ويحتمل أن النبي ﷺ يتم، فأخذنا بالاحتياط، وهو الإتمام، ولم يفهم ابن عباس أن النبي ﷺ لم يجمع في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع على إقامة معلومة.
ويجاب:
بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أن هذا الفعل منه هو منتهى ما يقصر فيه المسافر إذا أقام، وإذا ثبت القصر في الإقامة في أثناء السفر بيقين لم يرفع إلا بيقين.
ولأن قصر النبي ﷺ تسعة عشر يومًا مطلق، والمطلق باق على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله أو إجماع.
وإذا كانت الإقامة تسعة عشر يومًا لا تقطع أحكام السفر، لم يقطع أحكام السفر ما زاد عليها، وأي فرق في الحكم بين التسعة عشر وبين العشرين يومًا، فكلاهما لا يدخل في حد القليل، والله أعلم.
دليل من قال: إذا أقام اثني عشر يومًا أتم:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٠٧) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال:
سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
وجه الاستدلال:
سوف أستدل لهذا القول حسب اجتهادي، فإن كان صوابًا فالحمد لله، وإن كان خطأ فأستغفر الله،
فالنبي ﷺ بات في اليوم الثالث بذي طوى، وهو قريب من الحرم، فيدخل في حساب إقامة النبي ﷺ في مكة،
(ح-٣٥٠٨) روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع،
عن ابن عمر ﵄ قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة (١).
стр. 10187
ودخل النبي ﷺ مكة صبيحة اليوم الرابع،
(ح-٣٥٠٩) وروى البخاري ومسلم من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵁، قال: … قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج … الحديث (١).
ومكث في الحرم إلى نهاية أيام التشريق، فهذه إحدى عشر يومًا، وقد كان النبي ﷺ يقصر فيها، فإذا أقام اثني عشر يومًا أتم الصلاة.
ويجاب عنه بنفس الجواب الذي قيل عن استدلال ابن عباس في التحديد بتسعة عشر يومًا.
الدليل الثاني:
(ث-٩٩٠) روى مالك عن نافع، أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليالٍ يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.
[صحيح] (٢).
وروى ابن المنذر من طريق محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا أزمعت بالإقامة ثنتي عشرة فأتم الصلاة.
[ابن عجلان صدوق، وفي روايته عن نافع كلام، إلا أنه لم ينفرد به] (٣).
وجه الاستدلال من أثر ابن عمر كوجه الاستدلال به من حديث أنس ﵃ جميعًا.
стр. 10188
ويجاب عنه بنفس الجواب الذي أجبت به عن قول ابن عباس، ويزاد بأن الصحابة ﵃ قد اختلفوا، وإذا اختلف الصحابة طلب مرجح من خارج قولهم، وأكثر الصحابة والتابعين على أن المسافر يقصر حتى يرجع إلى بلده، والله أعلم.
دليل من قال: إذا أقام أكثر من عشرين يومًا أتم:
(ح-٣٥١٠) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
[المحفوظ مرسل] (١).
يقول ابن حزم: إن الله تعالى لم يجعل القصر إلا مع الضرب في الأرض، ولم يجعل رسول الله ﷺ القصر إلا مع السفر، لا مع الإقامة، وبالضرورة ندري أن حال السفر غير حال الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون وترك النقلة والتنقل في دار الإقامة، هذا حكم الشريعة والطبيعة معًا.
فإذ ذلك كذلك فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك، فلا يجوز أن يخرج عن حال الإقامة وحكمها في الصيام والإتمام إلا بنص.
وقد أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة وهذا أكثر ما روي عنه ﵇ في إقامته بتبوك، فخرج هذا المقدار من الإقامة عن سائر الأوقات بهذا الخبر فصح يقينًا أنه لولا مقام النبي ﵇ في تبوك عشرين يومًا يقصر، وبمكة دون ذلك يقصر لكان لا يجوز القصر إلا في يوم يكون فيه المرء مسافرًا، ولكان مقيم يوم يلزمه الإتمام.
لكن لما أقام ﵇ عشرين يومًا بتبوك يقصر صح بذلك أن عشرين يومًا إذا أقامها المسافر فله فيها حكم السفر، فإن أقام أكثر، أو نوى إقامة أكثر فلا برهان يخرج ذلك عن حكم الإقامة أصلًا (٢).
стр. 10189
دليل من قال: إذا أقام يومًا وليلة أتم:
(ح-٣٥١١) روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها حرمة. هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
إذا كان سير المرء يومًا وليلة يجعله في حكم المسافر، فإقامته يومًا وليلة تجعله في حكم المقيم.
وهذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، والله أعلم.
الراجح:
هذه المسألة تعتبر من المسائل الشائكة، والخلاف فيها من لدن الصحابة فمن بعدهم، وقول الجمهور بالتحديد بأربعة أيام، أو أكثر من أربعة أيام قول لا يؤثر عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، والتحديد عند بعض الصحابة أصح ما ورد فيه عن ابن عمر وابن عباس، والأول حدد ذلك في إحدى الروايات عنه باثني عشر يومًا، والثاني حدده بتسعة عشر يومًا، وما ورد عن الإمام علي ﵁ فهو ضعيف، وأكثر الصحابة على أن المسافر يقصر، ولو طالت إقامته في سفره، وهو أقوى الأقوال، فمن أراد أن يحتاط فالاحتياط بابه واسع، فيمكن له أن يقصر إلى تسعة عشر يومًا، باعتبار هذا أكثر ما صح عن النبي ﷺ أنه قصر في سفره، وإن قصر حتى يرجع فهذا أقوى من حيث الحجة، وقواعد الأصول والاستدلال، والله أعلم.
стр. 10190
الباب الأول في صلاة المريض
الفصل الأول في وجوب الصلاة على المريض
المبحث الأول في وجوبها عليه إذا كان فائقًا
المدخل إلى المسألة:
لا يسقط الواجب بالعجز عن بعض شروطه أو بعض أركانه.
الضرورة تقدر بقدرها، والمشقة تجلب التيسير.
الصلاة غاية، والشروط بمنزلة الوسيلة لها، فلا تترك الغاية بالعجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها.
من كلف بشيء من الطاعات، فقدر على بعضه، وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه.
المقدر لا يسقط بالمعسور.
إذا تعذر الأصل انتقل إلى البدل، فإذا عجز عن الماء انتقل إلى التيمم، وإذا عجز عن القيام صلى جالسًا، أو عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما.
إذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بالمرض.
[م-١١٣٥] ذهب عامة أهل العلم إلى وجوب الصلاة على العبد في كل أحواله، من صحة ومرض، وحضر وسفر، وخوف وأمن، فما قدر عليه فعله،
стр. 10191
وما عجز عنه انتقل إلى بدله إن كان له بدل، وإن لم يكن له بدل سقط.
قال ابن يونس في الجامع: «لم يرخص الله في ترك الصلاة، لا في ضرورة ولا في غيرها إلا لمغلوب على عقله، فيصلي المريض بحسب طاقته (١).
وفي رواية عن الإمام أحمد خلاف المشهور عنه ظاهرها أن الصلاة لا تجب على المريض» (٢).
وهذا قول مرجوح جدًّا، ولولا أنه نسب للإمام أحمد لما ذكرته.
الدليل على وجوب الصلاة على المريض:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
و قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الدليل الثاني:
(ح-٣٥١٢) وروى الإمام البخاري في صحيحه من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: … إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وقد رواه مسلم (٣).
فمن كلف بشيء من الطاعات، فقدر على بعضه، وعجز عن بعضه أتى بما قدر عليه وسقط عنه ما عجز عنه إن لم يكن له بدل؛ لأن المقدور لا يسقط بالمعسور.
стр. 10192
الدليل الثالث:
(ح-٣٥١٣) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (١).
فقوله: (فإن لم تستطع فقاعدًا) أي: فصلِّ قاعدًا، وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
الدليل الرابع:
(ح-٣٥١٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا … وذكر الحديث (٢).
(ح-٣٥١٥) وروى البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس .... فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهَادَى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (٣).
الدليل الخامس:
أمر الله المريض الذي لا يقدر على استعمال الماء بالتيمم،
стр. 10193
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]
وقد أمر الله بالصلاة حال القتال، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]،، فحذف المتعلق ليَعُمَّ، فيشمل الخوف حال القتال، ومن اللصوص وقطاع الطرق، ومن السباع، ومن تفويت ما يخاف تفويته.
قال القرطبي: إذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه (١).
دليل من قال: تسقط الصلاة بالمرض:
(ث-٩٩١) ما رواه ابن أبي شيبة، وابن عساكر في تاريخه، من طريق إسماعيل ابن رجاء بن ربيعة، عن أبيه، قال:
كنا عند أبي سعيد الخدري في مرضه الذي توفي فيه وهو ثقيل، قال: فأغمي عليه، قال: فلما أفاق، قلنا: الصلاة يا أبا سعيد، فقال: كفانِ.
[حسن] (٢).
وقوله: (كفان): يعني: كفاني ما صليت في وقت الصحة، وهذا التفسير قال به ابن سعد في الطبقات الكبرى، والإمام أحمد.
وأجيب عن الأثر بعدة أجوبة، منها:
الجواب الأول:
أن هذا الأثر موقوف، مخالف للمرفوع المتفق عليه من صلاة النبي ﷺ في مرضه، سواء أكان ذلك في مرض موته، وكان مرضه شديدًا أم كان في غيره حين
стр. 10194
سقط من فرسه، فصلى جالسًا.
الجواب الثاني:
تأوله ابن أبي شيبة بقوله: يريد (كفان) يعني: أومأ.
وهذا خلاف الظاهر، وهو معارض بفهم الإمام أحمد ﵀.
الجواب الثالث:
يحتمل أنه أغمي عليه، ولم يفق من الإغماء إلا بعد خروج الوقت، والمغمى عليه في أصح أقوال أهل العلم لا تجب الصلاة عليه، وسبق بحث هذه المسألة، وهذا التأويل أولى من القول بسقوط الصلاة لمجرد المرض، وإن كان خلاف الظاهر.
стр. 10195
المبحث الثاني في وجوب الصلاة على المريض المغمى عليه
المدخل إلى المسألة:
الإغماء متردد بين النوم والجنون، إلا أن النوم صفة كمال ويمكن رفعه بالاستيقاظ، والإغماء مرض، وليس في وسع المكلف رفعه.
أهلية المغمى عليه دون أهلية النائم.
الأداء ساقط عن المغمى عليه بالإجماع والقضاء لا يجب إلا بنص.
ما كان من عوارض الأهلية بوسع المكلف رفعه لم يمنع التكليف كالنوم والسكر، وما لم يكن في وسعه رفعه منع منه كالإغماء والخرف.
الخرف لا يسمى جنونًا ويرفع الأهلية فكذا المغمى عليه.
الحائض لا تقضي الصلاة مع أهليتها للتكليف فالمغمى عليه أولى.
[م-١١٣٦] عرضت في المبحث السابق الخلاف في وجوب الصلاة على المريض، ورجحت وجوبها عليه، وهناك من المرض ما اختلف في وجوب الصلاة عليه، وهو المغمى عليه، إذا استغرق عليه الإغماء جميع وقت الصلاة، فهل يلحق المغمى عليه بالمجنون، فلا يقضي أم يلحق بالنائم فتجب الصلاة عليه؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: لا يجب عليه القضاء مطلقًا إذا استغرق الوقت، وهو مذهب المالكية، ومذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
стр. 10196
وقيل: يجب عليه القضاء مطلقًا، وهو منصوص الإمام أحمد، وهو المشهور المعتمد في مذهبه (١).
وقيل: إن أغمي عليه خمس صلوات فما دون وجب عليه القضاء، وإن زاد على خمسٍ لم يقْضِ، وهذا مذهب الحنفية (٢).
وقد سبق لي بحث هذه المسألة في المجلد الثاني، فانظر أدلتها هناك، ولكن تجددت المناسبة في ذكرها فنبهت على الأقوال فيها؛ وأحلت على الأدلة دفعًا للتكرار، والله أعلم.
стр. 10197
الفصل الثاني ضابط المرض المبيح لتغيير هيئة الصلاة
المدخل إلى المسألة:
العجز عن القيام لا يراد به عدم الإمكان، وحكي إجماعًا.
كل ما لم يرد ضبطه في الشرع على وجه التحديد فالعمل به على وجه التقريب.
ما لم يرد ضبطه بالتحديد من قبل الشارع أريد منه التوسعة؛ لتفاوت الناس في تحمل المشاق، فكان المصلي هو المحكم، لا ذات المشقة.
قاعدة: المشقة تجلب التيسير؛ من القواعد المتفق عليها في الجملة.
الضابط في المشقة: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة، فإن كانت مثلها، أو أزيد، ثبتت الرخصة.
المشقة الخفيفة وما قرب منها لا تسقط القيام، والعجز عن القيام وما قرب منه يسقطه، والاجتهاد فيما بين ذلك من المشاق.
المشقة ليست علة لسقوط القيام، وإلا لسقط القيام عن الصحيح إذا شق عليه القيام، وإنما العلة هو المرض إذا كان مظنة لزيادة الألم، أو المرض، أو تأخر البرء، أو الذهول عن الخشوع والتدبر.
المشقة التي لا تنفك عن العبادة كالوضوء في البرد والصوم في الحر والمخاطرة في النفس بالجهاد لا توجب تخفيفًا في العبادة؛ لأنه فرض معها.
يشترط في الانتقال من القعود إلى الاضطجاع عذر أشق من الانتقال من القيام إلى القعود؛ لأن الاضطجاع منافٍ لتعظيم العبادات، بخلاف القعود فإنه مباح بلا عذر كما في التشهد، ولأن القعود أقل كلفة على المريض من القيام.
قال إمام الحرمين في ضابط المشقة: أن تلحقه مشقة تذهب بخشوعه.
الخشوع في الصلاة: قدرة المصلي على استحضار قلبه لما يقرأ وطمأنينته
стр. 10198
في صلاته، فلو كان إذا قام في الصلاة توجع من قيامه، وأشغله الألم عن إقامة حق الصلاة من خشوع وتدبر فهو لم يستطع شرعًا، وإن كان قادرًا على القيام.
دفع المشقة عن المكلف مقصود للشارع تارة بالإبراد في شدة الحر، وتارة بالتخلف عن الجماعة كالتخلف لشدة البرد وبلل المطر وانتشار الوحل.
المشقة وإن عسر ضبطها، فيمكن للمجتهد تقريبها بالقياس على نظائرها مما ورد فيه نصٌّ، تحصيلًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة.
الأولى في ضابط مشاق العبادات أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة، فإن كانت مثلها أو أزيد ثبتت الرخصة.
من أجْلِ كمال الخشوع قُدِّمَ الطعام على الصلاة، حتى ولو أقيمت الصلاة، فكيف إذا كان ألم المشقة مع القيام يذهب بأصل الخشوع أو أكثره؟
التأذي بالريح والبرد مسقط لصلاة الجماعة، وقد اجتمع فيه سببان للتخلف: ذهاب الخشوع أو كماله ومشقة التعرض للسع البرد، والأول مقيس على حضور الطعام، والثاني مقيس على مشقة التأذي بالمطر والوحل.
قال النووي في ضابط المرض المبيح للتخلف عن الجماعة، قال: ضبطوه بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر.
إذا كان المريض في الحضر يفطر إذا شق عليه الصوم مشقة تُرْبِي على مشقة الصوم في السفر مع قدرته عليه، فكذلك إذا شق القيام على المصلي صلى قاعدًا، وإن لم تنتف مطلق القدرة.
المسافر أقوى على الصوم من المريض على القيام بالصلاة، والصوم أحد أركان الإسلام، فتقاس عليه الصلاة بجامع المشقة، وإن لم يتعذر عليه القيام.
التأذي بالقمل مبيح للحلق في حق الناسك، فينبغي أن يعتبر تأذيه بالأمراض بمثل مشقة القمل.
[م-١١٣٧] المصلي الذي لا يقدر على القيام فهذا لا خلاف أنه يصلي قاعدًا ضرورة، ولا يكلف بالقيام؛ لأنه تكليف بما لا يطاق.
стр. 10199
وأما المشقة الخفيفة التي لا يُخْشَى منها زيادةٌ في المرض، ولا تَأَخُّرٌ في البرء، ولا تلهي عن الخشوع في الصلاة، ولا عن تدبر الأذكار، فهذه لا تسقط القيام.
وهناك مشقة بين هاتين المرتبتين، فما دنا من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا، كحمى خفيفة لم يوجبه، ولا يوجد ضابط يمكن الرجوع إليه إلا بالتقريب.
وقد ذكر القرافي أن المشاق تختلف باختلاف رتب العبادات فما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها، وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة.
وقد أشار الشيخ العز بن عبد السلام إلى أن الأولى في ضبط مشاق العبادات: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة، فإن كانت مثلها، أو أزيد، ثبتت الرخصة، وإن كانت أدنى منها لم توجب التخفيف.
ولذلك اعتبر في مشقة المرض المبيح للفطر في الصوم: أن يلحقه مشقة في الحضر بسبب المرض كمشقة الصوم في السفر.
وفي إباحة محظورات الإحرام: أن يحصل بتركها، مثل مشقة القمل الوارد فيه الرخصة.
وفي إباحة ترك القيام إلى القعود: أن يحصل به ما يشوش الخشوع وتدبر الأذكار، ولا يشترط فيها الضرورة، ولا العجز عن صورة القيام اتفاقًا (١).
قال القرافي: «لا تشترط الضرورة، ولا العجز عن إيقاع صورة القيام إجماعًا (٢).
فإذا كان العجز لا يراد به معناه اللغوي: أي عدم الإمكان، فمتى يسمى المصلي عاجزًا شرعًا عن القيام؟
اختلف العلماء في هذا:
فقيل: إذا غلب على ظن المصلي زيادةٌ في مرضه، أو تَأَخُرٌ في برئه، أو تَعَرُّضٌ لمشقة شديدة بسبب المرض صلى جالسًا، وهذا هو ضابط العجز عند الجمهور
стр. 10200
من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والأصح عند الحنابلة (١).
وقيدت (المشقة) بسبب المرض؛ لأن الصحيح إذا لحقته مشقة فادحة بسبب القيام لا يسقط عنه القيام؛ لأن المشقة مشقة حالية تنقضي بانقضاء الصلاة، فهي خفيفة، فإن كان مع المشقة مرض صلى جالسًا؛ لأن المشقة مع المرض يخشى منها حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر برء ونحوه (٢).
وقيل: ضابط العجز: أن يلحقه بالقيام مشقة تلهيه عن الخشوع وتدبر الأذكار، اختاره بعض المالكية، وبعض الشافعية (٣).
قال إمام الحرمين: «أن تلحقه مشقة تذهب بخشوعه. قال في المجموع: إن المذهب خلافه … وجمع بينهما: بأن ذهاب الخشوع ينشأ عن مشقة شديدة» (٤).
وقال ميمون بن مهران: «إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه صلى جالسًا» (٥).
وذلك يعني: أنه ما دام قادرًا على القيام، وإن كان بمشقة، فالقيام واجب، وهذا القول أضعفها.
وقد سبق لي بحث هذه المسألة في المجلد السابع، تحت عنوان: ضابط العجز المسقط للقيام، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد (٦).
стр. 10201
الفصل الثالث في استناد المريض في صلاته حال القيام
المبحث الأول في استناد المريض مع قدرته على القيام استقلالًا
المدخل إلى المسألة:
القيام الواجب ما اعتمد فيه المصلي على قدميه في وقوفه بالصلاة.
كل استناد لولاه لسقط المصلي، فإنه منافٍ للقيام الواجب.
الاستناد المنافي للقيام يبطل صلاة الفريضة؛ لأنه في حكم التارك للقيام.
الاستناد الذي إذا زال لا يسقط به المصلي منافٍ لكمال القيام، ولا يبطل الصلاة.
[م-١١٣٨] إذا استند المصلي في الفرض، وهو قادر على القيام استقلالًا، أو على الجلوس استقلالًا إن كان عاجزًا عن القيام، فإن كان في حالٍ بحيث لو أزيل ما يستند إليه لم يسقط المصلي، وبقي قائمًا:
فقيل: تصح صلاته مع الكراهة؛ لتنقيص كمال القيام، وهو قول الجمهور، واستحب له المالكية الإعادة في الوقت بناء على قواعد مذهبهم (١).
وقيل: لا تصح صلاته، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: يكره الاتكاء في النفل بلا عذر اختاره بعض الحنفية (٣).
وإن كان بحيث لو أزيل ما اتكأ عليه سقط:
стр. 10202
فقيل: يكره وهو مذهب الحنفية، واختاره صاحب الطراز من المالكية (١).
وقال الشافعية في الأصح: يكره ما لم يكن معلقًا بحيث يمكنه رفع رجليه دون أن يسقط، فإن صلاته تبطل؛ لأنه غير قائم (٢).
وقيل: لا تصح صلاته، وهو مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (٣).
وقال المالكية: لا يستند في ما هو فرض عليه في صلاته، فلا يستند للإحرام ولا لقراءة الفاتحة في حق من تجب عليه القراءة، ولا يستند في الركوع، ولا في هُوِيِّ الركوع والقيام، فإن استند عمدًا أو جهلًا، لا سهوًا بطلت، ويجوز الاستناد في قراءة ما زاد على الفاتحة دون الجلوس؛ فإنه يخل بهيئتها (٤).
وقد سبق لي بحث هذه المسألة في المجلد السابع، تحت عنوان: في استناد المصلي في القيام، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
стр. 10203
المبحث الثاني إذا لم يقدر المصلي على القيام والجلوس إلا مستندًا
المدخل إلى المسألة:
إذا عجز عن القيام استقلالًا، وأمكنه القيام مستندًا إلى جدار، أو معتمدًا على عصا وجب عليه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الانتقال إلى القعود لا يجوز إلا عند العجز عن صورة القيام كما لو فقد بعض العضو في الغسل وجب عليه غسل الباقي.
القيام معتمدًا على شيء أقرب إلى فرضه الواجب عليه من الجلوس.
إذا عجز عن تحقيق القيام الكامل سقط ما عجز عنه، ووجب عليه أن يأتي من القيام بما قدر عليه؛ لأن المقدور لا يسقط بالمعسور.
إذا عجز عن الانتصاب قام منحنيًا قياسًا على الأحدب؛ ولأن القائم منحنيًا أقرب إلى القيام من القعود فكذلك من قام مستندًا.
لو حلف ألا يقوم، فقام مستندًا على شيء حنث في يمينه؛ لأنه يعد قائمًا، ولأن الاتكاء لا يسلب اسم القيام خاصة مع العذر.
غايةُ المستند على شيء أن يكون قادرًا على القيام بغيره، وقد ذهب أكثر الفقهاء أن القادر بغيره كالقادر بنفسه، فالأعمى إذا كان قادرًا على الوصول إلى المسجد عن طريق قائد يقوده وجبت عليه الجمعة.
[م-١١٣٩] إذا عجز عن القيام استقلالًا صلى معتمدًا على عصا، أو مستندًا إلى شيء، وهو قول الأئمة الأربعة، على خلاف بينهم في وجوب ذلك:
فقيل: إذا أمكنه الصلاة قائمًا مستندًا على شيء لم يصلِّ جالسًا، فالترتيب، وهو
стр. 10204
مذهب الحنفية، ورجحه ابن شاس وابن الحاجب وخليل وابن ناجي من المالكية، والأصح عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، بل قال الشافعية: لو عجز عن القيام على قدميه، وأمكنه النهوض على ركبتيه لزمه مع أنه لا يسمى قائمًا (١).
جاء في البحر الرائق: «لو قدر عليه متكئًا، أو معتمدًا على عصا، أو حائط، لا يجزئه إلا كذلك .... وكذا إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء والاستناد إلى إنسان أو إلى حائط أو إلى وسادة لا يجزئه إلا كذلك» (٢).
وقال القرافي: «فإن عجز انتقل إلى الجلوس مستقلًّا، فإن عجز ففرضه
стр. 10205
الجلوس مستندًا» (١).
وقال خليل: «واعلم أن مراتب الصلاة سبع، أربع على الوجوب … فالأربع: أن يقوم مستقلًّا، ثم مستندًا، ثم يجلس مستقلًّا، ثم مستندًا .... » (٢).
وقال النووي: «إذا لم يقدر على الاستقلال، فيجب أن ينتصب متكئًا على الصحيح» (٣).
ولم يذكر الشافعية الاستناد في الجلوس إذا عجز عنه استقلالًا فيما وقفت عليه، لكنهم قالوا: إذا عجز عن القيام قعد كيف شاء؛ لإطلاق الحديث.
وقيل: لا يلزمه القيام مستندًا، وهو قول للمالكية، ووجه شاذ للشافعية (٤).
قال ابن ناجي وزروق: «الترتيب بين القيام مستندًا وبين الجلوس مستحب» (٥).
قال مالك كما في العتبية: «إن عجز عن القيام فأحب إلي أن يصلي متكئًا على عصا إن قدر» (٦).
وقال النووي: «وفي وجه شاذ: لا يلزمه القيام في هذا الحال، بل له الصلاة قاعدًا» (٧).
وقيل: يجب عليه الجلوس، ولا يصح القيام مستندًا، وبه قال ابن المسيب والحسن، ورجحه ابن حزم (٨).
والخلاف في الجلوس مستندًا إذا لم يستطع الجلوس استقلالًا كالخلاف في القيام مستندًا إذا تعذر القيام استقلالًا، والأدلة واحدة، والله أعلم.
دليل من قال: إذا أمكنه الاستناد قائمًا لم يصلِّ جالسًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٥١٦) ما رواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى، أنبأ شيبان بن
стр. 10206
عبد الرحمن، عن حصين بن عبد الرحمن،
عن هلال بن يساف، قال: قدمت الرقة فقال لي بعض أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: قلت: نعم غنيمة، فدفعنا إلى وابصة بن معبد قلت لصاحبي: نبدأ، فنظر إلى دله فإذا عليه قلنسوة لاطئة ذات أذنين، وبرنس خز غبر، وإذا هو معتمد على عصا في صلاته، فقلنا له بعد أن سلمنا، فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن، أن رسول الله ﷺ لما أسن، وحمل اللحم اتخذ عمودًا في الصلاة يعتمد عليه.
[صحيح] (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (وإذا هو معتمد على عصا في صلاته).
وأجيب:
هذا الفعل من الصحابي ﵁ يدل على جواز الاعتماد على العصا في الصلاة إذا احتاج إليه المصلي، ولا يدل على أن ذلك فرض؛ لأن أفعال النبي ﷺ لا تدل على الوجوب إلا أن يكون بيانًا لمجمل واجب، فكيف بفعل الصحابي، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥١٧) روى البخاري في صحيحه من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: … إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. وقد رواه مسلم (٢).
стр. 10207
وجه الاستدلال:
أن المصلي مأمور بالقيام الكامل مع القدرة عليه، وهو القيام استقلالًا غير مستند، ولا معتمد على شيء، فإذا عجز عن تحقيق القيام الكمال سقط ما عجز عنه، ووجب عليه أن يأتي من القيام بما قدر عليه.
لأن ما لحق القيام من نقص بالاعتماد لا أثر له؛ لأنه معذور فيه، فصار قيامه كأنه لم يستند فيه على شيء.
وقياسًا على الأحدب، حيث يجب عليه القيام ولو كان منحنيًا كهيئة الراكع، فكذلك هنا، حيث كان انتصاب قدميه كافيًا في تحقيق القيام مع العذر.
ولأن المقدور لا يسقط بالمعسور.
ولأن القيام معتمدًا على شيء أقرب إلى فرضه الواجب عليه من الجلوس.
ولأن الاستناد إذا تعين طريقًا لتحصيل القيام الواجب صار الاستناد واجبًا؛ لعموم القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولأنه لو حلف ألا يقوم، فقام مستندًا على شيء حنث في يمينه؛ لأنه يعد قائمًا حتى قال الشافعية: لو قام مستندًا على شيء مع قدرته على القيام، كره، وصح قيامه؛ لأنه يصدق عليه أنه قائم، وسبق لنا توثيق ذلك في المسألة السابقة.
ولأن غاية المستند على شيء أن يكون قادرًا على القيام بغيره، وقد ذهب أكثر الفقهاء أن القادر بغيره كالقادر بنفسه، فالأعمى إذا كان قادرًا على الوصول إلى المسجد عن طريق قائد يقوده وجبت عليه الجمعة.
دليل من قال: يستحب القيام متكئًا ولا يجب:
(ح-٣٥١٨) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (١).
стр. 10208
وجه الاستدلال:
الحديث أمره بالصلاة قائمًا، وظاهره القيام الواجب عليه في الصلاة، وهو القيام استقلالًا، فإذا لم يستطع سقط عنه، وصار فرضه الصلاة جالسًا، ولم يجعل بين القيام استقلالًا وبين الجلوس مرتبة أخرى، وهو القيام مستندًا.
قال ابن رشد: «لما سقط عنه القيام، وجاز له أن يصلي جالسًا صار قيامه نافلة، فجاز أن يعتمد فيه كما يعتمد في النافلة» (١).
ونوقش:
المخالف ينازع في سقوط القيام عنه مع قدرته على القيام مستندًا؛ لأن القيام بالصلاة واجب، وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، فكان الاستناد واجبًا لتحصيل فرض القيام.
دليل من قال: يجب عليه الجلوس إذا لم يستطع القيام استقلالًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٥١٩) روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق عبد الوارث: عن عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي ﷺ ، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟. قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت. فقال النبي ﷺ : لا، حلوه، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد.
وجه الاستدلال:
من شروط التكليف القدرة، وأن يكون قادرًا بنفسه، فكل مكلف لا يكون قادرًا بنفسه على القيام بالواجب فإنه يسقط عنه، ولا عبرة بالقدرة عن طريق غيره، من إنسان أو جدار أو عصا، فالمرء لا يكلف بقدرة غيره.
ونوقش هذا:
بأن حديث أنس في تكليف الإنسان نفسه أكثر مما يطيقه مما لا يجب عليه،
стр. 10209
(ح-٣٥٢٠) وقد روى الشيخان من طريق هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا أبو سلمة،
عن عائشة ﵂ قالت: … كان النبي ﷺ يقول: خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لن يمل حتى تملوا، وكان يقول: أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلَّ (١).
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٢١) وروى البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا … وذكر الحديث (٢).
(ح-٣٥٢٢) وروى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به … فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (٣).
قال ابن حزم: «وليس له أن يعمل في صلاته ما لم يؤمر به، ولو كان ذلك فضلًا لكان رسول الله ﷺ أولى بذلك، لكنه لم يفعله، بل صلى جالسًا إذ عجز عن القيام، وأمر بذلك من لا يستطيع، فصلاة المعتمد: مخالفة لأمر رسول الله ﷺ » (٤).
الدليل الثالث:
(ح-٣٥٢٣) روى مسلم، من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥).
стр. 10210
لم يؤمر المصلي إذا ضعف عن القيام أن يعتمد على العصا، ولا أن يستند إلى جدار، ولا أن يستعين بغيره، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فكان فرضه الجلوس بنص حديث عمران بن الحصين.
وقد حملت أدلة القائلين بالوجوب الرد على ابن حزم ﵀، والله أعلم.
الراجح:
أن المصلي إذا أمكنه الاستناد إلى جدار، أو الاعتماد على عصا بلا كلفة أن ذلك يجب عليه لتحصيل ركن القيام، والله أعلم.
стр. 10211
الفصل الرابع إذا عجز المصلي عن القيام ولو مستندًا
المدخل إلى المسألة:
جميع التكاليف مشروطة بالقدرة؛ إذ لا تكليف إلا بمقدور.
العجز عن بعض الأركان، إن كان له بدل انتقل إليه، كالقعود بدلًا عن القيام، والإيماء بدلًا عن الركوع والسجود، والعجز عن القراءة بدله الأذكار، والبدل له حكم المبدل. وإن لم يكن له بدل سقط.
إذا لم يتمكن العاجز من القيام لا استقلالًا، ولا استنادًا، كان فرضه الجلوس.
لا تؤخر الصلاة عن وقتها بالعجز عن بعض أركانها وشروطها.
ما سقط من الأركان بسبب العجز أو الخوف فقد انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة إذا قدر.
[م-١١٤٠] إذا أمكن المريض الصلاة قائمًا بالسور القصار لم يصلِّ جالسًا بالطوال، فإن عجز عن القيام في صلاته، لا استقلالًا ولا استنادًا، أو قدر على القيام ولكن خاف إن فعل زيادة مرض أو تأخر برء، أو مشقة شديدة بالقيام سقط عنه القيام، ووجب عليه أن يصلي جالسًا استقلالًا إن قدر عليه، وهو قول الأئمة الأربعة، فإن عجز عن الجلوس استقلالًا جلس مستندًا إلى شيء (١).
стр. 10212
جاء في البحر الرائق: «إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء والاستناد إلى إنسان أو إلى حائط أو إلى وسادة لا يجزئه إلا كذلك، وكذا إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء والاستناد إلى إنسان أو إلى حائط أو إلى وسادة لا يجزئه إلا كذلك» (١).
وقال اللخمي: «وإذا لم يستطع المريض الصلاة جالسًا إلا مستندًا جاز ذلك» (٢).
وجاء في الفواكه الدواني: «إن عجز عن القيام مع الاستناد صلى جالسًا مستقلًّا، فإن لم يقدر صلى جالسًا مستندًا» (٣).
وقد دل على ذلك النص والإجماع.
أما النص: فلقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
فالقدرة شرط في جميع التكاليف، فكل ما عجز عنه من شروط الصلاة وأركانها فإنه يسقط بالعجز عنه حتى يصير إلى الإغماء، فيسقط جميع ذلك (٤).
قال ابن تيمية: «فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾» (٥).
وقال أيضًا: «الشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة» (٦).
стр. 10213
ومن السنة دليل عام وخاص:
(ح-٣٥٢٤) أما العام فلما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: .... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فَائْتُوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (١).
(ح-٣٥٢٥) وأما الخاص فلما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبِ (٢).
وأما الدليل من الإجماع: فقال ابن بطال في شرح البخاري: «العلماء مجمعون أن فرض من لا يطيق القيام أن يُصَلِّيَ الفريضة جالسًا» (٣).
وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسًا» (٤).
وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي جالسًا» (٥).
وكذلك نقل الإجماع ابن حزم في المحلى، والخطيب في مغني المحتاج (٦).
وسبق التفصيل في الخلاف إذا لم يستطع القيام والجلوس إلا مستندًا في الفصل السابق فارجع إليه إن شئت.
стр. 10214
الفصل الخامس في صفة جلوس العاجز عن القيام
المدخل إلى المسألة:
لا يصح في التربع حديث مرفوع عن النبي ﷺ .
قال النبي ﷺ : صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا.
أمر النبي ﷺ بالجلوس أمرًا مطلقًا، ولم يحدد هيئة معينة، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فحيث جلس فقد امتثل الأمر.
إذا لم يأت في السنة بيان صفة الجلوس، فالأصل أن ذلك قصد به التوسعة على المريض.
استحباب التربع بدلًا عن القيام يحتاج إلى نص؛ لأن البدل لا يثبت إلا بدليل من الشارع.
ما ورد عن بعض الصحابة من صلاته متربعًا يؤخذ منه جواز التربع، لا سنيته؛ لأن المصلي لا بد له من جلوس، فقد يكون الصحابي اختاره لأنه الأنسب له، ولا يلزم منه أن يكون هو الأنسب لغيره.
لو أن ما ورد عن الصحابي من التربع ورد بصيغة الأمر به، أو ورد عنه ما يدل على تفضيله على غيره دل ذلك على الاستحباب، وأما مجرد فعله فلا يدل على أكثر من جواز التربع، والله أعلم.
التفريق بين جلوس القيام وجلوس التشهد لو ثبت أنه مشروع لم يتعين بالتربع.
تربع ابن عمر في صلاته ليس في جلوس القيام، بل في جلوس التشهد، وما ورد عن ابن عباس فمتعارض، ويبقى أثر أنس الأقوى في الباب، يليه أثر أم سلمة.
стр. 10215
[م-١١٤١] إذا كان فرض المصلي الجلوس، فجلس في صلاته كيف شاء صحت صلاته ما دام يصدق عليه أنه قاعد، فلا يجب للقعود هيئة مخصوصة، وهذا قول جمهور أهل العلم.
جاء في العناية شرح الهداية: «روى محمد عن أبي حنيفة أنه يقعد كيف شاء» (١).
زاد ابن قطلوبغا: «إن شاء محتبيًا، وإن شاء متربّعًا، وإن شاء على ركبتيه كما في التشهد» (٢).
وقال ابن شاس المالكي: «لا تتعين في القعود هيئة للصحة، لكن الإقعاء مكروه» (٣).
وقال مثله الغزالي في الوسيط (٤).
وقال النووي: «قال أصحابنا: وإذا صلى قاعدًا لعجزه في الفريضة، أو مع القدرة في النافلة، لم تتعين لقعوده هيئة مشترطة، بل كيف قعد أجزأه، لكن يكره الإقعاء» (٥).
وفي شرح مسلم: «الخلاف في الأفضل» (٦).
وفي الإقناع: «حيث جاز ترك القيام فقاعدًا متربعًا ندبًا، وكيف قعد جاز» (٧).
وفي رواية عن أحمد: يصلي متربعًا وجوبًا (٨).
واختلفوا في الهيئة المختارة:
فقيل: افتراشه أفضل من تربعه، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، اختاره الفقيه أبو الليث، والسرخسي وصححه صاحب الهداية، وبه قال زفر، وفي الخلاصة والتجنيس والفتاوى الوَلْوَالِجيَّةِ نسبة إلى ولوالج: الفتوى على قول زفر،
стр. 10216
ومال إليه المتأخرون من المالكية، وهو الأصح في مذهب الشافعية (١).
قال ابن شاس المالكي: «مال بعض المتأخرين إلى أنه يجلس فيه كجلوس التشهد، وأشار إليه محمد بن عبد الحكم» (٢).
قال النووي: «وأما القعود الذي هو بدل القيام وفي موضعه، ففي الأفضل منه قولان ووجهان: أصح القولين، وهو أصح الجميع يقعد مفترشًا، وهو رواية المزني وغيره» (٣).
وقيل: يصلي متربعًا ندبًا، وبه قال محمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، ورجحه الطحاوي من الحنفية، وهو مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وهو نصه في البويطي، والصحيح من مذهب الحنابلة (٤).
стр. 10217
وقيل: إن أطال القراءة تربع، وإلا افترش، وهو رواية عن أحمد (١).
وقيل: يقعد كيف شاء، وهو قول الإمام أبي حنيفة، قال في المفيد والتحفة والقنية والبدائع: وهو الصحيح، وصححه ابن نجيم في البحر الرائق (٢).
جاء في بدائع الصنائع: «روي عن أبي حنيفة أنه يقعد كيف شاء من غير كراهة إن شاء محتبيًا، وإن شاء متربعًا، وإن شاء على ركبتيه كما في التشهد» (٣).
وقال خواهر زاده: «والأصح أنه يجلس أي جلسة كانت» (٤).
وقيل: يحتبي، وهو أحد القولين عن أبي يوسف (٥).
وقيل: يصلي متوركًا، قال به أحد الشافعية، نقله إمام الحرمين وغلطه، وحكاه النووي أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٦).
وقيل: ينصب ركبته اليمنى، ويجلس على اليسرى، كالجالس بين يدي المقرئ،
стр. 10218
نسب للقاضي حسين من الشافعية، وحكاه النووي أحد الوجهين في المذهب (١).
والثلاثة الأقوال الأخيرة ضعيفة، والأخيران لا يعرفان إلا عند بعض الشافعية، والأقوال المعتبرة في المسألة ثلاثة:
أحدها: يقعد كيف شاء.
والثاني: يجلس متربعًا ندبًا في قول الأكثر، وقيل: وجوبًا.
والثالث: يجلس مفترشًا.
والقائلون بالتربع اختلفوا:
قيل: يتربع في قيامه، ويثني رجليه في ركوع وسجود، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ورواية عن أبي يوسف أنكر وجودها الطحاوي، وهو المذهب عند الحنابلة (٢).
وقيل: يتربع في قيامه وركوعه، ويثني رجليه في حال السجود، وبه قال الثوري، والقول المشهور عن محمد بن الحسن وأبي يوسف، وهو مذهب مالك والليث وإسحاق (٣).
قال الطحاوي: المشهور من قول أبي يوسف ومحمد: أنه يكون متربعًا في حال الركوع (٤).
وهذا الخلاف في حق المريض، قال ابن عبد البر: «وأما الصحيح فلا يجوز له التربع في كل حال في الصلاة بإجماع من العلماء» (٥).
стр. 10219
قال ابن حجر تعليقًا على كلام ابن عبد البر: «المشهور عن أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سنة، فلعل ابن عبد البر أراد بنفي الجواز إثبات الكراهة» (١).
وكذلك أجمعوا: أنه من لم يقدر على هيئة الجلوس في الصلاة، صلى على حسب ما يقدر، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾» (٢).
هذا ما يخص الأقوال، وننتقل منه إلى الأدلة.
دليل من قال: يصلي متربعًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٢٦) أخبرنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن حفص، عن حميد، عن عبد الله بن شقيق،
عن عائشة قالت: رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا.
[رجاله ثقات إلا أنه معلٌّ، خالف فيه حفص كل من رواه عن حميد، بل وكل من رواه عن ابن شقيق، وقد يكون الخطأ من الحفري، وقد أعله النسائي وابن نصر المروزي] (٣).
الدليل الثاني:
(ث-٩٩٢) روى ابن أبي شيبة من طريق مغيرة، عن سماك بن سلمة الضبي، قال:
رأيت ابن عمر، وابن عباس وهما متربعان في الصلاة.
[صحيح] (١).
ويجاب عن أثر ابن عمر:
بأن التربع قد ثبت عن ابن عمر،
(ث-٩٩٣) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن علية عن أيوب،
عن نافع، أن ابن عمر صلى متربعًا من وجع.
[صحيح] (٢).
إلا أن ما ورد عن ابن عمر لم يكن تربعه بدلًا عن القيام بل كان في التشهد، حيث صرح ابن عمر أن ذلك ليس من سنة الصلاة، ولكنه كان يشتكي رجله، والله أعلم.
стр. 10223
(ث-٩٩٤) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم،
عن عبد الله بن عبد الله، أنه أخبره: أنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄ يتربع في الصلاة إذا جلس، ففعلته، وأنا يومئذ حديث السن، فنهاني عبد الله ابن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك؟ فقال: إن رجلي لا تحملاني (١).
وأما الجواب عن أثر ابن عباس:
بأنه قد روي عنه كراهة التربع في الصلاة.
(ث-٩٩٥) فقد روى عبد الرزاق، عن عبد الله، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن عباس، أنه كان يكره التربع في الصلاة، يعني: التطوع.
قال شعبة: فسألت عنه حمادًا، فقال: لا بأس به في التطوع.
[صحيح] (٢).
وروى أبو القاسم البغوي في الجعديات، حدثنا علي، أنا شعبة، قال: سألت الحكم عن التربع في الصلاة، فكرهه، وقال: أحسب ابن عباس كرهه.
[صحيح] (٣).
وكراهة ابن عباس التربع جاء بصيغة القول، بخلاف صلاته متربعًا فجاءت بصيغة الفعل، والقول أبلغ من الفعل؛ لأن الفعل يحتمل أنه فعله محتاجًا إليه كما فعله ابن عمر، ويحتمل أنه فعله لجواز التربع، وليس لاستحبابه.
ورد هذا الجواب:
بأن الأثرين عن ابن عباس يحتمل أن ما كرهه من التربع غير ما فعله، فيحتمل
стр. 10224
أنه تربع في جلوسه بدلًا عن القيام، وكره التربع في جلوس التشهد لمخالفته سنة الجلوس، وهذا الجمع أحسن من إثبات التعارض بين الأثرين، وكلاهما صحيحان.
الدليل الثالث:
(ث-٩٩٦) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن عقبة، قال: رأيت أنسًا يصلي متربعًا.
[حسن] (١).
ويناقش:
هذا الفعل يؤخذ منه جواز التربع، لا سنيته؛ لأن المصلي لا بد له من جلوس، فقد يكون الصحابي اختاره لأنه الأنسب له، ولا يلزم منه أن يكون هو الأنسب لغيره، نعم يدل على استحباب التربع لو أن أنسًا أمر به، أو ورد عنه ما يدل على تفضيله على غيره، وأما مجرد فعله فلا يدل على أكثر من جواز التربع، والله أعلم.
الدليل الرابع:
(ث-٩٩٧) ما رواه الطحاوي، قال: ابن أبي داود قال: حدثنا يوسف بن عدي قال: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن عاصم، وهشام بن حسان، عن الحسن،
عن أمه: أنها رأت أم سلمة تصلي متربعة من رمد كان بها.
[لم يروه عن أم سلمة إلا أم الحسن خيرة] (٢).
стр. 10225
قال الطحاوي: «ولا نعلم عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ خلافًا لها في ذلك» (١).
(ث-٩٩٨) وروى الطحاوي، قال: حدثنا فهد، قال: حدثنا المعلى بن الوليد القعقاعي، قال: حدثنا هانئ بن عبد الرحمن، قال:
قال إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ: رأيت أم الدرداء تصلي متربعة.
[ضعيف] (٢).
الدليل الخامس:
لما كان المصلي حاله قائمًا غير حاله جالسًا، استحب أن يفرق بين جلوس يكون بدلًا عن القيام وبين جلوس التشهد، فيتربع في جلوس القيام؛ ليفصل بين حال قيامه وحال جلوسه، كما يفرق بين إيمائه للركوع وإيمائه للسجود بأن يجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع، وكما فرق بين جلوس التشهد الأول وجلوس التشهد الثاني بمشروعية التورك في الأخير دون الأول.
ويناقش:
بأن التفريق لو كان مشروعًا لجاءت النصوص ترشد إليه، فلما لم يصح في جلوس المريض هيئة معينة دل على أن الشارع قصد التوسعة على المصلي، ولهذا لم يفرق الشارع بين جلوس التشهد والجلوس بين السجدتين.
ولو سلمنا أن التفريق مشروع فقد يحصل في غير التربع فلم يتعين به.
دليل من قال: يجلس مفترشًا:
الدليل الأول:
مرض النبي ﷺ في حياته، وصلى جالسًا أكثر من مرة، ولو كان جلوسه