← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

المبحث الثاني في تقسيم وقت الأداء إلى اختيار واضطرار تعريف الاختيار والاضطرار: عُرِّف الوقت الاختياري: بأنه الوقت الذي لم يُنْهَ عن تأخير الصلاة إليه (١). وعرف الاضطراري: بأنه الوقت الذي نُهِيَ عن تأخير الصلاة إليه (٢). وفعل الصلاة في وقت الاضطرار يعتبر أداء على الصحيح، كتأخير العصر إلى اصفرار الشمس، ومن صلى ركعة كاملة قبل خروج الوقت فقد أدرك الوقت. وسمي بالاضطراري؛ لأنه مختص بأرباب الضرورات من غفلة، أو نوم، أو إغماء، أو جنون، أو حيض (٣). وتعمد تأخير الصلاة عن وقت الاختيار إلى وقت الاضطرار لغير أصحاب الأعذار مختلف فيه، وهو عند من يقول بهذا التقسيم حرام أو مكروه، كما سيأتي بحث حكمه إن شاء الله تعالى. وينقسم الوقت الاختياري: إلى وقت فضيلة، ووقت توسعة (٤). فوقت الفضيلة: ما ترجح فعل الصلاة فيه على فعلها في غيره من وقت الاختيار، كاستحباب الصلاة في أول الوقت في الجملة إلا حيث يكون في التأخير مصلحة راجحة، كاستحباب تأخير الظهر في الحر مطلقًا على الصحيح،

стр. 1052

واستحباب تأخير العشاء إلى ثلث الليل ما لم يَشُقَّ (١). ووقت التوسعة: عكسه: ما ترجح فعل الصلاة في غيره على فعلها فيه، كأداء الصلاة في وسط الوقت، أو في آخر وقت الاختيار (٢).

стр. 1053

المبحث الثالث موقف الفقهاء من تقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار المدخل إلى المسألة: * لا يلزم من إثبات وقت الاختيار للصلوات إثبات وقت الاضطرار. * تقسيم وقت الأداء للصلوات: إلى عام لكل المصلين، وآخر خاص ببعضهم خلاف الأصل. * الإجماع منعقد على أن ما خرج وقته من الصلوات قبل زوال العذر لا يلزم أرباب الأعذار (١). * الأصل أن ما كان دركًا لأرباب الأعذار فهو درك لغيرهم. * القول باجتماع الأداء والإثم في وقت الاضطرار مخالف للنص والأصل. * الأداء: إيقاع العبادة في وقتها مطلقًا، ويقابله القضاء، وهو إيقاع العبادة خارج وقتها. * انفرد المالكية بتقسيم كل الصلوات إلى وقت اختيار واضطرار، ومنهم من نفاه كالشافعية، ومنهم من أثبت الاضطرار لبعض الصلوات كالحنفية والحنابلة، وهذا الاختلاف يشي بأنه لا نصوص كاشفة أو دافعة. [م-١٦١] اختلف العلماء في تقسيم أوقات الصلاة، إلى وقت اختيار واضطرار، كما اختلفوا في حكم تأخير الصلاة عن وقت الاختيار، فهاتان مسألتان: وسوف نتعرض إلى اختلافهم في هذا التقسيم، ثم ننتقل منه إلى مسألة حكم تأخير الصلاة عن وقت الاختيار إن شاء الله تعالى فقيل: لا يوجد وقت اضطرار، بل يمتد وقت العصر في الاختيار إلى غروب

стр. 1054

الشمس، وبه قال ابن عباس، وعكرمة، والثوري، وإسحاق، واختاره داود الظاهري واختاره جماعة من الحنابلة منهم ابن قدامة (١). وذهب المالكية إلى أن كل أوقات الصلوات فيها وقت اختيار واضطرار، حتى المغرب الذي ليس لها إلا وقت واحد عندهم. وقال به الحنابلة في وقت العصر والعشاء خاصة دون بقية الصلوات. وقال الحنفية: يكره تأخير العصر إلى تغير قرص الشمس، والعشاء بعد نصف الليل، والمغرب بعد اشتباك النجوم، وفي القنية: أن الكراهة تحريمية (٢).

стр. 1055

وقال الشافعية بوجود وقت الاختيار، وما بعد وقت الاختيار في العشاء أطلقوا عليه وقت جواز. وفي العصر والصبح قسموا ما بعد وقت الاختيار إلى وقت جواز مطلقًا، ووقت جواز مع الكراهة، وكلاهما يدلان على نفي وقت الاضطرار (١).

стр. 1056

قال النووي: يجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت بلا خلاف حيث تقع جميعًا في الوقت … » (١). وقال بعض الحنابلة: إن وقت العصر يخرج بالكلية بخروج وقت الاختيار، قال في الإنصاف: «وهو قول حكاه في الفروع وغيره» (٢). وإذا لم يوجد في العصر وقت اضطرار لم يوجد في غيرها من باب أولى؛ لأن احتمال النصوص فيها أظهر من غيرها. وقال الإصطخريُّ من الشافعية: يخرج الوقت بخروج وقت الاختيار في حق أهل الإرفاه، فإن صلوا كان قضاءً بحقهم، وأما أهل الأعذار فلا يخرج الوقت في حقهم بخروج وقت الاختيار (٣).

стр. 1057

* فتحصل من الخلاف قولان: الأول: لا يوجد وقت اضطرار، وهذا مذهب الشافعية، وداود الظاهري، وبه قال عكرمة، والثوري، وإسحاق. الثاني: تقسيم الوقت إلى: وقت اختيار، ووقت اضطرار، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، والحنابلة في الجملة. إذا عرفت هذا نأتي على ذكر أدلة الخلاف على هذا التقسيم: * دليل من قال: لا يوجد وقت اضطرار: الدليل الأول: (ح-٣٨٢) ما رواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (١). ورواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وبسر بن سعيد، وعبد الرحمن بن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس لم تَفُتْهُ الصلاة، ومن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس لم تَفُتْهُ الصلاة (٢).

стр. 1058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1059

وجه الاستدلال: قوله: (من أدرك ركعة) فلفظ (مَنْ) اسم شرط، وهو من ألفاظ العموم، تشمل المعذور وغيره، وقد اعتبر النبي ﷺ -الصلاة على هذا النحو إدراكًا، وأنها أداء، وليست قضاء، فمن حمله على المعذور، أو على الكافر إذا أسلم فقد خصص العام بلا مخصص. قال الشافعي: «ثم لا يزال وقت العصر قائمًا حتى يصير ظل كل شيء مثليه، فمن جاوزه ذلك فقد فاته وقت الاختيار، ولا يجوز أن أقول فائتة؛ لأن النبي ﷺ -قال: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. قال الماوردي في شرحه لعبارة الشافعي: وهذا صحيح، آخر وقت العصر في الاختيار: أن يصير ظل كل شيء مثليه، وفي الجواز إلى غروب الشمس» (١). وقال العمراني في البيان «إذا صار ظل كل شيء مثليه ذهب وقت العصر المختار، وبقي وقت الجواز فيها إلى غروب الشمس … دليلنا: قوله ﷺ : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٢). * ويناقش: بأن الحديث نص بأن من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت، ولا يلزم من إدراك

стр. 1060

الوقت جواز تأخير الصلاة إلى هذا الوقت؛ لحديث أنس في مسلم، وفيه النهي عن تأخير الصلاة إلى هذا الوقت، ووصفها بأنها تلك صلاة المنافق. وسوف أسوق حديث أنس ﵁ بتمامه إن شاء الله تعالى، وتتم مناقشته ليتبين مدى قوة دلالته على تقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار. الدليل الثاني: (ح-٣٨٣) ما رواه مسلم من طريق ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ -وأصحابه عن صلاة الفجر، وفيه: أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى (١). وجه الاستدلال: ظاهر الحديث امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى، خرجت صلاة الصبح لأن وقتها يخرج بطلوع الشمس بالنص والإجماع، وبقي ما عداها (٢). فالحديث حَصَرَ التفريط على من تعمد التأخير حتى دخل وقت الصلاة الأخرى، وليس حتى خروج وقت الاختيار، فمن صلاها قبل دخول وقت الصلاة الأخرى، ولو كان مختارًا لم يكن مفرطًا هذا منطوق الحديث. وإذا نفى الحديث الإثم سقط القول بوجود وقت اضطرار خاص بالمعذورين من جنون، ونوم، وإغماء، وحيض، ولو كان هناك فرق بين اختيار واضطرار لبينه الحديث. الدليل الثالث: (ح-٣٨٤) ما رواه مسلم من طريق عمر بن عبد الله بن رزين، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج بن حجاج، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: سئل رسول الله ﷺ -عن وقت

стр. 1061

الصلوات، فقال: وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول، ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء، ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ويسقط قرنها الأول .... الحديث (١). [تفرد حجاج عن قتادة بقوله: ويسقط قرنها الأول] (٢). فجمع بين الاصفرار، وشروعها في المغيب، فدل على أن التوقيت بالاصفرار لا يعني أن هناك وقتًا بين الاصفرار وبين شروعها بالمغيب. وهو ما عبر عنه في حديث أبي موسى عند مسلم أنه صلى العصر في اليوم الثاني حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد احمرَّت الشمس. وما بعد احمرار الشمس إلا شروعها في المغيب. * دليل من قسم الوقت إلى وقت اختيار واضطرار: (ح-٣٨٥) ما رواه جابر ﵁ من إمامة جبريل بالنبي ﷺ -وتعليمه الأوقات، وفيه: أن جبريل صلى بالنبي ﷺ -صلاة العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى العصر في اليوم التالي حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم قال: ما بين هذين وقت (٣). [حسن، وله شاهد من حديث ابن عباس وغيره] (٤).

стр. 1062

(ح-٣٨٦) وروى مسلم في صحيحه من طريق شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ -صلى في اليوم الأول، والشمس مرتفعة، ثم صلى العصر في اليوم الثاني، والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة، ثم قال للسائل: ما بين ما رأيت وقت. وقوله ﷺ -في حديث عبد الله بن عمرو: ووقت العصر ما لم تصفر الشمس. فقوله: (الوقت بين هذين) له منطوق ومفهوم: فمنطوقه: أن الوقت هو ما بين هذين الحدين. ومفهومه: أن ما كان خارج هذا الحد ليس وقتًا للعصر. فظاهر هذه الأحاديث انتهاء العصر باصفرار الشمس، إلا أن حديث أبي هريرة، في الصحيحين من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (١). وسواء أحددنا انتهاء العصر بالمثلين أم بالاصفرار فإن صلاة ركعة قبل الغروب خارج قوله (الوقت بين هذين)، وهذا ما جعل المالكية والحنابلة يجعلون تحديد العصر بالمثلين أو بالاصفرار: هو انتهاء الوقت الاختياري. وحديث أبي هريرة مرفوعًا: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (٢)، على التوقيت الاضطراري. (ح-٣٨٧) ويدل لهذا الجمع ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة، حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه، قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، فقمنا، فصلينا، فلما انصرفنا، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: تلك صلاة المنافق،

стр. 1063

يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا (١). فلو كان هذا داخلًا في التوقيت الاختياري لما ذمه على هذا التأخير، وجعله من علامات النفاق. * ويناقش: بأن حديث أنس له دلالتان عند المالكية والشافعية: الدلالة الأولى: تحريم تأخير الصلاة إلى وقت الاضطرار. وهذا يُؤَجَّلُ البحث فيه إلى المبحث التالي عندما نناقش حكم تأخير الصلاة إلى وقت الاضطرار. الدلالة الثانية: دلالته على تقسيم الوقت إلى اضطرار واختيار، وهذا غير مُسَلَّمٍ، فلا توجد مطابقة بين الدليل والمدلول: فوقت الاضطرار يدخل في وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه، لحديث إمامة جبريل للنبي ﷺ -في بيان المواقيت. وعلى القول الآخر: يدخل إذا اصفرت الشمس لحديث عبد الله بن عمرو. أما حديث أنس ﵁ فهو في رجل جعل يرقب آخر وقت العصر إلى الوقت الذي تكون فيه الشمس بين قرني شيطان، وهو وقت شروع الشمس في الغروب أو الطلوع، كما جاء في الحديث: (فأمسِكْ عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان) وقال في الغروب: (فإنها تغرب بين قرني شيطان) (٢). فجملة (تطلع وتغرب بين قرني شيطان) دليل على أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان؛ كما يفيده التعبير بالمضارع الدال على الحال، وبه يفهم قوله ﷺ -في حديث أنس (حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقرها)، فهو بمنزلة قوله: حتى إذا شرعت في الغروب.

стр. 1064

فالقائلون بوقت الاضطرار جعلوا وقت الاضطرار يبدأ من حين بلوغ الظل مثليه بعد فيء الزوال، أو من حين اصفرار الشمس على قولين لهم. فلا مطابقة في الوقت بين قولهم هذا وبين حديث أنس ﵁. بل إن توقيتهم هذا معارض لحديث أبي موسى في المواقيت في مسلم، (ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرَّت الشمس) (١). فاحمرار الشمس زيادة على بلوغ الظل مثليه وزيادة على حديث عبد الله ابن عمرو حيث جعل العصر ما لم تصفر الشمس، فيكون النبي ﷺ -صلاها في وقت الاضطرار، فدل على جواز وقوع الصلاة بعد اصفرار الشمس، وذهاب وقت الاختيار. فمن فرغ من الصلاة قبل شروع الشمس بالغروب لا ينطبق عليه حديث أنس ﵁ في تأخير الصلاة حتى تكون بين قرني شيطان. ونؤجل بقية مناقشة حديث أنس ﵁ إلى الكلام على حكم تأخير الصلاة إلى وقت الاضطرار في المبحث التالي إن شاء الله تعالى. * الراجح: يمكن الجزم بأن وقت الصلاة ينقسم إلى وقت اختيار وغيره، وبعد وقت الاختيار، هل يسمى وقت ضرورة؟ هذا مبني على حكم تأخير الصلاة إلى ما بعد وقت الاختيار، وهو ما سوف نناقشه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.

стр. 1065

المبحث الرابع في حكم تأخير الصلاة إلى وقت الاضطرار المدخل إلى المسألة: * قال ﷺ : (صَلِّ الصلاة لوقتها). وتقييده بأول الوقت أو الوقت المختار لا دليل عليه. * إدراك ركعة من الصلاة جعله الشارع دركًا لصلاة الجماعة، ولصلاة الجمعة، وللوقت. * من ادَّعَى أن الإثم والأداء يجتمعان فقد خالف الأصل والنص. * الأصل أن الصلاة واجب موسع، فآخر الوقت كأوله في الجواز، من غير فرق بين الوقت المختار وغيره. * الأصل أن من صلى الصلاة بوقتها لم يأثم من غير فرق بين الاختيار وغيره. * من صلى خارج الوقت المختار وقبل مجيء الصلاة الأخرى لم يكن مفرطًا لقوله ﷺ : (إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى). * إذا كان الوقت بالنسبة للظهر، والمغرب والصبح أوله كآخره في جواز وقوع الصلاة فيه، فكذلك العصر والعشاء. [م-١٦٢] على القول بتقسيم وقت بعض الصلوات إلى وقت اختيار واضطرار، هل يجوز تأخير الصلاة إلى وقت الاضطرار؟ فقيل: لا يجوز التأخير لغير المعذور، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة (١). وقيل: يجوز تأخير الصلاة إلى ما بعد وقت الاختيار مع الكراهة، وهو قول

стр. 1066

في مذهب المالكية، وبه قال بعض الحنفية، ورجحه ابن حزم من الظاهرية (١). وقسم الشافعية ما بعد وقت الاختيار في العصر والصبح إلى قسمين: وقت جواز بلا كراهة، ووقت جواز مع الكراهة. واختار ابن قدامة أن الوقت قسمان: وقت اختيار ووقت جواز (٢). فتلخص في حكم تأخير الصلاة إلى وقت الاضطرار ثلاثة أقوال: أحدها: التحريم. الثاني: الكراهة. الثالث: الجواز. * دليل من قال يحرم التأخير إلى وقت الاضطرار: حديث جابر في إمامة جبريل بالنبي ﷺ -في بيان مواقيت الصلاة ابتداء وانتهاء. (ح-٣٨٨) رواه الإمام أحمد من طريق حسين بن علي، قال: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله وهو الأنصاري، أن النبي ﷺ -جاءه جبريل، فقال: قُمْ

стр. 1067

فَصَلِّهْ، فصلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله - أو قال: صار ظله مثله - ثم جاءه من الغد فصلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثليه … ثم قال: ما بين هذين وقت (١). [صحيح، قال البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر]. وله شاهد حسن من حديث ابن عباس ﵄ (٢). فقوله: (ما بين هذين وقت) مفهومه: أن ما كان خارج هذين ليس وقتًا. وأن وقت العصر ينتهي حين يكون ظل كل شيء مثليه. (ح-٣٨٩) وروى مسلم من طريق شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان ابن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ -صلى في اليوم الأول، والشمس مرتفعة، ثم صلى العصر في اليوم الثاني، والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة، ثم قال للسائل: ما بين ما رأيت وقت. (ح-٣٩٠) وروى مسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ -قال: وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس. ومفهومه: أن وقت العصر يخرج بالاصفرار. وسواء أقلنا: ينتهي العصر بالمثلين أم قلنا بالاصفرار، فإن الحديث له منطوق ومفهوم: فمنطوقه: أن ما بين الحدين وقت للصلاة، وهذا لا نزاع فيه. ومفهومه: أنه لا وقت للعصر خارج هذين الحدين، ومثل هذا لا يقال في بيان وقت الاستحباب، وهو مما يعني تحريم التأخير عن الحد الذي حده النبي ﷺ -بفعله وقوله. وأما حديث أبي هريرة في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك

стр. 1068

ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (١). فحمله بعض الفقهاء في حق أهل الأعذار، كحائضٍ تطهر، ومجنونٍ يفيق، وصَبِيٍّ يبلغ، وكافرٍ يسلم، ومغمًى عليه يفيق. والذي حمله على هذا حديث (الوقت بين هذين) فمفهومه أنه لا يجوز للقادر أن يخرج عن هذا الحد الذي حده لنا رسول الله ﷺ . (ح-٣٩١) ويدل لهذا الجمع ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة، حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه، قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، فقمنا، فصلينا، فلما انصرفنا، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا (٢). فلو أبيح تأخيرها لما ذمه عليه، وجعله من علامات النفاق. * ويناقش: مناقشة دلالة قوله: (الوقت بين هذين) على تحريم التأخير لوقت الاضطرار. الوجه الأول: أن قوله ﷺ (الوقت ما بين هذين)، مفهومه: أنه لا وقت خارج هذين، والاحتجاج بالمفهوم فيه خلاف، والاتفاق أنه إذا ثبت شرعًا مخالفة هذا المفهوم دل على أن المفهوم غير مراد، فلا يكون حجة، حتى عند الجمهور القائلين بالاحتجاج بمفهوم المخالفة، فقد خالفه النبي ﷺ -مختارًا غير معذور كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في الوجوه التالية.

стр. 1069

الوجه الثاني: أن ظاهر هذا الحديث لا يقول به حتى الحنابلة والمالكية القائلون بتقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار، فالحنابلة والمالكية يرون أن وقت العصر يمتد خارج هذين الوقتين وأن من صلى قبل غروب الشمس فقد صلاها أداء، لا قضاء؛ لوقوع الصلاة في الوقت، فتبين أن مفهوم الحديث غير مراد. ويبقى النزاع فيمن أوقع الصلاة خارج هذين الوقتين، أيأثم بالتأخير أم لا؟ وليس النزاع أصلاها في وقتها أم لا؟ والأصل أن من صلى الصلاة في وقتها فلا إثم عليه، ومن ادعى أن الإثم والأداء يجتمعان فعليه الدليل. الوجه الثالث: قد تبين من السنة أنه يجوز الخروج عن هذين الحدين بلا ضرورة. فجبريل ﵇ صلى بالنبي ﷺ العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى به في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه، وقال: الوقت بين هذين. فكان الخارج عن المثلين داخل في وقت الضرورة لو كان هذا حدًّا واجبًا. وقال ﷺ -في حديث عبد الله بن عمرو: وقت العصر ما لم تصفر الشمس. وهو قدر زائد عن المثلين، فتبين أن المثلين ليس حدًّا واجبًا. وصلى النبي ﷺ -العصر مختارًا غير معذور في حديث أبي موسى في اليوم الثاني والقائل يقول: قد احمرَّت الشمس. وهو قدر زائد على المثلين، وعلى الاصفرار، وإذا احمرَّت الشمس فلم يبقَ عليها إلا الغروب. فتبين أن الحد بالاصفرار أيضًا ليس حدًّا واجبًا، وإلا لكانت صلاة النبي ﷺ -داخلة في وقت الاضطرار الذي حده الحنابلة والمالكية، وتبين أن التوقيت بالاصفرار لبيان الوقت المختار، وأن إيقاع الصلاة فيه مستحب، والخروج عن وقت الاصفرار جائز، وليس حرامًا.

стр. 1070

وصلى النبي ﷺ -المغرب في إمامة جبريل وقتًا واحدًا حين غابت الشمس وقال للنبي ﷺ : الوقت ما بين هذين. وصلى النبي ﷺ -المغرب في حديث أبي موسى وحديث بريدة في اليوم الأول حين غربت الشمس، وصلى في اليوم الثاني قبل غياب الشفق، وقال الوقت بين هذين. ويدل فعله ﷺ -في المغرب على شيئين. الأول: أن الوقت المختار للمغرب هو غروب الشمس، وهذا بالاتفاق. الثاني: أن إيقاع الصلاة خارج الوقت المختار ولو من غير عذر جائز، وهذا الفهم أولى من القول بأن التوقيت في حديث إمامة جبريل ﵇ منسوخ، وكثير من المذاهب قد بنى فقهه في المواقيت على حديث إمامة جبريل. وإذا جاز الخروج عن الوقت المختار في المغرب جاز الخروج عن الوقت المختار في غيره. هذا مقتضى القياس لو لم يكن عندنا نصوص صريحة تغني الباحث عن اللجوء إلى دلالة القياس، والله أعلم. وصلى النبي ﷺ -العشاء في المدينة كما في حديث أبي موسى، وبريدة في مسلم في اليوم الأول حين غاب الشفق، وفي اليوم الثاني أخرها حتى كان ثلث الليل الأول، ثم قال في حديث أبي موسى: الوقت فيما بين هذين. وقال في حديث بريدة: وقت صلاتكم بين ما رأيتم (١). وخالف هذا في حديث عبد الله بن عمرو، قال ﷺ : ووقت العشاء إلى نصف الليل (٢). فأبان أن قوله في حديث بريدة: الوقت بين هذين، ليس حدًّا واجبًا. والتوقيت في حديث أبي موسى وبريدة في المدينة، فما يصح معه دعوى التأخر والتقدم المدعى في حديث إمامة جبريل ﵇، وأن الرسول ﷺ -كان يخرج عن هذا الحد حتى فيما وَقَّتَهُ لأصحابه في المدينة. (ح-٣٩٢) وروى البخاري من طريق زائدة، عن حميد الطويل،

стр. 1071

عن أنس بن مالك، قال: أَخَّرَ النبي ﷺ -صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى .... (١). وفي رواية للبخاري من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد به، بلفظ: أَخَّرَ رسول الله ﷺ -الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا … فظاهر الحديث أنه شرع في الصلاة بعد منتصف الليل. وإن كان يمكن معارضة هذا بأن ثابتًا وقتادة روياه عن أنس (حتى كان قريبًا من نصف الليل)، وهي أقرب من رواية حميد، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في وقت العشاء. وقد جاء ما هو أصرح من حديث أنس ﵁ في الزيادة على النصف. (ث-١٠٣) فقد روى الطحاوي من طريق شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبيد بن جريج، أنه قال لأبي هريرة ﵁: ما إفراط صلاة العشاء؟ قال: طلوع الفجر (٢). [صحيح]. فما قبل طلوع الفجر لا إفراط فيه، وقول أبي هريرة لا يخالف النصوص. (ث-١٠٤) وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن ابن طاوس، عن ابن عباس قال: وقت الظهر إلى العصر، والعصر إلى المغرب، والمغرب إلى العشاء، والعشاء إلى الصبح (٣). [فيه ليث بن أبي سليم ضعيف، وقد روى عنه شعبة والثوري، وهو شاهد صالح لما قبله] (٤). ويدل كلام أبي هريرة وابن عباس على أن توقيت العشاء في حديث عبد الله

стр. 1072

ابن عمرو ﵄ إلى منتصف الليل لم يكن حدًّا واجبًا. (ح-٣٩٣) وروى أحمد، وأصحاب السنن إلا الترمذي، وابن خزيمة، وغيرهم من طريق داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ -العتمة فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل .... فقال: لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخَّرْتُ هذه الصلاة إلى شطر الليل (١). قال ابن المنذر: «وإذا كان خروجه إليهم بعد انتصاف الليل فصلاته بعد شطر الليل، وإن كان كذلك ثبت أن وقتها إلى طلوع الفجر» (٢). فتبين أن قوله: (الوقت بين هذين) بيان للوقت المختار فقط، ولا دليل فيه على وجود وقت خاص بأهل الأعذار. فإذا أضفت إلى هذه النصوص قوله ﷺ -من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. كان هذا قدرًا زائدًا على المثلين والاصفرار والاحمرار. والقول بأن الحديث في المعذور تقييد له بلا دليل، وخلاف ظاهر اللفظ: فقوله (من صلى ركعة) فركعة نكرة في سياق الشرط، تعم كل مُصَلٍّ، معذورًا كان أو غير معذور، فما كان مطلقًا من النصوص فإنه يؤخذ على إطلاقه إلا أن يأتي نص يقيده يتفق معه سببًا وحكمًا، ولو كان هذا الذي أدرك ركعة يكون آثمًا لجاء مع النص ما يحذر من هذا الفعل، ليبين أن إدراك الصلاة لا يُخَلِّص المصلي من الإثم إلا أن يكون معذورًا. هذا ما يناقش به الاستدلال بحديث: (الوقت بين هذين).

стр. 1073

* وأما مناقشة حديث: (تلك صلاة المنافق)، والجواب عنه فمن أكثر من وجه. الوجه الأول: حديث أنس ﵁ على ذم تأخير صلاة العصر إلى الوقت الذي تكون فيه الشمس بين قرني شيطان، وهو وقت شروع الشمس في الغروب أو الطلوع، كما جاء في الحديث: (فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان) وقال في الغروب: (فإنها تغرب بين قرني شيطان) (١). فجملة (تطلع وتغرب بين قرني شيطان) دليل على أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان؛ كما يفيده التعبير بالمضارع الدال على الحال، فقول الرسول ﷺ -عن صلاة المنافق (يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان .... ) بمنزلة قوله: حتى إذا أخذت الشمس بالغروب. بينما القائلون بوقت الاضطرار جعلوا وقت الاضطرار يبدأ من حين بلوغ الظل مثليه بعد فيء الزوال في أحد القولين. وفي القول الآخر: من حين اصفرار الشمس. وكلا القولين لا مطابقة في الوقت بين قولهم هذا وبين حديث أنس ﵁، بل إن توقيتهم هذا معارض لحديث أبي موسى في المواقيت في مسلم، (ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرَّت الشمس) (٢). فاحمرار الشمس زيادة على المثلين والاصفرار. وهو يدل على جواز وقوع الصلاة في حال الاختيار بعد اصفرار الشمس. فمن فرغ من الصلاة قبل شروع الشمس بالغروب لا ينطبق عليه حديث أنس ﵁ في تأخير الصلاة حتى تكون بين قرني شيطان. الوجه الثاني: أن تأخير الصلاة إلى أن تكون بين قرني شيطان أي إلى وقت شروعها

стр. 1074

بالغروب قد لا يتحقق معه أن يخلص للمصلي ركعة كاملة بسجدتيها مطمئنًا فيها قبل غروبها، فهو يدخل على المخاطرة، فقد يدرك وقد لا يدرك. الوجه الثالث: صلاة المنافق اشتملت على ثلاثة أشياء: الأول: تأخير صلاة العصر إلى وقت الشروع بالغروب. والثاني: الإخلال بالأركان بنقر الصلاة وعدم الطمأنينة فيها. والثالث: خلوها من الذكر إلا قليلًا والذي من أجله أُمِرَ العبدُ بالقيام بالصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. فلم يكن الحديث مسوقًا لتقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار، والله أعلم. الوجه الرابع: أن حديث أبي هريرة في رجل صلى ركعة كاملة مطمئنًّا ذاكرًا الله فيها بسجدتيها قبل أن تغرب الشمس. وحديث أنس في منافق جلس يرقب آخر وقت العصر، حتى إذا شرعت في الغروب قام فنقرها نقرًا بلا طمأنينة، وخلوًا من ذكر الله. لهذا حمل الشافعية حديث أبي هريرة على الجواز، خلافًا لحديث أنس. الوجه الخامس: أن صريح حديث أبي هريرة مقدم على ظاهر حديث أنس. فإدراك ركعة جعله الشارع دركًا لصلاة الجماعة، ولصلاة الجمعة، وللوقت، والأصل أن من صلى بالوقت لم يأثم، ولا يوجد دليل على تأثيم من أدرك الوقت بإدراك آخره وإذا كان الوقت بالنسبة للظهر، والمغرب والصبح أوله كآخره في جواز وقوع الصلاة فيه، فكذلك العصر والعشاء، وأن ما كان وقتًا للمعذور فهو وقت له ولغيره من عموم المصلين. الوجه السادس: إن كان السبيل الترجيح بين حديث أبي هريرة وحديث أنس فلا مقارنة،

стр. 1075

فحديث أبي هريرة في الصحيحين. رواه الشيخان من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وبسر بن سعيد، والأعرج، ثلاثتهم عن أبي هريرة (١). ورواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (٢). وله شاهد عند مسلم من طريق يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (٣). وحديث أنس ﵁ في مسلم قد تفرد به العلاء بن عبد الرحمن، وهو خفيف الضبط، ليس بالمتقن، وحديثه من قبل الحسن. قال فيه الخليلي: مدني مختَلَفٌ فيه؛ لأنه ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديثه: إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا (٤) .. * دليل من قال: إن التأخير جائز مع الكراهة: دلت الأحاديث أن قوله ﷺ (الوقت ما بين هذين) أنه ليس حدًّا واجبًا. فالعصر جاء فيها ثلاثة أوقات: الأول: التحديد بالمثلين، كما في أحاديث إمامة جبريل من حديث جابر، وابن عباس، والأول صحيح، والثاني حسن. وهذا في بيان وقت الاستحباب. الوقت الثاني: أحاديث التحديد بالاصفرار، وهو قدر زائد على التحديد بانتهاء العصر بالمثلين، كما في حديث عبد الله بن عمرو في مسلم، وحديث بريدة وأبي موسى فيه أيضًا، وهذا يعني أنه إلى الاصفرار وقت جواز بلا كراهة. قال النووي قوله ﷺ : (فإذا صليتم العصر فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس) معناه: فإنه وقت لأدائها بلا كراهة، فإذا اصفرت صار وقت كراهة. الثالث: ما بين الاصفرار إلى الغروب وهذا وقت جواز مع الكراهة لحديث

стр. 1076

أبي هريرة: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. ولأن المصلي الذي أدرك ركعة قبل غروب الشمس في العصر، وقبل طلوعها في الفجر تعتبر صلاته أداء، لا قضاء، وإذا لم يبلغ بالصلاة القضاء لم يكن آثمًا؛ لأن الصلاة لها وقتان: أداء، وقضاء، ولا ثالث لهما، والأداء هو المطلوب. دليل من قال: يجوز التأخير إلى آخر الوقت بلا كراهة: الدليل الأول: (ح-٣٩٤) ما رواه مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١). الدليل الثاني: (ح-٣٩٥) ما رواه البخاري من طريق الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود ﵁: أن رجلًا سأل النبي ﷺ -أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله. ورواه مسلم (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ -أمر أبا ذر أن يصلي الصلاة لوقتها، وفي حديث ابن مسعود ﵁ جعل الصلاة لوقتها من أفضل الأعمال. ولفظ (وقتها) في الحديثين مفرد مضاف، فيعم كل وقتها، فكل وقت للصلاة هو داخل في وقت الصلاة، أوله كآخره، فإذا أوقع الصلاة في الوقت فقد امتثل الأمر، فمن أخرج جزءًا من وقت الصلاة من هذا الخطاب النبوي العام فقد خصص كلام الرسول الله ﷺ -بلا مخصص. قال ابن دقيق العيد: «قوله: (الصلاة على وقتها) ليس فيه ما يقتضي أول الوقت

стр. 1077

وآخره، وكان المقصود به: الاحتراز عما إذا وقعت خارج الوقت قضاء» (١). الدليل الثالث: من ادَّعى أن الإثم وأداء الصلاة في وقتها يجتمعان فقد خالف النص والأصل. أما كونه خالف النص: (ح-٣٩٦) فلما رواه مسلم من حديث أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ..... إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى (٢). فقوله: (إنما) أداة حصر، فَحَصَرَ التفريط على من تعمد التأخير حتى دخل وقت الصلاة الأخرى، وليس حتى خرج وقت الاختيار. وهذا يشمل جميع الصلوات خرج من ذلك الفجر بالإجماع على وجود فاصل بين وقت الصبح ووقت الظهر، وبقي ما عداه، فمن قال: إن التفريط على من صلى الصلاة في آخر وقتها قبل مجيء الصلاة الأخرى فهو مخالف لمنطوق هذا الحديث الصحيح. فدل الحديث على أن الصلاة خارج الوقت المختار ليس محرمًا، ما دام أن الوقت لم يخرج، وإنما المحرم هو إيقاع الصلاة خارج وقتها. وأما كونه مخالفًا للأصل: فالأصل: أن الصلاة واجب موسع، فآخر الوقت كأوله في الجواز من غير فرق بين المختار وغيره. والأصل أن من صلى الصلاة بوقتها فقد امتثل الأمر، فلا إثم عليه. الدليل الرابع: (ح-٣٩٧) ما رواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل

стр. 1078

أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (١). (ح-٣٩٨) ورواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وبسر بن سعيد، وعبد الرحمن بن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس لم تفته الصلاة، ومن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس لم تفته الصلاة (٢) (ح-٣٩٩) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ -قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة (٣). فإدراك الركعة جعله الشرع دركًا في صلاة الجماعة، وفي صلاة الجمعة، وكذلك جعله الشارع دركًا للوقت. * وأجاب المالكية والحنابلة عن الحديث بأجوبة: الجواب الأول: أن الحديث في المعذور. * ورد هذا الجواب: بأن الحديث عام، والعموم في النصوص الشرعية لا يقيده إلا نص مثله، وقد تبين أن حديث أنس في صفة صلاة المنافق لا يصلح أن يكون مقيدًا. الجواب الثاني: أن الحديث نص في إدراك الوقت، وليس هذا محل الخلاف، ونحن نقول: إن

стр. 1079

الصلاة أداء، وليست قضاء إلا أنه يأثم على التأخير. * ورد هذا الجواب: سبق الجواب عن دعوى أن الأداء والإثم يجتمعان، وبيان أن هذا مخالف للنص والأصل. * الجواب الثالث: قد يقال: إن حديث أبي هريرة، جاء بلفظ: (من أدرك ركعة من العصر) ولم يقل: من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس. والدرك: هو اللحاق والوصول إلى الشيء، يقال: أدركته إدراكًا ودركًا، قال تعالى لموسى ﴿أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. أي لا تخاف أن يلحق بك فرعون. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. وإنما قالوا هذا لأن فرعون كان بطلبهم. وقال ﷺ : إذا أقيمت الصلاة فامشوا وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فَصَلُّوا (١). فحين خرج الرجل يمشي طالبًا الصلاة كان من المناسب استعمال لفظ: (فما أدركتم)، ولا يقال هذا في حق رجل كان بالمسجد حين أقيمت الصلاة. وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]، وذلك أن العبد يفر من الموت، والموت يطلبه، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. فالحديث في مكَلَّفٍ يحاول اللحاق بالوقت ليدركه، ولا يقال هذا في حق رجل قادر على الصلاة قبل هذا.

стр. 1080

* ويجاب عن هذا: بأن (الإدراك) يأتي بمعنى اللحاق تقول: مشى حتى أدركه، وأدرك منه حاجته. ويأتي (الإدراك) بمعنى بلوغ الشيء إناه وغايته. تقول: فلان أدرك الإسلام، ولم يسلم. وتقول: أدرك الغلام والجارية إذا بلغا (١). وجاء في حديث أبي ذر المتقدم، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (٢). فقوله: (فإن أدركتها) فالإدراك في الحديث لا يمكن تفسيره باللحاق، حيث لم يكن أبو ذر ﵁ يحاول اللحاق بالصلاة معهم وهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، كيف وقد صلاها لوقتها ﵁. وفي حديث جابر في الصحيحين: جُعِلَتْ لِيَ الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فَلْيُصَلِّ … الحديث (٣). (ح-٤٠٠) وروى أحمد من طريق يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ -لرجلين لم يصليا مع الناس: .... ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ فقالا: قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه، فإنها له نافلة (٤). فكان لفظ: (أدرك ركعة من الصلاة) لا يلزم منه أن يكون قد طلب الصلاة حتى أدرك منها ركعة، حتى يحمل الحديث على المعذور، والله أعلم. الدليل الخامس: إذا كان الوقت بالنسبة للظهر، والمغرب والصبح أوله كآخره في جواز وقوع

стр. 1081

الصلاة فيه، فكذلك العصر والعشاء. * الراجح: أرى أن القول بجواز الصلاة في أي جزء من الوقت أقوى من القول بالتحريم؛ فإن كان لا بد فالقول بالكراهة مراعاة للخلاف، وأما القول بالتحريم فلم يظهر لي، فالراجح دائر بين الكراهة والجواز. ومع ترجيح ذلك فلا ينبغي للمسلم أن يؤخر الصلاة إلى وقت يختلف الناس في تحريم فعله؛ فالصلاة لا ينبغي للعبد أن يغامر فيها بين القول بالتحريم والقول بالكراهة، وهي ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، وهي أرجى عمل يعمله المسلم، ويطمع أن يكون سببًا في نجاته من النار، فليحرص المسلم على أن تكون صلاته في أحسن صفاتها، ومن ذلك الاهتمام بالوقت، ودع الجانب العلمي المحض الذي يُحرَّر وقوفًا عند حدود الحلال والحرام، وخذ ببرد اليقين المتفق عليه، خاصة فيما يتعلق بالصلاة، فهي دينك وإيمانك، والله أعلم.

стр. 1082

الفصل الرابع في ارتباط الصلاة بالوقت المبحث الأول في تقديم الصلاة على وقتها المدخل إلى المسألة: • كل عبادة ورد الأمر بفعلها مقيدًا بزمن محدود الطرفين بداية ونهاية، فلا يجوز تجاوزه، فمن تجاوزه فقد تعدى حدود الله تعالى. • تنسب الصلاة إلى الوقت فيقال: صلاة الظهر، وإنما يضاف الواجب إلى سببه. • الوقت سبب لوجوب الصلاة، ولا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها. • إذا وجد سبب العبادة جاز تقديمها على شرط وجوبها على الصحيح. • الطهارة قبل دخول الوقت تصح إجماعًا، ولا تجب إلا لفعل الصلاة. • الطهارة سبب وجوبها الحدث، وشرط وجوبها فعل الصلاة. • تقديم الطهارة على الوقت يصح إجماعًا، وهو من باب تقديم العبادة على شرط وجوبها بعد وجود سبب الوجوب، وهو الحدث • النصاب سبب لوجوب الزكاة، وتمام الحول شرط الوجوب، فإذا وجد النصاب جاز تقديمها قبل تمام الحول. • الخطأ في المأمورات لا يسقطها، فمن صلى قبل الوقت أعاد بخلاف المنهيات. [م-١٦٣] لا يصح تقديم الصلاة على وقتها عمدًا، وحكي فيه الإجماع، واختلفوا فيمن اجتهد، وصلى، ثم تبين أنه صلى قبل الوقت (١).

стр. 1083

فقيل: يعيد مطلقًا، وهو قول جمهور الفقهاء (١). وقال ابن عباس: تجزئه مطلقًا، وبه قال الحسن البصري، والشعبي، وهو رواية عن أحمد (٢). قال ابن المنذر في الإشراف: «واختلفوا في الصلاة قبل دخول الوقت .... وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: في رجل صلى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس، قال يجزيه. وقال الحسن: مضت صلاته … » (٣). وقال ابن رشد: «ومن صلى قبل الوقت أعاد أبدًا إلا خلافًا شاذًّا عن ابن عباس، وعن الشعبي .... » (٤). وقال الشافعية: إن أدرك الوقت وجبت الإعادة، وإن لم يعلم إلا بعد فوات الوقت فقولان في وجوب الإعادة، أصحهما: أن الإعادة واجبة، والثاني: لا يقضي اعتبارًا بما ظنه (٥). وقال أشهب: «أرجو لمن صلى العصر قبل القامة والعشاء قبل مغيب الشفق أن يكون قد صلى وإن كان بغير عرفة» (٦).

стр. 1084

ففرق أشهب بين الصلاة التي تجمع إلى ما قبلها وبين غيرها، فلو صلى الظهر، أو المغرب، أو الفجر قبل الوقت أعاد، ولو صلى العصر أو العشاء لم يعد بناء على أن الصلاة الثانية المجموعة تشارك ما قبلها في الوقت لاسيما في العذر. • دليل الجمهور على أنه يعيد مطلقًا: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]: أي فرضًا مؤقتًا. فقوله: (كتابًا) إشارة إلى وجوبها، وقوله: (موقوتًا) أي يجب عليك أداؤه وقتًا بعد وقت، ولهذا يتكرر الوجوب بتجدد الوقت. قال ابن جرير الطبري في معنى الآية: «أولى المعاني بتأويل الكلمة قول من قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا منجمًا؛ لأن الموقوت إنما هو مفعول، من قول القائل: وقت الله عليك فرضه، فهو يَقِتُهُ، ففرضه عليك موقوت: إذا أخبر أنه جعل له وقتًا يجب عليك أداؤه» (١). الدليل الثاني: أن الصلاة فرضت لأوقاتها، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. فربط الله بين الأمر بالصلاة وبين الوقت، مما يدل على أن الصلاة فرضت لأوقاتها. الدليل الثالث: أن جبريل صلى بالنبي ﷺ الصلوات الخمس في يومين، فصلى في اليوم الأول في أول الوقت، ثم صلى الخمس في اليوم الثاني في آخر الوقت، ثم قال له الوقت ما بين هذين، جاء ذلك في حديث ابن عباس وجابر، وسيأتي تخريجهما إن شاء الله تعالى في ذكر المواقيت.

стр. 1085

وهكذا فعل النبي ﷺ بالمدينة حين سئل عن مواقيت الصلوات (١). وهو دليل على أن الصلاة لا تجوز قبل وقتها. وقال النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو في مسلم، وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس … الحديث (٢). فكل أحاديث مواقيت الصلاة أحاديث محكمة صحيحة صريحة في تفصيل الأوقات، من قوله ومن فعله ﷺ تفيد أن كل صلاة لها وقت معلوم البداية والنهاية، فإيقاع الصلاة قبل وقتها لا تصح فريضة، كما لو صام رمضان في شعبان، أو أوقع الحج في ذي القعدة. الدليل الرابع: حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن الصلاة لا تجوز قبل وقتها. قال ابن عبد البر: «وقت الصلاة من فرائضها، وأنها لا تجزئ قبل وقتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إلا شيء روي عن أبي موسى الأشعري، وعن بعض التابعين وقد انعقد الإجماع على خلافه، فلم نَرَ لذكره وجهًا؛ لأنه لا يصح عندي عنهم، وقد صح عن أبي موسى خلافه بما يوافق الجماعة فصار اتفاقًا صحيحًا» (٣). وقال ابن تيمية: «يفعلها في الوقت على الوجه الممكن، ولا يفعلها قبله بالكتاب والسنة والإجماع» (٤). وقال الرجراجي: في مناهج التحصيل: «لا خلاف بين الأمة أن الصلاة لا يجوز فعلها قبل الوقت، إلا خلاف شاذ؛ رُوِيَ عن ابن عباس، وما روى أيضًا عن بعض العلماء في صلاة الجمعة» (٥). وذكر الشلبي من الحنفية أنه لا يجوز فعل الصلاة قبل طلوع الفجر، ولا عند

стр. 1086

الشك في طلوعه، ولا حال طلوعه إجماعًا (١). الدليل الخامس: أن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، ولا يجوز تقديم الشيء على سببه وحكي فيه الإجماع (٢). قال الونشريسي في إيضاح المسالك: «لم يختلف في عدم إجزاء الصلاة قبل الوقت؛ لأن وقتها سبب» (٣). الدليل السادس: أن الخطأ في المأمورات لا يسقطها، والخطأ في المنهيات يسقطها، ونحن أمرنا بالصلاة في الوقت، فلا تبرأ الذمة حتى نقوم بما أمرنا به، ولذلك لو صلى ثم تبين أنه صلى محدثًا وجبت عليه إعادة الصلاة بالإجماع. الدليل السابع: أن الصلاة لو صحت قبل الوقت لم يكن للتوقيت أي فائدة. • دليل من قال: لا تجب عليه الإعادة إذا صلى فبان أنه قبل الوقت: الدليل الأول: (ث-١٠٥) روى ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن الحسن، قال: شكوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس قال: فأمر مؤذنه، فأقام الصلاة، ثم تقدم فصلى بهم، واستفتح البقرة حتى ختمها، ثم ركع ثم سجد، ثم قام فاستفتح آل عمران حتى ختمها، ثم ركع ثم سجد، قال: وأضاء لهم الصبح (٤). [منقطع] (٥).

стр. 1087

• ويجاب: بأن الصحابة مختلفون، وإذا اختلفوا نُظِرَ في الأقرب إلى الصواب. (ث-١٠٦) فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أعاد صلاة الصبح بجمع في يوم ثلاث مرات، فإذا هو قد صلى بليل، ثم أعادها، فإذا هو قد صلى بليل، ثم أعادها الثالثة (١). [صحيح] (٢). (ث-١٠٧) وروى ابن المنذر في الأوسط من طريق حماد، عن عمران بن حدير، عن أبي عثمان، أن أبا موسى الأشعري أعاد الفجر ثلاث مرار (٣). [حسن] (٤).

стр. 1088

(ث-١٠٨) وروى البيهقي في السنن من طريق يحيى بن أبى طالب، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن أبا موسى الأشعري ﵁ صلى بهم الصبح بليل، فأعاد بهم الصلاة ثم صلى بهم فأعاد بهم الصلاة ثلاث مرات (١). [تفرد يحيى بن أبي طالب عن عبد الوهاب بن عطاء، وفيه كلام] (٢). الدليل الثاني: (ث-١٠٩) روى ابن المنذر في الأوسط من طريق شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، سئل عن رجل صلى الظهر في السفر قبل أن تزول

стр. 1089

الشمس. قال: تجزيه، ثم قال: أرأيت إن كان على أحدكم دين إلى أجل، فقضاه قبل محله، أليس ذلك قد قضيناه (١). [هذا إسناد ضعيف] (٢). • ويناقش: بأن هناك فرقًا بين الدَّين وبين الصلاة، فالذمة مشغولة بالدين قبل استعجاله، بخلاف الصلاة فإن الذمة ليست مشغولة بالوجوب قبل وجود سببه، وهو دخول الوقت، فلو مات المدين قبل حلول الأجل لم يسقط الدين بخلاف ما لو مات قبل دخول وقت الصلاة. • دليل من تسامح في الصلاة قبل الوقت في ثاني المجموعتين: هذا القول بناه على أن الصلاتين المجموعتين وقتهما مشترك في حال العذر، كالسفر، والمطر، وفي حال إذا ارتفع المانع في وقت الثانية، فإذا اجتهد، وصلى العصر قبل دخول وقتها، أو صلى العشاء قبل دخول وقتها كانت صلاته صحيحة، حيث لم يتعمد، والوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر، وهذا منها. • الراجح: أن الصلاة لا تصح قبل الوقت، لأن الوقت سبب الوجوب، وإذا لم تجب عليه لم تصح فرضًا، وفي صحتها نافلة خلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.

стр. 1090

المبحث الثاني الصلاة مع الشك في دخول الوقت المدخل إلى المسألة: • الشك تساوي الطرفين فإن رجح كان ظنًّا والمرجوح وهم. • كل عبادة تشترط فيها النية الجازمة لا يصح إيقاعها مع الشك؛ للتردد في النية ما لم يكن غلبة ظن. • الأصل عدم دخول الوقت؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. • الأصل بقاء ما كان على ما كان؛ استصحابًا للمتيقن على المشكوك فيه؛ لحديث: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا). • الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط ضرورة، فالشك في الطهارة يوجب الشك في الصلاة، فكذا الشك في سبب الوجوب. • كل مشكوك فيه فهو ملغى في الشريعة، فمن شك في سبب أو شرط لم يرتب عليه حكمًا، ومن شك في طلاق لم تطلق عليه زوجته. • الشك بعد الفراغ من العبادة لا أثر له تقديمًا للظاهر على الأصل، فالأصل عدم الإتيان، والظاهر من أفعال المكلف أن تقع على وجه الكمال. • يصح نية التقرب بالمشكوك فيه إذا كان لا يخرج من العهدة إلا به، فمن شك في عين الصلاة المنسية ولم يمكنه التحري صلى خمس صلوات مع شكه في وجوبها. • إذا شك في مذكَّاة وميتة حرمتا معًا. [م-١٦٤] إذا صلى وهو يشك في دخول الوقت فعليه الإعادة وإن أصاب، وهو مذهب الأئمة الأربعة، واختيار ابن حزم (١).
следующие страницы →