← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الدليل الخامس: إذا قُبِل خبر الراوي بشرطه قُبل خبر المؤذن بشرطه بجامع أن كلًّا منهما خبر شرعي صرف، بل إن قبول خبر المؤذن أولى من قبول خبر الراوي، فالأذان خبر يتعلق بالحس والمشاهدة، والرواية خبر يعتمد على سلامة السماع والفهم والضبط والحفظ، والوهم يدخل الثاني أكثر من الأول. ومن قاس خبر الأذان على الشهادة فقياسه غير صحيح؛ لأن الشهادة حق لآدمي معين فيحتاط لها. الدليل السادس: صلى بعض الصحابة قبل الوقت، وأفطروا في يوم غيم ثم طلعت الشمس، فدل على أن الظن محكَّم في دخول وقت الصلاة والصيام والإفطار، ولو اشترط اليقين لم يقع، وإذا جاز الاعتماد على غلبة الظن في دخول الوقت جاز تقليد المجتهد في دخوله اعتمادًا على غلبة الظن. القول الثاني: لا يجوز تقليد المؤذن بل يجب أن يَعْلم ذلك بنفسه، إلا أن يكون المؤذنون عددًا في جهات شتى لا يجوز على مثلهم الغلط والتواطؤ، فهذا مما يقع به العلم، فيجوز له قبولهم في دخول الوقت، حكاه الماوردي ونسبه للشافعي (١). • حجة هذا القول: أن القادر على العلم بنفسه لا يسوغ له تقليد غيره، حتى ولو كان يخبر عن علم؛ لأن التقليد فريضة العاجز، إلا أن يكون الخبر مستفيضًا لا يجوز على مثلهم الغلط. • ويناقش من وجوه: الوجه الأول: القول بأنه يشترط العلم بدخول الوقت غير مسلَّم، فقد ذكرت من عمل الصحابة ما يدل على أن دخول الوقت يكفي فيه غلبة الظن، فأغنى ذلك عن إعادته.

стр. 1122

الوجه الثاني: القول بأنه يشترط أن يعلم دخول الوقت بنفسه، حتى لو أخبره أحد بدخول الوقت عن علم لا يسعه تقليده، هذا القول في غاية الشذوذ، فالمصلي إذا أوقع الصلاة في الوقت فقد حصل المقصود، سواء أعلم المصلي بدخول الوقت بنفسه أم كان ذلك بالاعتماد على خبر المؤذن؟ وما شرع الأذان إلا لتحصيل العلم بدخول الوقت عن طريق المؤذن، وإذا كان الأذان الذي يعتمد عليه في دخول وقت الصلاة من فروض الكفايات لم يكن العلم بدخول الوقت من فروض الأعيان. الوجه الثالث: أن هذا اجتهاد في مقابل النص. (ح-٤٠٩) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، ثم قال: وكان رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (١). وجه الاستدلال: دل الحديث على أنه لا يشترط علم المؤذن بنفسه بدخول الوقت، وإذا جاز للمؤذن أن يقلد، ولو أمكنه الاجتهاد، جاز للمصلي أن يقلد، ولو أمكنه الاجتهاد. وقد نص الحديث على وجوب الإمساك عند سماع الأذان مطلقًا، حتى ولو كان يمكنه معرفة ذلك بنفسه. القول الثالث: يجوز تقليده في يوم الصحو؛ لأنه يخبر عن مشاهدة، ولا يجوز تقليده في يوم الغيم؛ لأنه يخبر عن اجتهاد، إلا إذا كثروا وغلب على الظن لكثرتهم أنهم لا يخطئون، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره الرافعي (٢).

стр. 1123

وينبني على هذا: التفريق بين تقليد الأعمى والبصير، فالأول يخبر عن اجتهاد بخلاف الثاني فقد يخبر عن علم. • وحجة هذا القول: أن المؤذن إذا كان يخبر عن علم لزمه قبول خبره؛ قياسًا على قبول خبره إذا روى. وإذا كان يخبر عن اجتهاد لم يسعه قبول خبره؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا آخر. وسوف أناقش في مسألة مستقلة تقليد الرجل في دخول الوقت إذا أخبر عن اجتهاد، وليس عن علم. القول الرابع: يجوز تقليده إلا في الظهر، اختاره بعض المالكية (١). • وجه هذا القول: يرى أن العلم بحصول الزوال ضروري يُسْتَغْنَى فيه عن التقليد لظهوره لكل أحد بخلاف غيره من الأوقات. القول الخامس: يجوز تقليد المؤذن في دخول الوقت إذا أذن، أما إذا أخبر بدخوله من غير أذان فلا يصح تقليده، اختاره ابن الشاط من المالكية (٢). وهذا القول إن كان التفريق فيه بين المؤذن وغيره فله وجه، باعتبار أن المؤذن قد اكتسب معرفة وخبرة بتكرار الأذان كما تقدم بيانه، فأهل الشأن أدرى من غيرهم. وإن كان هذا التفريق حتى من الرجل الواحد، فإن أذن قبل خبره، وإن أخبر دون أذان لم يقبل، فهذا لا وجه له، ولا أظنه مرادهم. • الراجح: أن تقليد المؤذن يجوز مطلقًا، سواء أأخبر عن علم أم عن ظن، وسواء أكان المتلقي يستطيع أن يقف بنفسه على دخول الوقت، أم كان عاجزًا، ولا يدفع خبر

стр. 1124

المؤذن عن وجوب القبول إلا أن يعارضه خبر مثله صادرٌ من عدل، فإذا اختلف اثنان أحدهما يقول: دخل الوقت، والآخر يقول: لم يدخل، فالأصل عدم دخول الوقت، أو يكون هناك علم بأن المؤذن لا يحسن عمله، وعرف عنه التساهل، وإلا فخبر المؤذن بدخول الوقت غير مدفوع، والله أعلم.

стр. 1125

المبحث السادس اجتهاد الأعمى في دخول الوقت المدخل إلى المسألة • كل من عجز عن الاجتهاد ففرضه التقليد. • علامات دخول الوقت كلها بصرية متعلقة بموقع الشمس من الكون بما في ذلك الفجر والعشاء. • الأعمى إذا أخبر عن دخول الوقت فهو لا يخبر عن علم؛ لأن الوقت في الأصل مبني على المشاهدة، وهل يتأتى منه الاجتهاد؟ • العمى لا يزيل كامل الأهلية. • أمارات الوقت منها ما يدرك بالنظر، ومنها ما يدرك بالحساب كالاعتماد على الساعة والتقويم، وتقدير مضي الوقت على إنجاز عمل من ورد، وقراءة وحصاد ونحوها، وهذا يستوي فيه الأعمى والبصير. • لا يشترط العلم في دخول الوقت بل يكفي فيه غلبة الظن. • المبصر بمنزلة الأعمى في حال الغيم، فخبره قائم على الاجتهاد، ولم يمنع هذا من الاجتهاد فكذلك الأعمى. [م-١٦٨] كل علامات دخول الوقت مرتبطة بعلامات بصرية تحتاج إلى مبصر يراقب هذه العلامات، من طلوع الفجر إلى زوال الشمس إلى اصفرارها، إلى غياب الشمس والشفق، إلى غيرها من العلامات المرتبطة بالصلاة، فعلى هذا خبر الأعمى في دخول الوقت لا يخبر عن علم، وإنما يخبر عن اجتهاد. والسؤال: هل يتأتى الاجتهاد من الأعمى في معرفة دخول الوقت، أو أن

стр. 1126

الأعمى فرضه التقليد؟ قد سبق لي عرض كلام الفقهاء في الاعتماد على أذان الأعمى، وهو أبلغ من اجتهاده لنفسه في دخول الوقت، فمن أجاز أذانه مطلقًا، اعتبر أهليته للاجتهاد. ومن اشترط لصحة أذانه أن يكون تبعًا لغيره من المؤذنين، أو يكون معتمدًا على خبر ثقة يرى أن أهليته في معرفة الوقت مفقودة، وإن صحح أذانه. • وقد خَلُص لنا في أذان الأعمى ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وظاهر المدونة. قال الحنابلة: والمبصر أولى منه (١). الثاني: أن فرضه التقليد، ولا يُعْتَمَدْ على اجتهاده في دخول الوقت، وهذا مذهب المالكية. جاء في الشرح الكبير للدردير: «وجاز أعمى أي أذانه إن كان تبعًا لغيره فيه، أو قلد في دخول الوقت ثقة» (٢). وهذه العبارة تشعر بالاشتراط، وهذان قولان متقابلان. الثالث: الكراهة إن كان يؤذن وحده، فإن كان معه بصير يعرف الوقت لم يكره، وهذا مذهب الشافعية، وممن قال بكراهة أذان الأعمى ابن مسعود والزبير (٣).

стр. 1127

هذه هي الأقوال المحفوظة في أذان الأعمى وقد ذكرت أدلة الخلاف في أذان الأعمى في كتاب الأذان، فارجع إليه إن رمت الوقوف على أدلة القوم في هذه المسألة. فمن صحح أذان الأعمى وتقليده في الوقت فسوف يصحح اجتهاده في دخول الوقت من باب أولى؛ لأن من صحح اجتهاده لغيره في دخول الوقت فسوف يصحح اجتهاده في حق نفسه من باب أولى. فالحنفية والحنابلة في أحد القولين، والشافعية يرون أن الأعمى يمكنه الاجتهاد في معرفة الوقت؛ إذا لم يجد من يخبره عن علم؛ لأن أذان الأعمى صحيح عندهم (١). إلا أن الشافعية صححوا اجتهاده، وجوزوا له التقليد؛ لأن اجتهاده فيه مشقة ظاهرة بخلاف البصير (٢).

стр. 1128

قال السيوطي: «لا خلاف أنه يجتهد في أوقات الصلاة؛ لأن مدركها الأوراد والأذكار، وشبهها وهو يشارك البصير في ذلك. ولا خلاف أنه لا يجتهد في القبلة لأن غالب أدلتها بصرية .... لكنه في الوقت مخير بين الاجتهاد والتقليد. والفرق: أن الاجتهاد في الأوقات، إنما يتأتى بأعمال مستغرقة للوقت، وفي ذلك مشقة ظاهرة» (١). وقال إمام الحرمين: «يجتهد الأعمى في أوقات الصلوات، وليس له الاجتهاد في القبلة كما حكيناه عن الشافعي ﵁. والفرق بينهما: مثل ما مضى أنه لا يدرك دلائل القبلة مع فقد البصر، وأما دلائل الوقت فمنها ما يستوي فيه البصير والأعمى، ألا ترى أن الرجل إذا أكبَّ على عملٍ يعمله يعتاده ويعرف مقدار عمله كل يوم ما بين طلوع الفجر إلى الزوال فلا يكاد يخفى عليه مفارقة الزوال، وإن لم يطالع الشمس والظل، وذلك مثل أوراق يكتبها، أو قرآن يكتبه؛ فلهذا شرعنا للأعمى أن يجتهد في وقت الصلاة دون القبلة» (٢). وخالف المالكية الجمهور، فمنعوا أذان الأعمى إذا كان يعتمد عليه في دخول الوقت بالأذان، وفي القبلة قالوا: يتأتى منه الاجتهاد، فلا يجوز عندهم للأعمى المجتهد أن يقلد غيره بل يسأل عن الأدلة ليهتدي بنفسه إلى القبلة (٣). قال الخرشي: «المجتهد لا يقلد غيره وإن كان أعمى، ولكن يسأل المكلف العارف العدل الرواية عن الأدلة كسؤاله عن القطب في أي جهة، أو عن الكوكب الفلاني» (٤). والذي أراه أن العميان يختلفون كما يختلف المبصرون، فبعض العميان تجد

стр. 1129

أن معه قدرةً تجعله في قوة المبصر، فهو يقضي حاجاته بنفسه ويصلح ما فسد منها، ويهتدي لطريقه بلا قائد، بل ربما حملته إعاقته على أن يكتسب مهارة في المعرفة يقف عندها كثير من المبصرين، ولعل هذا ما جعل الرسول ﷺ لا يرخص لابن أم مكتوم في ترك الجماعة مع ما قدم من الأعذار، فإذا امتلك الأعمى قدرة على الاجتهاد صار له حق الاجتهاد واحتمال الخطأ لا يمنع منه، إذا لم يكن هو الغالب على اجتهاده. والظن درجات، وبعضه أقوى من بعض، ولا يصار إلى الظن الضعيف مع إمكان ظنٍّ أقوى منه، ولا شك أن ظن المبصر في الغالب أقوى من ظن الأعمى، وإن كان ظن الأعمى المجتهد ليس مستوي الطرفين، وهو كافٍ في جواز الصلاة، وقد قدمنا في مسائل ماضية أن غلبة الظن تكفي لدخول الوقت، وقد أجاز الحنفية والحنابلة التحري في القبلة وهو تحكيم القلب بلا أمارة عند الحاجة، فإذا مال القلب إلى ترجيح جهة معينة صلى إليها، فإذا ملك الأعمى القدرة على الاجتهاد اجتهد، فإن اجتمع للأعمى القدرة على الاجتهاد في معرفة الوقت والقبلة اجتهد فيهما، وإن امتلك القدرة في أحدهما دون الأخرى لم يجتهد إلا فيما يقدر على الاجتهاد فيه، ولا فرق عندي بين الوقت والقبلة، والفرق بينهما: أن الوقت قد يدرك بالحساب، كالساعة والتقويم وتقدير مضي الوقت بإنجاز بعض الأعمال من ورد وقراءة، ونحوها بخلاف الاجتهاد في القبلة. وفرق آخر: أن القبلة يكفي فيها الاجتهاد مرة واحدة على الصحيح، بخلاف الوقت فإنه يتجدد بتجدد أسبابه. ويتفقان على الصحيح أنهما يكفي فيهما غلبة الظن، ولا يشترط فيهما اليقين، وكون شرط الوقت آكد، فالخطأ في الوقت يوجب الإعادة بخلاف القبلة لا يمنع من اجتهاد الأعمى في دخول الوقت، وإذا تبين أنه أخطأ، فصلى قبل الوقت أعاد، كالمبصر إذا اجتهد فأخطأ. وإذا تيسر للأعمى الأخذ بالعلم كما لو كان يمكنه أن يعتمد على خبر ثقة يخبره عن علم لم يعتمد على اجتهاده؛ لأنه تقديم للظن على العلم بلا ضرورة، وإلا

стр. 1130

يمكن الاعتماد على خبر ثقة فلا مانع من الاجتهاد إذا كان قادرًا عليه؛ لأن الظن هو السبيل إذا تعذر اليقين، والمبصر بمنزلة الأعمى إذا حال غيم عن رؤية الشمس، فخبره قائم على الاجتهاد، ولم يمنع هذا من الاجتهاد فكذلك الأعمى. وهذا التنظير إنما كان قبل ظهور الساعات، حين كان اعتماد الناس في معرفة الوقت على الشمس، وأما اليوم فإن الوقت يدرك بالساعات وهي من الدقة بحيث تكون بمنزلة العلم بالوقت، وكذا القبلة أصبحت تدرك عن طريق أجهزة تحدد لك اتجاه الكعبة، فلله الحمد على فتحه وتسهيله.

стр. 1131

المبحث السابع إذا أخبر الثقة بدخول وقت الصلاة الفرع الأول إذا كان يخبر عن علم ومشاهدة المدخل إلى المسألة: • العلم مقدم على الظن. • لا اجتهاد مع النص، ولا اعتبار للظن مع العلم. • القادر على اليقين غير المتيقن، والاجتهاد يجوز للأول على الصحيح دون الثاني. • كان الصحابة يجتهدون ويستفتي بعضهم بعضًا مع إمكان الرجوع إلى الرسول ﷺ ، وهو من العمل بالظن مع القدرة على اليقين. • خبر العدل المستند إلى الحس والمشاهدة ملزم. أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد، وهو شهادة منه بدخول الوقت (١). [م-١٦٩] إذا أخبر العدل بصيرًا أو أعمى بدخول الوقت، فإما أن يخبرهما عن علم، أو يخبرهما عن اجتهاد: فإن كان خبره عن علم، كما لو قال: شاهدت غروب الشمس، أو غياب الشفق لم يَصِحَّ منهما الاجتهاد، نص الفقهاء على هذا، وقد سبق لنا أن بعض الفقهاء يرى أن الأعمى لا يتأتى منه الاجتهاد أصلًا (٢).

стр. 1132

وقال الشافعية: يجب قبول خبره إن لم يتمكن البصير من العلم بنفسه، ويجوز له قبول خبره إن كان يمكنه العلم بنفسه (١). وهو معنى القول السابق؛ لأن القول السابق إنما منع من الاجتهاد (الظن) في مقابل العلم، ولم يمنع المصلي من تحصيل العلم بنفسه إن كان يمكنه ذلك، فالعلم بنفسه بمنزلة إخبار الثقة له عن علم؛ لأن العلم لا يتفاوت. • وجه القول بقبول خبره: الوجه الأول: أن الإخبار عن دخول الوقت من العبادات، وخبر العدل في الأمور الشرعية مقبول كما تقبل روايته، حتى ولو كان واحدًا، كما لو أخبره بجهة القبلة، والطهارة، والنجاسة، والحل، والحرمة، وليس هذا من باب الشهادة حتى يشترط العدد فيها. الوجه الثاني: حكى بعض العلماء الإجماع على قبول خبره إذا أخبر عن علم (٢). الوجه الثالث: ولأن الاجتهاد من البصير والأعمى ظن، وهو يخبرهما عن علم ومشاهدة، فلا يقدم الظن على العلم، فخبره بمنزلة النص، والاجتهاد بمنزلة القياس، فكما أنه لا قياس مع النص، فكذلك لا اجتهاد مع الخبر المتيقن. الوجه الرابع: ولأن عمل المسلمين منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا يعتمدون قول المؤذن الثقة، ولم يكلفوا أن يعلموا ذلك بأنفسهم. قال ابن القيم: أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد، وهو شهادة منه بدخول الوقت (٣).

стр. 1133

الفرع الثاني تقليد المجتهد للثقة إذا أخبر عن اجتهاد المدخل إلى المسألة: • القدرة على الاجتهاد لا تمنع جواز التقليد. • المتيقن لا يجتهد، والقادر على اليقين له التقليد؛ لأن الأول متيقن والثاني قادر على اليقين، وبينهما فرق. • الغاية معرفة دخول الوقت والاجتهاد وسيلة إليه، غير مقصود لذاته، فإذا قام به من يكفي لتحصيل الغاية حصل المقصود. • كان الصحابة يستفتي بعضهم بعضًا مع قدرتهم للرجوع إلى الرسول ﷺ ، وهو من العمل بالظن مع القدرة على اليقين. • المجتهد يجوز أن يقلد غيره قبل أن يجتهد، والأصل فيه جواز تقليد المجتهد للمؤذن إذا أذن في وقت الغيم. • المجتهد إذا اجتهد، فوصل إلى شيء في حكم المسألة وجب عليه اتباع ظنه، وحرم عليه التقليد إجماعًا. • بعض الظن أقوى من بعضٍ وأدناه أن يسمع العالم حجة المجتهد فيما ذهب إليه فيغلب على ظنه صوابه، وهذا اتباع؛ لأن التقليد قبول القول بلا دليل. • إذا عجز المجتهد أو خاف خروجَ الوقت وجب عليه التقليد. [م-١٧٠] إذا أخبر الثقة عن دخول الوقت، وكان خبره مستندًا إلى اجتهاد، فهل يجوز للقادر على الاجتهاد تقليده؟ هذه المسألة ترجع إلى مسألة أصولية، وهي حكم التقليد من المجتهد.

стр. 1134

وهم يتفقون على أن المجتهد إذا اجتهد، وتوصل إلى غلبة ظن في حكم المسألة فإنه يجب عليه اتباع اجتهاده، ولا يحق له أن يترك اجتهاده تقليدًا لغيره (١). واختلفوا في العالم إذا لم يجتهد، هل يسوغ له التقليد، أو يجب عليه الاجتهاد؟ فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الثقة إذا أخبر بدخول وقت الصلاة عن اجتهاد، ولم يكن مؤذنًا (٢)، لم يجز للبصير القادر على الاجتهاد تقليده (٣). واختلفوا في جواز التقليد من الأعمى؛ لاختلافهم في تأتي الاجتهاد منه، وسبق بحث الأعمى في مسألة مستقلة. واختار الرملي من الشافعية جواز التقليد من المجتهد المبصر لغيره، واستثنى هذه المسألة من مسائل منع تقليد المجتهد لمجتهد مثله للمشقة هنا (٤). وقيل: إذا لم يجتهد في المسألة جاز له التقليد مطلقًا، وهو قول أحمد وإسحاق والثوري (٥). وقيل: يجوز التقليد من العالم لمن هو أعلم منه، وبه قال محمد بن الحسن (٦).

стр. 1135

ويمكن تخريج استثناء تقليد المجتهد للمؤذن إذا أخبر عن ظن؛ حيث إن المؤذن أعلم من غيره بالمواقيت. وقيل: له التقليد ليعمل به فيما يخصه لا ليفتي (١). وقيل: غير ذلك، وهذه أهم الأقوال. • دليل القائلين بالمنع: الدليل الأول: القول بجواز التقليد من المجتهد حكم شرعي، والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل على جواز التقليد من المجتهد. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: بأن الجواز مرجعه إلى الإباحة الأصلية، بمعنى عدم ترتب العقاب على التقليد، فلا تحتاج لثبوتها دليلًا شرعيًّا بخلاف قولكم بالتحريم، فهو الذي يفتقر إلى دليل شرعي، فلا تحريم إلا بنص أو إجماع. الوجه الثاني: بأنه ثبت الدليل الشرعي على جواز تقليد المؤذن مطلقًا، سواء أأخبر عن علمٍ أم عن ظن، وسواء أكان المقلد مجتهدًا أم كان عاجزًا عن الاجتهاد، ولا يزال عمل المسلمين على العمل بخبر المؤذن من عصر الوحي إلى يومنا هذا. الدليل الثاني: أن الاجتهاد أصل، والتقليد بدل، والقدرة على الأصل تنفي البدل كالوضوء مع التيمم، فاستواء المجتهدين في القدرة على الاجتهاد تمنع من تقليد أحدهما للآخر. • ويناقش: بأننا نمنع أن يكون التقليد بدل عن الاجتهاد، بل كل منهما أصل في نفسه،

стр. 1136

كمسح الخف وغسل الرجل، فلا يتوقف التقليد على العجز عن الاجتهاد، هذا من جهة ومن جهة أخرى: هل معرفة دخول الوقت من الفروض العينية المطلوبة من كل مكلف، أو المطلوب معرفة دخول الوقت ولو من أحد المجتهدين؟ فالأول غير مراد بدليل جواز تقليد المجتهد للمؤذن إذا أذن في حال الغيم، فإنه يخبر عن ظن، ومع ذلك جاز تقليده على الصحيح، فكذلك هنا، ولو كان التقليد بمنزلة التيمم من الوضوء ما ساغ تقليد المؤذن. الدليل الثالث: إذا كانت القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد، فكذلك القدرة على الاجتهاد تمنع من التقليد (١). • ويناقش: قولهم: القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد. هذا قول الجمهور، والصواب خلافه، و الصحيح أن المتيقن لا يجتهد، وأما القادر على الاجتهاد فهذا له التقليد؛ فهناك فرق بين المتيقن وبين القادر على اليقين، فالقادرعلى اليقين يتطلب جهدًا ومشقةً لتحصيل المعرفة، وقد تثمر معرفة، وقد لا تثمر، فمثل ذلك لا يمنع من التقليد. ولقد كان الصحابة يستفتي بعضهم بعضًا مع قدرتهم على الرجوع إلى الرسول ﷺ ، وهو من العمل بالظن مع القدرة على اليقين، ولو بلغتهم سنة الرسول ﷺ لم يعدلوا عنها لغيرها. وإذا تبين أن الأصل مرجوح فكذلك ما بني عليه، فالقدرة على الاجتهاد لا تمنع من التقليد على الصحيح، وإنما الذي يمنع من التقليد أن يجتهد وينظر في الدليل، ويترجح له شيء، ثم يدع ما غلب على ظنه ويخالفه تقليدًا لغيره (٢). وأما قبل أن يجتهد وينظر في الدليل فلا يمنع المجتهد من تقليد مجتهد آخر خاصة في أوقات الصلوات.

стр. 1137

الدليل الرابع: إذا كان لا يجوز له التقليد إذا اجتهد، وظن الحكم اتفاقًا، فكذلك قبل الاجتهاد، والجامع بينهما أهلية الاجتهاد، ولا أثر للفرق بينهما بأن ذلك قد اجتهد؛ لأن المانع تمكن المجتهد من معرفة الحكم بالاجتهاد، وهو موجود في الحالين. • وأجيب: الحاصل بعد الاجتهاد ظن أقوى وأرجح من الحاصل قبله، ولا يلزم من منع المانع القوي منع غيره، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن هذا نظر في مقابل ما هو كالإجماع في جواز تقليد المؤذن مطلقًا، ولم يفرق المسلمون بين أذان المؤذن وقت الصحو، وحال الغيم، مع أنه في الثاني يخبر عن ظن. الدليل الخامس: أنه ربما لو اجتهد لتبين له خطأ من قلده، فكيف يجوز أن يعمل بما يعتقده خطأ. • ويناقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إذا جوزنا له تقليد غيره، فإن ذلك مشروط ألا يوجد منه اجتهاد في ذلك الحكم بنفسه، فإن وجد منه اجتهاد تعين ما صار إليه اجتهاده، وسقط التقليد. الوجه الثاني: بأن الأصل عدم الخطأ من المجتهد؛ واستصحاب ذلك إلى أن يتبين الخطأ، ولولا ذلك لما كلفه الشارع بالاجتهاد، ولما ساغ للعامِّيِّ تقليدُه. الوجه الثالث: ليس من شرط الاجتهاد الإصابة، فلا يلزم من اجتهاد الثاني أن يصيب الحق، فقد يجتهد ويخطئ، ويكون الصواب مع الأول، وقد يتفق معه في الاجتهاد، وقد يجتهد ولا يتبين له شيء، لهذه الاحتمالات كان التقليد من المجتهد للعالم جائزًا قبل الاجتهاد.

стр. 1138

• حجة من قال: يجوز للمجتهد تقليد غيره في دخول الوقت: الدليل الأول: القياس على جواز تقليد المجتهد للمؤذن إذا أذن في حال الغيم، فإذا جاز للمجتهد أن يقلد المؤذن ولو كان يخبر عن اجتهاد،، جاز للمجتهد أن يقلد الثقة إذا أخبره عن الوقت باجتهاد، ودعوى أن المؤذن مستثنى غير صحيح، بل المؤذن أصل يمكن القياس عليه. • وأجيب: إنما جوز تقليد المؤذن ولو كان يخبر عن اجتهاد؛ لأن خبرته في الأذان وتكراره منه، واعتياده عليه جعلت اجتهاده مقدمًا على اجتهاد غيره، وظنه أرجح من ظن غيره ممن لم ينتصب للأذان، ومن اعتاد شيئًا أتقنه، وقد بحثت مسألة تقليد المؤذن في مبحث مستقل (١). • ورد هذا: بأن تجويزكم تقليد المؤذن؛ لكونه أعلم من غيره يلزمكم أحد أمرين: إما أن تقولوا بأنه يسوغ تقليد العالم للأعلم في دخول الوقت وفي غيره من مسائل العلم، وقد قيل هذا ضمن الأقوال الموروثة في المسألة، وسيأتي الجواب عنه. وإما أن تقولوا: إن جواز تقليد المجتهد للمؤذن دليل على جواز التقليد مطلقًا قبل الاجتهاد، وهذا هو الراجح. ولا يفهم تخصيص الأذان بهذا الحكم دون غيره. الدليل الثاني: المشقة تجلب التيسير، فمنع المجتهد من تقليد مجتهد آخر في أوقات الصلوات مع تكرارها في اليوم خمس مرات فيه مشقة ظاهرة (٢).

стр. 1139

• دليل من قال: يجوز تقليد الأعلم: الغالب أن الأعلم أقرب إلى الحق، وله مزية بكثرة علمه، وحسن معرفته بطرق الاجتهاد، وزيادة العلم مظنة الإصابة، ومن دونه أضعف في ذلك المقام. • ونوقش: بأن الخطأ جائز على الأعلم، ويدل عليه إجماع الصحابة ﵃ على تسويغ خلاف ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وزيد بن ثابت وأبي سلمة ابن عبد الرحمن وغيرهم من أحداث الصحابة لأكابر الصحابة ولأبي بكر ولعمر رضي الله عن جميعهم. وقد قال الهدهد لسليمان: أحطت بما لم تحط به. وأشار رجل على رسول الله ﷺ في غزوة بدر في مكان الحرب، فترك الرسول ﷺ اجتهاده، وأخذ برأي الرجل. • دليل من قال: يجوز التقليد ليعمل لا ليفتي: لأن القواعد تقول: تصرف الإنسان لغيره مشروط بالمصلحة، والمصلحة هي في الاجتهاد وليس في التقليد بخلاف ما يختاره الإنسان لنفسه. [م-١٧١] واختلفوا في الأعمى؛ لاختلافهم في تأتي الاجتهاد منه، فمن قال: يتأتى منه الاجتهاد، جعلوه كالبصير في المنع من التقليد (١). ومن قال: لا يتأتى منه الاجتهاد جعلوا فرضه التقليد. وانفرد الشافعية بقولهم: إنه كالبصير في تأتي الاجتهاد، ومع ذلك قالوا في الأصح: هو مخير بين الاجتهاد والتقليد (٢). لأن اجتهاد الأعمى يقوم على تقدير الوقت بقراءة ورد، أو عمل صنعة، ونحو ذلك، وهذا مكلف له بخلاف البصير.

стр. 1140

• الراجح: الذي أراه أن المجتهد قبل أن يجتهد إذا أخبره من يملك المعرفة في دخول الوقت، ولو كان عن اجتهاد فإنه يجوز له تقليد قوله لسببين: الأول: أن الخطأ في مثل هذه المسألة محدود جدًّا، والاجتهاد فيها يملكه غالب الناس. والثاني: أن الإجماع العملي على قبول قول المؤذن مطلقًا، واعتماده في الصلاة، وفي الإمساك والإفطار يجعل من تقليد المجتهد في دخول الوقت لمجتهد آخر مسألة أخف، والله أعلم.

стр. 1141

المبحث الثامن في تقليد الأعمى والبصير العاجزين عن الاجتهاد المدخل إلى المسألة: كل الواجبات الشرعية تسقط بالعجز. • الأصل في جواز التقليد قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. • كل من عجز عن الاجتهاد إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت، وإما لعدم ظهور دليل له ففرضه التقليد. • لا فرق بين من عجز عن الاجتهاد لعمى بصره أو عجز لعمى بصيرته فكلاهما قد عميت عليه الدلائل. • عمل المسلمين على أن معرفة علامات دخول أوقات الصلوات من فروض الكفاية على الصحيح إلا أن يتعين كمسافر وحده في الصحراء. [م-١٧٢] اختلف الفقهاء في تقليد البصير والأعمى العاجزَيْنِ عن الاجتهاد، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز منهما التقليد، وهو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية والمذهب عند الحنابلة (١). قال النووي: «يجوز للأعمى والبصير العاجز عن الاجتهاد تقليده على

стр. 1142

أصح الوجهين» (١). • حجة هذا القول: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. الدليل الثاني: كل الواجبات الشرعية تسقط بالعجز عنها، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. فالعجز عذر شرعي، فكل من فقد أهلية الاجتهاد انتقل إلى بدله وهو التقليد. الدليل الثالث: يسقط الاجتهاد عن الأعمى العاجز بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وعمى البصيرة كعمى البصر بجامع أن كلًّا منهما قد عميت عليه الدلائل. الدليل الرابع: تَعَلُّمُ أدلة دخول الوقت ليس من فروض الأعيان؛ لجواز تقليد المؤذن ولو من قادر على الاجتهاد، فالعاجز من باب أولى لا يجب عليه. القول الثاني: يجوز للأعمى دون البصير، وهو قول القاضي أبي الطيب من الشافعية (٢). • وجه هذا القول: أن البصير يمكنه أن يتعلم دلائل دخول الوقت، فتقصيره لا يكون عذرًا يسوغ له التقليد بخلاف الأعمى فإن دلائل الوقت بصرية تتعلق بموقف الشمس من الكون فيشق عليه احتساب الوقت بالمضي.

стр. 1143

• ويناقش: بأن هذا يمكن أن يكون في الزمن الماضي، وأما اليوم فالأعمى والبصير يستويان في معرفة الوقت؛ لاعتمادهما على الحساب المعتمد على الساعة، وهي تفيد الظن كما أن خبر المجتهد يفيد الظن. القول الثالث: إن كان الجو صحوًا جاز للبصير والأعمى الرجوع إلى قوله، وأما في الغيم فيجوز للأعمى تقليده دون البصير، وهو قول ابن الصباغ (١). • وجه التفريق: أنه في حال الصحو يخبر عن علم، فجاز تقليده، وفي حال الغيم يخبر عن اجتهاد، فامتنع تقليده من المبصر، لأن البصير يمكنه أن يتعلم، ولأن الأمر بالصلاة أمر بتعلم كل ما يجب لها وفيها، إلا أن يكون عاجزًا عن التعلم لإبطاء ذهنه، وقلة فطنته فهذا يسقط عنه فرض التعلم (٢). وهذا القول ضعيف؛ لأنه يجعل تعلم دلائل دخول الوقت من الفروض العينية، والصحيح أنها من فروض الكفايات، فمن كان عاجزًا عن الاجتهاد ففرضه التقليد، نعم لو تحول الفرض الكفائي إلى فرض عيني وجب عليه كما لو كان يصلي وحده في البراري، أو يريد أن يسافر، ولا مجتهد معه تعين عليه معرفة دلائل دخول الوقت؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والله أعلم.

стр. 1144

المبحث التاسع إذا لم يجد الأعمى والبصير من يقلداه المدخل إلى المسألة: • التكليف مقيد بالوسع. • من صلى امتثالًا للأمر الشرعي فلا إعادة عليه أصاب أو أخطأ. • لا يؤمر المكلف بصلاة لا تسقط عنه طلب الفعل. • إعادة المكلف للصلاة مع كونه لم يخطئ فيها خلاف القواعد. [م-١٧٣] عرفنا أن الأعمى والبصير العاجَزيْنِ عن الاجتهاد يقلدان غيرهما، فإن عجزا عن التقليد، فماذا يعملان؟ فقيل: يصلي، ويعيد ولو أصاب، وهو ظاهر مذهب الشافعية، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة، وهو ظاهر كلام الخرقي، ورجحه المتأخرون من الحنابلة (١).

стр. 1145

قال في الإقناع: «فإن عدم من يقلده وصلى أعاد، ولو تيقن أنه أصاب» (١). قال المالكية: لا يصلي حتى يغلب على ظنه دخول الوقت فإن تبين أنه أخطأ أعاد (٢). وأظن أن من قال: يصلي لا يريد أنه يصلي ولو كان يغلب على ظنه أن الوقت لم يدخل. وقيل: يصلي، ولا يعيد إلا إذا تبين خطؤه، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وجزم به في المستوعب (٣). • فخلص لنا من هذا الخلاف ثلاثة أقوال: يصلي، ويعيد مطلقًا حتى ولو أصاب. يصلي، ولا يعيد إلا إن تبين خطؤه. لا يصلي حتى يغلب على ظنه دخول الوقت، فإن تبين خطؤه أعاد. • وجه من قال: يصلي ويعيد مطلقًا: قالوا: لأن فرضه التقليد، ولم يقم به، فهو بمنزلة المجتهد يصلي بلا اجتهاد. • دليل من قال: يصلي ولا يعيد إلا إن تبين أنه صلى قبل الوقت: الدليل الأول: وجوب الإعادة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل على وجوب الإعادة. الدليل الثاني: أن العجز عذر يسقط معه الواجبات، فإن تبين أنه أخطأ، فصلى قبل الوقت أعاد، وإلا لم تلزمه الإعادة.

стр. 1146

الدليل الثالث: المكلف مأمور أن يصلي الفرض مرة واحدة، فكوننا نأمره بالصلاة مع علمنا أنها لا تسقط عنه الطلب، ثم نأمره بإعادتها قول في منتهى الضعف، فإن كانت صلاته صحيحة فلا معنى لإعادتها، وإن كانت باطلة فلا معنى لأمره بها. • وجه قول المالكية: أنه يتحرى بحسب الإمكان حتى إذا غلب على ظنه دخول الوقت صلى، ولا إعادة عليه ما لم يتبين خطؤه. • الراجح: إذا أمكن التحري كان هذا فرضه، وإن لم يمكنه التحري صلى بحسب حاله، وصلاته صحيحة ما لم يتبين خطؤه، والله أعلم.

стр. 1147

المبحث العاشر في إدراك وقت الصلاة الفرع الأول في إدراك الوقت بزوال المانع المدخل إلى المسألة: • من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، أَيُرَاُد بالركعة الركوع أم الركعة التامة بسجدتيها؟ الثاني أرجح حملًا للفظ على الحقيقة. • قوله: (فقد أدرك الصلاة) أيعني أدرك الوجوب، فيكون خطابًا لأهل الأعذار، أم أدرك وقت الصلاة بحيث تكون جميعها أداءً فيجوز تأخيرها إليه؟ الثاني أرجح؛ لأن إدراك الوجوب متعلق بإدراك الوقت، فمن فاته الوقت فاته الوجوب. • من لم يدرك الوقت لم يدرك الوجوب. • حمل الركعة على الركوع حمل للفظ على غير حقيقته. • من أدرك من الوقت أقل من ركعة لم يدرك الوقت. • إدراك ركعة من الصلاة جعله الشارع دركًا للوقت ولصلاة الجماعة، ولصلاة الجمعة. [م-١٧٤] هذه المسألة يبحثها بعض الفقهاء تحت عنوان: إذا زال المانع من الصلاة قبل خروج وقت الصلاة، فمتى يحكم على المكلف بأنه قد أدرك وقت الصلاة فوجبت عليه؟ كما لو أسلم كافر أو أفاق مجنون، أو بلغ صبي أو طهرت حائض ونفساء قبل خروج الوقت.

стр. 1148

فقيل: يدرك الوقت بإدراك مقدار تكبيرة الإحرام، وهذا مذهب الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقطع به بعضهم في المعذور، واستثنى الحنابلة والشافعية الجمعة، فلا تدرك إلا بإدراك ركعة (١). وقيل: يدرك بإدراك مقدار ركعة كاملة بسجدتيها، وهذا مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها الخرقي (٢). وقال أشهب: يدرك الوقت بإدراك قدر الركوع، دون السجود (٣). وقيل: يدرك الوقت إذا أدرك من الوقت ما يسع وقت الفريضة، وهو قول زفر والقدوري من الحنفية (٤). واختلفوا أتكون الصلاة كلها أداء، أم كلها قضاء، أم ما وقع داخل الوقت أداء، وما وقع خارجها قضاء؟ • وسبب الاختلاف: اختلافهم في قوله: (فقد أدركها) أيعني أدرك وقتها، أم أدرك وجوبها، بمعنى لزمته (٥). فقيل: إن أدرك ركعة كاملة كانت أداء، وإلا كانت قضاء، وهذا مذهب المالكية، والشافعية (٦).

стр. 1149

وقيل: الكل قضاء اعتبارًا بآخر الصلاة، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة، واختاره بعض الشافعية (١). وقيل: الكل أداء ولو أدرك دون ركعة، وهذا مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية، وهو اختيار ابن حزم (٢). وقيل: ما وقع من الصلاة داخل الوقت يكون أداء، وما وقع خارجها يكون قضاء، وهو قول سحنون من المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٣). فهذه أربعة أقوال: وينبني على هذا الخلاف مسائل، منها: حكم تأخير الصلاة إلى أن يبقى من الوقت قدر ركعة أو قدر تكبيرة، فمن قال: تكون الصلاة كلها قضاء، أو قال: بعضها أداء، وبعضها قضاء فإنه يحرم تأخير الصلاة.

стр. 1150

ومن قال: الصلاة كلها أداء، ففي تحريم تأخيرها قولان، ذكرناهما عند الكلام على اختلاف العلماء على تقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار. كما يتفرع على الخلاف بأنها أداء أو قضاء: في المرأة إذا صلت ركعة من العصر قبل الغروب، ولما غربت الشمس وقبل فراغها من الصلاة حاضت، هل تؤمر بقضاء هذه الصلاة إذا طهرت؟ فمن قال: إن الصلاة تكون أداء، فإذا منعت من الصلاة في وقت أداء الصلاة لم يكن عليها قضاء، وإذا كانت قضاء وجب عليها القضاء لوجوبها في ذمتها (١). وكذلك يتفرع عليه: ما لو صلى رجل ركعة، ثم غربت الشمس، فجاء رجل ودخل معه في الصلاة بعد غروبها، فالإمام صلاته كلها أداء، والمأموم كلها قضاء، فمن اشترط موافقة الإمام في الأداء والقضاء يمنع من الاقتداء به، كما هو المشهور من مذهب المالكية (٢). والراجح أن ذلك ليس بشرط، وستأتينا هذه المسألة إن شاء الله تعالى في أحكام الإمامة. • دليل من قال: لا يدرك الوقت إلا بإدراك ركعة كاملة بسجدتيها: الدليل الأول: (ح-٤١٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة (٣). • ونوقش هذا: بأن المراد في الحديث فقد أدرك الجماعة. (ح-٤١١) لما رواه مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب،

стр. 1151

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة (١). فقوله: (ركعة) نكرة في سياق الشرط فتعم، كل صلاة حتى الجمعة. [قوله: (مع الإمام) انفرد فيها يونس بن يزيد، على اختلاف عليه في ذكرها، وقد رواه أصحاب الزهري مالك، وعبيد الله بن عمر وغيرهما ولم يذكروها، وهو المحفوظ، وقد أشار مسلم إلى إعلالها] (٢).

стр. 1152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1153

الدليل الثاني: (ح-٤١٢) ما رواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (١). ورواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وبسر بن سعيد، وعبد الرحمن بن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس لم تفته الصلاة، ومن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس لم تفته الصلاة (٢).

стр. 1154

رواه مالك والدراوردي، عن زيد بلفظ: (فقد أدرك الصبح)، ورواه حفص وزهير وأبو غسان: بلفظ: (لم تفته)، ولعلها من باب الرواية بالمعنى، ومالك مقدم على غيره. وعليه يحمل حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة على حديث، (من أدرك ركعة من الصلاة قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر)، ومثله قوله: (فقد أدرك الصبح) وأن المقصود من قوله: (فقد أدرك الصلاة) أي أدرك وقت الصلاة. و إذا اتضحت دلالة النص، فالاحتجاج به على مسألتنا مأخوذ من المفهوم، فالحديث له منطوق ومفهوم. فمنطوق الحديث: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر). ومفهوم الحديث: أن من أدرك من الوقت أقل من ركعة فقد فاته الوقت، وهو موضع الاستشهاد. ولو كان إدراك أقل من ركعة بمنزلة الركعة لم يكن لتخصيص الركعة معنى، وتكبيرة الإحرام لا تسمى ركعة، لا شرعًا، ولا عرفًا، ولا لغة. • ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث يتكلم عن إدراك الوقت، وهو لا يدرك إلا بإدراك ركعة، ولم يتعرض لإدراك الوجوب، فإدراك الوجوب يختلف عن إدراك الوقت، وبينهما فرق. فمن أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها فقد أدرك الوقت، وكانت الصلاة كلها أداء. ومن أدرك جزءًا من الوقت قل أو كثر فقد وجبت الصلاة عليه، لإدراكه سبب الوجوب؛ فالسببية من الجزء إلى الجزء، وكانت صلاته قضاء في حقه، والله أعلم. • ويجاب: بأن إدراك الوجوب متعلق بإدراك الوقت، فإذا فات الوقت لم تجب عليه،

стр. 1155

والتفريق بين إدراك الوقت وإدراك الوجوب لا دليل عليه. الوجه الثاني: أن ذكر الركعة ضرب مثلًا للقلة، فكأنه قال: من أدرك جزءًا من العصر. • ورد هذا: بأن هذا الكلام دعوى لا دليل عليه، وإخراج لكلام النبي ﷺ عن ظاهره من غير دليل ألجأ إلى ذلك (١). • دليل من قال: يدرك الوجوب بإدراك جزء منه: الدليل الأول: أن الوقت هو سبب وجوب الصلاة على المكلف، فيترتب عليه حكمه عند وجوده، ولو لم يتمكن من أدائها فيه؛ لأن كل جزء من الوقت يصلح أن يكون سببًا للواجب، فأوله كآخره، ولأنه إذا أدرك من الوقت ما يسع التحريمة وجب تحصيل التحريمة، ثم تجب بقية الصلاة لضرورة وجوب التحريمة، فيؤديها في الوقت المتصل به؛ لأن الصلاة لا تتجزأ فإذا وجب بعضها فيه وجبت كلها فيما يتعقبه من الوقت. • ويناقش: بأن هذا تعليل في مقابل النص، فيكون باطلًا، فإن من قضى أن الوقت هو سبب وجوب الصلاة، هو الشارع، وهو الذي قضى بأن من أدرك أقل من ركعة من الصلاة لم يدرك الوقت، ولا اجتهاد مع النص، فهذا القيام في الصلاة أهم أركان الصلاة، ومع ذلك لو أدرك المأموم جزءًا من الركوع مع الإمام ولو قَلَّ فقد أدرك الركعة كلها، ولا يضره أن فاته القيام على أهميته، ولو فاته الركوع فاتته الركعة كاملة، ولا عبرة بإدراك القيام بعد الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والحكم في كل ذلك إلى النصوص، ولا سبيل لتحكيم النظر في مثل ذلك. الدليل الثاني: (ح-٤١٣) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة،

стр. 1156

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته (١). وجه الاستدلال: قول الرسول ﷺ : (إذا أدرك أحدكم سجدة) أي مقدار سجدة، وذكر السجدة تنبيهًا على أن الإدراك يحصل بجزء حتى يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام. • ونوقش هذا: بأن المراد بالسجدة هي الركعة لما يلي: أولًا: أن الزهري قد رواه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ، (من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة) وسبق تخريجه. ورواه جماعة عن أبي هريرة بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح … الحديث في الصحيحين وسبق تخريجه قبل قليل. ثانيًا: أن عائشة ﵂ قد روت مثل هذا الحديث، ثم قال الراوي في آخره: والسجدة إنما هي الركعة، رواه مسلم (٢). ثالثًا: قد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة. (ح-٤١٤) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وأخرجه مسلم (٣). (ح-٤١٥) وروى مسلم في صحيحه من طريق سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة

стр. 1157

مولى عقيل، حدثه، أن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: ثم قام فصلى ثَمَانِيَ سجداتٍ وذلك ضُحًى (١). والمراد: ثمَاَنِيَ ركعاتٍ … والأمثلة في هذا كثيرة. قال القرطبي: «أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة» (٢). فعلم إطلاق السجدة على الركعة في العُرْفِ، ولم يستعمل في عرف التخاطب ذكر الركعة كناية عن تكبيرة الإحرام. الدليل الثالث: أن الحكم إذا عُلِّقَ بالإدراك، فإن الإدراك يستوي فيه القليل والكثير، كما يجب على المسافر الإتمام باقتدائه بمقيم في جزء من الصلاة. • دليل من قال: يشترط أن يدرك من الوقت ما يسع لفعل الفريضة. أن الوقت جعل سببًا لأجل أن يؤدي الصلاة فيه، فإذا لم يدرك منه هذا المقدار لم يدرك سبب الوجوب. ولأن وجوب الأداء يقتضي تصور الأداء، وأداء كل الفرض في هذا القدر لا يتصور، فاستحال وجوب الأداء. وإذا زال التكليف في بعض الصلاة لوقوعها خارج الوقت زال التكليف في الكل، فيسقط الوجوب. • دليل من قال: يدرك الوقت بإدراك مقدار الركوع دون السجود: حمل أشهب حديث أبي هريرة (من أدرك ركعة من الصلاة) على أن المراد بالركعة الركوع (٣).

стр. 1158

• الراجح: ما ذهب إليه المالكية في المشهور، وأن الركعة المراد بها ركعة كاملة بقيامها، وركوعها، وسجدتيها، ويطلق الفقهاء على هذه المسألة: بزوال المانع، فإذا طهرت الحائض، وأفاق المجنون، وأسلم الكافر، وبلغ الصبي، وقد أدرك من الوقت مقدار ركعة كاملة بسجدتيها، فقد أدرك الوقت، ووجبت عليه الصلاة، والله أعلم.

стр. 1159

الفرع الثاني في إدراك الأولى من المجموعتين بإدراك الأخرى المدخل إلى المسألة: • كل صلاة خرج وقتها قبل التكليف بها لا يجب قضاؤها إلا أن تجمع إلى ما قبلها. • كل صلاة تجمع إلى ما قبلها يكون وقتهما واحدًا في حال العذر. • قوله ﷺ : (من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر)، يثبت إدراك العصر ولا ينفي إدراك الظهر. • إدراك الظهر بإدراك العصر عرف عن الصحابة والتابعين خلافًا للحسن البصري. • لا يفتي الصحابة بما يخالف القياس إلا لمُقْتَضًى عندهم علموه وجهله غيرهم. • إذا وجبت عليه الأولى من المجموعتين ثم طرأ مانع لم يلزمه قضاء الثانية. [م-١٧٥] إذا أدرك المكلف وقت الصلاة، سواء أقلنا: يدرك الوقت بإدراك أي جزء منه، ولو كان بمقدار التحريمة، أم قلنا: يدرك الوقت بإدراك الركوع، أم قلنا: يدرك الوقت بإدراك الركعة، أم قلنا: يدرك الوقت بإدراك ما يسع فعل الفريضة، فهل يكون مدركًا للصلاة التي قبلها؟ وللجواب على ذلك نقول: لا يختلف الفقهاء بأنه إذا أدرك وقت الصبح، أو الظهر، أو المغرب لم يلزمه قضاء ما قبلها؛ لأن ما قبلها لا يجمع إليها. واختلفوا فيما إذا أدرك وقت العصر، هل يكون مدركًا للظهر، وإذا أدرك وقت العشاء هل يكون مدركًا للمغرب بحجة أن الوقت مشترك بينهما في حال العذر؟

стр. 1160

فقيل: لا يلزمه قضاء ما قبلها، وهذا مذهب الحنفية، وبه قال الحسن البصري، والثوري وحماد بن أبي سليمان وقتادة وابن علية (١). وقيل: إذا أدرك من الوقت قدر الصلاة الأولى، وزيادة قدر ركعة من الثانية، وجب عليه قضاء الأولى مع الثانية، فإذا أدرك من وقت العصر قدر (خمس ركعاتٍ في الحضر (أربع للظهر وركعة للعصر)، أو أدرك منه ثلاثًا في السفر (ركعتين للظهر وركعة للعصر)، وجبت الظهر والعصر معًا. وإذا أدرك من وقت العشاء أربع ركعات (ثلاثًا للمغرب، وركعة للعشاء) وجبت المغرب والعشاء معًا. وهذا مذهب المالكية، وقول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد (٢). وخالف سحنون وابن عبد الحكم وابن الماجشون، فقالوا: إذا أدرك من الوقت قدر الصلاة الثانية، وزيادة قدر ركعة من الأولى، وجب عليه قضاء الأولى مع الثانية.
следующие страницы →