الشك في طلوعه، ولا حال طلوعه إجماعًا (١).
الدليل الخامس:
أن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، ولا يجوز تقديم الشيء على سببه وحكي فيه الإجماع (٢).
قال الونشريسي في إيضاح المسالك: «لم يختلف في عدم إجزاء الصلاة قبل الوقت؛ لأن وقتها سبب» (٣).
الدليل السادس:
أن الخطأ في المأمورات لا يسقطها، والخطأ في المنهيات يسقطها، ونحن أمرنا بالصلاة في الوقت، فلا تبرأ الذمة حتى نقوم بما أمرنا به، ولذلك لو صلى ثم تبين أنه صلى محدثًا وجبت عليه إعادة الصلاة بالإجماع.
الدليل السابع:
أن الصلاة لو صحت قبل الوقت لم يكن للتوقيت أي فائدة.
• دليل من قال: لا تجب عليه الإعادة إذا صلى فبان أنه قبل الوقت:
الدليل الأول:
(ث-١٠٥) روى ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور،
عن الحسن، قال: شكوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس قال: فأمر مؤذنه، فأقام الصلاة، ثم تقدم فصلى بهم، واستفتح البقرة حتى ختمها، ثم ركع ثم سجد، ثم قام فاستفتح آل عمران حتى ختمها، ثم ركع ثم سجد، قال: وأضاء لهم الصبح (٤).
[منقطع] (٥).
стр. 1087
• ويجاب:
بأن الصحابة مختلفون، وإذا اختلفوا نُظِرَ في الأقرب إلى الصواب.
(ث-١٠٦) فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، أعاد صلاة الصبح بجمع في يوم ثلاث مرات، فإذا هو قد صلى بليل، ثم أعادها، فإذا هو قد صلى بليل، ثم أعادها الثالثة (١).
[صحيح] (٢).
(ث-١٠٧) وروى ابن المنذر في الأوسط من طريق حماد، عن عمران بن حدير، عن أبي عثمان، أن أبا موسى الأشعري أعاد الفجر ثلاث مرار (٣).
[حسن] (٤).
стр. 1088
(ث-١٠٨) وروى البيهقي في السنن من طريق يحيى بن أبى طالب، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد، عن قتادة،
عن أنس بن مالك: أن أبا موسى الأشعري ﵁ صلى بهم الصبح بليل، فأعاد بهم الصلاة ثم صلى بهم فأعاد بهم الصلاة ثلاث مرات (١).
[تفرد يحيى بن أبي طالب عن عبد الوهاب بن عطاء، وفيه كلام] (٢).
الدليل الثاني:
(ث-١٠٩) روى ابن المنذر في الأوسط من طريق شريك، عن سماك، عن عكرمة،
عن ابن عباس، سئل عن رجل صلى الظهر في السفر قبل أن تزول
стр. 1089
الشمس. قال: تجزيه، ثم قال: أرأيت إن كان على أحدكم دين إلى أجل، فقضاه قبل محله، أليس ذلك قد قضيناه (١).
[هذا إسناد ضعيف] (٢).
• ويناقش:
بأن هناك فرقًا بين الدَّين وبين الصلاة، فالذمة مشغولة بالدين قبل استعجاله، بخلاف الصلاة فإن الذمة ليست مشغولة بالوجوب قبل وجود سببه، وهو دخول الوقت، فلو مات المدين قبل حلول الأجل لم يسقط الدين بخلاف ما لو مات قبل دخول وقت الصلاة.
• دليل من تسامح في الصلاة قبل الوقت في ثاني المجموعتين:
هذا القول بناه على أن الصلاتين المجموعتين وقتهما مشترك في حال العذر، كالسفر، والمطر، وفي حال إذا ارتفع المانع في وقت الثانية، فإذا اجتهد، وصلى العصر قبل دخول وقتها، أو صلى العشاء قبل دخول وقتها كانت صلاته صحيحة، حيث لم يتعمد، والوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر، وهذا منها.
• الراجح:
أن الصلاة لا تصح قبل الوقت، لأن الوقت سبب الوجوب، وإذا لم تجب عليه لم تصح فرضًا، وفي صحتها نافلة خلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
стр. 1090
المبحث الثاني الصلاة مع الشك في دخول الوقت
المدخل إلى المسألة:
• الشك تساوي الطرفين فإن رجح كان ظنًّا والمرجوح وهم.
• كل عبادة تشترط فيها النية الجازمة لا يصح إيقاعها مع الشك؛ للتردد في النية ما لم يكن غلبة ظن.
• الأصل عدم دخول الوقت؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
• الأصل بقاء ما كان على ما كان؛ استصحابًا للمتيقن على المشكوك فيه؛ لحديث: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا).
• الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط ضرورة، فالشك في الطهارة يوجب الشك في الصلاة، فكذا الشك في سبب الوجوب.
• كل مشكوك فيه فهو ملغى في الشريعة، فمن شك في سبب أو شرط لم يرتب عليه حكمًا، ومن شك في طلاق لم تطلق عليه زوجته.
• الشك بعد الفراغ من العبادة لا أثر له تقديمًا للظاهر على الأصل، فالأصل عدم الإتيان، والظاهر من أفعال المكلف أن تقع على وجه الكمال.
• يصح نية التقرب بالمشكوك فيه إذا كان لا يخرج من العهدة إلا به، فمن شك في عين الصلاة المنسية ولم يمكنه التحري صلى خمس صلوات مع شكه في وجوبها.
• إذا شك في مذكَّاة وميتة حرمتا معًا.
[م-١٦٤] إذا صلى وهو يشك في دخول الوقت فعليه الإعادة وإن أصاب، وهو مذهب الأئمة الأربعة، واختيار ابن حزم (١).
стр. 1091
قال خليل في مختصره: «وإن شك في دخول الوقت لم تجز، ولو وقعت فيه» (١).
وقال زروق نقلًا من مواهب الجليل: «دخول الوقت شرط في جواز إيقاع الصلاة كوجوبها، فلا يصح إيقاعها إلا بعد تحققه بحيث لا يتردد فيه … » (٢).
وقيل: إذا صلى وهو يشك في دخول الوقت، فبان أنه صلى في الوقت أجزأته، اعتبارًا بالموجود، وهو وقوع الصلاة في الوقت، اختاره بعض الحنفية، وقول في مذهب المالكية، ويروى عن ابن عباس (٣).
• دليل القول بعدم الإجزاء:
الدليل الأول:
الإجماع، قال النووي في المجموع: «لا يجزيه ما فعله بلا خلاف» (٤).
الدليل الثاني:
الأصل بقاء ما كان على ما كان وهو عدم دخول الوقت حتى نتيقن دخوله، والقاعدة الفقهية: أن اليقين لا يزول بالشك، فاليقين أن الوقت لم يدخل، فيستصحب هذا الحال، حتى نتيقن دخوله، ولهذا يجوز الأكل مع الشك في طلوع الفجر على الصحيح، وكذا لا يجوز على الصحيح الفطر مع الشك في غروب الشمس.
الدليل الثالث:
لا تصح العبادة مع الشك في شرط وجوبها؛ لأن الشك في الشرط يوجب
стр. 1092
الشك في المشروط ضرورة، فمن باب أولى أن ما شُكَّ في سبب وجوبه لم يجب.
فمن شك أتوضأ أم لا فهو لم يتوضأ، ومن شك في غروب الشمس لم يحل له الفطر، فكذلك إذا شك أدخل الوقت أم لا فالأصل أنه لم يدخل، فإن صلى فقد صلاها غير عالم بوجوبها عليه، فلم تجزئه.
الدليل الرابع:
الإجماع منعقد على شغل الذمة بالصلاة، والبراءة للذمة من الواجب تتوقف على سبب مبرئ إجماعًا، فلا تصح الصلاة مع الشك في سبب وجوبها؛ فلابد من يقين أو ظن غالب على براءة الذمة (١).
• دليل من قال تجوز الصلاة مع الشك في دخول الوقت:
الدليل الأول:
(ح-٤٠١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا مسحاج الضبي قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في سفر، فقلنا: زالت الشمس، أو لم تزل، صلى الظهر ثم ارتحل (٢).
[صحيح] (٣).
فمن العلماء من استدل به على جواز الصلاة مع الشك في دخول الوقت كما هو
стр. 1093
ظاهر من ترجمة أبي داود، قال في السنن: باب المسافر يصلي، وهو يشك في الوقت.
ومنهم من أنكر صحة الحديث لدلالته على جواز تقديم الصلاة على وقتها كابن حبان، قال في المجروحين في ترجمة مسحاج الضبي: «روى حديثًا واحدًا منكرًا في تقديم صلاة الظهر قبل الوقت للمسافر، لا يجوز الاحتجاج به» (١).
فضعفه لهذا الحديث.
وأنكر ابن المبارك هذا الحديث، فنقل ابن حبان بإسناده، عن الحسن بن عيسى، قلت لابن المبارك: حدثنا أبو نعيم بحديث حسن، قال: ما هو؟
قلت: حدثنا أبو نعيم، عن مسحاج، عن أنس بن مالك … وذكر الحديث، فقال ابن المبارك وما حُسْنُ هذا الحديث؟! أنا أقول: كان النبي ﷺ يصلي قبل الزوال وقبل الوقت (٢).
ونقل ابن القيسراني عبارة ابن المبارك، فقال: وقال ابن المبارك: من مسحاج هذا حتى أقبل منه هذا الحديث؟ أنا أقول كان النبي ﷺ يصلي قبل الزوال، أو قبل الوقت (٣).
ومن صحح هذا الحديث لم يفهم منه هذا الفهم، وإنما يدل على أنه يبادر بالصلاة، حتى يقول بعض المأمومين زالت الشمس أو لم تزل، كما وقع ذلك في حديث أبي موسى عند ابن أبي شيبة، أن سائلًا أتى النبي ﷺ فسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا … وفيه: ثم أمره فأقام الصلاة، والقائل يقول: قد زالت الشمس أو لم تزل، وهو أعلم منهم … (٤).
وهو في مسلم بلفظ: ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار وهو كان أعلم منهم (٥).
وفي مسند أحمد: والقائل يقول: انتصف النهار أو لم ينتصف (٦).
стр. 1094
فغاية ما فيه أن المأموم يجوز أن يقلد الثقة في دخول الوقت، حتى ولو بادر بها، حتى يقول بعضهم: هل دخل الوقت؟
الدليل الثاني:
(ث-١١٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور،
عن الحسن، قال: شكوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس قال: فأمر مؤذنه، فأقام الصلاة، ثم تقدم فصلى بهم، واستفتح البقرة حتى ختمها، ثم ركع ثم سجد، ثم قام فاستفتح آل عمران حتى ختمها، ثم ركع ثم سجد، قال: وأضاء لهم الصبح (١).
[منقطع].
(ث-١١١) وروى ابن المنذر في الأوسط من طريق شريك، عن سماك، عن عكرمة،
عن ابن عباس، سئل عن رجل صلى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس. قال: تجزيه، ثم قال: أرأيت إن كان على أحدكم دين إلى أجل، فقضاه قبل محله، أليس ذلك قد قضيناه (٢).
[ضعيف].
• ونوقش:
ظاهر الأثر الأول أنهم دخلوا في الصلاة مع قيام الشك في دخول الوقت، وظاهر النص في الأثر الثاني أن ابن عباس أفتى بجواز الصلاة في السفر قبل دخول الوقت متعمدًا، فهما أثران في مسألتين مختلفتين.
والأثر الأول منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من ابن عباس.
والأثر الثاني فيه سببان للضعف، شريك سَيِّئُ الحفظ، ورواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب، وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس، أن الشك حصل لهم بعد دخولهم في الصلاة، فلا يكون فيه دليل على تعمد الصلاة قبل الوقت، ولا الدخول فيها مع قيام الشك، وهذا هو المعروف عن ابن عباس.
стр. 1095
(ث-١١٢) فقد رواه ابن المنذر من طريق حجاج، حدثنا حماد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله،
عن ابن عباس أنه دخل في صلاة الفجر، فعرف الليل في القبلة، فاستفتح بسورة البقرة، فركع، وقد طلع الفجر. وهذا إسناد صحيح (١).
فقوله: (فعرف الليل في القبلة) لا يمكن وهو في الصلاة أن يتيقن بقاء الليل، فإذا كان قبل دخوله في الصلاة دخل، وهو يظن طلوع الصبح، فكيف وهو في الصلاة يتيقن بقاء الليل، فيحمل على أنه حصل له شك في بقاء الليل، والشك بعد الدخول في الصلاة فيه خلاف في إفساد الصلاة باعتبار أنه شك في المفسد، والأصل عدمه، وعلى التنزل فينبغي حمله على مسألة محفوظ فيها الخلاف، أعني مسألة: من اجتهد في دخول الوقت، ثم تبين له أنه صلى قبل الوقت:
فقيل: يعيد الصلاة، وهو قول المذاهب الأربعة.
وقيل: لا يعيد إذا فات الوقت، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية.
وقيل: لا يعيد مطلقًا، وهو منسوب إلى ابن عباس، ولا يفهم منه أن هناك خلافًا بين العلماء في صحة تعمد إيقاع الصلاة قبل الوقت.
قال ابن رجب: «ليس هذا الاختلاف في جواز تقديم الصلاة على وقتها عمدًا، إنما الاختلاف فيمن اجتهد وصلى، ثم تبينت صلاته قبل الوقت، وقد مضى الوقت، فهذا في وجوب الإعادة فيه قولان للشافعي، والاختلاف المروي عن السلف يرجع إلى هذين القولين، وقد حكي رواية عن أحمد أنه لا يلزمه القضاء. قال القاضي أبو يعلى الصغير في تعليقه: قد تأولها أصحابنا … » (٢).
وأرى أن القول بوجوب الإعادة مطلقًا هو الأرجح، والله أعلم.
стр. 1096
المبحث الثالث العمل بالظن في دخول الوقت
المدخل إلى المسألة:
• أكثر أحكام الشريعة قائمة على الظن إما لخفاء الدليل، أو لخفاء الدلالة، ولو اشترط اليقين لتعطل كثير من الأحكام،
• الظن الشرعي: هو تغليب أحد الجانبين لأصل أو مرجح.
• قوله ﷺ : (إنما أقضي على نحو ما أسمع) أصل بالعمل بالظن.
• الأصل العمل بالظن إلا أن يقوم دليل على إلغاء الظن؛ كما لو ظَنَّ الحدث وتيقن الطهارة، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
• أفطر الصحابة في يوم غيم ثم طلعت الشمس، ولو كان الفطر لا يجوز إلا بيقين لما وقع.
• القادر على اليقين أيجتهد أم يجب العلم باليقين؟
• كان الصحابة يجتهدون ويستفتي بعضهم بعضًا مع إمكان الرجوع إلى الرسول ﷺ ، وهو من العمل بالظن مع القدرة على اليقين.
• احتمال تطرق الخطأ للظن لا يمنع من صحة العمل به؛ لأن الأصل عدم الخطأ.
• الظن درجة من درجات العلم، قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾.
• إذا تعذر اليقين وجب العمل بالظن.
• الظن المذموم في النصوص هو ما اتُّبِعَ فيه الهوى ولم يُبْنَ على أصل.
[م-١٦٥] إذا ظن دخول الوقت أيجوز أن يصلي أم يجب ألا يصلي حتى يتيقن الوقت؟
فقيل: يجوز أن يصلي إذا غلب على ظنه دخول الوقت. وهذا مذهب الحنفية،
стр. 1097
والشافعية، واختاره صاحب الإرشاد من المالكية، ومشى عليه المتأخرون منهم إلا أنهم اشترطوا أن يكون الظن قويًّا (١).
وقيل: لا يجوز أن يصلي بغلبة الظن مطلقًا، بل لابد من دخول الوقت بالتحقيق، أومأ إليه الإمام أحمد، واختاره ابن حامد وغيره، واختاره بعض الشافعية (٢).
هذان قولان متقابلان.
وقال الحنابلة: لا يصلي بغلبة الظن إلا إذا تعذر اليقين، وهو معنى قول الدردير من المالكية: لا يجتهد مع الصحو، ورجحه الخرشي من المالكية (٣)، وعليه قواعد المذهب المالكي (٤).
واختار بعض المالكية أن الصلوات التي تشارك ما قبلها يصليها إذا غلب على
стр. 1098
ظنه دخول الوقت، بخلاف الصلوات التي لا تشارك ما قبلها كالظهر، والمغرب، والفجر فلا يصليها حتى يتحقق دخول الوقت (١).
ولذلك قال أشهب: «أرجو لمن صلى العصر قبل القامة والعشاء قبل مغيب الشفق أن يكون قد صلى وإن كان بغير عرفة» (٢).
• فخلص لنا في الصلاة مع غلبة الظن أربعة أقوال:
يجوز مطلقًا.
لا يجوز مطلقًا، ولابد من اليقين.
الجواز إذا تعذر اليقين.
الجواز فقط مع الصلوات المشتركة التي تجمع إلى غيرها.
• دليل من قال: تجوز الصلاة مع غلبة الظن:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].
والعلم بإيمان المرأة لا يكون إلا بالتحري، وغالب الظن، فدل على أن العمل به مشروع.
الدليل الثاني:
(ح-٤٠٢) روى البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة،
قال: قال عبد الله: صلى النبي ﷺ -قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- وفيه: إذا شك أحدكم في صلاته، فليَتَحَّر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (٣).
وإذا جاز التحري في أركان الصلاة جاز التحري في شروطها.
стр. 1099
• وتعقب:
بأن تحري الصواب: هو القصد إلى الصواب حتى يكون البناء على اليقين، كقوله ﵇: لا يَتَحَرَّ أحدُكُم بصلاته طلوع الشمس، ولا غروبها.
أي لا يتقصد ذلك.
• ويناقش:
بأنه لا ينكر أن التحري يأتي بمعنى القصد، ولكن النزاع بين الفقهاء: هل قصد الصواب: يعني قصد الأقل، باعتبار المتيقن هو الصواب حيث لم يتطرق إليه تردد مطلقًا، أم أن قصد الصواب بمعنى تحري الأصوب؟ فالتحري طلب الأحرى: والأحرى أفعل تفضيل أي طلب الأحق والأرجح والأغلب.
ولا شك أن الظن طرفاه ليسا متساويين، فيكون التحري هو قصد أولى الطرفين بالصواب، وهو الظن، وطرح ما يقابله وهو الوهم، ومنه تحري القبلة، وكما يقال: فلان يتحرى الأمر إذا توخاه، وطلبه،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، والأخذ باليقين لا يحتاج تحريًا، فكان يمكنه أن يقول: فليبنِ على اليقين (١).
ومسألة السهو ستأتينا إن شاء الله تعالى في بابها، ونستعرض خلاف العلماء فيها، والصواب من الخلاف، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
الدليل الثالث:
(ح-٤٠٣) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة،
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس (٢).
ولو كان الفطر لا يكون إلا بيقين لما وقع ذلك منهم، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ فطرهم بِنَاءً على غالب ظنهم.
الدليل الرابع:
(ح-٤٠٤) ما رواه البخاري من طريق هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة،
стр. 1100
عن أم سلمة ﵂، أن رسول الله ﷺ ، قال: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلَيَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، ورواه مسلم (١).
فهذا الحديث أصل بالعمل بالظن، واحتمال الخطأ لا يمنع من صحة العمل به؛ لأن الأصل عدم الخطأ حتى يتبين، والله أعلم.
الدليل الخامس:
أكثر أحكام الشريعة قائمة على الظن إما لخفاء الدليل، أو لخفاء الدلالة، ولو اشترط اليقين لتعطلت الأحكام.
الدليل السادس:
كان الصحابة يجتهدون، ويستفتي بعضهم بعضًا مع إمكان الرجوع إلى الرسول ﷺ ، وهو من العمل بالظن مع القدرة على اليقين، وسيأتي أمثلة على هذا حين مناقشة بعض الأقوال المعارضة.
الدليل السابع:
الرسول ﷺ متعبد بالاجتهاد على الصحيح، ولو كان الظن لا يجوز مع القدرة على اليقين لكان يمكنه الانتظار حتى ينزل الوحي، والفرق بينه وبين غيره أنه لا يقرُّ على الخطأ.
قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣].
وقال ﷺ : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي .... الحديث (٢).
ولا يستقيم ذلك إلا أن يكون فعل ذلك باجتهاده.
الدليل الثامن:
الأصل العمل بالظن إلا أن يقوم دليل على إلغاء الظن؛ كما لو ظَنَّ الحدث وتيقن الطهارة، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
стр. 1101
• دليل من قال: لابد من اليقين:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
• ونوقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن الظن المذموم هو في تحكيم الظن في الأمور العقدية، وهي أمور لا بد فيها من العلم الجازم، بخلاف الأمور العملية، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].
قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣].
الوجه الثاني:
أن الظن يطلق تارةً ويراد به العلمُ، وتارةً يراد به أرجحُ الأمرين، وتارةً يراد به الشكُّ.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣].
ومن الظن الذي هو أرجح الأمرين: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
ولا يجوز أن يكون بمعنى العلم؛ لأن أحدًا لا يعلم ما هو كائن إلا الله وحده.
ويأتي الظن بمعنى الشك كقوله تعالى: ﴿ .... وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]، فنفى عنهم العلم وأثبت لهم وقوعهم في الشك، ولو كان يراد بالظن هو الراجح لنفى عنهم الشك.
وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦].
والخرص: هو الحدس والتخمين، فكان الظن المذموم ما كان بمعنى الشك.
الوجه الثالث:
أن الظن المذموم في النصوص هو ما اتُّبع فيه الهوى ولم يُبْنَ على أصل
стр. 1102
بخلاف الظن الذي بني على أصل وأمارات فهذا قريب من اليقين.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وضد التبين: الشك والظن، وإذا كان الأصل بقاء الليل حتى يتبين لنا طلوع الفجر، فالأصل عدم دخول وقت الصلاة حتى يتبين لنا عن يقين دخول الوقت.
• ونوقش:
إذا فرض أن التبين يقابله الشك والظن، فأما الشك فهو مراد بالنص؛ لأن الأصل بقاء الليل، فيستصحب هذا الأصل فلا يحرم الأكل بمجرد الشك؛ ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وقد تكلمت على الشك في المسألة السابقة.
وأما الظن فغير مراد في الآية؛ لنصوص أخرى، منها حديث أسماء، أفطرنا في يوم غيم ثم طلعت الشمس.
فإذا كان لهم الفطر بالظن، كان عليهم الإمساك بالظن.
الدليل الثالث:
إذا غُمَّ علينا ليلة الثلاثين من شعبان أكملنا عدة شعبان ثلاثين يومًا، ولم نتحرَّ، مع احتمال أن يكون شهر رمضان قد دخل، فلا عبرة لهذا الاحتمال حتى نتيقن دخول الشهر، إما بالرؤية، وإما بإكمال العدة، فكذلك الصلاة لا يدخل فيها حتى يتيقن دخول الوقت، أو يخشى خروجه.
• ونوقش:
الأصل العمل بالظن إلا أن يقوم دليل على إلغاء الظن فلا يعمل به؛ فبعض الأحكام قام الدليل فيها على إلغاء الظن، كما لو شك في الحدث وهو في الصلاة، فلا يتحرى، وقد نهاه الشارع عن الانصراف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
ومثله إذا غُمَّ علينا ليلة الثلاثين من شعبان، فقد كلفنا بإكمال العدة ثلاثين يومًا، وإنما الكلام على المسائل التي لم يدل الدليل على إلغاء الظن فيها، فهي على الأصل، وأننا متعبدون بالعمل بالظن، ومثلها مسألة الباب إذا ظن دخول الوقت،
стр. 1103
فإن له أن يصلي، فإن تبين أنه صلى قبل الوقت أعاد، وإلا صحت صلاته.
الدليل الرابع:
دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة أو شرط لوجوبها، ومثله لا بد من العلم به حتى لا يصلي وهو متردد النية، هل وجبت عليه الصلاة أو لم تجب؟
وقياسًا على الشك في فعل الطهارة، فلو شك هل تطهر؟ لم يُصَلِّ بالظن حتى يتيقن الطهارة.
• ونوقش:
القول بأنه لا بد من العلم بسبب وجوب الصلاة هذا استدلال بمحل النزاع، فلا يسلم.
والقول بوجوب العلم في دخول الوقت لكيلا يكون مترددًا في النية لا يسلم كذلك، فالتردد إنما يقع فيمن صلى، وهو يشك في دخول الوقت؛ لاستواء الطرفين، وأما الظن فلا يحصل فيه التردد، لأن الترجيح قائم على أمارات جعلت أحدهما أرجح من الآخر، والله أعلم.
وأما الجواب عن الشك في الطهارة والشك في الحدث، فقد تقدم بأن العمل بالظن مشروط بأن لا يأتي دليل يدل على إلغاء الظن، فإذا ألغي الظن واشترط اليقين في مسألة ما عملنا به بمقتضى الدليل في هذه المسألة بخصوصها دون غيرها؛ فالعمل بالظن مُلْغًى في مسألة الاشتباه في الفروج، كما لو اختلطت أخته بأجنبية (١).
وإذا شك في الحدث بنى على اليقين لحديث: فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا.
ولا يعني هذا إلغاء التحري مطلقًا؛ لأن العمل بالظن مستفيض في الشريعة.
وفي معرفة القبلة يكفي التحري بالإجماع في غير مكة والمدينة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في موضعه، ولا يستدل بهذا على رد ذاك، ولا العكس، والله أعلم.
стр. 1104
الدليل الخامس:
أن الله وضع لنا علامات، ونصب لنا أدلة محسوسة نعرف بها دخول الوقت، فطلوع الصبح، وغياب الشمس، والشفق، وزوال الشمس، وبلوغ الظل مثله أو مثليه كلها تدرك بالحس، فلا يذهب إلى التحري المعرض للخطأ والصواب، مع إمكان اليقين، ولو بتقليد ثقةٍ عالمٍ بالوقت.
• ويناقش:
بأن هذه العلامات كلها يمكن معرفتها مع الصحو، ولكن لو كان الرجل بالصحراء، وكان هناك غيم، ولم يكن هناك ساعة، لم يكن بمقدوره إلا الاجتهاد والتحري.
ثم القول بأنه لا يذهب إلى الظن مع إمكان اليقين غير مُسَلَّمٍ، فقد تقدم أن الصحابة يجتهدون في عصر الوحي، ويستفتي بعضهم بعضًا، مع إمكان الرجوع إلى الرسول ﷺ ، وهو من العمل بالظن مع القدرة على اليقين
وقد قال ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالدراهم، فنأخذ الدنانير، والعكس، فسألت رسول الله ﷺ ، فقد سبق العمل بالاجتهاد على سؤال رسول الله ﷺ عن حكم الفعل بناء على غلبة الظن بالجواز (١).
واجتهد الصحابة في فهم قوله ﷺ : لا يُصَلِّيَنَّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة (٢).
وخرج رجلان من الصحابة في سفر، فحضرت الصلاة، ولا ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما، ولم يعد الآخر، فقال الرسول ﷺ للذي لم يُعِدْ أصبت السنة، وقال للآخر: لك الأجر مرتين.
وتمرغ عمار ﵁ كما تتمرغ الدابة، ولم يُصَلِّ عمر ﵁، وكان هذا عن اجتهاد منهما، ولم يوفقا للصواب (٣)، والوقائع كثيرة.
стр. 1105
الدليل السادس:
أن ما كان فرضه الإصابة لا بد فيه من اليقين، وما كان فرضه الاجتهاد يكفي فيه غلبة الظن، فلو تحرى دخول الوقت، وصلى فبان أنه صلى قبل الوقت لم يجزئه، ولو اجتهد في القبلة في السفر، فبان أنه أخطأ أجزأه.
والفرق أن دخول الوقت فرضه الإصابة، فكان لابد فيه من اليقين، ويمكنه أن يؤخر الصلاة حتى تقع في الوقت يقينًا، أو يخشى فوات الوقت، فإذا لم يفعل فقد فرط، بخلاف القبلة فإن الفرض فيها الاجتهاد، لا الإصابة، فيكفي فيها غلبة الظن (١).
• ويناقش:
بأن قوله: ما كان فرضه الإصابة فلابد فيه من اليقين، هذا الكلام دعوى في محل النزاع، فأين الدليل عليه.
• دليل من قال: يعمل بالظن إذا تعذر اليقين:
المجتهد إذا وجد نصًّا فإنه لا يعدل عنه إلى الاجتهاد، فكذلك من قدر على العلم فلا يذهب إلى الظن.
стр. 1106
ولأن المكيَّ ممنوع من الاجتهاد في القبلة لقدرته على إصابة العين فكذلك المجتهد إذا قدر على اليقين.
ولأن الظن عرضة للخطأ والصواب بخلاف العلم.
أما إذا تعذر اليقين فإنه يأخذ بالظن، واستدلوا بأدلة العمل بالظن، حيث حملوها على ما إذا تعذر الوصول إلى اليقين.
• ونوقش:
بأن القادر على اليقين غير المتيقن، فالاجتهاد إنما يجوز للقادر على اليقين وليس لمن وصل إلى اليقين.
ولأن المصلي لو صبر حتى يتيقن دخول الوقت فات عليه مطلوب شرعي، وهو أول الوقت.
فهو بمنزلة الصحابي الذي يجتهد أو يستفتي صحابيًّا آخر مع وجود الرسول ﷺ ، فهو قادر على الوصول إلى اليقين، ومع ذلك سلك سبيل الظن، وليس بمنزلة من بلغه النص فتركه، وذهب إلى الاجتهاد.
ولأنه لو وجب المتيقن مطلقًا، لكان العمل في المسائل التي يدور فيها الخلاف بين الوجوب والاستحباب يتعين الفعل؛ لأنه يخرج من العهدة بيقين، والمسائل التي يدور فيها الخلاف بين الكراهة والتحريم يتعين الترك للسبب ذاته، مع أن ترجيح الاستحباب والكراهة يعني خيار الترك في الأمر، وخيار الفعل في المنهي، وكلاهما مظنون.
• وجه التفريق بين الصلوات التي تشارك ما قبلها وبين غيرها.
الصلوات التي تشارك ما قبلها يصليها إذا غلب على ظنه دخول الوقت، كالعصر، والعشاء، بخلاف الصلوات التي لا تشارك ما قبلها كالظهر، والمغرب، والفجر فلا يصليها حتى يتحقق دخول الوقت، ووجه التفريق: أن الوقت في الصلاتين المجموعتين يصبح وقتًا لهما في حال العذر، ومنه اشتباه الوقت.
стр. 1107
• الراجح:
العمل بغلبة الظن حين يتعذر اليقين لا إشكال فيه، لأن التكليف بحسب القدرة، وإنما البحث في جواز العمل بالظن إذا أمكن الوصول لليقين وهو محل النظر، لهذا رأيت أن أفرد مسألة مستقلة بالبحث في كلام العلماء في جواز العمل بالظن في دخول الوقت مع إمكان اليقين، فانظره في المسألة التالية إن شاء الله تعالى أسألُ الرحمنَ أن يمدني بعونه وتوفيقه.
стр. 1108
المبحث الرابع الاجتهاد في دخول الوقت مع إمكان اليقين
المدخل إلى المسألة:
• الظن الغالب ينزل منزلة اليقين.
• ما كان الأصل فيه يشترط له اليقين امتنع العمل بالظن مطلقًا، وما كان الأصل فيه تحكيم الظن جاز العمل به مطلقًا، ولو كان قادرًا على الوصول إلى اليقين.
• امتناع الظن في بعض الأحكام لا يلغي جوازه في بعضها، والأصل إعمال الظن إلا ما دل الدليل على إلغائه.
• صلى بعض الصحابة قبل الوقت، وأفطروا في يوم غيم ثم طلعت الشمس، فدل على أن الظن محكَّم في الوقت، ولو اشتُرِطَ اليقينُ لم يقع.
• كان الصحابة يجتهدون، ويستفتي بعضهم بعضًا مع إمكان الرجوع إلى الرسول ﷺ ، وهو من العمل بالظن مع القدرة على اليقين.
[م-١٦٦] هل الأخذ بالتحري هو خيار الضرورات، أو يجوز مع إمكان اليقين؟
ومسألتنا هذه: فرع من مسائل كثيرة يذكرها الفقهاء، بعضها يمتنع فيها التحري، ويجب الأخذ باليقين.
وبعضها يختلف فيها الترجيح من مسألة إلى أخرى نظرًا لاختلاف الأصل المعمول به في المسألة:
فإن كان الأصل فيها التحريم كان الترجيح فيها غالبًا ما ينزع إلى ترجيح اليقين.
стр. 1109
فمن الأولى: ما يمنع فيه التحري مسائل الاشتباه في الفروج، كما لو اختلطت أخته بأجنبية.
قال محمد بن الحسن الشيباني: «لا يجوز التحري في الفروج» (١).
ومثال ما يختلف فيها قول الفقهاء في الترجيح: الاجتهاد في القبلة في الحضر، فالجمهور على منع التحري فيها مع إمكان الوقوف على محاريب المدينة، أو سؤال أهلها خلافًا للمالكية (٢).
وأبعد منه الاجتهاد في القبلة بمكة.
ومنها مسائل الاشتباه: كاشتباه الثياب الطاهرة بالنجسة، فهل يجوز التحري إذا كان معه ثالث طاهر بيقين؟
وكاشتباه الماء الطهور بالنجس، إذا كان المشتبه على نهر، أو كان معه ماء طهور بيقين (٣).
قال ابن اللحام في القواعد والفوائد: «لم يَطَّرِدْ أصل أصحابنا في ذلك ففي بعض الأماكن قالوا: يعمل بالظن، وفي بعضها قالوا: لابد من اليقين وطرد أبو العباس (ابن تيمية) أصله وقال: يعمل بالظن في عامة أمور الشرع والله أعلم» (٤).
واشترط الحنفية للتحري غلبة المباح، أو نفي البدل فلا يتحرى للوضوء لوجود بدله وهو التيمم بخلاف الشرب، وهذا قول الحنفية (٥).
стр. 1110
واشترط المالكية لقبول التحري في الجملة العجز عن اليقين.
قال ابن شاس: «من شرط الاجتهاد أن يعجز عن الوصول إلى اليقين، فإن كان معه ماء يتيقن طهارته أو كان على شط نهر امتنع الاجتهاد» (١).
وقال الحنابلة إذا اشتبه ماء طاهر بماء نجس حرم استعمالهما، ولا يجوز التحري، ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما، وبه قال سحنون من المالكية (٢).
بعد هذه المقدمة نأتي إلى مسألتنا، هل يجوز الاجتهاد في دخول الوقت ولو كان قادرًا على الوصول إلى اليقين؟
ولا يراد بالقادر على الوصول إلى اليقين من تيقن الشيء، فإن من تيقن الشيء لا يجوز له الأخذ بالظن، وإنما المسألة مفروضة برجل قادر بعد بذل الجهد أو الانتظار حتى يقطع بدخول الوقت أن يصل إلى اليقين، فإذا تبين ذلك، فالعلماء مختلفون في هذه المسألة:
стр. 1111
فقيل: يجوز الاجتهاد في دخول وقت الصلاة، وإن قدر على اليقين، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ونسبه الجويني إلى جمهور الفقهاء (١).
واختار صاحب الإرشاد من المالكية جواز العمل بغلبة الظن، ومشى عليه المتأخرون من المالكية كالدسوقي في حاشيته، والصاوي في حاشيته على الشرح الصغير، وعليش في منح الجليل إلا أنهم اشترطوا أن يكون الظن قويًّا، ولم يشترطوا تعذر اليقين (٢)، إلا أن قواعد المذهب تمنع من الاجتهاد مع إمكان اليقين (٣).
وقيل: إن قدر على اليقين بنفسه أو بتقليد لم يعمل بغلبة الظن، وهو مذهب الحنابلة، واختاره بعض الحنفية، ورجحه الدردير والخرشي من المالكية، وعليه قواعد المذهب في الجملة، وهو وجه في مذهب الشافعية (٤).
стр. 1112
وقال ابن الهمام: «المصير إلى الدليل الظني، وترك القاطع مع إمكانه لا يجوز … فكيف يترك اليقين -مع إمكانه- بالظن» (١).
قال الدردير في الشرح الصغير: «وأما من لم يَخْفَ عليه الوقت، بأن كانت السماء مصحية، فلا بد له من تحقق دخول الوقت، ولا يكفيه غلبة الظن» (٢).
• دليل القائلين بجواز العمل بالظن مع إمكان اليقين:
الدليل الأول:
كان الصحابة يجتهدون، ويستفتي بعضهم بعضًا مع إمكان الرجوع إلى الرسول ﷺ ، وهو من العمل بالظن مع القدرة على اليقين.
(ح-٤٠٥) فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن زينب بنت أبي سلمة، أخبرته،
عن أمها أم سلمة، زوج النبي ﷺ : أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة، كانت تحت زوجها، توفي عنها، وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ فقال: انكحي (٣).
ولم ينهَ النبي ﷺ أبا السنابل عن الفتوى، وإن خالف الصواب، فدل على جواز العمل بالظن مع إمكان اليقين وذلك بالرجوع إلى النبي ﷺ ، والله أعلم.
كما كان الصحابة ﵃ يكتفون بالإخبار عن الرسول ﷺ مع إمكان اليقين بالسماع منه.
الدليل الثاني:
ما كان الأصل فيه العمل باليقين يمتنع العمل فيه بالظن مطلقًا.
وما كان الأصل فيه العمل بالظن جاز الظن مطلقًا، ولو كان قادرًا على الوصول إلى اليقين.
стр. 1113
فمن الأول الاشتباه في الفروج، كما لو اختلطت أخته بأجنبية، فإنه لا يجوز العمل بالظن مطلقًا، ولو تعذر اليقين.
ومن الثاني الاشتباه في الصلاة، فلو اشتبه عليه، هل صلى ثنتين أو ثلاثًا، وظن أنه صلى ثلاثًا، فمن قال: له العمل بالظن أجاز له البناء على الثلاث.
ومن قال: لا بد من اليقين أوجب عليه الأخذ بالأقل؛ لأنه هو المتيقن.
وقال ﷺ : إنما أقضي على نحو ما أسمع، ولو اشترط اليقين لانتظر ﵊ نزول الوحي.
فالعمل بالوقت من أي الأصلين، أيلحق بالأصل الذي يشترط فيه اليقين، أم بالأصل الذي يصح معه العمل بالظن؟
الراجح الثاني؛ لحديث أسماء، قالت: أفطرنا في يوم غيم، ثم طلعت الشمس، ولو اشترط اليقين لم يقع.
وصلى ابن عمر وأبو موسى قبل الوقت في يوم واحد ثلاث مرات، وفي كل مرة يتحقق منهما الخطأ يعيدان الصلاة، ولو كان يشترط اليقين لم يقع ذلك منهم، وإنما دخلوا في الصلاة بناء على غالب ظنهم؛ لحرصهم على أول الوقت.
(ث-١١٣) فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، أعاد صلاة الصبح بجمع في يوم ثلاث مرات، فإذا هو قد صلى بليل، ثم أعادها، فإذا هو قد صلى بليل، ثم أعادها الثالثة (١).
[صحيح] (٢).
(ث-١١٤) وروى ابن المنذر في الأوسط من طريق حماد، عن عمران بن حدير، عن أبي عثمان، أن أبا موسى الأشعري أعاد الفجر ثلاث مرار (٣).
[صحيح لغيره] (٤).
стр. 1114
الدليل الثالث:
صاغ الفقهاء قاعدة فقهية، فقالوا: الظن الغالب ينزل منزلة اليقين (١).
وذلك أن العمل بالظن قائم على اجتهاد صادر من أهله مبنيًا على قرائن وأمارات تقربه من العلم، وتضيِّق احتمال الخطأ، وليس مجرد اتباع الحدس والتخمين، واحتمال الخطأ لا يمنع من العمل بالظن؛ قال ﷺ : إنما أقضي على نحو ما أسمع، فلو كان احتمال الخطأ مانعًا لانتظر الوحي.
ولأن الأصل عدم الخطأ، ولأن المصلي لو انتظر حتى يتيقن دخول الوقت ربما فاته الحصول على فضيلة أول الوقت، وهي مقصودة شرعًا، ولذا لم يمنع من التيمم أول الوقت، وإن غلب على ظنه حصول الماء في آخر الوقت.
• ونوقش:
بأن الظن في الأحكام الشرعية كالقطع، وفي أسبابها ليس كذلك، ودخول الوقت من الأسباب.
ولهذا لا يعمل الظانُّ بظنه في استباحة الصيد إذا اشترك مع الجارح المعلَّم غيرُه مما لم يرسله، ولو ظَنَّ أن القاتل هو المعلَّم، ويعمل بظنه في الصلاة؛ لأن الظن في الصلاة تعلق بعين الحكم الشرعي، فهو كالقطع، وفي الصيد تعلق بسببه، فلا يعمل به (٢).
• ورد هذا:
بأن الحدث سبب في وجوب الوضوء، ويعمل فيه بالظن كما لو نام، فالنوم مظنة الحدث، وليس حدثًا، فلو كانت الأسباب لا يعمل فيها بالظن حتى يتيقن لم يبطل الوضوء.
وسوف يأتي الجواب عن تحريم استباحة الصيد بالظن في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
стр. 1115
• دليل من قال: لا يصار إلى الظن مع إمكان اليقين:
الدليل الأول:
اليقين علم، والاجتهاد ظن، فإذا أمكن العلم لم يؤخذ بالظن احتياطًا للعبادة، وصونًا لها، ودفعًا لاحتمال وقوع الخطأ، ومن باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
والأخذ بالاحتياط له أصل بالشرع.
(ح-٤٠٦) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة،
عن عائشة ﵂، أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عَهِدَ إِلَيَّ أنه ابنه انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سَوْدَة بنت زمعة، فلم تَرَهُ سَوْدَة قط، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
فحكم ﵊ أنه أخو سودة عملًا بالأصل، وحجبها عنه كما يحجب الأجنبي تقديمًا للظاهر حيث رأى شبهًا بينًا بعتبة، وأمرها أن تحتجب عن أخيها احتياطًا.
(ح-٤٠٧) وروى البخاري من طريق بيان، عن الشعبي،
عن عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله ﷺ قلت: إنا قوم نصيد بهذه الكلاب؟ فقال: إذا أرسلت كلابك المعلَّمة، وذكرت اسم الله، فكُلْ مما أمسكن عليكم وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكلْ (٢).
فمنعه من الأكل احتياطًا، فالاحتياط لصحة الصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين أولى، لهذا وجب على المصلي إذا كان قادرًا للوصول إلى اليقين ألا
стр. 1116
يُحكِّم الظن، وأن عليه الانتظار حتى يتيقن دخول الوقت أو يخاف خروج الوقت.
• ويناقش:
يصح هذا الإيراد أن يعترض به على من قال: يُحكِّم الظن مطلقًا، ويطرد أصله هذا في كل أحكام الشريعة، أما من قال: يعمل بالظن إلا ما ثبت أنه مُلْغًى فلا يعترض عليه بهذا الدليل، ولا بأمثاله من الأدلة التي قضت أنه لا بد من تحصيل اليقين، فامتناع الظن في بعض الأحكام لا يلغي جوازه في بعضها، والأصل إعمال الظن إلا ما دل الدليل على إلغائه، وقد قدمنا في أدلة القول السابق أن الشارع حَكَّم الظن، مع إمكان اليقين في أدلة كثيرة، فمن نَزَّل كل دليل في موضعه فقد أخذ بالأدلة كلها، وأعمل كل دليل في موضعه، ومن قدم بعضها على بعض فقد ألغى جانبًا من أدلة الشريعة ليس باليسير، وقد أفطر الصحابة في عصر الوحي بالظن، وصلى بعض الصحابة عندما غلب على ظنهم دخول الوقت.
الدليل الثاني:
أن الصلاة في أول الوقت مستحب، وإيقاع الصلاة في الوقت شرط، فكانت مراعاة الوقت أولى، فكان عليه أن ينتظر حتى يتيقن دخول الوقت، ولو فَوَّت أول الوقت، غايته أن ترك المستحب من أجل مصلحة الصلاة، ومن تركه لسبب شرعي فهو في حكم من لم يتركه.
• ويناقش:
بأن هذا يقال: لو تعارضا، بحيث يكون العمل بالظن يؤدي إلى ترك الشرط، فيقال: مراعاة الشرط أولى، فإذا اعتبرنا الظن الغالب بمنزلة اليقين، فكان الظن في تحصيل الشرط كالعلم بتحصيله، فأين التعارض.
الدليل الثالث:
العمل بالظن هو من باب الضرورات، ولا ضرورة في الذهاب إلى الظن مع إمكان الوصول إلى اليقين.
• ونوقش:
بأن القول بأن العمل بالظن من باب الضرورات هذا استدلال بمحل النزاع،
стр. 1117
فأين الدليل الشرعي على النهي عن العمل بالظن إلا عند الضرورة؟
• الراجح:
أرى أن القول الراجح جواز العمل بغلبة الظن في دخول الوقت، فإن تبين أنه أخطأ وجبت عليه الإعادة، وإلا فالأصل عدم الخطأ، والله أعلم.
стр. 1118
المبحث الخامس تقليد المؤذن في دخول الوقت
المدخل إلى المسألة:
• إذا قبل خبر الراوي بشرطه قبل خبر المؤذن بشرطه بجامع أن كلًّا منهما خبر شرعي صرف.
• قبول خبر المؤذن أولى من قبول خبر الراوي، فالأذان خبر يتعلق بالحس والمشاهدة، والناس لا يتفاوتون فيه، والرواية خبر يعتمد على سلامة السماع والفهم والضبط والحفظ، والوهم يدخل الثانيَ أكثر من الأول.
• الغاية من مشروعية الأذان إعلام الناس بدخول الوقت، فلو امتنع تقليد المؤذن لم تحصل الغاية من مشروعيته.
• لم يزل الناس يعتمدون على المؤذن من غير نكير، من غير فرق بين أن يخبر عن علم أو عن ظن.
• تكرار الأذان من المؤذن أكسبه خبرة ومعرفة، ومهارة ودربة، فَوُثِقَ بخبره مطلقًا، أخبر عن علم أو عن اجتهاد، بخلاف غيره ممن لم ينتصب للأذان.
• إذا جاز الاعتماد على غلبة الظن في دخول الوقت جاز تقليد المجتهد في دخوله اعتمادًا على غلبة الظن (١).
• أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد (٢).
[م-١٦٧] هذه المسألة لها علاقة في المبحث السابق، فقد وقفنا على خلاف
стр. 1119
العلماء في جواز العمل بالظن مع إمكان اليقين، فهل يجوز تقليد المؤذن مع إمكان أن يصل الشخص بنفسه إلى العلم بدخول وقت الصلاة؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
يجوز تقليد المؤذن العدل العالم بالمواقيت مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، وصححه النووي من الشافعية (١).
قال ابن عابدين نقلًا من معين الحكام: «المؤذن يكفي إخباره بدخول الوقت إذا كان بالغًا عاقلًا عالمًا بالأوقات مسلمًا ذكرًا، ويعتمد على قوله» (٢).
وظاهره أنه يقبل مطلقًا، سواء أأخبر عن علم، أم عن اجتهاد.
وفي مواهب الجليل: «يجوز تقليد المؤذن العدل العارف وقبول قوله مطلقًا أي في الصحو والغيم» (٣).
وقبوله في حال الغيم دليل على قبول خبره مطلقًا، أخبر عن علم، أو عن اجتهاد.
وقال ابن عبد السلام: «ولو كان -يعني المقلِّد- قادرًا على الاستدلال» (٤).
وقال النووي نقلًا من فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب: «وللأعمى والبصير تقليد المؤذن الثقة العارف في الغيم لأنه لا يؤذن إلا في الوقت، أما في الصحو فكالمخبر عن علم» (٥).
• واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-٤٠٨) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
стр. 1120
عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، ثم قال: وكان رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (١).
وجه الاستدلال:
أن الصحابة كانوا يعتمدون بعد الله على إخبار ابن أم مكتوم، وهو رجل أعمى، فدل على جواز التقليد في دخول الوقت.
فإن قيل: إن له من يخبره بالوقت، وهو يخبره عن علم.
قيل: إذا جاز تقليده اعتمادًا على ثقة من يخبره، ولو كان المقلِّد قادرًا بنفسه على معرفة الوقت صح الدليل على جواز تقليد الثقة مطلقًا، وهو موضع الاستشهاد.
الدليل الثاني:
الغاية من مشروعية الأذان إعلام الناس بدخول الوقت، فلو امتنع تقليد المؤذن لم تحصل الغاية من مشروعيته.
الدليل الثالث:
الإجماع العملي المتلقى من الصدر الأول إلى يومنا هذا، فما زال الناس يُهْرَعون إلى الصلاة عند سماع الأذان من غير مشاهدة للوقت، أو اجتهاد فيه اعتمادًا على قبول خبر المؤذن، ولم يكن الناس يسألون، هل أخبر عن ظن أو عن اجتهاد؟ ولم يفرقوا بين الأذان حال الغيم وحال الصحو، فكان إجماعًا عمليًّا (٢).
قال ابن القيم: «أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد» (٣).
الدليل الرابع:
المؤذن يتكرر منه الأذان في اليوم خمس مرات، فأكسبه ذلك خبرة ومعرفة ومهارة ودربة فلا يؤذن عادة إلا في الوقت، بخلاف غيره ممن لم ينتصب للأذان، فكان يجوز في تقليد خبر المؤذن ما لا يجوز مع خبر غيره (٤).
стр. 1121
الدليل الخامس:
إذا قُبِل خبر الراوي بشرطه قُبل خبر المؤذن بشرطه بجامع أن كلًّا منهما خبر شرعي صرف، بل إن قبول خبر المؤذن أولى من قبول خبر الراوي، فالأذان خبر يتعلق بالحس والمشاهدة، والرواية خبر يعتمد على سلامة السماع والفهم والضبط والحفظ، والوهم يدخل الثاني أكثر من الأول.
ومن قاس خبر الأذان على الشهادة فقياسه غير صحيح؛ لأن الشهادة حق لآدمي معين فيحتاط لها.
الدليل السادس:
صلى بعض الصحابة قبل الوقت، وأفطروا في يوم غيم ثم طلعت الشمس، فدل على أن الظن محكَّم في دخول وقت الصلاة والصيام والإفطار، ولو اشترط اليقين لم يقع، وإذا جاز الاعتماد على غلبة الظن في دخول الوقت جاز تقليد المجتهد في دخوله اعتمادًا على غلبة الظن.
القول الثاني:
لا يجوز تقليد المؤذن بل يجب أن يَعْلم ذلك بنفسه، إلا أن يكون المؤذنون عددًا في جهات شتى لا يجوز على مثلهم الغلط والتواطؤ، فهذا مما يقع به العلم، فيجوز له قبولهم في دخول الوقت، حكاه الماوردي ونسبه للشافعي (١).
• حجة هذا القول:
أن القادر على العلم بنفسه لا يسوغ له تقليد غيره، حتى ولو كان يخبر عن علم؛ لأن التقليد فريضة العاجز، إلا أن يكون الخبر مستفيضًا لا يجوز على مثلهم الغلط.
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
القول بأنه يشترط العلم بدخول الوقت غير مسلَّم، فقد ذكرت من عمل الصحابة ما يدل على أن دخول الوقت يكفي فيه غلبة الظن، فأغنى ذلك عن إعادته.
стр. 1122
الوجه الثاني:
القول بأنه يشترط أن يعلم دخول الوقت بنفسه، حتى لو أخبره أحد بدخول الوقت عن علم لا يسعه تقليده، هذا القول في غاية الشذوذ، فالمصلي إذا أوقع الصلاة في الوقت فقد حصل المقصود، سواء أعلم المصلي بدخول الوقت بنفسه أم كان ذلك بالاعتماد على خبر المؤذن؟
وما شرع الأذان إلا لتحصيل العلم بدخول الوقت عن طريق المؤذن، وإذا كان الأذان الذي يعتمد عليه في دخول وقت الصلاة من فروض الكفايات لم يكن العلم بدخول الوقت من فروض الأعيان.
الوجه الثالث:
أن هذا اجتهاد في مقابل النص.
(ح-٤٠٩) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، ثم قال: وكان رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (١).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على أنه لا يشترط علم المؤذن بنفسه بدخول الوقت، وإذا جاز للمؤذن أن يقلد، ولو أمكنه الاجتهاد، جاز للمصلي أن يقلد، ولو أمكنه الاجتهاد.
وقد نص الحديث على وجوب الإمساك عند سماع الأذان مطلقًا، حتى ولو كان يمكنه معرفة ذلك بنفسه.
القول الثالث:
يجوز تقليده في يوم الصحو؛ لأنه يخبر عن مشاهدة، ولا يجوز تقليده في يوم الغيم؛ لأنه يخبر عن اجتهاد، إلا إذا كثروا وغلب على الظن لكثرتهم أنهم لا يخطئون، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره الرافعي (٢).
стр. 1123
وينبني على هذا: التفريق بين تقليد الأعمى والبصير، فالأول يخبر عن اجتهاد بخلاف الثاني فقد يخبر عن علم.
• وحجة هذا القول:
أن المؤذن إذا كان يخبر عن علم لزمه قبول خبره؛ قياسًا على قبول خبره إذا روى.
وإذا كان يخبر عن اجتهاد لم يسعه قبول خبره؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا آخر.
وسوف أناقش في مسألة مستقلة تقليد الرجل في دخول الوقت إذا أخبر عن اجتهاد، وليس عن علم.
القول الرابع:
يجوز تقليده إلا في الظهر، اختاره بعض المالكية (١).
• وجه هذا القول:
يرى أن العلم بحصول الزوال ضروري يُسْتَغْنَى فيه عن التقليد لظهوره لكل أحد بخلاف غيره من الأوقات.
القول الخامس:
يجوز تقليد المؤذن في دخول الوقت إذا أذن، أما إذا أخبر بدخوله من غير أذان فلا يصح تقليده، اختاره ابن الشاط من المالكية (٢).
وهذا القول إن كان التفريق فيه بين المؤذن وغيره فله وجه، باعتبار أن المؤذن قد اكتسب معرفة وخبرة بتكرار الأذان كما تقدم بيانه، فأهل الشأن أدرى من غيرهم.
وإن كان هذا التفريق حتى من الرجل الواحد، فإن أذن قبل خبره، وإن أخبر دون أذان لم يقبل، فهذا لا وجه له، ولا أظنه مرادهم.
• الراجح:
أن تقليد المؤذن يجوز مطلقًا، سواء أأخبر عن علم أم عن ظن، وسواء أكان المتلقي يستطيع أن يقف بنفسه على دخول الوقت، أم كان عاجزًا، ولا يدفع خبر
стр. 1124
المؤذن عن وجوب القبول إلا أن يعارضه خبر مثله صادرٌ من عدل، فإذا اختلف اثنان أحدهما يقول: دخل الوقت، والآخر يقول: لم يدخل، فالأصل عدم دخول الوقت، أو يكون هناك علم بأن المؤذن لا يحسن عمله، وعرف عنه التساهل، وإلا فخبر المؤذن بدخول الوقت غير مدفوع، والله أعلم.
стр. 1125
المبحث السادس اجتهاد الأعمى في دخول الوقت
المدخل إلى المسألة
• كل من عجز عن الاجتهاد ففرضه التقليد.
• علامات دخول الوقت كلها بصرية متعلقة بموقع الشمس من الكون بما في ذلك الفجر والعشاء.
• الأعمى إذا أخبر عن دخول الوقت فهو لا يخبر عن علم؛ لأن الوقت في الأصل مبني على المشاهدة، وهل يتأتى منه الاجتهاد؟
• العمى لا يزيل كامل الأهلية.
• أمارات الوقت منها ما يدرك بالنظر، ومنها ما يدرك بالحساب كالاعتماد على الساعة والتقويم، وتقدير مضي الوقت على إنجاز عمل من ورد، وقراءة وحصاد ونحوها، وهذا يستوي فيه الأعمى والبصير.
• لا يشترط العلم في دخول الوقت بل يكفي فيه غلبة الظن.
• المبصر بمنزلة الأعمى في حال الغيم، فخبره قائم على الاجتهاد، ولم يمنع هذا من الاجتهاد فكذلك الأعمى.
[م-١٦٨] كل علامات دخول الوقت مرتبطة بعلامات بصرية تحتاج إلى مبصر يراقب هذه العلامات، من طلوع الفجر إلى زوال الشمس إلى اصفرارها، إلى غياب الشمس والشفق، إلى غيرها من العلامات المرتبطة بالصلاة، فعلى هذا خبر الأعمى في دخول الوقت لا يخبر عن علم، وإنما يخبر عن اجتهاد.
والسؤال: هل يتأتى الاجتهاد من الأعمى في معرفة دخول الوقت، أو أن