← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

• وأجيب: أولًا: الحديث ضعيف (١). ثانيًا: قال ابن الجوزي: «لا يختلف في أن بلالًا كان لا يرجِّع، وإنما الحديث الذي ذكره الدارقطني من رواية عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد القرظ، قال يحيى بن معين: ليس بشيء». ثالثًا: أن قوله: (الإقامة مرة مرة) يقتضي إفراد التكبير في الإقامة، ولا يقول بذلك المالكية. الدليل الرابع: (ح-٥٤) روى ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا عبد الرحمن ابن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ ، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، أن أذان بلال كان مثنى مثنى، وإقامته مفردة (٢). [ضعيف] (٣). فقوله: (وإقامته مفردة) ظاهره بما في ذلك قد قامت الصلاة. • ويجاب: بأن هذا الحديث على ضعف إسناده لا يقدم على الحديث الصحيح الصريح

стр. 142

بأن بلالًا كان يوتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة، فإطلاق الإفراد باعتبار الأغلب. الدليل الخامس: احتج المالكية بأن إفراد قوله: (قد قامت الصلاة) هو عمل أهل المدينة، نقله التابعون عن الصحابة، نقلًا متواترًا يقطع العذر، وهم عدد كثير، لا يجوز على مثلهم التواطؤ، ولا يصح على جميعهم النسيان والسهو عما ذكر بالأمس من الإقامة، ولا يجوز عليهم ترك الإنكار على من أراد التبديل، أو التغيير، ولأن كل مسألة طريقها النقل كالأذان، والإقامة، والصاع، والمد، ونحوها المعول فيه على نقل أهل المدينة؛ لأن ما نقل نقلًا مستفيضًا أو متواترًا أولى مما نقل آحادًا، والله أعلم (١). هذا هو الدليل الذي يمكن أن يعتمده المالكية حجةً لقولهم، وأما الآثار فلا أعلم حديثًا صحيحًا جمع بين تثنية التكبير في الإقامة وإفراد جملة (قد قامت الصلاة)، والله أعلم. • ونوقش: بأن عمل أهل المدينة قد تغير بعد وفاة النبي ﷺ ، بدليل أن مالكًا أدرك أهل المدينة، وهم يؤذنون بالترجيع، وإنما الترجيع لم يعرف إلا في أذان أهل مكة بما علمه النبي لأبي محذورة، وكان بلال يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، ومات النبي ﷺ ، وأذان بلال على هذه الحال، فالذي يظهر أن أهل المدينة قد نقلوا أذان مكة وإقامتها إلى المدينة بعد وفاة النبي ﷺ ، والله أعلم. • دليل من قال: الإقامة إحدى عشرة جملة: الدليل الأول: (ح-٥٥) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس؛ ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي، وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له

стр. 143

: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر … وذكر الأذان. ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول: إذا أقيمت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فَأَلْقِ عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك. [حسن إن سلم من تفرد ابن إسحاق، وثبت سماع محمد بن عبد الله بن زيد من أبيه] (١). الدليل الثاني: (ح-٥٦) ما رواه أحمد عن محمد بن جعفر وحجاج، كلاهما عن شعبة، سمعت أبا جعفر - يعني المؤذن يحدث عن مسلم أبي المثنى، يحدث عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين وقال حجاج: يعني مرتين مرتين - والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لا أحفظ غير هذا (٢). [رواه أبو جعفر عن أبي المثنى مرفوعًا وتابعه ابن أرطاة، وخالفهما إسماعيل ابن أبي خالد فرواه عن أبي المثنى عن ابن عمر موقوفًا، وهو المحفوظ] (٣). الدليل الثالث: (ح-٥٧) ما رواه الشيخان، من طريق سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة (٤).

стр. 144

وجه الاستدلال: فقوله: (يوتر الإقامة) يأتي بها وترًا. وقوله: (إلا الإقامة) أي قوله: قد قامت الصلاة فإنه يثنيها. • اُعْتُرِضَ على ذلك بما يلي: الاعتراض الأول: أن الحديث نص على إيتار الإقامة، ولم يُسْتَثْنَ من ذلك إلا قولُهُ (قد قامت الصلاة)، والاستثناء معيار العموم -كما يقول أهل الأصول- ومقتضاه: إفراد التكبير في أوله وآخره، وعليه تكون جمل الإقامة تسع جمل. وأجاب الشافعية: بأن التكبير وإن كانت صورته في الإقامة مثنى، فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد، فالتكبير أربع في الأذان، وفي الإقامة مرتان، وهذا نوع من الإفراد، والشهادتان والحيعلة مثنى في الأذان يقابلها إفراد في الإقامة، ولا يستثنى من ذلك شيء إلا التكبير في آخره فإنه مثنى في الأذان والإقامة، ولهذا استحب النووي من الشافعية أن يقول المؤذن كل تكبيرتين بِنَفَس واحدٍ، فيقول في أول الأذان الله أكبر الله أكبر بِنَفَسٍ واحد ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بِنَفَسٍ آخر والله أعلم (١). حتى تكون صورة التكبير في الأذان مثنى، وفي الإقامة إفرادًا. قال ابن حجر: «وهذا إنما يتأتى في أول الأذان لا في التكبير الذي في آخره، وعلى ما قال النووي ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بِنَفَس» (٢). الاعتراض الثاني: حمل بعضهم حديث: (أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة) على أن يؤذن بصوتين، ويقيم بصوت. • ورد هذا الاعتراض: بأن هذا ليس بشيء؛ لأن في الخبر إضافة الشفع والإيتار إلى الأذان والإقامة،

стр. 145

والأذان والإقامة هي الكلمات لا الصوت المسموع فيهما، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حديث عبد الله بن زيد جاء مفصلًا، وفيه: وتقول: (إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله) (١). الاعتراض الثالث: أن قوله: (أمر بلال) يحتمل أن الآمر رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يكون غيره حتى ظن بعض الناس أن الآمر بعض أمراء بني أمية؛ لأنهم هم الذين غيروا الإقامة ونقصوا منها. • وأجيب من وجوه: الوجه الأول: أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الصحابي إذا قال: أُمِرْنا بكذا، أو نُهِينَا عن كذا، فإنه يعني إضافة ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فإنه صاحب الأمر والنهي الشرعي، كما أنه لو قال: رُخِّصَ لنا في كذا، ونُسَخَ عنا كذا، كان بمنزلة قوله: رَخَّصَ لنا رسول الله ﷺ ، ونَسَخَ عنا رسول الله ﷺ ، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]. ولأن العادة أن من له رئيس معظم، فإذا قال: أُمِرْنا بكذا، إنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله ﷺ هو عظيم الصحابة وهو الذي يرجعون إليه في أمورهم. الوجه الثاني: أن هذا الحديث يتضمن شرح ابتداء الأذان والإقامة، لأنه قال: ذكروا أن يوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فَأُمِر بلالٌ، والأمر في الابتداء لا يكون إلا من الرسول ﷺ . الوجه الثالث: أن بلالًا لم يؤذن بعد وفاة رسول الله ﷺ لأحد، إنما أذن بعد وفاته قبل أن يُقْبَر، فانتحب الناس وبكوا عند قوله: أشهد أن محمَّدًا رسول الله، فلما دفن رسول الله ﷺ

стр. 146

قال له أبو بكر: أَذِّنْ، فقال: إن كنت أعتقتني لأكون معك فسبيل ذلك، وإن كنت أعتقتني لله فخلني ومن أعتقتني له، فقال: ما أعتقتك إلا لله، قال: فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ قال: فذاك إليك، فأقام بلال حتى خرجت بعوث الشام، فسار معهم حتى انتهى إليها، وتوفي بدمشق (١). الوجه الرابع: لو قدرنا أن بلالًا أمر بذلك، فكيف يظن به أن يترك ما يعلمه من سنة رسول الله ﷺ لقول أحد من الناس (٢). الوجه الخامس: أن أنسًا ﵁ لم يكن حاضرًا عند أمر النبي ﷺ بلالًا ﵁، وإنما رآه فيما بعد يشفع ويوتر، فحمل على أنه لا يمكن إلا أن يكون فيه عنده أمر من جهة النبي ﷺ (٣). الدليل الرابع: الاحتجاج بعمل أهل مكة، فإن إقامتهم كانت إحدى عشرة جملة، وهي وإن كانت غير مسندة، إلا أنها من العمل الموروث، الذي أخذه أحفاد أبي محذورة، عن آبائهم، وأخذه آباؤهم عن جدهم أبي محذورة، ومثل هذا يستغنى به عن الإسناد. (ح-٥٨) قال الشافعي: أدركت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يؤذن كما حكى ابن محيريز وسمعته يحدث عن أبيه، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة عن النبي ﷺ معنى ما حكى ابن جريج. قال الشافعي ﵀: سمعته يقيم يقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. قال الشافعي وسمعته يحكي الإقامة خبرًا كما يحكي الأذان (٤). (ث-١٢) وروى الحميدي كما في سنن الدارقطني، والبيهقي في المعرفة،

стр. 147

أخبرنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: أدركت جدي وأبي وأهلي يقيمون، فيقولون: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله (١). فإبراهيم أدرك جده عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد الملك بن أبي محذورة أحد أبناء أبي محذورة، وقد علم النبي ﷺ أبا محذورة الأذان، وأذن له بمكة، ثم انتقل إلى ولده من بعده، ولا يتصور أن عبد الملك بن أبي محذورة وابنه عبد العزيز يُحْدِثَان إقامةً تخالف الإقامة التي كان يقيم بها أبو محذورة للمسلمين، ولو غيرا مثل هذا لَنُقِل الإنكار عليهما من عامة المسلمين، ولا يحسن رد مثل هذا بضعف إبراهيم بن عبد العزيز وأبيه، وجده؛ لأن نقلًا مثل هذا يبعد دخول الوهم فيه، والله أعلم. يقول الشافعي: «فإن جاز أن يكون هذا غلطًا من جماعتهم، والناس بحضرتهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا ذلك، جاز أن يسألنا عن عرفة ومنى، ثم يخالفنا في المواقيت، ولو خالفنا في المواقيت لكان أجوز له من مخالفتنا في هذا الأمر الظاهر المعمول به» (٢). وفي مختصر الخلافيات للبيهقي: «مما يدل على ذلك هذه الروايات الصحيحة المأثورة في تعليم رسول الله ﷺ أبا محذورة الإقامة فرادى، ثم اجتماع ولد أبي محذورة على الإفراد من أذان رسول الله ﷺ وإلى عصرنا، فإني حججت سنة إحدى وأربعين وسمعت إقامة الشيوخ من ولد ولد أبي محذورة فرادى، ثم حججت سنة خمس وأربعين، فسمعت إقامتهم بالحرمين فرادى، ثم حججت سنة سبع وستين وقد غيروا الإقامة: فسألت أبا علي الشيبي، وكان أكبر ولد بني شيبة سنًّا، فذكر أنهم أُكْرِهوا على ذلك، وفسر لي ما جرى عليهم فيه، وأن أكثر المؤذنين

стр. 148

قد فارق الحرم، وانصرف إلى الطائف، وقال: لا أغير إقامة علمها رسول الله ﷺ جدنا أبا محذورة» (١). ويقول البيهقي: «وفي دوام أبي محذورة وأولاده على ترجيع الأذان وإفراد الإقامة ما يوجب ضعف رواية من روى تثنيتهما، أو يقتضي أن الأمر صار إلى ما بقي عليه هو وأولاده، وسعد القرظ وأولاده في حرم الله تعالى، وحرم رسول الله ﷺ إلى أن وقع التغير في أيام المصريين والله أعلم» (٢). ويقصد بالمصريين تسلط الرافضة العبيديين على حكم المسلمين في مصر. • دليل من قال: الإقامة تسع جمل. (ح-٥٩) ما رواه الشيخان، من طريق سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة (٣). وجه الاستدلال: فقوله: (يوتر الإقامة) يأتي بها وترًا. وقوله: (إلا الإقامة) أي قوله: قد قامت الصلاة فإنه يثنيها، فالحديث نص على إيتار الإقامة، ولم يُسْتَثْنَ من ذلك إلا قولُهُ (قد قامت الصلاة)، والاستثناء معيار العموم -كما يقول أهل الأصول- ومقتضاه: إفراد التكبير في أوله وآخره، وعليه تكون جمل الإقامة تسع جمل. • دليل من قال: إن رجع في الأذان ثنى الإقامة، وإلا أفردها: أن المؤذن إن أخذ بأذان بلال أخذ بإقامة بلال، وإن أخذ بأذان أبي محذورة أقام بإقامة أبي محذورة، وقد علمنا أن بلالًا قد أمر أن يشفع الأذان بلا ترجيع، وأن يوتر الإقامة، فالأمر بهما جميعًا يعني ألا يفرق بينهما، وقد أمر النبي ﷺ أبا محذورة أن يرجع في الأذان، وأن يثني الإقامة، فالأمر بهما يعني ارتباط صفة الإقامة بصفة الأذان، فصار كل أذان له إقامته الخاصة، وهذا معنى قولنا: إن رجع في الأذان: أي

стр. 149

أذن بأذان أبي محذورة، ثنى الإقامة: أي أقام إقامة أبي محذورة، وإلا أفردها تبعًا لأذان بلال، أما التلفيق بين أذان بلال وإقامة أبي محذورة، أو العكس فهذا مخالف للأمر الشرعي، والله أعلم. • ويناقش: بأن الأمر إن كان من قبيل الاستحسان فهذا له وجه، وإن كان على سبيل الوجوب، أو شرط الإجزاء فلا دليل عليه؛ لأن الإقامة عبادة مستقلة عن الأذان، وإذا كانت مستقلة لم تربط إحداهما بالأخرى. • دليل من قال: جمل الأذان ثمان كلمات: (ح-٦٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁، قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة (١). • وأجيب: بأن أيوب رواه عن أبي قلابة به، وزاد: إلا الإقامة، وهي زيادة محفوظة، وهي في الصحيحين، وسبق تخريجها أثناء ذكر أدلة هذه المسألة، والحمد لله. • دليل من قال: يسن إفرادها وتثنيتها: ثبت عن الرسول ﷺ الأمر بإفراد الإقامة كما ثبت عنه الأمر بتثنيتها، وهذا الاختلاف من اختلاف التنوع، وليس من اختلاف التضاد، كتنوع صفة الأذان، والاستفتاح، والقراءات، والتشهدات، وهذا يعني جواز كل ما ثبت بالسنة، كما أن المتوضئ بالخيار، إن شاء توضأ مرة مرة، وإن شاء مرتين مرتين، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله ﷺ لأمته، ولأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعةً، والمستحبَّ واجبًا، ويفضي إلى التفرق والاختلاف، فمن تمام السنة أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة. ولأنه لا يمكن الذهاب إلى القول بالنسخ لسببين: أحدهما: أن من ادعى نسخ أذان بلال وإقامته بأذان أبي محذورة وإقامته بحجة

стр. 150

أنه المتأخر، فإنه يمكن أن يعارض فيقال: بل أذان بلال هو المتأخر؛ لأن النبي ﷺ أقره عليه بعد رجوعه من فتح مكة. السبب الثاني: أن عمل الأئمة يدل على عدم النسخ، فالشافعي أخذ بأذان أبي محذورة وإقامة بلال، وأبو حنيفة أخذ بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، ومالك يأخذ بأذان أبي محذورة بالترجيع، ويوتر الإقامة، وهذه ليست صفة إقامة أبي محذورة، فالذي أخذ بأذان بلال وإقامته هم الحنابلة فقط، وهم لا يدَّعون نسخ أذان أبي محذورة، وإنما يرون أن المختار أذان بلال وإقامته، ولو أُذِّن بالترجيع أو بتثنية الإقامة فلا بأس، لذلك كان القول بجواز كل ذلك هو القول الراجح، والله أعلم.

стр. 151

الفصل الرابع التثويب في الأذان المبحث الأول في مشروعية التثويب مدخل إلى المسألة: • كل ذكر مقيد لا يشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي ﷺ للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي ﷺ : قل: وبنبيك الذي أرسلت. • كل عبادة قيدت بوقت، أو في محل مخصوص فإنها لا تشرع في غير ما قيدت به. • الأذان من الأذكار المقيدة بوقت وعبادة خاصة، فلا يزاد فيه، ولا ينقص منه إلا بدليل. • لا تثويب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الصبح خاصة. • كل تثويب خارج الأذان، أو فيه، ولكن في غير أذان الصبح، فإنه محدث. [م-١١] اختلف العلماء في محل التثويب ووقته على أقوال: فقيل: التثويب بعد الفراغ من الأذان لصلاة الصبح، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وصححه قاضي خان (١).

стр. 152

وقيل: يسن التثويب في أذان الصبح ومحله بعد قوله: حي على الفلاح بأن يقول: الصلاة خير من النوم مرتين، وهو قول أهل الكوفة من الحنفية، ومذهب المالكية والحنابلة، والقول القديم للشافعي، وهو المذهب عندهم (١). قال إمام الحرمين نقلًا عن أئمة الشافعية: «كل قولين أحدهما جديد، فهو أصح من القديم، إلا في ثلاث مسائل، منها مسألة: التثويب» (٢). وقيل: يكره التثويب، وهو القول الجديد من قولي الشافعي (٣). وقيل: التثويب خاص لمن يؤذن لجماعة، وأما المنفرد الذي لا يرجو جماعة، فلا يثوب، وهو قول مرجوح لبعض المالكية (٤). وقيل: يسن التثويب لصلاة العشاء قياسًا على التثويب لصلاة الصبح، وهو قول اختاره بعض الحنفية، وأحد قولي إبراهيم النخعي، وذكره صاحب بدائع الصنائع قولًا للشافعي في القديم، ولم أقف عليه عند الشافعية (٥). • وجه كون التثويب بعد الفراغ من الأذان: (ح-٦١) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وذكر

стр. 153

محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: لما أجمع رسول الله ﷺ أن يضرب بالناقوس يجمع للصلاة الناس، وهو له كاره لموافقته النصارى، طاف بي من الليل طائف، وأنا نائم، رجل عليه ثوبان أخضران، وفي يده ناقوس يحمله، قال: فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: فقلت: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر … وذكر الأذان، والإقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما رأيت قال: فقال رسول الله ﷺ : إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله، ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، قال: فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر (١). [ضعيف، وقد رواه أصحاب الزهري عن سعيد مرسلًا] (٢). وجه الاستدلال: أن بلالًا ﵁ قال ذلك خارج الأذان، وإدخالها في التأذين يعني إلحاقها به، وليس في أثنائه، والله أعلم. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: الحديث ضعيف؛ لأنه مرسل. الوجه الثاني: إذا اعترض بأن الحنفية يحتجون بالحديث المرسل فلا حجة فيه أيضًا من حيث الدلالة؛ لأن هذه الرواية مجملة، وهناك أحاديث كثيرة مفصلة تبين أن محل

стр. 154

التثويب بعد الحيعلتين، وقبل التكبير، فيحمل المجمل على المفصل. • دليل من قال: يسن التثويب في صلاة الصبح بعد الحيعلتين: الدليل الأول: (ث-١٣) ما رواه الطحاوي من طريقين عن هشيم، عن ابن عون، عن محمد ابن سيرين، عن أنس، ﵁ قال: كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال: المؤذن حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم مرتين (١). [صحيح، لكنه موقوف، ورواه بعضهم بقوله: من السنة، وبعضهم على عهد رسول الله ﷺ ، وليس ذلك بمحفوظ] (٢).

стр. 155

الدليل الثاني: (ث-١٤) ما رواه أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، ﵄ قال: كان في الأذان الأول بعد الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم (١). [في إسناده ابن عجلان وإن كان صدوقًا فهو مضطرب في نافع، واختلف في إسناده ولفظه، والراجح وقفه على ابن عمر] (٢).

стр. 156

وعلى ترجيح كونه موقوفًا فإنه لم يخرج عن صلاحيته للاحتجاج باعتباره قولًا من صحابي ﵁، والصحابة لم يتهموا ببدعة، وهم خير القرون، وقد تلقوا العلم على خير البشر، خاصة أن ابن عمر من فقهاء الصحابة ﵃، وكان حريصًا على اتباع الأثر، كيف وقد اعتضد هذا بما صح عن أنس ﵁ موقوفًا عليه.

стр. 157

الدليل الثالث: (ح -٦٢) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وذكر محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: لما أجمع رسول الله ﷺ أن يضرب بالناقوس يجمع للصلاة الناس، وهو له كاره لموافقته النصارى، طاف بي من الليل طائف، وأنا نائم، رجل عليه ثوبان أخضران، وفي يده ناقوس يحمله، قال: فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: فقلت: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر … وذكر الأذان، والإقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما رأيت قال: فقال رسول الله ﷺ : إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله، ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، قال: فجاءه، فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر (١). [المحفوظ في الحديث عن سعيد مرسلًا، والمحفوظ أيضًا ليس فيه ذكر التثويب] (٢).

стр. 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 159

الدليل الرابع: (ح-٦٣) ما رواه ابن ماجه، حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، قال: حدثنا أبي، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ استشار الناس لما يهمهم إلى الصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى، فَأُرِي النداء تلك الليلةَ رجلٌ من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، فطرق الأنصاري رسول الله ﷺ ليلًا، فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فأذن، قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم، فأقرها رسول الله ﷺ ، قال عمر: يا رسول الله، قد رأيت مثل الذي رأى، ولكنه سبقني (١). [منكر، وحديث ابن عمر في الصحيحين ليس فيه ذكر للتثويب] (٢).

стр. 160

الدليل الخامس: (ح-٦٤) ما رواه أحمد حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا الحارث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، علمني سنة الأذان، فمسح بمقدم رأسي، وقال: قل: الله أكبر، الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح مرتين، فإن كان صلاة الصبح قلت:

стр. 161

الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم مرتين، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. [ضعيف] (١).

стр. 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 163

الدليل السادس: (ح-٦٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني ابن جريج، حدثني عثمان بن السائب، مولاهم عن أبيه السائب، مولى أبي محذورة، وعن أم عبد الملك ابن أبي محذورة، أنهما سمعاه من أبي محذورة، قال أبو محذورة: خرجت في عشرة فتيان مع النبي ﷺ ، وهو أبغض الناس إلينا، فأذنوا فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال النبي ﷺ : ائتوني بهؤلاء الفتيان، فقال: أذنوا فأذنوا فكنت أحدهم، فقال النبي ﷺ : نعم، هذا الذي سمعت صوته، اذهب فأذن لأهل مكة، فمسح على ناصيته، وقال: قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر … فذكر الأذان بالترجيع، وفيه: وإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، وإذا أقمت فقلها مرتين، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، أسمعت؟ قال: وكان أبو محذورة لا يجز ناصيته، ولا يفرقها، لأن رسول الله ﷺ مسح عليها (١). [ضعيف] (٢).

стр. 164

الدليل السابع: (ح-٦٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي جعفر- قال عبد الرحمن: ليس هو الفرَّاء - عن أبي سلمان، عن أبي محذورة، قال: كنت أؤذن في زمن النبي ﷺ في صلاة الصبح، فإذا قلت: حي على الفلاح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم الأذان الأول (١). [ضعيف، واختلف في إسناده على أبي جعفر، والمعروف أنه ليس فيه ذكر للتثويب] (٢).

стр. 165

الدليل الثامن: (ح-٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن بن الربيع، وأبو أحمد، قالا: حدثنا أبو إسرائيل، قال: أبو أحمد في حديثه: حدثنا الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن لا أثوب في شيء من الصلاة إلا

стр. 166

في صلاة الفجر، وقال أبو أحمد في حديثه: قال لي رسول الله ﷺ : إذا أذنت فلا تثوب … (١). [ضعيف، وابن أبي ليلى لم يلق بلالًا، والمعروف فيه عن ابن أبي ليلى مرسلًا] (٢).

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 168

الدليل التاسع: (ح-٦٨) ما رواه الطبراني من طريق مروان بن ثوبان، قاضي حمص قال: أخبرنا النعمان بن المنذر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن بلالًا، أتى النبي ﷺ عند الأذان في الصبح فوجده نائمًا، فناداه: الصلاة خير من النوم، فلم ينكره رسول الله ﷺ وأدخله، في الأذان فلا يؤذن لصلاة قبل وقتها غير صلاة الفجر. قال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن الزهري إلا النعمان، تفرد به مروان (١). [ضعيف] (٢). الدليل العاشر: (ح-٦٩) ما رواه أبو داود في المراسيل، قال: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، ح. وحدثنا مخلد بن خالد، حدثنا عثمان بن عمر، عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرني حفص بن عمر بن سعد المؤذن، أن بلالًا، أتى النبي ﷺ في صلاة الصبح، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، فقال بلال الصلاة -قال مخلد في حديثه بأعلى صوته- الصلاة خير من النوم، فأقرت في أذان صلاة الفجر. وقال: عن حفص بن عمر بن سعد حدثني أهلي أن بلالًا (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 169

• دليل من قال: يكره التثويب: قال النووي: «وإنما كره ذلك في الجديد؛ لأن أبا محذورة لم يحكه». • ويناقش: كون التثويب ليس محفوظًا من حديث أبي محذورة إلا من طرق ضعيفة، لا يعني عدم ثبوت ذلك من أحاديث أخرى، وقد ترك الشافعية إقامة أبي محذورة، وأخذوا بإقامة بلال، وفي هذا دليل على أن حديث أبي محذورة صفة في الأذان، وليس الأذان مقصورًا عليه، والله أعلم. • حجة من قال: التثويب خاص لمن يؤذن للجماعة: أن المنفرد الذي لا يرجو جماعة لا يشرع له التثويب؛ لعدم إمكان من يسمعها من مضطجع لينشط للصلاة، كما هو أصل وضعها، وهذا قول مرجوح لبعض المالكية (١). • وأجيب: بأن السنة في الأذان هو الاتباع، ألا تراه يقول: حي على الصلاة، وإن كان المؤذن منفردًا لا يرجو جماعة. • حجة من استحب التثويب لصلاة العشاء: القياس على التثويب لصلاة الفجر، بجامع أن كلًّا منهما وقت غفلة ونوم. • ويناقش: لا نسلم أن هذا المعنى الذي في الفجر موجود في العشاء؛ لأن الناس لا ينامون قبل أذان العشاء في الغالب، وإنما ينامون بعده بخلاف الفجر، فإن النوم فيها قبل الأذان؛ ولأن النوم قبل العشاء مكروه بخلاف الفجر. وعلى فرض التسليم بأن هذا المعنى موجود في العشاء فقد كان موجودًا وقت

стр. 170

التشريع، ولم يستدع ذلك استحباب التثويب فيها، فالسنة التَّرْكِيَّة كالسنة الفعلية، والقاعدة الشرعية: أن كل عبادة وجد سببها زمن التشريع، فلم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع، فالسنة تركها. • الراجح: واضح أن التثويب لم يكن في رؤيا عبد الله بن زيد، وإنما زيدت بعد ذلك في أذان الصبح، والطرق الصحيحة في حديث أبي محذورة ليس فيها ذكر للتثويب، وإنما جاء من طرق ضعيفة، وهذا الذي جعل الشافعي في الجديد يكره التثويب، لأنه ليس في حديث أبي محذورة، وأصح ما ورد في الباب ما رواه أنس، وابن عمر، وقد قدمت ذكرهما على غيرهما، والأصح فيهما أنهما موقوفان عليهما، ويكون الأخذ بالتثويب في حكم المرفوع، خاصة إذا أضيف إلى ذلك ما جاء من طرق مرسلة مجموعها يسند الموقوف، وما يفعله الصحابة رضوان الله عليهم لا يمكن أن يوصف بالبدعة، فإن فعلهم هو سبيل المؤمنين المأمورين باتباعه، خاصة إذا كان هذا الفعل مما يذاع وينتشر، ولا ينكر، والله أعلم.

стр. 171

المبحث الثاني في محل التثويب مدخل إلى المسألة • التثويب زيادة في الأذان نقل فعله عن الصحابة في أذان الصبح، ولم يختلفوا فيه، فكان مشروعًا في الصبح خاصة. • كل تثويب خارج الأذان، أو فيه، ولكن في غير أذان الصبح فهو محدث. [م-١٢] عرفنا في المسألة السابقة أن التثويب خاص بأذان الفجر، وأن مكانه من جمل الأذان بعد الحيعلتين، والسؤال: في أي الأذان يشرع التثويب، أيشرع في الأذان الأول، والذي يؤذن به قبل طلوع الصبح، أم في الأذان الثاني والذي يكون بعد طلوع الصبح؟ أما الحنفية الذين يقولون: لا يؤذن للفجر إلا بعد طلوع الفجر، فنصوصهم في أن التثويب في أذان الفجر محمولة على الأذان بعد طلوع الصبح؛ لأنهم لا يرون الأذان قبل طلوع الصبح. جاء في نص الهداية شرح البداية: «ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين» (١). وهذا النص بلفظه يتكرر في كتب فقه الحنفية (٢). وسوف يأتي إن شاء الله تعالى ذكر أدلة الحنفية على أنه لا يصح الأذان قبل طلوع الفجر في مسألة مستقلة. وأما الجمهور فقد نصوا على أن التثويب في الأذان لصلاة الصبح. جاء في المدونة: «وإن كان الأذان في صلاة الصبح في سفر أو حضر، قال:

стр. 172

الصلاة خير من النوم» (١). وفي جامع الأمهات: «ويثني الصلاة خير من النوم في الصبح على المشهور» (٢). وقال الماوردي في الحاوي: «ذهب الشافعي في القديم إلى أن التثويب سنة في صلاة الصبح» (٣). وقال الشيرازي: «فإن كان في أذان الصبح زاد فيه التثويب، وهو أن يقول بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم مرتين» (٤). وقال في الإنصاف: «ويقول في أذان الصبح الصلاة خير من النوم» (٥). وظاهر الإضافة لصلاة الصبح أنه يقال في الأذان الثاني؛ لأن الأذان الأول لا يضاف إلى الفجر، بل يضاف إلى الليل، كما قال ﷺ : إن بلالًا يؤذن بليل … وهذا صحيح في الجملة؛ إلا أن الجمهور يرون صحة الأذان للفجر قبل طلوع الفجر، والاكتفاء به عن أذان الصبح، كما سيأتي بيانه عند الكلام على الأذان للفجر قبل الوقت. ولهذا قال النووي في المجموع: «ظاهر إطلاق الأصحاب أنه يشرع في كل أذان للصبح، سواء ما قبل الفجر وبعده، وقال صاحب التهذيب: إن ثَوَّب في الأذان الأول لم يُثَوِّب في الثاني في أصح الوجهين» (٦). وفي شرح منتهى الإرادات: «ويسن قول مؤذن الصلاة خير من النوم مرتين بعد حيعلة أذان الفجر، وظاهره: ولو قبل طلوعه» (٧). وقال شيخنا ابن عثيمين: «أما كلام فقهائنا فظاهره أن التثويب يكون في أذان

стр. 173

صلاة الفجر، سواء أكان قبل الوقت أم بعده» (١). ومن مجموع هذه النصوص المتقدمة، يتضح أن الفقهاء خصوا التثويب في أذان الصبح، فإن أذن للصبح قبل وقتها، وأراد الاكتفاء بهذا الأذان عن الأذان للصبح فظاهر كلامهم أنه يثوب لها. وسيأتينا إن شاء الله تعالى بيان أنه لا يكفي الأذان قبل الوقت عن الأذان عند طلوع الصبح خلافًا لقول الجمهور. أما إذا كان يريد أن يؤذن أذانين، أحدهما قبل الوقت، والآخر بعد طلوع الصبح، فهذه المسألة ممكن أن يجري فيها الخلاف، هل التثويب في الأذان الأول، أو في أذان الصبح؟ وقد اختلف في المسألة على أقوال: فقيل: التثويب خاص بالأذان الأول من أذاني الفجر، وذهب إلى هذا الصنعاني وابن رسلان (٢). وقيل: في الأذان الثاني، وهو ظاهر مذهب المالكية، ومذهب الحنابلة، ورجحه شيخنا ابن عثيمين، وشيخه ابن باز عليهما رحمة الله (٣). جاء في المعونة: «فأما الصلاة خير من النوم فمن سنة أذان الصبح» (٤). قال أبو داود في مسائله لأحمد: «وكان يؤذن في مسجد أحمد كأذان أهل العراق، ويقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين» (٥).

стр. 174

وقال الخرقي: «ويقول في أذان الصبح الصلاة خير من النوم مرتين» (١). وقيل: التثويب مشروع في كل أذان للصبح، فيشمل الأول والثاني وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعية، ورأي لبعض متأخري الحنابلة (٢). وقال صاحب التهذيب من الشافعية: إذا ثَوَّب للأول لم يثوب للثاني في أصح الوجهين (٣). وقال الحسن بن صالح: يثوب في أذان العشاء (٤). وحكي عن النخعي أنه يثوب في أذان جميع الصلوات (٥). • حجة من قال: التثويب خاص بالأذان الأول: الدليل الأول: (ث-١٥) ما رواه أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان، عن محمد ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، ﵄ قال: كان في الأذان الأول بعد الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم (٦). [في إسناده ابن عجلان، وإن كان صدوقًا فهو مضطرب في نافع، والمحفوظ أنه عن ابن عمر موقوفًا عليه، وليس فيه وصف أذان الصبح بالأول].

стр. 175

وإذا كان هذا هو المحفوظ فإن مقابله اصطلاحًا هو الشاذ، والشاذ لا يمكن أن يعتبر به، لأنه من قبيل الخطأ، وقد سبق بحث حديث ابن عمر، وخرجت منه بالآتي: الأول: أنه قد اختلف فيه على الثوري. فرواه أبو نعيم الفضل بن دكين عن الثوري، عن ابن عجلان، بلفظ: (كان في الأذان الأول بعد الفلاح الصلاة خير من النوم). ورواه عبد الله بن المبارك كما في الأوسط لابن المنذر، عن الثوري به، وجعله موقوفًا على ابن عمر، ولفظه: أنه كان يقول: (حي على الفلاح، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، في الأذان الأول مرتين، يعني في الصبح) (١). ورواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم (٢). وهذا من فعل ابن عمر، وليس فيه ذكر الأذان الأول، وهذا فيما أعتقد هو المحفوظ عن ابن عمر. فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق عبدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول في أذانه: الصلاة خير من النوم (٣). وليس فيه ذكر الأذان الأول. وعبيد الله عن نافع، لا يقارن بابن عجلان عن نافع، خاصة أن العلماء قد تكلموا في رواية ابن عجلان عن نافع، وأن فيها اضطرابًا كثيرًا، وروايته لهذا الأثر أكبر شاهد على ذلك، فهو قد خلط فيه، وجاء عنه من وجوه كثيرة، مرة موقوفًا، ومرة مرفوعًا، ومرة عن ابن عمر، ومرة عن ابن عمر، عن عمر، ومرة يزيد فيه حي على خير العمل، وقد خرجت كل ذلك فيما سبق، ولا داعي لإعادته، فعلى هذا يكون المحفوظ من الحديث وقفه على ابن عمر، وليس فيه وصف الأذان بالأول.

стр. 176

الدليل الثاني: (ح-٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني ابن جريج، حدثني عثمان بن السائب، مولاهم عن أبيه السائب، مولى أبي محذورة، وعن أم عبد الملك ابن أبي محذورة، أنهما سمعاه من أبي محذورة، قال أبو محذورة: خرجت في عشرة فتيان مع النبي ﷺ ، وهو أبغض الناس إلينا، فأذنوا فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال النبي ﷺ : ائتوني بهؤلاء الفتيان، فقال: أذنوا فأذنوا فكنت أحدهم، فقال النبي ﷺ : نعم، هذا الذي سمعت صوته، اذهب فأذن لأهل مكة، فمسح على ناصيته، وقال: قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر … فذكر الأذان بالترجيع، وفيه: وإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، وإذا أقمت فقلها مرتين، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، أسمعت؟ قال: وكان أبو محذورة لا يجز ناصيته، ولا يفرقها؛ لأن رسول الله ﷺ مسح عليها (١). [ضعيف، والمعروف من رواية ابن جريج أنه يرويه عن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، وليس فيه ذكر التثويب] (٢).

стр. 177

وإذا كنا لا نعتبر بالشاذ، فمن باب أولى لا نعتبر بالمنكر، فلا يأت أحد ويجمع الطريق الشاذ مع الطريق المنكر، ثم يعتبر بهما، ويقول: هذا حديث حسن لغيره، فإن هذا إلى التخليط أقرب منه إلى التحقيق. الدليل الثالث: (ح-٧١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي جعفر- قال عبد الرحمن: ليس هو الفراء - عن أبي سلمان، عن أبي محذورة، قال: كنت أؤذن في زمن النبي ﷺ في صلاة الصبح، فإذا قلت: حي على الفلاح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم الأذان الأول (١). [ضعيف، وقد اختلف في إسناده على أبي جعفر، والمعروف في رواية أبي جعفر أنه عن أبي المثنى، عن ابن عمر، وليس فيه ذكر التثويب] (٢).

стр. 178

وجه الاستدلال من الحديثين: أنه وصف الأذان الذي يثوب فيه بالأول، والأذان الذي يؤذن لصلاة الصبح هو الأذان الثاني، وليس الأول. • وأجيب: بأن المعروف في الحديث ليس فيه ذكر التثويب، ومقابله: المنكر، وكما قلنا: المنكر لا يعتبر به؛ كالشاذ، بل هو أشد سوءًا من الشاذ. الدليل الرابع: أن الأذان الأول قبل دخول الوقت لإيقاظ النائم، فصح أن يقال: الصلاة خير من النوم، ومعناه: أن الصلاة أفضل من النوم، والمفاضلة بين النوم وبين صلاة الليل مناسبة جدًّا، وأما الأذان الثاني فهو دعاء لفعل الفريضة؛ ولا مفاضلة بين صلاة الفريضة وبين النوم. • ويناقش: بأن هذا وحده لا يمكن الاستناد إليه؛ لأن المفاضلة قد تقع بين التوحيد والشرك، قال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].

стр. 179

وقال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. والمفاضلة هنا بين البيع وهو مباح، وبين السعي لصلاة الجمعة وسماع الخطبة، وذلك واجب. الدليل الخامس: (ح-٧٢) ما رواه البيهقي في السنن من طريق يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أُمِرَ بلال أن يُثَوِّب في صلاة الصبح، ولا يثوب في غيرها (١). [وإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى لا بأس به، إلا أنه مرسل] (٢). وجه الاستدلال: إذا كان المأمور بالتثويب هو بلال، فإن الأحاديث في الصحيحين تدل على أنه كان يؤذن بليل، وأما الذي كان يؤذن بعد طلوع الصبح فإنه ابن أم مكتوم، ولم يرد في شيء من الأدلة أن ابن أم مكتوم كان يثوب، أو كان مأمورًا بالتثويب. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، وإذا لم يثبت الحديث لم تثبت دلالته. الوجه الثاني: لا يعلم على وجه الدقة متى شرع الأذان الأول؟ فقد يكون الأمر لبلال موجهًا قبل مشروعية الأذان الأول. وهل كان الأذان الأول خاصًّا في رمضان، لقوله ﷺ : (فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) أو كان يؤذن به طيلة العام؟ وهل كانا يتناوبان على الأذان الأول، أو كان مختصًّا به بلال؟ وسوف أبحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، فهناك نصوص صحيحة صريحة أن بلالًا كان يؤذن الأذان الثاني، فإما أن يكون ذلك قبل

стр. 180

مشروعية الأذان الأول، أو أن الأذان الأول كان مختصًّا في رمضان، والله أعلم، وعلى هذا الاحتمال لا يمكن الجزم بأن بلالًا أمر بالتثويب عندما كان يؤذن الأذان الأول، والله أعلم. الدليل السادس: لم يرد في شيء من الروايات التصريح بأن هذا القول: (الصلاة خير من النوم) كان في الأذان الثاني للصبح، بل الأحاديث على قسمين: منها ما هو صريح بأنه في الأذان الأول، كحديث ابن عمر وحديث أبي محذورة، ومنها ما هو مطلق ليس فيه التقييد بالأول أو الثاني، فتحمل هذه الأحاديث المطلقة على الأحاديث المقيدة، والله أعلم. • ويجاب من وجوه: الوجه الأول: لا نسلم أنه لا يوجد تصريح بأن التثويب لا يقال في أذان الصبح، فقد جاءت آثار صحيحة أنه يثوب لصلاة الغداة كما في أثر أنس، ولصلاة الفجر كما في مرسل سعيد بن المسيب، وإذا كان التثويب لأذان الصبح صح أنه الأذان الثاني؛ لأن الأذان الأول لا يصدق عليه أن التثويب لصلاة الصبح، وإنما يؤذن بليل، وليس المقصود منه الدعاء لصلاة الصبح، ولهذا جاء في حديث عائشة وابن عمر في الصحيح: (إن بلالًا يؤذن بليل)، وفي حديث ابن مسعود في البخاري: (ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم). بل إن الأحاديث التي وصفت الأذان بالأول جاء فيها: (وإذا أذنت بالأول من الصبح) ومعلوم أن الأذان الأول الذي في آخر الليل ليس لصلاة الصبح، وإنما أذان الصبح لا يصح على القول الصحيح إلا بعد دخول الوقت، كما قال ﷺ : (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم). الوجه الثاني: أن هذه الأحاديث التي ورد فيها وصف الأذان بالأول لا يمكن أن يقيد بها الأحاديث الصحيحة؛ لأنها أحاديث إما شاذة أو منكرة، والشاذ والمنكر لا يعتبر بهما، فضلًا أن يقيد بهما الأحاديث الصحيحة، وقد تبين للقارئ الكريم وجه
следующие страницы →