عن أنس، قال: الأذان مثنى، والإقامة واحدة.
[رواه قتادة عن أنس موقوفًا وبالمعنى، ورواه أبو قلابة عنه مرفوعًا، وبلفظ: أُمِر بلالٌ أن يَشْفَعَ الأذان، وأن يُوتِرَ الإقامةَ، وهو لفظ الصحيحين].
وجه الاستدلال:
أن قوله: (الأذان مثنى) يشمل التكبير وغيره.
الدليل السابع:
(ح-٣٤) ما رواه أبو عوانة من طريق سعيد بن المغيرة الصياد قال: حدثنا عيسى ابن يونس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى والإقامة فرادى (١).
[المعروف أنه موقوف] (٢).
• ويجاب عن الأثرين:
أجاب النووي عن ذلك بما نقله عن أصحابه: بأنه يستحب للمؤذن أن يجعل كل تكبيرتين بنفس واحد (٣)، ليصبح -والله أعلم- التكبير في الأذان مثنى صورة، وإن كان بالعدد أربعًا.
قال ابن حجر: «وهذا إنما يتأتى في أول الأذان، لا في التكبير الذي في آخره،
стр. 107
وعلى ما قال النووي، ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس» (١).
لأنه لو جمع التكبيرتين في آخر الأذان بنفس واحد لكان التكبير في آخره مفردًا، وهذا الاستحسان يحتاج إلى نقل، وإذا لم يثبت النقل فلا حاجة إلى القول به، ويكون المراد الأذان مثنى بالنسبة لغالبه كما يروى في إقامة بلال أنه يوتر الإقامة مع تثنية التكبير في أوله وآخره، وتثنية قد قامت الصلاة.
وجواب آخر:
أن قوله الأذان مثنى لفظ مجمل، وحديث أبي محذورة، بأن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة جملة، وحديث عبد الله بن زيد في تربيع التكبير أحاديث مفصلة، والمفصل مقدم على المجمل، فتحمل التثنية إما على غالب جمل الأذان، وإما على أن التكبيرتين كانتا بنفس واحد.
الدليل الثامن:
الآثار وردت مختلفة، فيها التكبير أربع، وفيها تثنية التكبير، فرجعنا إلى العمل ليفصل هذا الاختلاف، فرأينا أهل المدينة يعمل خلفهم عن سلفهم على التكبير مرتين، ينقله التابعون ممن أدركهم مالك وعاصرهم، عن الصحابة، لا يزيدون عليها، وينقلونه نقلاً متواترًا يقطع العذر، وهم عدد كثير، لا يجوز على مثلهم التواطؤ، ولا يصح على جميعهم النسيان والسهو عما ذكر بالأمس من الأذان، ولا يجوز عليهم ترك الإنكار على من أراد تبديله، أو تغييره، لهذا سقط معه حكم الزائد عن مرتين، ولا يقدم على هذا النقل غيره مما هو آحاد، ولأن كل مسألة طريقها النقل كالأذان والإقامة والصاع والمد ونحوها المعول فيه على نقل أهل المدينة؛ لأن ما نقل نقلًا مستفيضًا أو متواترًا أولى مما نقل آحادًا، والله أعلم (٢).
وناظر مالك بعض من احتج عليه في الأذان بأذان بلال بالكوفة، فقال مالك: ما أدري ما أذان يوم ولا ليلة، هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذن فيه من عهده إلى اليوم لم يحفظ عن أحد إنكار لهذا الأذان، ولا نسبته إلى التغيير.
стр. 108
قال الباجي معلقًا: «وهذا لعمري من أقوى الأدلة، ومما لا يعارض بأخبار الآحاد؛ لأن الأذان في مسجد رسول الله ﷺ أمر متصل في وقت كل صلاة» (١).
• وأجيب:
بأن تثنية التكبير والترجيع لم يكن من أذان أهل المدينة، جاء في مسائل ابن هانئ للإمام أحمد، «قيل له: فإن بالمدينة من يؤذن بأذان أبي محذورة كثيرًا فقال: ما كان يؤذن بها إلا أهل مكة، وهذا محدث بالمدينة، فإن فعله إنسان لم أعنفه» (٢).
• حجة من قال: إن شاء كبر أربعًا، وإن شاء كبر مرتين:
صح عن النبي ﷺ تثنية التكبير وتربيعه، وأن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يشرع فعلها على جميع تلك الوجوه، ولا يكره شيء منها؛ إذ تنوع صفة الأذان والإقامة كتنوع صفة الاستفتاح، والقراءات، والتشهدات، ونحو ذلك، كما أ ن المتوضئ بالخيار، إن شاء توضأ مرة مرة، وإن شاء مرتين مرتين، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله ﷺ لأمته، ولأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة، والمستحب واجبًا، ويفضي إلى التفرق والاختلاف، فمن تمام السنة أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة.
• الراجح:
صح تربيع التكبير من حديث أبي محذورة، جاء مجملًا علمه الأذان تسع عشرة كلمة، وجاء مفصلًا.
وأما تثنية التكبير فإن أصح ما ورد فيه كونه من عمل أهل المدينة زمن التابعين، وإنما تلقاه التابعون عن الصحابة، والعهد قريب، والنقل مثله نقل مستفيض يصلح مثله للاحتجاج، كما نقلوا لنا مقدار الصاع النبوي ونحوه، فجاز عندي الصفتان، والله أعلم.
стр. 109
الفصل الثاني الترجيع في الأذان
مدخل في ذكر الضوابط:
• لا ترجيع في الإقامة.
• لا ترجيع في غير الشهادتين.
• الأذان ورد على صفتين لا ثالثة لهما: أذان بلال، وأذان أبي محذورة.
• العبادات الواردة على وجوه متعددة، ولا مرجح بينها، فالسنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة؛ لإصابة السنة على جميع وجوهها، ويجوز الاقتصار على بعضها من غير كراهة لشيء ثابت بالسنة.
تعريف الترجيع في الأذان:
الترجيع مأخوذ من رجوع المؤذن، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، رَجَّعَ فمد صوته جهرة بالشهادتين مرتين (١).
[م-٩] وقد اختلف العلماء في حكم الترجيع في الأذان:
فقيل: مباح غير مكروه، وهو ظاهر ما عليه أكثر الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، غير أن الحنفية يقولون: الترجيع ليس من سنة الأذان.
وقال الحنابلة: المختار في الأذان أن يكون بلا ترجيع، وهذا أولى من نفي السنة عن الترجيع مع ثبوته (٢).
стр. 110
وقيل: الترجيع مكروه، أو خلاف الأولى. وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
وقيل: الترجيع من سنة الأذان، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم (٢).
وقيل: الترجيع ركن، وهو وجه في مذهب الشافعية.
стр. 111
قال النووي في المجموع: «فيه وجه حكاه الخراسانيون وبعضهم يحكيه قولًا: أنه ركن، لا يصح الأذان إلا به» (١).
وقيل: السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، وهذا قول إسحاق، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية (٢).
• دليل من قال: المختار في الأذان أن يكون بلا ترجيع:
الدليل الأول:
أذان بلال ليس فيه ذكر للترجيع، وهو الأصل في مشروعية الأذان، وهو الأذان الذي كان يؤذن به بين يدي رسول الله ﷺ حضرًا وسفرًا إلى أن مات ﵊، وما يختاره الله لرسوله ﷺ فهو مقدم على غيره، بل إن أكثر الأحاديث في صفة الأذان ليس فيها ترجيع كما سيأتي في الأدلة التالية إن شاء الله تعالى.
• ويناقش:
بأن الترجيع، وإن لم يَأْتِ في حديث بلال، فقد ثبت في حديث أبي محذورة، وقد لقنه إياه رسول الله ﷺ بنفسه، وليس أحدهما بأولى من الآخر.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥) ما رواه البخاري ومسلم،
عن أنس ﵁، قال: لما كثر الناس، قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة.
وفي رواية لهما: وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة (٣).
стр. 112
وجه الاستدلال:
قوله: (أن يشفع الأذان) معناه: أن يَأْتِيَ به مثنى، والترجيع يعني ذكر الشهادتين أربع مرات.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
بأن الاحتجاج في صفة أذان بلال، لا يلغي ما ثبت في حديث أبي محذورة.
الوجه الثاني:
أن الترجيع لا ينافي الشفع، فإذا كان تربيع التكبير لا ينافي الشفع، لم يُنَافِ ذلك في الشهادتين؛ لأن غاية ما في الترجيع أنه تربيع للشهادتين.
الدليل الثالث:
(ح-٣٦) ما رواه أحمد، عن محمد بن جعفر وحجاج، كلاهما عن شعبة، سمعت أبا جعفر -يعني المؤذن- يحدث عن مسلم أبي المثنى، يحدث
عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين وقال حجاج: يعني مرتين مرتين - والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لا أحفظ غير هذا (١).
[رواه أبو جعفر المؤذن وابن أَرْطَاةَ، عن أبي المثنى مرفوعًا، وخالفهما إسماعيل ابن أبي خالد، فرواه عن أبي المثنى، عن ابن عمر موقوفًا، وهو المحفوظ] (٢).
وإذا كان الأذان مرتين مرتين لم يكن في الأذان ترجيع.
• ويناقش:
بأن هذا يصف الأذان بالمدينة على عهد رسول الله ﷺ ، وهو لا يلغي ما ثبت في مكة بعد فتحها.
الدليل الرابع:
(ح-٣٧) ما رواه مسلم من طريق حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه،
عن جده عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة (١).
• ويجاب:
بأنه لا منافاة بين هذا الحديث، وبين حديث أبي محذورة، فحديث عمر ﵁ في إجابة المؤذن مُنَزَّل على صفة أذان بلال، وهو لا يبطل ما ثبت في أذان أبي محذورة، وليس أحدهما بأرجح من الآخر، فيجوز هذا، ويجوز ذاك.
• حجة من قال: الترجيع مكروه:
الدليل الأول:
أن الترجيع لا يصح اعتقاد كونه صفة في الأذان، وإنما كرر النبي ﷺ على
стр. 116
أبي محذورة الشهادتين بقصد التعليم، فأخطأ أبو محذورة، واعتقد أنها صفة مقصودة في الأذان.
وسوف تأتي مناقشة هذه الحجة إن شاء الله تعالى في القول التالي.
الدليل الثاني:
أن المقصود من الأذان قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، ولا ترجيع في هاتين الكلمتين، ففي سواهما أولى.
• ويناقش:
بأن الترجيع فيه خفض للصوت، والخفض يناسب ما يخص المؤذن وحده، وهو إعلانه عن نفسه بالشهادة لله بالتوحيد ولنبيه بالرسالة بخلاف حي على الصلاة حي على الفلاح، فهي لا تخص المؤذن، وإنما يراد بها دعوة السامعين إلى الإقبال إلى الصلاة فلم يكن مناسبًا الترجيع فيهما، ولذلك خصت الحيعلتان بالالتفات فيهما دون جمل الأذان؛ لأنه مطلوب أن يسمعهما من كان عن يمين المؤذن وشماله، بعد أن سمع الأذان من كان أمامه.
الدليل الثالث:
أن المقصود من الأذان إعلام الناس بدخول الوقت، وإخفاء الترجيع لا يحصل به هذا المقصود.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
هذا يصح لو كان الخفض لكل جمل الأذان، أو كانت الجمل التي خفض المؤذن صوته بها لم يرجع، فيرفع صوته بها، فيقال: إنه لم يحصل به الإعلام، أما إذا كان الخفض للشهادتين فقط، وقد رجع، ورفع صوته بهما كسائر جمل الأذان فقد حصل الإعلام.
الوجه الثاني:
لا يلزم من خفض الصوت عدم الإعلام، وسيأتي الكلام على صفة الإخفاء، وقد اختار المالكية أنه يخفض صوته بشرط الإسماع وإلا لم يكن آتيًا بالسنة (١).
стр. 117
الدليل الرابع:
أن الإقامة وهي إعلام بإقامة الصلاة، وفيها الشهادتان، ولا ترجيع فيها بالاتفاق، فالأذان مثلها.
• ويجاب:
بأن هذا قياس في مقابل النص، فهو قياس فاسد.
• حجة من قال: الترجيع سنة:
الدليل الأول:
(ح-٣٨) استدلوا بما رواه مسلم من طريق عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز،
عن أبي محذورة، أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين. زاد إسحاق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله (١).
• وأجيب عن هذا:
يتفق أذان بلال وأذان أبي محذورة ﵄ على جميع جمل الأذان عدا موضعين منهما:
الموضع الأول: عدد التكبير في أوله، والمحفوظ من حديث أبي محذورة أن التكبير أربع مرات، وسبق تخريجه في الفصل السابق، وعلى هذا لا خلاف في التكبير بين أذان بلال وأذان أبي محذورة على الراجح.
الموضع الثاني: وجود الترجيع في الشهادتين في حديث أبي محذورة، وليس موجودًا في حديث بلال، وكوننا نحمل حديث أبي محذورة على حديث بلال أولى من إثبات الاختلاف بينهما، وذلك أن ما ورد في أذان أبي محذورة من الترجيع يحتمل:
أن أبا محذورة لم يمد بذلك صوته على ما أراد النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ :
стр. 118
ارجع وامدد من صوتك، ففهم أنها من الأذان.
ويحتمل أن يكون الترجيع من النبي ﷺ لأبي محذورة جرى على ما كان من عادته ﷺ في تعليم أصحابه حيث كان يكرر الأمر عليهم، خاصة أن تعليم الأذان لأبي محذورة كان عن طريق التلقين، والتلقين يقتضي التكرار حتى يأتي به على وجهه، فظن أبو محذورة أنه أمره بالترجيع.
وذكر بعضهم أن أبا محذورة كان جَهورِيَّ الصوت، وكان في الجاهلية يجهر بسب رسول الله ﷺ ، فلما بلغ إلى الشهادتين استحيا فخفض بهما صوته، فدعاه رسول الله ﷺ وقال: ارجع، وقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ومدَّ بهما صَوْتَكَ غيظًا للكفار.
• ورد هذا الاعتراض من وجوه:
الوجه الأول: أن التنوع في الأذان لا يخرج عن التنوع في كثير من العبادات التي جاءت على وجوه كثيرة، كدعاء الاستفتاح، والتشهد في الصلاة، ونحوهما.
الوجه الثاني: أن دفع الترجيع بهذه الاحتمالات لا يصح:
أولًا: لأن الأصل عدمها، واختلاف هذه الاحتمالات مما يؤكد عدم صحتها.
وثانيًا: لأن النبي ﷺ كان يلقنه الأذان حرفًا حرفًا، وقال: اذهب فأذن به.
وثالثًا: أن أبا محذورة قد أذن به في مكة على عهد النبي ﷺ لأَكْثَرَ من عامين في العصر النبوي، فلو كان خطأً لنزل الوحي على النبي ﷺ بتصويبه.
ورابعًا: أن النبي ﷺ قد اطلع على ذلك، فقد جاء النبي ﷺ إلى مكة بعد ذلك في حجة الوداع، وكان أبو محذورة يتولى الأذان بمكة بالصفة التي علمه النبي ﷺ ذلك، ولو كان الترجيع خطأً لأرشده النبي ﷺ إلى الصواب.
وخامسًا: لا يصح القول بأن الترجيع كان عن سوء فهم من أبي محذورة؛ إذ كيف يقبله عموم الصحابة منه، ولم ينكروا عليه؟ فمثل هذا يكون قدحًا في الصحابة ﵃، فقد كان الصحابة يترددون على مكة، واستمر الأذان من أبي محذورة هو وأولاده من دون تغيير، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، بل إن الترجيع قد انتقل من مكة ليؤذن به بعد ذلك بالمدينة، بعد أن ترك بلال الأذان
стр. 119
بالمدينة بعد وفاة النبي ﷺ حتى صار الترجيع عمل أهل المدينة ومكة من لدن الصحابة إلى وقت الإمام مالك، كل ذلك يدل على أن الترجيع كان مقصودًا في الأذان، والله أعلم.
الوجه الثالث: على فرض أن يكون الترجيع فُعِل من أجل إغاظة المشركين، فإن الترجيع لا ينتفي بانتفاء سببه، كالرَّمَلِ في الحج.
الدليل الثاني:
أن حديث أبي محذورة مقدم على حديث عبد الله بن زيد لأسباب منها:
أحدها: أن الترجيع في أذان أبي محذورة، قد اشتمل على زيادة غير منافية فيجب قبولها.
• ويجاب:
بأن النبي ﷺ لم يأمر بلالًا بالترجيع، فدل على جواز الصفتين.
الثانية: أنه متأخر، فحديث أبي محذورة سنةَ ثمانٍ بعد حُنَيْنٍ، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر.
• ويجاب:
بأن النبي ﷺ قد رجع إلى المدينة بعد تعليمه لأبي محذورة الترجيع، فكان يؤذَّنُ بين يديه بأذان بلال إلى أن مات ﵊، فلم يكن التأخر ناسخًا.
قيل للإمام أحمد: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد؟ قال: أليس قد رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فأقر بلالًا على أذان عبد الله بن زيد؟ (١).
الثالث: أنه كان يؤذن به في المدينة زمن التابعين، وإنما أخذوه عن الصحابة، وعمل أهل المدينة سبب في ترجيح أحد الخبرين على الآخر عند المالكية.
الرابع: ترجيح أحد الخبرين على الآخر لعمل الحرمين، فإنه مظنة الإصابة، حيث كان أصل الترجيع في مكة في العهد النبوي، ثم انتقل إلى المدينة زمن التابعين، فصار عمل الحرمين على الترجيع.
стр. 120
• ويجاب عن هذا والذي قبله:
بأن المكان ليس سببًا في الترجيح، فإن كان الترجيح راجعًا لعمل الصحابة فليرجح به في أي مكان كان صحابة رسول الله ﷺ ، وحديث عمر في إجابة المؤذن لم يكن فيه ترجيع، وهو في مسلم، وحديث أنس في الصحيحين كذلك.
الخامس: أن الترجيع كان بتعليم النبي ﷺ فكان مقدمًا على أذان بلال والذي كان برؤيا عبد الله بن زيد، والله أعلم.
• ويجاب:
بأن إقرار النبي ﷺ لبلال على أذانه حتى مات معدود من السنَّة أيضًا، فالسنة التقريرية كالسنة الفعلية.
• حجة من قال: الترجيع ركن.
وعمدة هذا القول ثبوت الترجيع في حديث أبي محذورة، وتلقين النبي ﷺ إياه، والأمر به؛ لقوله: اذهب فأذن به، وكونه آخر الأَمْرَيْنِ، وهذا يدل على أن الأذان لا يصح إلا بالترجيع.
• ويناقش:
بأن أذان بلال كان يؤذن به بين يدي النبي ﷺ بعد رجوعه من معركة حنين، ولم يكن بلال يرجع في أذانه، ولو كان ركنًا لما تركه بلال، والله أعلم.
• حجة من قال: السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة:
اعتمد هذا على اعتبار الاختلاف بين أذان أبي محذورة وأذان عبد الله بن زيد من تنوع العبادة، فقد صح أن بلالًا كان يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، وليس فيه الترجيع، كما صح حديث أبي محذورة، وفيه الترجيع، وعليه عمل أهل مكة، فثبت أن كلًّا منهما سنة، فإن شاء أذن بهذا، وإن شاء أذن بذاك.
قال ابن تيمية: «الصواب مذهب أهل الحديث، ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي ﷺ ، لا يكرهون شيئًا من ذلك، إذ تنوع صفة الأذان والإقامة، كتنوع صفة القراءات والتشهدات، ونحو ذلك، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله لأمته.
وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف، والتفرق حتى يواليَ ويعاديَ ويقاتلَ على
стр. 121
مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى، كما يفعله بعض أهل المشرق، فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعًا، وكذلك ما يقوله بعض الأئمة -ولا أحب تسميته- من كراهة بعضهم للترجيع، وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله، وأنه كرره ليحفظه، ومن كراهة من خالفهم لشفع الإقامة، مع أنهم يختارون أذان أبي محذورة.
هؤلاء يختارون إقامته، ويكرهون أذانه، وهؤلاء يختارون أذانه، ويكرهون إقامته. فكلاهما قولان متقابلان. والوسط أنه لا يكره لا هذا، ولا هذا ..... ومن تمام السنة في مثل هذا: أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وهذا في مكان، وهذا في مكان؛ لأن هجر ما وردت به السنة، وملازمة غيره، قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة، والمستحب واجبًا، ويفضي ذلك إلى التفرق، والاختلاف إذا فعل آخرون الوجه الآخر» (١).
• الراجح:
الترجيع ثابت في أذان أبي محذورة، وليس بواجب؛ لأنه لم يرد في أذان بلال، وما ثبت في السنة على وجوه متعددة كان الأفضل فعل هذا مرة، وهذا مرة، نشرًا للسنة، وإذا كان البلد لا يعرف إلا صفة واحدة، فمن أحب أن يختار صفة لا يعرفها الناس فَلْيُقدِّم بين يدي ذلك ما يرفع الاستغراب من عامتهم؛ ليعلموا أن ذلك سنة أيضًا، وإذا لم يكن موضعَ ثقة العوام فلا يُقْدِمْ على ذلك، بل ينتظر حتى يصدر هذا القول من شخص يكون محل ثقتهم، فتتحقق المصلحة، وتنتفي المفسدة، والله أعلم.
стр. 122
الفصل الثالث في صفة الإقام
مدخل إلى المسألة:
• العبادات الواردة على وجوه متعددة، ولا مرجح بينها فالسنة أن يُفْعَلَ هذا تارةً، وهذا تارةً؛ لإصابة السنة على جميع وجوهها، ويجوز الاقتصار على بعضها من غير كراهة لشيء ثابت بالسنة.
[م-١٠] اختلف العلماء في جمل الإقامة:
فقيل: الإقامة سبع عشرة جملة بتربيع التكبير في أولها، وتثنية سائرها، مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين، ويختمها بلا إله إلا الله.
وهذا مذهب الحنفية، وهو رواية عن أحمد إلا أنه جعل التكبير كغيره مثنى مثنى (١).
وقيل: جمل الإقامة عشر جمل، وذلك بإفراد الإقامة بما فيها قد قامت الصلاة إلا التكبير فإنه يكون مرتين في أولها وآخرها. وهذا قول مالك، والليث، والشافعي في القديم (٢).
стр. 123
وقيل: جمل الإقامة إحدى عشرةَ جملةً، بإفراد جمل الإقامة عدا التكبير في أولها وآخرها، وجملة قد قامت الصلاة فإنها تقال مثنى. وهذا مذهب الشافعية في الجديد، والحنابلة (١).
وقيل: يثني الإقامة إن رجع في الأذان، وإلا أفردها، اختاره ابن خزيمة من الشافعية، وذكر أنه قول للشافعي (٢).
وقيل: جمل الإقامة تسع كلمات، يفرد أيضا التكبير في آخرها، قال النووي: حكاه إمام الحرمين (٣).
وقيل: جمل الإقامة ثماني كلماتٍ، يقول في أوله الله أكبر مرة، وفي آخره الله أكبر مرة، ويقول: قد قامت الصلاة مرة، فتكون جمل الإقامة ثمانيَ كلماتٍ. وهذا قول شاذ للشافعية (٤).
جاء في المجموع: «أنها ثمان كلمات يفرد التكبير في أولها وآخرها مع لفظ الإقامة، حكاه القاضي حسين والفوراني والسرخسي وصاحب العدة وجهًا، وحكاه البغوي قولًا» (٥).
وقيل: يجوز إفراد الإقامة وتثنيتها.
стр. 124
قال ابن عبد البر: «ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير وقالوا كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن النبي ﵇ جواز ذلك وعمل به أصحابه فمن شاء ..... ثنى الإقامة، ومن شاء أفردها إلا قوله قد قامت الصلاة فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال» (١).
هذه مجمل الأقوال في صفة الإقامة.
• أدلة الحنفية على تثنية الإقامة:
الدليل الأول:
(ح-٣٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا عفان، قال: أخبرنا همام ابن يحيى، عن عامر الأحول، أن مكحولًا، حدثه أن عبد الله بن محيريز، حدثه،
أن أبا محذورة، حدثه قال: علمني النبي ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر .... وذكر بقية الأذان، والإقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله (٢).
[حسن إلا أن تربيع التكبير في الإقامة انفرد به عامر الأحول وقد اختلف عليه في ذكرها] (٣).
стр. 125
• ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
قال أبو عوانة في مستخرجه: «زاد همام في حديثه ذكر الإقامة فتركته؛ لأن هشامًا أحفظ وأتقن منه؛ ولأن إجماع أهل الحرمين على خلاف زيادته» (١).
الوجه الثاني:
أن الحنفية قبلوا إقامة أبي محذورة في الوقت الذي لم يأخذوا بأذانه، فهم في الأذان يأخذون بأذان بلال، وفي الإقامة يأخذون بإقامة أبي محذورة، والحديث واحد، فإما أن يأخذوا بهما، أو يدعوهما.
الدليل الثاني:
(ح-٤٠) ما رواه النسائي من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب قال: أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة،
عن أبي محذورة قال: لما خرج رسول الله ﷺ من حُنَيْنٍ خرجت عاشِرَ عشرةٍ من أهل مكة نطلبهم، فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال رسول الله ﷺ : قد سمعت في هؤلاء تأذينَ إنسانٍ حسن الصوت، فأرسل
стр. 126
إلينا، فأذنا رجلًا رجلًا وكنت آخرهم، فقال حين أذنت: «تعال». فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي وبرك علي ثلاث مرات، ثم قال: اذهب فأذن عند البيت الحرام». قلت كيف يا رسول الله؟ فعلمني كما تؤذنون الآن بها … فذكر الأذان بتربيع التكبير والترجيع، وفيه: قال: وعلمني الإقامة مرتين: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال ابن جريج، أخبرني عثمان هذا الخبر كله، عن أبيه، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة (١).
[ضعيف، وله متابع من رواية عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة إن كانت الإقامة محفوظة في حديث ابن محيريز] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٤١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رجلًا قام، وعليه بردان أخضران على جذمة حائط، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة، فسمع ذلك بلال، فقام، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة (١).
[الراجح فيه أنه مرسل، والمرسل ضعيف] (٢).
стр. 129
• وأجيب:
بأن الحنفية يحتجون بالحديث المرسل، والشافعية يحتجون به إذا اعتضد بمرسل آخر، وقد اعتضد بمرسل الشعبي، ورجاله ثقات كما في الدليل الآتي.
الدليل الرابع:
(ح-٤٢) رواه أبو داود في المراسيل من طريق هشيم، عن المغيرة،
عن الشعبي، قال: اهتم النبي ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها، قال: فانصرف عبد الله بن زيد مهتَمَّا لأمر النبي ﷺ ، فأتاه آتٍ في المنام فقال له: مر النبي ﷺ يأمر رجلًا عند حضور الصلاة، فليؤذن فليقل: الله أكبر، الله أكبر، يذكر الأذان مرتين مرتين، فإذا فرغ، فليمهل حتى يستيقظ النائم، ويتوضأ من أراد أن يتوضأ، فإذا اجتمع الناس لصلاتهم، فليعد، فليقل مثل قوله حتى إذا بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فليقل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله … وساق الحديث (١).
[اختلف فيه على المغيرة في إسناده ولفظه] (٢).
стр. 130
الدليل الخامس:
(ث-٧) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم،
عن الأسود بن يزيد: أن بلالًا كان يثني الأذان، ويثني الإقامة، وأنه كان يبدأ بالتكبير، ويختم بالتكبير (١).
[وهم فيه حماد بن أبي سليمان، قال ابن رجب في الفتح: هذا وهم] (٢).
قلت: ما يدل على أن هذا وهم أمور منها:
الأمر الأول:
(ث-٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق منصور، عن إبراهيم،
عن الأسود، عن بلال، قال: كان آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
[ومنصور أحفظ من حماد مطلقًا كيف وقد تابع الأعمش منصورًا].
فقد رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن الأسود كان آخر أذان بلال: لا إله إلا الله (٣).
الثاني: أن هذا معارض لحديث أنس في الصحيحين أن بلالًا كان يشفع الأذان ويوتر الإقامة (٤).
قال ابن حجر: «وهذا الحديث حجة على من زعم أن الإقامة مثل الأذان مثنى» (٥).
стр. 131
الثالث: أن هذا النقل معارض لحديث عبد الله بن زيد (١).
كما أنه معارض لحديث ابن عمر، قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين وقال حجاج: يعني مرتين مرتين - والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لا أحفظ غير هذا (٢).
وسواء أكان المحفوظ من هذا الحديث مرفوعًا أم موقوفًا، فالحجة فيه أن الإقامة لا تثنية فيها.
الدليل السادس:
(ح-٤٣) ما رواه الطبراني من طريق محمد بن سليمان (لوين)، حدثنا محمد ابن جابر، عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال:
سألت أبا محذورة: كيف كنت تؤذن للنبي ﷺ ؟ أي شيء كنت تجعل آخر أذانك؟ قال: كنت أُثَنِّي الإقامةَ كما أثني الأذان، وأجعل آخر أذاني لا إله إلا الله (٣).
[تفرد به محمد بن جابر عن أبي إسحاق، وهو ضعيف] (٤).
الدليل السابع:
(ح-٤٤) ما رواه الطبراني في الأوسط والكبير من طريق زياد بن عبد الله البكائي، حدثنا إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، أن بلالًا كان يؤذن للنبي ﷺ مثنى مثنى ويقيم مثنى مثنى (٥).
стр. 132
[ضعيف] (١).
الدليل الثامن:
(ح-٤٥) ما رواه البيهقي في الخلافيات كما في المختصر من طريق أبي أسامة حدثنا أبو العميس، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري يحدث عن أبيه،
عن جده أنه رأى الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى، قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: عَلِّمْهن بلالًا، قال: فتقدمت فأمرني أن أقيم فأقمت (٢).
[ضعيف] (٣).
الدليل التاسع:
(ث-٩) ما رواه الطحاوي من طريقين عن شريك، عن عمران بن مسلم،
عن سويد بن غفلة، قال: سمعت بلالًا، يؤذن مثنى ويقيم مثنى (١).
[شريك سيئُ الحفظ]
الدليل العاشر:
(ح-٤٦) ما رواه الطبراني من طريق عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نُسَيٍّ، عن جنادة بن أبي أمية،
عن بلال، أنه كان إذا أذن جعل أصبعيه في أذنيه، وكان يجعل الأذان والإقامة سواء مثنى مثنى (٢).
[ضعيف، عبد العزيز بن عبيد الله ضعيف، وشيخ الطبراني مجهول الحال، وقد اختلف فيه على عبد العزيز بن عبيد الله] (٣).
الدليل الحادي عشر:
(ح-٤٧) ما رواه الشاشي في مسنده من طريق أبي عبد الله، أخبرنا علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة،
عن أبيه، أن رجلًا من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم، فرآه حزينًا، وذاك أنه اهتم للصلاة، فأراد أن يجعل ناقوسًا، أو بوقًا، فلما رأى من حال رسول الله ﷺ ما رأى انصرف، فقال لأهله: دونَكُم طعامَكم فلا حاجة لي فيه، وأقبل على صلاته حتى أدركه النوم فأتاه آتٍ في منامه فقال: إن الذي رأيت من رسول الله ﷺ ما رأيت منه إنما ذاك من أجل الناقوس فائت رسول الله ﷺ فقل
стр. 135
له، ووضع يديه في أذنيه ثم قال: الله أكبر الله أكبر مرتين، حتى أتى على الأذان ثم قال في الإقامة أيضًا مثلها مرتين مرتين، فأصبح عبد الله غاديًا على رسول الله ﷺ فوجد أبا بكر عنده، فلما قضى أبو بكر حاجته دخلتُ فقصصتُ على رسول الله ﷺ الذي رأيت فقال: بذاك دخل أخوك أبو بكرٍ فانطَلِقَا إلى بلالٍ فعلماه (١).
[رجاله ثقات إلا أن ذكر أبي بكر في الحديث لا يعرف إلا من هذا الطريق، وهو مخالف لكل من روى قصة منام عبد الله بن زيد فقد ذكروا أن عمر ﵁ هو من شارك عبد الله بن زيد في رؤيا الأذان، والله أعلم] (٢).
الدليل الثاني عشر:
(ث-١٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن عبيد مولى سلمة بن الأكوع (٣)، أن سلمة بن الأكوع كان يثني الإقامة (٤).
стр. 136
[حسن، وهذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو موقوف على سلمة بن الأكوع] (١).
• وأجيب:
(ح-٤٨) بأن هذا مخالف لما رواه الدارقطني من طريق عمر بن علي بن بكر، حدثنا محمد بن سعدان بن عبد الله بن حيان، عن يزيد بن أبي عبيد،
عن سلمة بن الأكوع، قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة فردًا.
[فيه عمر بن علي بن بكر ذكره ابن حبان في ثقاته، ولم يوثقه غيره] (٢).
الدليل الثالث عشر:
(ح-٤٩) ما رواه ابن حبان في المجروحين عن حميد بن علي بن هارون القيسي، عن عبد الواحد بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الأذان والإقامة مثنى مثنى (٣).
[ضعيف جدًّا] (٤).
الدليل الرابع عشر:
(ث-١١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن
стр. 137
يحيى، عن الهجنع بن قيس،
أن عليًّا، كان يقول: الأذان مثنى والإقامة، وأتى عليٌّ مؤذنًا يقيم مرة مرة، فقال: ألا جعلتها مثنى لا أم للأَخِر (١).
[ضعيف] (٢).
هذه أدلة الحنفية وكل من قال معهم بتثنية الإقامة، وأصح دليل لهم هو حديث أبي محذورة، وقد صدرنا به أدلتهم.
• حجة من قال: يثني التكبير ويفرد سائرها بما في ذلك قد قامت الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٥٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة،
عن أنس بن مالك ﵁، قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة (٣).
وجه الاستدلال:
الحديث صريح بأن الإقامة وتر، فيشمل ذلك حتى قوله: (قد قامت الصلاة).
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
إذا احتج المالكية على إفراد (قد قامت الصلاة) بظاهر الإطلاق في حديث أنس، فإنه يلزمهم أن يقولوا بظاهره بإفراد التكبير في أول الإقامة وآخرها، لظاهر الإطلاق أيضًا، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك لا أعلم أثرًا صحيحًا من السنة يقول بتثنية التكبير مع إفراد جملة (قد قامت الصلاة) إلا ما احتج به مالك من أنه وجد أهل
стр. 138
المدينة على هذا العمل زمن التابعين، ولذلك قال ابن عبد البر المالكي: ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلا في قوله: (قد قامت الصلاة) فإن مالكًا يقولها مرة، والشافعي يقولها مرتين، وأكثر العلماء على ما قال الشافعي، وبه جاءت الآثار (١).
فهذا ابن عبد البر يشهد بأن الآثار مع قول الشافعي، ومفهومه أن قول مالك ليس له ما يعضده من الآثار، والله أعلم.
الجواب الثاني:
(ح-٥١) أن البخاريَّ ومسلمًا قد روياه من طريق سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس، قال: أُمِرَ بلالٌ أن يُشْفِعَ الأذان، وأن يُوتِرَ الإقامة، إلا الإقامة (٢).
• ورد هذا:
بأن قوله: (إلا الإقامة) مدرجة في الحديث من قول أيوب، وليست من الحديث.
فقد رواه البخاري ومسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد، عن أبي قلابة،
عن أنس بن مالك، قال: أُمِرَ بلالٌ أن يُشْفِعَ الأذان، وأن يُوتِرَ الإقامة. قال إسماعيل: فذكرت لأيوب، فقال: إلا الإقامة (٣).
وقد ادعى ابن منده، وأبو محمد الأصيلي، أن قوله (إلا الإقامة) من قول أيوب غير مسند كما في رواية إسماعيل بن إبراهيم هذه، وأشار إلى أن في رواية سماك
стр. 139
بن عطية هذه إدراجًا (١).
• وأجيب على هذا الرد:
بأن الأصل عدم الإدراج، وأن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل على الإدراج، غايته أن خالدًا الحذاء كان لا يذكر الزيادة، وكان أيوب يذكرها، وكل منهما روى الحديث عن أبي قلابة عن أنس فكان في رواية أيوب زيادةٌ من حافظٍ فتقبل.
ولم ينفرد سماك بن عطية في رفعها عن أيوب، بل تابعه على ذلك معمر.
فقد روى عبد الرزاق في المصنف قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس قال: كان بلال يثني الأذان، ويوتر الإقامة، إلا قوله قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٥٢) ما رواه أبو عوانة في مستخرجه من طريق سعيد بن المغيرة الصياد قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة فرادى.
ورواه البزار والطحاوي والدارقطني بلفظ: والإقامة مرة مرة (٣).
• ويجاب:
بأن الحديث قد اختلف في وقفه ورفعه، كما تبين هذا في تخريج سابق (٤).
وقد اختلف على عيسى بن يونس في لفظه:
فرواه سعيد بن المغيرة، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بذكر الإقامة مرة مرة.
وأخرجه ابن الجارود في المنتقى عن علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى بن
стр. 140
يونس، عن شعبة، عن أبي جعفر، عن أبي المثنى
عن ابن عمر، بلفظ: كان الأذان على عهد النبي ﷺ مثنى مثنى، والإقامة واحدة غير أنه إذا قال: قد قامت الصلاة ثنى بها، فإذا سمعناها توضأنا وخرجنا إلى الصلاة (١).
الدليل الثالث:
(ح-٥٣) ما رواه الدارقطني من طريق الحميدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد بن عائذ القرظ، حدثني عبد الله بن محمد بن عمار، وعمار وعمر ابنا حفص بن عمر بن سعد، عن عمر بن سعد،
عن أبيه سعد القرظ، أنه سمعه يقول: إن هذا الأذان أذان بلال الذي أمره رسول الله ﷺ وإقامته وهو: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر … وذكر الأذان بالترجيع، والإقامة واحدة واحدة ويقول: قد قامت الصلاة مرة واحدة (٢).
стр. 141
• وأجيب:
أولًا: الحديث ضعيف (١).
ثانيًا: قال ابن الجوزي: «لا يختلف في أن بلالًا كان لا يرجِّع، وإنما الحديث الذي ذكره الدارقطني من رواية عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد القرظ، قال يحيى بن معين: ليس بشيء».
ثالثًا: أن قوله: (الإقامة مرة مرة) يقتضي إفراد التكبير في الإقامة، ولا يقول بذلك المالكية.
الدليل الرابع:
(ح-٥٤) روى ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا عبد الرحمن ابن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ ، قال: حدثني أبي، عن أبيه،
عن جده، أن أذان بلال كان مثنى مثنى، وإقامته مفردة (٢).
[ضعيف] (٣).
فقوله: (وإقامته مفردة) ظاهره بما في ذلك قد قامت الصلاة.
• ويجاب:
بأن هذا الحديث على ضعف إسناده لا يقدم على الحديث الصحيح الصريح
стр. 142
بأن بلالًا كان يوتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة، فإطلاق الإفراد باعتبار الأغلب.
الدليل الخامس:
احتج المالكية بأن إفراد قوله: (قد قامت الصلاة) هو عمل أهل المدينة، نقله التابعون عن الصحابة، نقلًا متواترًا يقطع العذر، وهم عدد كثير، لا يجوز على مثلهم التواطؤ، ولا يصح على جميعهم النسيان والسهو عما ذكر بالأمس من الإقامة، ولا يجوز عليهم ترك الإنكار على من أراد التبديل، أو التغيير، ولأن كل مسألة طريقها النقل كالأذان، والإقامة، والصاع، والمد، ونحوها المعول فيه على نقل أهل المدينة؛ لأن ما نقل نقلًا مستفيضًا أو متواترًا أولى مما نقل آحادًا، والله أعلم (١).
هذا هو الدليل الذي يمكن أن يعتمده المالكية حجةً لقولهم، وأما الآثار فلا أعلم حديثًا صحيحًا جمع بين تثنية التكبير في الإقامة وإفراد جملة (قد قامت الصلاة)، والله أعلم.
• ونوقش:
بأن عمل أهل المدينة قد تغير بعد وفاة النبي ﷺ ، بدليل أن مالكًا أدرك أهل المدينة، وهم يؤذنون بالترجيع، وإنما الترجيع لم يعرف إلا في أذان أهل مكة بما علمه النبي لأبي محذورة، وكان بلال يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، ومات النبي ﷺ ، وأذان بلال على هذه الحال، فالذي يظهر أن أهل المدينة قد نقلوا أذان مكة وإقامتها إلى المدينة بعد وفاة النبي ﷺ ، والله أعلم.
• دليل من قال: الإقامة إحدى عشرة جملة:
الدليل الأول:
(ح-٥٥) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:
حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس؛ ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي، وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له
стр. 143
: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر … وذكر الأذان. ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول: إذا أقيمت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فَأَلْقِ عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك.
[حسن إن سلم من تفرد ابن إسحاق، وثبت سماع محمد بن عبد الله بن زيد من أبيه] (١).
الدليل الثاني:
(ح-٥٦) ما رواه أحمد عن محمد بن جعفر وحجاج، كلاهما عن شعبة، سمعت أبا جعفر - يعني المؤذن يحدث عن مسلم أبي المثنى، يحدث
عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين وقال حجاج: يعني مرتين مرتين - والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لا أحفظ غير هذا (٢).
[رواه أبو جعفر عن أبي المثنى مرفوعًا وتابعه ابن أرطاة، وخالفهما إسماعيل ابن أبي خالد فرواه عن أبي المثنى عن ابن عمر موقوفًا، وهو المحفوظ] (٣).
الدليل الثالث:
(ح-٥٧) ما رواه الشيخان، من طريق سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة (٤).
стр. 144
وجه الاستدلال:
فقوله: (يوتر الإقامة) يأتي بها وترًا.
وقوله: (إلا الإقامة) أي قوله: قد قامت الصلاة فإنه يثنيها.
• اُعْتُرِضَ على ذلك بما يلي:
الاعتراض الأول:
أن الحديث نص على إيتار الإقامة، ولم يُسْتَثْنَ من ذلك إلا قولُهُ (قد قامت الصلاة)، والاستثناء معيار العموم -كما يقول أهل الأصول- ومقتضاه: إفراد التكبير في أوله وآخره، وعليه تكون جمل الإقامة تسع جمل.
وأجاب الشافعية:
بأن التكبير وإن كانت صورته في الإقامة مثنى، فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد، فالتكبير أربع في الأذان، وفي الإقامة مرتان، وهذا نوع من الإفراد، والشهادتان والحيعلة مثنى في الأذان يقابلها إفراد في الإقامة، ولا يستثنى من ذلك شيء إلا التكبير في آخره فإنه مثنى في الأذان والإقامة، ولهذا استحب النووي من الشافعية أن يقول المؤذن كل تكبيرتين بِنَفَس واحدٍ، فيقول في أول الأذان الله أكبر الله أكبر بِنَفَسٍ واحد ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بِنَفَسٍ آخر والله أعلم (١).
حتى تكون صورة التكبير في الأذان مثنى، وفي الإقامة إفرادًا.
قال ابن حجر: «وهذا إنما يتأتى في أول الأذان لا في التكبير الذي في آخره، وعلى ما قال النووي ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بِنَفَس» (٢).
الاعتراض الثاني:
حمل بعضهم حديث: (أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة) على أن يؤذن بصوتين، ويقيم بصوت.
• ورد هذا الاعتراض:
بأن هذا ليس بشيء؛ لأن في الخبر إضافة الشفع والإيتار إلى الأذان والإقامة،
стр. 145
والأذان والإقامة هي الكلمات لا الصوت المسموع فيهما، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حديث عبد الله بن زيد جاء مفصلًا، وفيه: وتقول: (إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله) (١).
الاعتراض الثالث:
أن قوله: (أمر بلال) يحتمل أن الآمر رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يكون غيره حتى ظن بعض الناس أن الآمر بعض أمراء بني أمية؛ لأنهم هم الذين غيروا الإقامة ونقصوا منها.
• وأجيب من وجوه:
الوجه الأول:
أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الصحابي إذا قال: أُمِرْنا بكذا، أو نُهِينَا عن كذا، فإنه يعني إضافة ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فإنه صاحب الأمر والنهي الشرعي، كما أنه لو قال: رُخِّصَ لنا في كذا، ونُسَخَ عنا كذا، كان بمنزلة قوله: رَخَّصَ لنا رسول الله ﷺ ، ونَسَخَ عنا رسول الله ﷺ ، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩].
ولأن العادة أن من له رئيس معظم، فإذا قال: أُمِرْنا بكذا، إنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله ﷺ هو عظيم الصحابة وهو الذي يرجعون إليه في أمورهم.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث يتضمن شرح ابتداء الأذان والإقامة، لأنه قال: ذكروا أن يوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فَأُمِر بلالٌ، والأمر في الابتداء لا يكون إلا من الرسول ﷺ .
الوجه الثالث:
أن بلالًا لم يؤذن بعد وفاة رسول الله ﷺ لأحد، إنما أذن بعد وفاته قبل أن يُقْبَر، فانتحب الناس وبكوا عند قوله: أشهد أن محمَّدًا رسول الله، فلما دفن رسول الله ﷺ