتغيير محل الإقامة، أو يرجع إلى بلده.
دليل من قال: المسافر يقصر حتى يرجع إلى بلده:
الدليل الأول:
كل حَدٍّ للعبادة بزمن أو مكان أو عدد فلا بد له من دليل، ولم ينقل أن النبي ﷺ حدد مدة الإقامة المبيحة للقصر من قوله، ولا أنه أتم في سفره إذا أقام في أثنائه، ولو مرة واحدة، فالإقامة في السفر إما أن تكون مع رفض السفر، أو لا، فالأولى تمنع من الترخص قولًا واحدًا، بخلاف الثانية فلا تمنع؛ لبقاء نية السفر، قال عمر ﵁ لأهل مكة: (أتموا أهل مكة فإنا قوم سفر) (٢)، فأطلق عليه وصف السفر مع نية الإقامة للمناسك، فإذا صدق اسم السفر على المقيم أثناء سفره لم يمنع من الترخص، فمن ادعى أن إقامة المسافر في أثناء سفره ترفع عنه وصف السفر، وتمنعه من الترخص فعليه الدليل، ولا يكفي القول بأن النبي ﷺ لم يقصر إلا في هذه المدة، فما زاد عليها فلا يقصر؛ لأن الأفعال التي تقع اتفاقًا لا يستفاد منها التحديد؛ ولأن قصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٠٠) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن سعيد بن شفي،
عن ابن عباس، قال: جعل الناس يسألونه عن الصلاة في السفر، فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من أهله لم يصلِّ إلا ركعتين حتى يرجع إلى أهله.
[صحيح] (٣).
стр. 10166
وجه الاستدلال:
كان النبي ﷺ يقصر من حين يخرج من المدينة إلى أن يرجع إليها، سواء أقام في سفره أم لا، وسواء أكانت إقامته قصيرة أم طويلة، ولو كانت إقامة النبي ﷺ في سفره يومًا أو بعض يوم لقيل ربما هذه إقامة يسيرة لا يسلم منها كل مسافر، أما أن يقيم أربعة أيام عشرين صلاة، ثم لا يقطع ذلك حكم سفره دل على أن الإقامة في السفر لا أثر لها في قطع الترخص.
الدليل الثالث:
(ح-٣٥٠١) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال:
سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا (١).
стр. 10167
(ح-٣٥٠٢) وروى البخاري من طريق أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا (١).
[قوله: (أقمنا تسع عشرة) هذا هو المحفوظ من لفظ الحديث].
(ح-٣٥٠٣) وروى أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
[المحفوظ مرسل] (٢).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
ثبت أنه ﷺ أقام في أثناء سفره وقصر الصلاة، سواء أكان ذلك في حجة الوداع، أم في فتح مكة، أم في غزوة تبوك. ولم ينقل عن النبي ﷺ أن هذا الفعل منه هو منتهى ما يقصر فيه المسافر إذا أقام، ولا بين ﷺ أنه قَصَرَ في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع إقامة، ولا أنه قصر في تبوك؛ لأنه في انتظار حرب مع العدو قد تطول، ولو كان قَصْرُ النبي ﷺ في إقامته تلك لهذه العلل لبيَّن النبي ﷺ ذلك من قوله حتى لا يستدل بهذه الأفعال على جواز القصر مطلقًا؛ وإذ لم يبين ذلك فالأصل بقاء حكم السفر حتى يثبت عكسه من صريح قول النبي ﷺ ، أو يثبت من فعله أنه أتم في سفره بسبب الإقامة العارضة، وإذا لم يثبت لا هذا ولا ذاك، فالأصل استصحاب حكم السفر.
الوجه الثاني:
أن هذه النصوص العامة والمطلقة باقية على عمومها وإطلاقها، ولا يقيد هذه النصوص ولا يخصصها إلا نصوص مثلها أو إجماع، أو قول صحابي اشتهر ولم يخالفه أحد.
стр. 10168
وأجيب عن هذه الأدلة:
أما الجواب عن مقامه في فتح مكة وفي غزوة تبوك:
فلم يجمع الإقامة مدة معلومة، ففي فتح مكة كان بقاؤه فيها لغايتين: تنظيم شؤونها بعد فتحها، وتجهيز الجيش لغزوة حنين، وهذا أمر لا يعلم متى يفرغ منه.
«قال إسحاق بن منصور: قيل لأحمد ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أقَامَ بمكةَ ثماني عشرةَ زمنَ الفتح، قال: إنَّما أرادَ حُنينًا لم يكُنْ ثمَّ إجماعٌ، وأقامَ بتبوكَ عشرينَ لمْ يكُنْ ثَمَّ إجماعٌ، ولكن إذا أُجمِعَ على إقامةٍ زيادة على أربع أتَمَّ الصَّلاةَ» (١).
وأما إقامته في تبوك، فإنهم كانوا مقيمين بدار الحرب، وينتظرون الرجوع في كل يوم، فلم يجمعوا على الإقامة مدة معلومة.
وإذا لم يجمع المسافر المكث مدة معلومة فله القصر،
وحكي إجماعًا، قال الترمذي: «أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون» (٢).
وقال مثله ابن المنذر (٣).
وكان ابن عمر ﵁ القائل: المسافر يقصر ما لم يجمع مكثًا.
والقائل أيضًا: إذا أجمع على الإقامة اثني عشر يومًا أتم حين حبسه الثلج في أذربيجان ستة أشهر قصر الصلاة، وإن كان يعلم أنه لا يذوب عن قرب، إلا أنه حين علق سفره على حاجة لا يعلم متى تقضى قصر، وليس فعل ابن عمر هذا مخالفًا لقوله.
ومثله قول ابن عباس فهو يرى أنه إذا أقام أكثر من تسعة عشر يومًا أتم الصلاة، ومع ذلك صح عنه أنه أفتى بالقصر لمن أقام في المدينة حولًا كاملًا، وكذلك أفتى بالقصر لمن أقام خمسة أشهر، وسبق تخريجها، وسأعيدها إن شاء الله تعالى في الدليل التالي، وفتواه لا تعارض قوله بالإتمام إذا أقام أكثر من تسعة عشر يومًا، والله أعلم.
стр. 10169
وأما الجواب عن حديث أنس في قيام النبي ﷺ في مكة في حجة الوداع،
فهو الفعل الوحيد الذي أجمع النبي ﷺ على الإقامة فيه مدة معلومة.
فأنس عدَّ مقامه في المشاعر من مقامه في مكة، فقال: أقمنا في مكة عشرًا نقصر الصلاة، وكذلك نافع فيما رواه عن ابن عمر، وقد سبق تخريجهما، ولا يوجد من أقوال الصحابة ما يخالفهما.
والجواب عنه على هذا التأويل: بأن إقامته ﷺ بمكة لا استيطانًا لها لئلا تكون رجوعًا في الهجرة، وبأن إقامته ﷺ بها عشرًا كانت بنية الرحيل، وكانت العوائق تمنعه من ذلك، فما كان على نية الرحيل، فإنه يقصر فيه، وإن أقام مدة طويلة بإجماع العلماء (١).
وأما الجمهور فجعلوا توجه النبي ﷺ من مكة إلى منى شروعًا في سفر جديد، وقطعًا لإقامته في مكة، وقد أقام النبي ﷺ في مكة يقصر الصلاة، فما زاد عليها لزمه الإتمام احتياطًا.
قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر. فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد … فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي ﷺ بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا» (٢).
وقد اختلف الجمهور في كيفية احتساب إقامته ﷺ في مكة، أتحسب بعدد الصلوات التي صلاها في الأبطح، أم تحسب بعدد الأيام.
والقائلون بالأيام اختلفوا في احتساب يومي الدخول والخروج من المدة، ولهذا اختلفت أقوالهم في مدة إقامته بالأبطح على ما سبق ذكره.
وما روي عن الصحابة من قصر الصلاة مع الإقامة الطويلة محمول على أنهم لم يعزموا على الإقامة مدة طويلة، وإنما كانوا ينتظرون قضاء حاجاتهم؛ لأنها حكاية أفعال، فهي تشبه فعل ابن عمر حين قصر الصلاة بسبب الثلج.
стр. 10170
ورد هذا الجواب:
أما الجواب عن الإجماع الذي نقله الترمذي: فلا يصح؛ لأن الخلاف محفوظ من الصحابة وبين الأئمة الأربعة.
فالأصح في مذهب الشافعية أن المسافر إذا أقام، وهو لا يعلم متى تنقضي حاجته، فإنه يقصر ثمانية عشر يومًا، ثم يتم، لا فرق بين المقيم لقتال أو خوف أو تجارة أو غيرها.
قال النووي: «لو أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت قصر ثمانية عشر يومًا ..... » (١).
وقال ابن عباس بجواز القصر تسعة عشر يومًا تأسيًا بفعل النبي ﷺ في حجة الوداع مطلقًا، ولم يشترط أن يكون المسافر لم يجمع مكثًا.
وإذا كانت الإقامة تسعة عشر يومًا لا تقطع أحكام السفر لم يقطع أحكام السفر ما زاد عليها؛ فما الفرق بين الإقامة في اليوم التاسع عشر وبين اليوم العشرين.
ولأن إبطال حكم القصر حكم وضعي، فإذا كانت الإقامة تبطله لم يكن هناك فرق بين الأربعة أيام أو العشرة أو الخمسة عشر، أو التسعة عشر، أو أقل أو أكثر.
وأما الجواب عن دعوى أن إقامته ﷺ في فتح مكة وفي غزوة تبوك بأنه لم يجمع الإقامة مدة معلومة، فمن أكثر من وجه:
الوجه الأول:
لم يبين النبي ﷺ أنه قصر في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع الإقامة، ولا أنه قصر في تبوك؛ لأنه في انتظار حرب لا يعلم متى تنتهي، ولو كان هذا شرطًا للقصر مع الإقامة لبينه النبي ﷺ ؛ لأن شروط العبادة توقيفية، وحتى لا يلتبس على الناس أمر دينهم في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وحتى لا يتأسى به أحد ممن لم يتوفر فيه هذا الشرط.
стр. 10171
الوجه الثاني:
لم يصح عن أحد من الصحابة أن المسافر إذا عزم على إقامة معلومة أتم إلا عن ابن عمر وحده، فقال ابن عمر: يتم إذا أجمع على الإقامة اثني عشر يومًا، وسبق تخريجه.
وأما الأثر عن علي ﵁، فمع مخالفته لابن عمر في تقدير المدة فإن الأثر عنه منقطع:
(ث-٩٧٧) فقد روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن علي قال: إذا أقمت بأرض عشرًا فأتم، فإن قلت: أخرج اليوم أو غدا، فصلِّ ركعتين، وإن أقمت شهرًا.
[رجاله ثقات إلا أنه منقطع] (١).
وروي عن ابن عباس، ولم يصح عنه.
(ث-٩٧٨) فقد روى الطبري من طريق عبد الوارث بن سعيد، حدثنا، ليث، عن مجاهد،
عن ابن عباس، قال: إذا قدمت أرضًا لا تدري متى تخرج، فأتم الصلاة، وإذا قلت: أخرج اليوم أخرج غدًا فَقَصْرُ ما بينك وبين عشر ثم أتم الصلاة.
[منكر] (٢).
(ح-٣٥٠٤) لمخالفته ما رواه البخاري عن ابن عباس، من طريق أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا (٣).
وظاهره من غير فرق بين كونه عزم على الإقامة مدة معلومة أو لا.
ونقل عن جماعة من الصحابة القصر مطلقًا مع الإقامة الطويلة، منهم ابن عباس، وعبد الرحمن بن مسور، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وابن
стр. 10172
مسعود وغيرهم، وسبق تخريجها في المسألة السابقة.
وأخذ به بعض التابعين، منهم: الحسن البصري، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وقد وثقت ذلك في الأقوال في المسألة السابقة.
هذا هو ما يؤثر عن الصحابة، فلا يصح القول بأنه إذا أجمع إقامة أتم إلا عن ابن عمر وحده، وإذا كان قول ابن عمر مخالفًا لما رواه جمع من الصحابة جزم الباحث أن قوله صادر عن اجتهاد، وليس عن سنة.
والقائلون بانقطاع أحكام السفر بالإقامة قد اختلفوا في تقدير هذه المدة اختلافًا كثيرًا، من لدن الصحابة فمن بعدهم، ولو كان فيه توقيف لم يختلفوا على هذا النحو، حتى بلغت الأقوال فيها إلى أكثر من عشرين قولًا، بل تجد الصحابي الواحد له في المسألة أكثر من قول.
لهذا كله أرى أن التمسك بمطلق فعل النبي ﷺ هو الأولى، ولا يقيد فعل النبي ﷺ إلا نص مثله أو إجماع، أو قول صحابي اشتهر، ولا معارض له، والله أعلم.
الوجه الثالث:
أن الجمهور اشترطوا لصحة القصر مع الإقامة شرطين:
أحدهما: ألا يعلم متى تنقضي حاجته.
الثاني: أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا ينقطع بها حكم السفر على إحدى القولين.
ومتى اختل شرط من هذين الشرطين لزمه الإتمام (١).
стр. 10173
قال شيخ الإسلام في معرض الرد عليهم: «أقام النبي ﷺ في غزوة الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ومعلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة، حتى يقال: إنه كان يقول: اليوم أسافر، غدًا أسافر! بل فَتَحَ مكة، وأهلها وما حولها كفار محاربون له، وهي أعظم مدينة فتحها، وبفتحها ذلت الأعداء وأسلمت العرب، وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة، وكذلك في تبوك» (١).
ويقول شيخ الإسلام: «أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر. كما أقام النبي ﷺ وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان. وكان النبي ﷺ لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام» (٢).
ورد على هذا:
هذا الاعتراض يتوجه للقول الذي يشترط أن يكون تربص المسافر لقضاء حاجته يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا ينقطع بها حكم السفر، أما الذي لا يشترط هذا الشرط، ويكفي أن تكون حاجته لا يعلم متى تنتهي، حتى ولو قطع أن حاجته لا تنقضي في مدة قريبة، فلا يعترض عليه بمثل ذلك، وقد كان ابن عمر يرى أن من أجمع إقامة اثني عشر يومًا أتم الصلاة، وحين حبسه الثلج في أذربيجان قصر الصلاة ستة أشهر، مع علمه أن الثلج لا يذوب عن قريب، والله أعلم.
стр. 10174
الدليل الرابع: من الآثار.
صح عن جماعة من الصحابة أنهم قصروا الصلاة مع الإقامة الطويلة أثناء السفر، من ذلك:
(ث-٩٧٩) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة،
عن ابن عباس، قال: إن أقمت في بلد خمسة أشهر فاقصر الصلاة.
ولفظه عند الطبري: سئل ابن عباس عن قَصْرِ الصلاة، فقال: قَصِّرْ وإن كنت في أرض خمسة أشهر.
[صحيح] (١).
(ث-٩٨٠) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا المثنى بن سعيد عن أبي جمرة نصر بن عمران قال:
قلت لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان فكيف ترى؟ فقال: صل ركعتين، وإن أقمت عشر سنين.
[صحيح] (٢).
(ث-٩٨١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن أبي التياح الضبعي، عن رجل، من عنزة يكنى أبا المنهال، قال:
قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولًا، لا أَشُدُّ على سير، قال: صل ركعتين (٣).
[صحيح] (٤).
(ث-٩٨٢) وروى الطبري من طريق عبد الوارث، حدثنا يونس، عن الحسن،
أن أنس بن مالك، كان بنيسابور على جبايتها، فكان يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم
стр. 10175
يصلي ركعتين، ولا يُجَمِّعُ، وكان الحسن معه شتوتين.
[صحيح] (١).
قوله: (ولا يُجَمِّعُ) أي لا يصلي الجمعة.
(ث-٩٨٣) وروى عبد الرزاق، عن معمر عن يحيى بن أبي كثير،
عن حفص بن عبيد الله، أن أنس بن مالك أقام بالشام شهرين مع عبد الملك بن مروان يصلي ركعتين ركعتين.
[حسن، وقد ثبت سماع حفص من جده أنس بن مالك] (٢).
(ث-٩٨٤) وروى البيهقي في السنن من طريق عاصم بن علي، حدثنا عكرمة ابن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير،
عن أنس، أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامَهُرْمُزَ تسعة أشهر يقصرون الصلاة.
[ضعيف] (٣).
стр. 10176
(ث-٩٨٥) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن،
أن عبد الرحمن بن سمرة، شتى بكابل شتوة أو شتوتين يصلي ركعتين.
[صحيح] (١).
(ث-٩٨٦) وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الرحمن بن المسور،
عن سعد قال: كنا معه بالشام شهرين، فكنا نُتِمُّ وكان يقصر، فقلنا له، فقال: إنَّا نحن أعلم.
[حسن] (٢).
стр. 10177
(ث-٩٨٧) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، قال: أقمنا مع والٍ، قال: أحسبه بسجستان سنتين، ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف، ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل.
[صحيح] (١).
وأجيب عن هذه الآثار:
حملوا هذه الآثار على من لم يجمع الإقامة مدة معلومة، بل علق رجوعه على قضاء حاجته كالمجاهد لا يدري متى يرجع، ومثل من حبسه الثلج لا يدري متى يذوب، وإن غلب على ظنه أنه قد يطول به المقام على أحد القولين.
دليل من قال: إذا عزم على الإقامة خمسة عشر يومًا أتم الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٠٥) روى أبو داود من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة.
وأجيب عن الحديث بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أما رواية ابن إسحاق بالتحديد بخمسة عشر فأعلت بثلاث علل.
العلة الأولى: تفرد ابن إسحاق بهذه الرواية.
العلة الثاني: الاختلاف عليه في الوصل والإرسال، والأكثر على أن الرواية مرسلة، والمرسل من قبيل الضعيف، وقد رجح أبو داود والبيهقي رواية الإرسال، وقولهما أولى من ترجيح ابن عبد البر وابن حجر رواية الوصل.
العلة الثالثة: لو فرضنا ترجيح رواية الوصل فإن رواية ابن إسحاق مخالفة لرواية البخاري: أنه أقام في فتح مكة تسع عشرة ليلة، ورواية البخاري أقوى إسنادًا.
стр. 10180
الجواب الثاني:
أن حديث ابن عباس معل بالاضطراب.
رواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، وذكر الإقامة في مكة خمسة عشر يومًا.
(ث-٩٨٨) ورواه شريك، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ أقام بمكة عام الفتح سبع عشرة، يصلي ركعتين.
[ضعيف] (١).
ورواه حفص بن غياث، عن عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أقام سبعَ عشرةَ بمكة يقصُر الصلاة. قال ابن عباس: ومن أقام سبعَ عشرةَ قصر، ومن أقام أكثر أتمَّ.
[وهم فيه حفص في قوله: (سبع عشرة)].
ورواه أبو شهاب الحناط في رواية الأكثر عنه، وهي في البخاري.
وأبو عوانة في رواية الأكثر عنه، وهي في البخاري.
стр. 10181
وابن المبارك في رواية الأكثر عنه، وهي في البخاري.
وأبو معاوية من رواية الأكثر عنه،
وعبد الواحد بن زياد، خمستهم رووه عن عاصم به، فذكروا إقامته في فتح مكة تسعة عشر يومًا (١).
стр. 10182
وروى علي بن زيد عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين، قال قمنا مع النبي ﵊ بمكة حيث فتحها ثمانية عشر يصلي ركعتين ركعتين.
[ضعيف] (١).
وقد أعله ابن عبد البر في الاضطراب:
قال: وهو حديث مختلف فيه لا يثبت فيه شيء؛ لكثرة اضطرابه .... فكيف
стр. 10183
يثبت مع هذا الاختلاف في مقدار إقامته بمكة عام الفتح أو أي حجة في إقامته بمكة وليست له بدار إقامة، بل هي في حكم دار الحرب، أو حيث لا تجوز الإقامة؟ (١).
ورد هذا الجواب:
لا أعلم أن أحدًا من أئمة الحديث حكم على حديث ابن عباس بالاضطراب. ولا يحكم عليه بذلك إلا إذا تعذر الترجيح والجمع، ولم يتعذرا.
أما وجه الترجيح: فرواية أنه أقام تسعة عشر يومًا أرجح من غيرها للأسباب التالية.
الأول: أنها رواية الإمام البخاري في صحيحه، وهو أصح الكتب بعد كتاب الله ، وقد رواها من طريق ابن المبارك، وأبي شهاب الحناط، وأبي عوانة، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس.
الثاني: أن عاصمًا الأحول لم ينفرد به عن عكرمة، فقد تابعه حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أقام النبي ﷺ تسعةَ عشرَ يقصُر، فنحن إذا سافرنا تسعةَ عشرَ قصرنا، وإن زدنا أتممنا، وهي في صحيح البخاري (٢).
الثالث: رجح الإمام إسحاق بن راهويه رواية (التسعة عشرة)؛ لأنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة (٣).
وقال البيهقي: «اختلفت هذه الروايات في (تسع عشرة) و (سبع عشرة) وأصحهما عندي رواية من روى (تسع عشرة) وهي الرواية التي أودعها محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح، فأخذ من رواها، ولم يختلف عليه على عبد الله بن المبارك، وهو أحفظ من رواه عن عاصم الأحول» (٤).
الرابع: أن الروايات الأخرى التي تخالف رواية التسعة عشر لا تسلم من علة.
فرواية أنه: (أقام خمسة عشر يومًا)، أعلت بثلاث علل سبق ذكرها.
стр. 10184
ورواية: (أنه أقام سبعة عشر يومًا)، مخالفة لرواية الأكثر ممن روى الحديث، فرواه ابن المبارك، وأبو شهاب الحناط، وأبو معاوية، وأبو عوانة، وعبد الواحد بن زياد (من رواية الأكثر عنه) رووه بلفظ: أقام تسعة عشر.
هذه وجوه ترجيح رواية (أقام تسعة عشر).
وأما وجه الجمع:
فقال البيهقي: «ويمكن الجمع بين رواية من روى تسع عشرة، ورواية من روى سبع عشرة، ورواية من روى ثمان عشرة بأن من رواها تسع عشرة عد يوم الدخول ويوم الخروج، ومن روى ثمان عشرة لم يعد أحد اليومين، ومن قال سبع عشرة لم يعدهما، والله أعلم» (١).
الدليل الثاني:
(ث-٩٨٩) روى عبد الرزاق، عن عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهدًا، يقول: كان ابن عمر إذا قدم مكة، فأراد أن يقيم خمس عشرة ليلة سرح ظهره، وأتم الصلاة.
[رجاله ثقات] (٢).
وجه الاستدلال:
الوجه الأول:
أن التحديد بالخمسة عشر يومًا من ابن عباس وابن عمر من المقدرات الشرعية التي لا تعلم إلا من جهة التوقيف، لا مدخل للرأي فيها؛ لأن العقل لا يهتدي إلى مثل ذلك، ولا يظن بهما التكلم جزافًا فكان قولهما معتمدًا على السماع ضرورة، فهو في حكم المرفوع (٣).
الوجه الثاني:
قال الطحاوي: بأنه لا مخالف لهما من الصحابة (٤). أي لا مخالف لابن عباس
стр. 10185
وابن عمر.
وأجيب عن ذلك:
أما الجواب عن حديث ابن عباس:
فقد سبق الجواب عنه، وأن الراجح فيه رواية التسعة عشر.
وأما الجواب عن أثر ابن عمر:
فإن سالمًا ونافعًا رويا عن ابن عمر بأنه يتم إذا نوى إقامة اثنتي عشرة ليلة، وسبق تخريجه.
وروى مجاهد بن جبر المكي: إذا أراد أن يقيم خمس عشرة ليلة.
فإن حملت الثانية على أنها حكاية عن واقعة حال لا يراد منها التحديد؛ لأن الخمس عشرة اثنتا عشرة وزيادة، وإلا رجحت رواية سالم ونافع؛ لأن رواية آل بيت الرجل أرجح من رواية الغريب، وهما أعلم بابن عمر من مجاهد، والله أعلم.
وأما الجواب عن دعوى الإجماع:
فقال ابن قدامة: «وقول أصحاب الرأي: لم نعرف لهم مخالفًا في الصحابة، غير صحيح، فقد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وذكرنا عن ابن عباس نفسه خلاف ما حكوه عنه» (١).
دليل من قال: إذا زاد في الإقامة على تسعة عشر يومًا أتم الصلاة:
(ح-٣٥٠٦) روى البخاري من طريق أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا (٢).
وجه الاستدلال:
نظر ابن عباس إلى فعل النبي ﷺ في فتح مكة أنه أكثر ما نقل عن النبي ﷺ أنه قصر في السفر، فرأى جواز القصر في مثلها، ولم ير القصر فيما زاد عليها؛ إما لأن الأصل في الإقامة الإتمام، وإما لأن ما زاد عليها يحتمل أن النبي ﷺ يقصر،
стр. 10186
ويحتمل أن النبي ﷺ يتم، فأخذنا بالاحتياط، وهو الإتمام، ولم يفهم ابن عباس أن النبي ﷺ لم يجمع في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع على إقامة معلومة.
ويجاب:
بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أن هذا الفعل منه هو منتهى ما يقصر فيه المسافر إذا أقام، وإذا ثبت القصر في الإقامة في أثناء السفر بيقين لم يرفع إلا بيقين.
ولأن قصر النبي ﷺ تسعة عشر يومًا مطلق، والمطلق باق على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله أو إجماع.
وإذا كانت الإقامة تسعة عشر يومًا لا تقطع أحكام السفر، لم يقطع أحكام السفر ما زاد عليها، وأي فرق في الحكم بين التسعة عشر وبين العشرين يومًا، فكلاهما لا يدخل في حد القليل، والله أعلم.
دليل من قال: إذا أقام اثني عشر يومًا أتم:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٠٧) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال:
سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
وجه الاستدلال:
سوف أستدل لهذا القول حسب اجتهادي، فإن كان صوابًا فالحمد لله، وإن كان خطأ فأستغفر الله،
فالنبي ﷺ بات في اليوم الثالث بذي طوى، وهو قريب من الحرم، فيدخل في حساب إقامة النبي ﷺ في مكة،
(ح-٣٥٠٨) روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع،
عن ابن عمر ﵄ قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة (١).
стр. 10187
ودخل النبي ﷺ مكة صبيحة اليوم الرابع،
(ح-٣٥٠٩) وروى البخاري ومسلم من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵁، قال: … قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج … الحديث (١).
ومكث في الحرم إلى نهاية أيام التشريق، فهذه إحدى عشر يومًا، وقد كان النبي ﷺ يقصر فيها، فإذا أقام اثني عشر يومًا أتم الصلاة.
ويجاب عنه بنفس الجواب الذي قيل عن استدلال ابن عباس في التحديد بتسعة عشر يومًا.
الدليل الثاني:
(ث-٩٩٠) روى مالك عن نافع، أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليالٍ يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.
[صحيح] (٢).
وروى ابن المنذر من طريق محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا أزمعت بالإقامة ثنتي عشرة فأتم الصلاة.
[ابن عجلان صدوق، وفي روايته عن نافع كلام، إلا أنه لم ينفرد به] (٣).
وجه الاستدلال من أثر ابن عمر كوجه الاستدلال به من حديث أنس ﵃ جميعًا.
стр. 10188
ويجاب عنه بنفس الجواب الذي أجبت به عن قول ابن عباس، ويزاد بأن الصحابة ﵃ قد اختلفوا، وإذا اختلف الصحابة طلب مرجح من خارج قولهم، وأكثر الصحابة والتابعين على أن المسافر يقصر حتى يرجع إلى بلده، والله أعلم.
دليل من قال: إذا أقام أكثر من عشرين يومًا أتم:
(ح-٣٥١٠) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
[المحفوظ مرسل] (١).
يقول ابن حزم: إن الله تعالى لم يجعل القصر إلا مع الضرب في الأرض، ولم يجعل رسول الله ﷺ القصر إلا مع السفر، لا مع الإقامة، وبالضرورة ندري أن حال السفر غير حال الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون وترك النقلة والتنقل في دار الإقامة، هذا حكم الشريعة والطبيعة معًا.
فإذ ذلك كذلك فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك، فلا يجوز أن يخرج عن حال الإقامة وحكمها في الصيام والإتمام إلا بنص.
وقد أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة وهذا أكثر ما روي عنه ﵇ في إقامته بتبوك، فخرج هذا المقدار من الإقامة عن سائر الأوقات بهذا الخبر فصح يقينًا أنه لولا مقام النبي ﵇ في تبوك عشرين يومًا يقصر، وبمكة دون ذلك يقصر لكان لا يجوز القصر إلا في يوم يكون فيه المرء مسافرًا، ولكان مقيم يوم يلزمه الإتمام.
لكن لما أقام ﵇ عشرين يومًا بتبوك يقصر صح بذلك أن عشرين يومًا إذا أقامها المسافر فله فيها حكم السفر، فإن أقام أكثر، أو نوى إقامة أكثر فلا برهان يخرج ذلك عن حكم الإقامة أصلًا (٢).
стр. 10189
دليل من قال: إذا أقام يومًا وليلة أتم:
(ح-٣٥١١) روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها حرمة. هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
إذا كان سير المرء يومًا وليلة يجعله في حكم المسافر، فإقامته يومًا وليلة تجعله في حكم المقيم.
وهذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، والله أعلم.
الراجح:
هذه المسألة تعتبر من المسائل الشائكة، والخلاف فيها من لدن الصحابة فمن بعدهم، وقول الجمهور بالتحديد بأربعة أيام، أو أكثر من أربعة أيام قول لا يؤثر عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، والتحديد عند بعض الصحابة أصح ما ورد فيه عن ابن عمر وابن عباس، والأول حدد ذلك في إحدى الروايات عنه باثني عشر يومًا، والثاني حدده بتسعة عشر يومًا، وما ورد عن الإمام علي ﵁ فهو ضعيف، وأكثر الصحابة على أن المسافر يقصر، ولو طالت إقامته في سفره، وهو أقوى الأقوال، فمن أراد أن يحتاط فالاحتياط بابه واسع، فيمكن له أن يقصر إلى تسعة عشر يومًا، باعتبار هذا أكثر ما صح عن النبي ﷺ أنه قصر في سفره، وإن قصر حتى يرجع فهذا أقوى من حيث الحجة، وقواعد الأصول والاستدلال، والله أعلم.
стр. 10190
الباب الأول في صلاة المريض
الفصل الأول في وجوب الصلاة على المريض
المبحث الأول في وجوبها عليه إذا كان فائقًا
المدخل إلى المسألة:
لا يسقط الواجب بالعجز عن بعض شروطه أو بعض أركانه.
الضرورة تقدر بقدرها، والمشقة تجلب التيسير.
الصلاة غاية، والشروط بمنزلة الوسيلة لها، فلا تترك الغاية بالعجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها.
من كلف بشيء من الطاعات، فقدر على بعضه، وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه.
المقدر لا يسقط بالمعسور.
إذا تعذر الأصل انتقل إلى البدل، فإذا عجز عن الماء انتقل إلى التيمم، وإذا عجز عن القيام صلى جالسًا، أو عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما.
إذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بالمرض.
[م-١١٣٥] ذهب عامة أهل العلم إلى وجوب الصلاة على العبد في كل أحواله، من صحة ومرض، وحضر وسفر، وخوف وأمن، فما قدر عليه فعله،