← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته (١). وجه الاستدلال: قول الرسول ﷺ : (إذا أدرك أحدكم سجدة) أي مقدار سجدة، وذكر السجدة تنبيهًا على أن الإدراك يحصل بجزء حتى يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام. • ونوقش هذا: بأن المراد بالسجدة هي الركعة لما يلي: أولًا: أن الزهري قد رواه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ، (من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة) وسبق تخريجه. ورواه جماعة عن أبي هريرة بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح … الحديث في الصحيحين وسبق تخريجه قبل قليل. ثانيًا: أن عائشة ﵂ قد روت مثل هذا الحديث، ثم قال الراوي في آخره: والسجدة إنما هي الركعة، رواه مسلم (٢). ثالثًا: قد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة. (ح-٤١٤) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وأخرجه مسلم (٣). (ح-٤١٥) وروى مسلم في صحيحه من طريق سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة

стр. 1157

مولى عقيل، حدثه، أن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: ثم قام فصلى ثَمَانِيَ سجداتٍ وذلك ضُحًى (١). والمراد: ثمَاَنِيَ ركعاتٍ … والأمثلة في هذا كثيرة. قال القرطبي: «أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة» (٢). فعلم إطلاق السجدة على الركعة في العُرْفِ، ولم يستعمل في عرف التخاطب ذكر الركعة كناية عن تكبيرة الإحرام. الدليل الثالث: أن الحكم إذا عُلِّقَ بالإدراك، فإن الإدراك يستوي فيه القليل والكثير، كما يجب على المسافر الإتمام باقتدائه بمقيم في جزء من الصلاة. • دليل من قال: يشترط أن يدرك من الوقت ما يسع لفعل الفريضة. أن الوقت جعل سببًا لأجل أن يؤدي الصلاة فيه، فإذا لم يدرك منه هذا المقدار لم يدرك سبب الوجوب. ولأن وجوب الأداء يقتضي تصور الأداء، وأداء كل الفرض في هذا القدر لا يتصور، فاستحال وجوب الأداء. وإذا زال التكليف في بعض الصلاة لوقوعها خارج الوقت زال التكليف في الكل، فيسقط الوجوب. • دليل من قال: يدرك الوقت بإدراك مقدار الركوع دون السجود: حمل أشهب حديث أبي هريرة (من أدرك ركعة من الصلاة) على أن المراد بالركعة الركوع (٣).

стр. 1158

• الراجح: ما ذهب إليه المالكية في المشهور، وأن الركعة المراد بها ركعة كاملة بقيامها، وركوعها، وسجدتيها، ويطلق الفقهاء على هذه المسألة: بزوال المانع، فإذا طهرت الحائض، وأفاق المجنون، وأسلم الكافر، وبلغ الصبي، وقد أدرك من الوقت مقدار ركعة كاملة بسجدتيها، فقد أدرك الوقت، ووجبت عليه الصلاة، والله أعلم.

стр. 1159

الفرع الثاني في إدراك الأولى من المجموعتين بإدراك الأخرى المدخل إلى المسألة: • كل صلاة خرج وقتها قبل التكليف بها لا يجب قضاؤها إلا أن تجمع إلى ما قبلها. • كل صلاة تجمع إلى ما قبلها يكون وقتهما واحدًا في حال العذر. • قوله ﷺ : (من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر)، يثبت إدراك العصر ولا ينفي إدراك الظهر. • إدراك الظهر بإدراك العصر عرف عن الصحابة والتابعين خلافًا للحسن البصري. • لا يفتي الصحابة بما يخالف القياس إلا لمُقْتَضًى عندهم علموه وجهله غيرهم. • إذا وجبت عليه الأولى من المجموعتين ثم طرأ مانع لم يلزمه قضاء الثانية. [م-١٧٥] إذا أدرك المكلف وقت الصلاة، سواء أقلنا: يدرك الوقت بإدراك أي جزء منه، ولو كان بمقدار التحريمة، أم قلنا: يدرك الوقت بإدراك الركوع، أم قلنا: يدرك الوقت بإدراك الركعة، أم قلنا: يدرك الوقت بإدراك ما يسع فعل الفريضة، فهل يكون مدركًا للصلاة التي قبلها؟ وللجواب على ذلك نقول: لا يختلف الفقهاء بأنه إذا أدرك وقت الصبح، أو الظهر، أو المغرب لم يلزمه قضاء ما قبلها؛ لأن ما قبلها لا يجمع إليها. واختلفوا فيما إذا أدرك وقت العصر، هل يكون مدركًا للظهر، وإذا أدرك وقت العشاء هل يكون مدركًا للمغرب بحجة أن الوقت مشترك بينهما في حال العذر؟

стр. 1160

فقيل: لا يلزمه قضاء ما قبلها، وهذا مذهب الحنفية، وبه قال الحسن البصري، والثوري وحماد بن أبي سليمان وقتادة وابن علية (١). وقيل: إذا أدرك من الوقت قدر الصلاة الأولى، وزيادة قدر ركعة من الثانية، وجب عليه قضاء الأولى مع الثانية، فإذا أدرك من وقت العصر قدر (خمس ركعاتٍ في الحضر (أربع للظهر وركعة للعصر)، أو أدرك منه ثلاثًا في السفر (ركعتين للظهر وركعة للعصر)، وجبت الظهر والعصر معًا. وإذا أدرك من وقت العشاء أربع ركعات (ثلاثًا للمغرب، وركعة للعشاء) وجبت المغرب والعشاء معًا. وهذا مذهب المالكية، وقول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد (٢). وخالف سحنون وابن عبد الحكم وابن الماجشون، فقالوا: إذا أدرك من الوقت قدر الصلاة الثانية، وزيادة قدر ركعة من الأولى، وجب عليه قضاء الأولى مع الثانية.

стр. 1161

وهذا أضعف؛ لأن النص محفوظ أن العصر تدرك بإدراك ركعة، فدل على أن الأربع للأولى. ويظهر الفرق بين القولين فيما لو أدرك مقدار أربع ركعات من وقت العشاء، فعلى القول الأول يكون مدركًا للمغرب والعشاء، وعلى الثاني يكون مدركًا للعشاء فقط (١). وقال الحنابلة: إذا أدرك من الوقت قدر تحريمة وجبت تلك الصلاة، والتي تجمع إليها، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٢)، وقد قال بهذا القول جماعة من التابعين منهم عطاء (٣)، وطاوس (٤)، ومجاهد (٥)، وإبراهيم النخعي (٦)، والحكم (٧). قال أحمد: «عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها» (٨). وقال المرداوي في الإنصاف: «وإن كان في وقت صلاة تجمع مع ما قبلها إليها لزمه قضاؤها بلا نزاع» (٩). وأعتقد أنه يقصد نفيَ النزاع في المذهب، لا مطلقًا.

стр. 1162

• دليل من قال: لا يلزمه قضاء ما قبلها: الدليل الأول: (ح-٤١٦) استدلوا بما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثونه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: منطوق الحديث: أن من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس لم يدرك إلا العصر، فمن قال بأنه أدرك الظهر والعصر فقد زاد على الحديث بلا حجة. • ونوقش: بأن الحديث يثبت إدراك العصر، ولا ينفي إدراك الظهر، وعمل الصحابة والتابعين إلا الحسن البصري يثبتون إدراك الظهر مع العصر. الدليل الثاني: أن من وجبت عليه صلاة الظهر، ثم طرأ مانع لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت لها وللعصر عند العذر والجمع، فما الفرق بين المسألتين؟ ومن غير الجائز أن يجعل وقت العصر وقتًا للظهر، والنبي ﷺ جعل وقت الظهر ما لم يحضر العصر، كما في حديث عبد الله بن عمرو في مسلم (٢). فثبت أن للظهر وقتًا مخصوصًا، وكذلك العصر، وأن وقت كل واحدة منهما غير وقت الأخرى، فإذا خرج وقت الظهر قبل وجوبها على المكلف لم تجب عليه بإدراك العصر. • ويناقش: بأن الذي أوجب ترك القياس ما ورد من آثار عن الصحابة ﵃،

стр. 1163

ولم يرد ما يخالفها عن غيرهم، وإطباق التابعين على موافقة الصحابة إلا ما ورد عن الحسن البصري ثم متابعة جمهور الفقهاء في الجملة من المالكية والشافعية والحنابلة جعل الباحث لا يسعه إلا اتباعُ الأثرِ. الدليل الثالث: وجوب قضاء الصلاة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي صحيح، وما ورد من آثار فكلها ضعيفة، والأصل عدم وجوب القضاء. • ويناقش: كون آحاد الآثار ضعيفة فهذا لا يعني أن مجموعها ليس صالحًا للاحتجاج، خاصة أنه لم يرد ما يعارضها من الصحابة رضوان الله عليهم. الدليل الرابع: لو كلفنا الحائض بقضاء صلاة الظهر، مع أن وقت الظهر مر عليها، وهي حائض لكان ذلك يعني أن الحائض تقضي بعض الصلاة، مع أن الحائض قد قالت عنها عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة، ولم تستثنِ صلاةٍ من صلاةٍ. • ويناقش: كل نص عام أو مطلق قابل للتخصيص والتقييد، وإنما المردود أن يخصص العام بلا مخصص، أو يقيد المطلق بلا مقيد، والآثار الواردة عن الصحابة والتي لا يعرف لها مخالف تصلح أن تكون مخصصةً للعام، ومقيدةً للمطلق، والله أعلم. الدليل الخامس: هذه المسألة تقع كثيرًا في عصر الوحي، ومما تعم بها البلوى، فالحائض تحيض وتطهر في كل شهر مرة، فلو كانت ذمتها مشغولة بقضاء الظهر إذا أدركت العصر، وبقضاء المغرب إذا أدركت العشاء لجاءت النصوص صريحة واضحة تقوم بمثلها الحجة على الأمة، فلما لم نقف على حديث مرفوع في هذه المسألة المتكررة، وما ورد من أثر فهو ضعيف لا تقوم بمثله الحجة، وكان قضاء الظهر مخالفًا لظاهر الحديث المتفق عليه: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ولم يأتِ

стр. 1164

ذكر للظهر، علم أن قضاء الظهر ليس بمشروع، والله أعلم. • ويناقش: بأن القياس هو ما ذكرتم، ولكن تركناه لآثار الصحابة، وإطباق عامة التابعين على القول به، وجمهور الفقهاء، والله أعلم. • دليل من قال: إذا أدركت من العصر ما يسع الظهر وركعة وجبتا: الظهر تشارك العصر في الوقت؛ لأنها تجمع إليها، وحقيقة الجمع أن تقع الصلاتان في وقت العصر، ولا يمكن أن تقع الصلاتان في وقت العصر إلا إذا فرغت من الأولى، وأدركت ركعة من الثانية قبل خروج وقتها (١). وإنما اشترطنا إدراك ركعة من الأخرى لقوله ﷺ : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وسبق تخريجه. فقوله: (فقد أدرك العصر) دليل على أن الظهر تفوت إذا لم تدرك من وقت العصر إلا مقدار ركعة منها، فإن أدركت زيادة على الركعة وقتًا يسع لصلاة الظهر فقد أدركت الظهر مع العصر، فإن أدركت أدنى من ذلك إلى ركعة كاملة فقد أدركت العصر وحدها، وإن أدركت أدنى من الركعة فلم تدرك الصلاتين معًا. وكذا إذا طهرت قبل الفجر فلا بد من إدراك أربع ركعات، ثلاث للمغرب وركعة للعشاء ولا فرق في المسألة هذه بين المقيم والمسافر، لأن المغرب لا تقصر. • دليل من قال: تجب الظهر بإدراك العصر، والمغرب بإدراك العشاء مطلقًا: الدليل الأول: (ث-١١٥) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عثمان المخزومي، قال: أخبرتني جدتي، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف، قال: سمعته يقول: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (٢).

стр. 1165

[ضعيف] (١). الدليل الثاني: (ث-١١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن يزيد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (٢). ورواه ابن المنذر من طريق أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد به، واللفظ لابن المنذر. [ضعيف] (٣). الدليل الثالث: (ث-٧١١) ما رواه حرب الكرماني في مسائله، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر بن شميل قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا طهرت المرأة من حيضتها فأدركت ركعتين، ثم صُلي العصر قبل أن تغيب الشمس، فإنها تصلي الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل أن يطلع الفجر، فإنها تصلي المغرب والعشاء (٤). [رجاله ثقات إلا أن رواية حماد عن قيس فيها كلام] (٥). فهذه ثلاثة آثار عن الصحابة، وهي وإن كانت أسانيدها فيها كلام إلا أن ضعفها من الضعف اليسير فهي آثار صالحة للشواهد يجبر بعضها بعضًا، ويقوي بعضها بعضًا، ولم يأتِ عن الصحابة ما يخالفها، ولو جاء ذلك ولو من آثار ضعيفة لسلك الباحث سبيل الترجيح، وإذا كان هذا المنقول عن الصحابة فإن القلب ينشرح لذلك.

стр. 1166

وأما التابعون، فقد قال الإمام أحمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده، قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها (١). فإذا كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم لم يختلفوا في أن إدراك العشاء إدراك للمغرب، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن عليه رحمة الله، ثم تبعهم على ذلك جمهور الفقهاء في الجملة من المالكية والشافعية والحنابلة، فأرى أن سلوك هذا السبيل أحوط، وكنت قد رجحت في كتابي موسوعة الطهارة مذهب الحنفية، وأنا في هذا الكتاب أتراجع عنه إيثارًا لما روي عن الصحابة والتابعين، والإمام أحمد وحسبك به في معرفة الآثار وتتبعه لها آية من آيات الله، فعندما يقول: لم يخالف في ذلك إلا الحسن، فهذا يعني إجماع الصحابة على هذا القول، واتفاق التابعين عليه إلا ما كان من الحسن، فيكون خلاف الحسن من الخلاف الغريب، وحسبي اتباع الصحابة، فإن من سلك سبيلهم نجا، ومن استرشد بهم رشد. الدليل الرابع: قالوا: بأن الصلاتين المجموعتين وقت إحداهما وقت للأخرى في حق المعذور كالمسافر ونحوه، فهؤلاء مثلهم من أهل الأعذار، فإذا أدرك العصر فقد أدرك الظهر، وإذا أدرك العشاء فقد أدرك المغرب. • الراجح: الخلاف في المسألة قوي، والقياس مع من يقول: إذا فات وقت الظهر قبل أن تجب على المكلف لم يلزمه قضاؤها بإدراك العصر، لأن كل صلاة مختصة بوقت، ولا يدخل العصر إلا بفوات الظهر، إلا أنني قد تركت هذا القياس لآثار الصحابة، وإطباق عامة التابعين على القول به، والله أعلم.

стр. 1167

الفرع الثالث في اشتراط إدراك وقت يسع للطهارة [م-١٧٦] عرفنا في المسألة السابقة متى يدرك الوقت في حال ارتفع المانع قبل خروج الوقت، والسؤال: هل يشترط إذا زال المانع أن يدرك مع ذلك وقتًا يسع للطهارة باعتبار أن تحصيل الطهارة شرط في إدراك الوقت؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة. فقيل: يشترط في الوجوب إدراك زمن يسع للغسل، وهذا مذهب المالكية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢)، واختاره ابن حزم (٣). وقيل: لا يشترط ذلك، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٤). وقد ذكرت أدلة المسألة ولله الحمد في موسوعة الطهارة (٥). والراجح أنه لا يشترط؛ لأن الوجوب يتعلق بإدراك الوقت، والله أعلم.

стр. 1168

الفصل الخامس في تأخير الصلاة المبحث الأول في وجوب قضاء الصلاة إذا أخرها عن وقتها عمدًا المدخل إلى المسألة: • العبادة لا تسقط عن المكلف بفوات شرطها. • العبادة غاية، والشروط وسائل إليها، فلا تسقط الغاية بفوات الوسيلة. • ما وجب من الفرائض بإجماع، لا يسقط إلا بإجماع مثله، أو سنة ثابتة لا تنازع في ثبوتها ودلالتها. • إذا أمر الشارع بالفعل في وقت معين، فخرج الوقت، ولم يفعل، أيجب القضاء بأمر جديد ابتداءً، أم يجب بالأمر السابق؟ بمعنى أنه يستلزمه، لا أنه عينه، قولان، أصحهما الثاني. • أمر الشارع بالصلاة في وقت معين يقتضي الأمر بشيئين: بالصلاة، وأن يكون فعلها في ذلك الوقت، وفوات أحدهما لا يكون فواتًا للآخر. • إذا نذر الرجل أن يتصدق هذا اليوم، لا يسقط النذر عنه بفوات اليوم فكذلك الصلاة. • كل صلاة لا تصح إلا في وقتها لا تقضى خارج وقتها مطلقًا، من غير فرق بين المعذور وغيره، كالحج والرمي، والأضحية. • كل صلاة صح إيقاعها خارج وقتها من المعذور يصح قضاؤها من غير المعذور. • إذا كثر المتروك، سقط اعتبارًا بالحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولو كان مناط الحكم في ترك القضاء كونها معذورة لسقط الصيام.

стр. 1169

[م-١٧٧] إذا أخر المسلم صلاته حتى خرج وقتها، فإن كان من عذر كنوم ونسيان فلا خلاف بين العلماء أنه لا إثم عليه، ويجب عليه القضاء (١). وقد نام النبي ﷺ عن صلاة الصبح أكثر من مرةٍ كما في الصحيح، (ح-٤١٧) روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلالٍ: اكلأ لنا الليل، فصلَّى بلالٌ ما قُدِّرَ له، ونام رسول الله وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال. فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله، وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٢). ونفي التفريط من النائم يستلزم نفي الإثم. (ح-٤١٨) فقد روى مسلم من طريق ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر، وفيه: أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى (٣). [م-١٧٨] وإثبات التفريط على من أَخَّرَ الصلاة بلا عذرٍ حتى خرج وقتها، دليل على أن من فعل ذلك قد ارتكب ذنبًا عظيمًا. واختلفوا في وجوب القضاء عليه، وهل يصح منه لو فعل؟ على قولين:

стр. 1170

فقيل: يجب عليه القضاء، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). وقيل: لا يجب عليه القضاء، وبه قال الحسن البصري، وأبو بكر الحميدي، والعز بن عبد السلام من الشافعية، وابن تيمية وابن رجب من الحنابلة، وبه قال ابن حزم من الظاهرية (٢)، ونسب هذا القول رواية عن مالك، وعن ابن حبيب من المالكية، ولا يصح من هذا شيء (٣).

стр. 1171

وسبب الاختلاف في هذه المسألة يرجع إلى الخلاف في مسألة أصولية، وهي: إذا أمر الشارع بالفعل في وقت معين، فخرج الوقت، ولم يفعل، أيجب القضاء بأمر جديد ابتداءً، أم يجب بالأمر السابق، بمعنى أنه يستلزمه، لا أنه عينه؟ قولان (١). وفيه قول ثالث لأبي زيد الدبوسي أن القضاء يجب قياسًا، وليس بأمر جديد. وجهه: أن الشرع لما عهد منه إيثار استدراك عموم المصالح الفائتة، عُلِمَ بذلك: أنه يؤثر استدراك الواجب الفائت في الزمن الأول، بقضائه في الزمن الثاني (٢). وعلى القول بأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، أيوجد في المسألة نصوص توجب القضاء، أم لا؟ ويتنازع الخلاف في المسألة قواعد، منها: القاعدة الأولى: هل الأمر بالمركب أمر بأجزائه، فالأمر بالصلاة في وقت معين يقتضي الأمر بشيئين: بالصلاة، وأن يكون فعلها في ذلك الوقت، وفوات أحدهما لا يكون فواتًا للآخر، فإذا فات الوقت لا يكون فواتًا للفعل، فيوقعه في أي وقت شاء، فيكون القضاء بالأمر الأول. القاعدة الثانية: أن العبادات لا تسقط عن المكلف بفوات شروطها، فالعبادة غاية، والشروط بمنزلة الوسائل، فما يمكن تداركه من الشروط يفعل، وما لا يمكن يسقط، وتبقى العبادة مطلوب فعلها ما قدر على ذلك المكلف. القاعدة الثالثة: أن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص

стр. 1172

بذلك الوقت، وإلا لكان تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت لا فائدة منه (١). وهذا صحيح، ولكن حين صح إيقاع العبادة خارج ذلك الوقت من المعذور دل على أن ارتباطها بالوقت وإن كان سببًا للوجوب، لا يمنع من وقوع العبادة خارج الوقت مع الإثم. إذا علم ذلك نأتي إلى ذكر الأدلة من الناحية الفقهية: • دليل من قال: يجب القضاء على من ترك الصلاة حتى خرج وقتها: الدليل الأول: دلت النصوص الشرعية على وجوب الصلاة بالأوقات، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية، [البقرة: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. فالأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، فإذا أمر الشارع بالصلاة في وقت معين اقتضى الأمر شيئين: الأول: الأمر بالصلاة. والثاني: أن يكون فعلها في ذلك الوقت. وفوات أحدهما لا يكون فواتًا للآخر، فيلزم بالأمر الأول فعل الجزء المقدور عليه، ويبقى إثم فوات الوقت تجب التوبة منه؛ لعدم إمكان تداركه، بخلاف الفعل فإنه يمكن تداركه. كالرجل إذا نذر أن يتصدق هذا اليوم، لا يسقط النذر عنه بفوات اليوم. وقد أومأ الإمام أحمد ﵀ إلى وجوب القضاء بالأمر الأول في رواية إسحاق بن هانئ في الرجل ينسى الصلاة في الحضر، فيذكرها في السفر، قال: يصلِّيها أربعًا، تلك وجبت عليه أربعًا. فأوجب القضاء بالأمر الأول، الذي به وجبت عليه في الحضر؛ لأنه قال: تلك وجبت عليه أربعًا، معناه حين المخاطبة بها (٢).

стр. 1173

الدليل الثاني: ما وجب من الفرائض بإجماع، لا يسقط إلا بإجماع مثله، أو سنة ثابتة لا تنازع في ثبوتها ودلالتها. فالذمة إذا اشتغلت بواجب لم تبرأ منه إلا بالامتثال، أو الإبراء، والمكلف لم يوجد منه أداء، ولم يحصل من الشرع إبراء، وإذا كانت الذمة لا تبرأ إلا بواحد من الأمرين السابقين فإن خروج الوقت ليس واحدًا منها. الدليل الثالث: إسقاط الصلاة لتفويت الوقت إسقاط للغاية بسبب فوات شرطها، فليس الوقت في الأهمية بمنزلة الصلاة، فإن الوقت مجرد ظرف للعبادة، والصلاة هي الغاية والمقصود من العبادة، فكما أن الصلاة لا تسقط بفوات الطهارة، مع أن الأدلة صحيحة صريحة بأن الله لا يقبل صلاة بغير طهور، فلو كان قادرًا على الماء والتراب في أول الوقت، وعلم أن هذه القدرة لا تبقى إلى آخر الوقت وجبت عليه الصلاة في أول الوقت، وحكاه المالكية والحنابلة إجماعًا (١). فلو أنه أَخَّرَهَا عن ذلك حتى افتقد الماء والتراب أثم بذلك، ووجب عليه أن يصلِّيَ بلا طهارة، ولم تسقط عنه الصلاة؛ لتعمد تفويت شرطها، فكذلك إذا فوت الوقت، علمًا أنه لم يرد في تفويت الوقت دليل صريح ينفي الصحة أو القبول بخلاف الطهارة. الدليل الرابع: (ح-٤١٩) روى البخاري من طريق همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فَلْيُصَلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. ورواه مسلم من طريق سعيد والمثنى، عن قتادة، به بلفظ: من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها.

стр. 1174

قال المثنى: أو غفل عنها بدلًا عن نسي. وجه الاستدلال: لو كانت الصلاة لا تصح إلا في وقتها لم تُقْضَ خارج وقتها مطلقًا، لا من المعذور، ولا من غير المعذور، كالحج والرمي، والأضحية، تفوت بفوات وقتها من غير فرق بين المعذور وغيره. فلما صح إيقاع الصلاة خارج وقتها من المعذور، دل على أن قضاء العبادة يَصِحُّ منفكًّا عن الوقت، وصار الوقت بالنسبة للصلاة مختلفًا عن الوقت بالنسبة لعبادة الحج والرمي والأضحية، وصار القضاء مطلوبًا مطلقًا؛ لإمكان فعل العبادة خارج الوقت، والفرق بين المعذور وغير المعذور إنما هو في الإثم، لا في صحة القضاء ووجوبه، واستحقاق الإثم لا يرفع وجوب القضاء كما سيأتي أمثلته لاحقًا إن شاء الله تعالى. •ورد هذا الاستدلال: أن الناسي والعامد ضدان، والأضداد لا يقاس بعضها على بعض؛ لأن أحكامهما مختلفة، وإنما يقاس الشبيه والنظير على شبيهه ونظيره. قال ابن رجب: «وفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن المعذور إنما أمره بالقضاء؛ لأنه جعل قضاءه كفارة له، والعامد ليس القضاء كفارة له؛ فإنه عاصٍ تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق، ولهذا قال الأكثرون: لا كفارة على قاتل العمد، ولا على من حلف يمينًا متعمدًا فيها الكذب؛ لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا» (١). نعم يصح القياس على النائم والناسي لو كان أمرهما بالقضاء من باب التغليظ، فيصح أن يقال: إن المتعمد أحق منهما بالتغليظ، أما وقد كان أمر النائم والناسي بالقضاء من باب الرفق بهما؛ لأن القلم قد رفع عنهما، لم يصح قياس المتعمد عليهما؛ لأن الرفق لا يليق به.

стр. 1175

• ويجاب عن هذا الرد من وجوه: الوجه الأول: إبطال القضاء على المتعمد؛ لأنه لن يكون كفارة كما في حق النائم والناسي غير سديد؛ لأن تأخير الصلاة عن وقتها مركب من أمرين: ترك الصلاة، وتأخيرها عن وقتها. وقضاء الصلاة إذا وقع من العبد كان كفارة لتركها، وتبرأ ذمته منها إذا فعلها، وأما كفارة تأخيرها عن وقتها فلا يكفر ذلك إلا التوبة؛ لعدم إمكان تدارك الوقت، فما أمكن تداركه صح فعله كفارة، وما لا يمكن تداركه وجبت التوبة من التفريط فيه، ولا يصح أن يقال: إذا لم يمكن تدارك الوقت لا يمكن تدارك قضاء الصلاة؛ لأني قد أثبَتُّ لك أن الوقت بالنسبة للصلاة ليس هو بمنزلة الوقت بالنسبة للحج والرمي، ولأن النائم أيضًا لا يمكنه تدارك الوقت، ولكنه رفع عنه الإثم، ولم يطلب منه التوبة؛ لأنه معذور بتفويت الوقت، بخلاف المتعمد فإن المطلوب منه أمران: القضاء والتوبة، وما أكثر العبادات التي يجتمع فيها وجوب القضاء مع وجوب التوبة، وسيأتي أمثلتها في الوجه الثالث من هذا الرد إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: أن قوله ﷺ (لا كفارة لها إلا ذلك) الكفارة في حق النائم والناسي ليس لرفع إثم مستحق، للاتفاق أن النائم والناسي لا يأثم بتركه الصلاة حال النوم والنسيان، إذن ما معنى (لا كفارة لها … ) هو نفي حاجة الفعل للكفارة إلا أن عليه قضاء الصلاة، فلما كان بعض الواجبات إذا فات وقتها ربما لزمه مع القضاء كفارة، كما في بعض واجبات الحج، فأراد الرسول ﷺ إخبار النائم أنه ليس عليه كفارة إلا القضاء، فكأن المستثنى منقطع؛ لأن القضاء ليس كفارة في الحقيقة لأن النائم والناسي بالإجماع لم يرتكب ما يوجب الكفارة، فهو مرفوع عنه التكليف حال النوم والغفلة، وليس عليه بدل آخر غير فعلها، وعليه أن يصلي ما فاته في الحال، إشارة إلى الفورية في القضاء، فلا يصح الاستدلال بقوله (لا كفارة) على سقوط القضاء عن المتعمد بحجة أن مدار وجوب القضاء على قدرة القضاء على تكفير الفعل، والله أعلم.

стр. 1176

الوجه الثالث: لا تلازم بين وجوب القضاء وبين وجوب التوبة لاستحقاقه الإثم على التأخير، فَهَبْ أن النائم حين قام، والناسي حين تذكر لم يقضيا الصلاة في الحال، فقد خالفا الأمر الشرعي بقوله ﷺ : (فَلْيُصَلِّهَا) والأمر يقتضي الفورية، وقوله: (إذا ذكرها)، إذا: ظرف، يعني: أن وقت القضاء هو وقت تذكرها، ولو أخرها عن ذلك لَأَثِمَ، لقوله: (لا كفارة لها إلا ذلك)، والقضاء لا يكفر إثم التأخير على القول بوجوب الفورية خلافًا للشافعية، فكذلك المتعمد على ترك الصلاة، يأثم بتأخيره، ولا يسقط عنه القضاء، فوجوب التوبة عليه ليس بدلًا عن وجوب القضاء، فكذلك المتعمد، وجوب القضاء عليه ليس كفارة للتأخير. ومثله المصلي إذا أخر الصلاة، وهو غير معذور عن وقت الاختيار إلى وقت الاضطرار، فالجمهور يقولون: يأثم بالتأخير، وليس فعل الصلاة كفارة عن التأخير، فلا تلازم بين وجوب الصلاة، وبين وجوب التوبة؛ لاستحقاقه الإثم على التأخير. ومثله النائم ينام بعد دخول وقت الصلاة مع غلبة ظنه أنه لا يقوم من نومه بالوقت، فإنه يحرم عليه النوم، ويأثم إذا نام، ويجب عليه القضاء إذا قام، فوجوب القضاء ليس مشروطًا بكون القضاء رافعًا للإثم. ومثله لو ترك الجمعة عامدًا فإنه يأثم بذلك، ويجب أن يصلي الظهر، وصلاتها ظهرًا ليس كفارة لتعمد تركه الجمعة، فيجب عليه التوبة لتركه الجمعة، ويجب عليه صلاة الظهر. وإذا شرب المسكر فإنه لا يصلي، ولو خرج الوقت ما دام سكران، فإذا خرج الوقت أثم بتفويته الصلاة، ولم يسقط عنه القضاء، ولم يخالف أحد في جوب القضاء عليه إلا ابن تيمية في أحد القولين عنه، ونسب بعض الحنابلة المتأخرين القول به لأبي ثور، ولا يصح عنه، وقد بحثت هذه المسألة في مبحث مستقل، والحمد لله، والأمثلة كثيرة. الوجه الرابع: قد يكون الشارع خص النائم والناسي ليس لأن غير المعذور لا يقضي، وإنما

стр. 1177

ليدفع توهم من يظن أن رفع القلم عنهما يعني: سقوط التكليف مطلقًا، باعتبار أن وقت العبادة قد مر عليهما من أول الوقت إلى آخره، والقلم مرفوع عنهما، فأراد الشارع أن يبين أن سقوط الأداء لا يعني سقوط التكليف، وأن القضاء واجب عليهما بخلاف المجنون، فإن رفع القلم عنه يعني سقوط التكليف، وهذا المعنى غير موجود في المتعمد؛ لأن القلم لم يرفع عنه، فلم يكن هناك حاجة لرفع هذا التوهم. الدليل الخامس: قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]. وجه الاستدلال: مع تأخيرهم الصلاة عن وقتها سماهم الله مصلين، ولا يصح أن يقال لهم مصلُّون لو كانت صلاتهم باطلة؛ لأن الباطل وجوده كعدمه، وهذا دليل على صحة صلاتهم مع الإثم، وتصح الآية حجة على من اشترط للقضاء أمرًا جديدًا؛ لأنه إذا صح القضاء استلزم صحة الأمر به. (ث-١١٨) فقد روى ابن جرير الطبري، قال: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا سكن بن نافع الباهلي، قال: حدثنا شعبة، عن خلف بن حوشب، عن طلحة بن مصرف، عن مصعب بن سعد، قال: قلت لأبي، أرأيت قول الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]: أهي تركها؟ قال: لا ولكن تأخيرها عن وقتها. [صحيح موقوف، وروي عن سعد مرفوعًا، ولا يصح، وقد روي هذا التفسير عن مجموعة من السلف] (١).

стр. 1178

(ث-١١٩) وروى المَرْوَزِي، قال: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا وكيع، عن المسعودي، عن القاسم والحسن بن سعد، قالا: قيل لابن مسعود ﵁: إن الله تعالى يكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]، قال عبد الله: ذلك على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى يا أبا عبد الرحمن إلا على تركها؟ قال: تركها الكفر (١). [صحيح، وهذا إسناد منقطع] (٢).

стр. 1179

قال ابن تيمية في شرح العمدة: «ويدل على ذلك أن عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا ترك الصلاة كفرًا، وتأخيرَها عن وقتها إثمًا ومعصية، وفسروا بذلك قوله تعالى: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] وقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، فلو كان فعلها بعد الوقت لا يصح بحال كالوقوف بعرفة بعد وقته لكان وجود تلك الصلاة كعدمها وكان المؤخر كافرًا كالتارك» (١). وهذا الأثر يصح دليلًا على صحة القضاء، ويستلزم ثبوت أمر جديد بالقضاء لمن اشترطه، وتفسير الصحابي حجة إذا لم يخالف نصًّا، ولم يخالفه صحابي آخر، وهو أعلم بمعاني التنزيل، وقد تلقى علمه من النبي ﷺ . والله أعلم.

стр. 1180

• ورد هذا: قال ابن رجب: «قد يقع على وجه التهاون بتأخير الصلاة حتى يفوت الوقت أحيانًا عن غير تعمد لذلك، وقد يكون تأخيرها إلى وقت الكراهة، أو إلى الوقت المشترك الذي يجمع فيه أهل الأعذار عند جمهور العلماء وغيرهم على رأي طائفة من المدنيين» (١). • وأجيب عن هذا: أما حمل التأخير على غير المتعمد، أو إلى وقت الكراهة فلا يستحق من فعل ذلك هذا الوعيد الشديد، ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]. وأما المعنى الثالث، وهو أن يكون هناك وقت مشترك يجمع فيه أهل الأعذار، إن قصد به: تأخير إحدى الصلاتين المجموعتين إلى وقت الأخرى، فهذا تقييد للنص بلا مقيد. وإن قصد به أنه يوجد وقت مشترك بين الظهر والعصر في غير صورة الجمع يقع في آخر الظهر وأول العصر، فهذا يحتاج إلى دليل على ثبوت الوقت المشترك بين الصلاتين، وقد قال به المالكية في المشهور، وهو قول ضعيف، والله أعلم. الدليل السادس: (ث-١٢٠) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن أبي نعامة، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: كيف أنتم؟ أو قال: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ فَصَلِّ الصلاة لوقتها، ثم إن أقيمت الصلاة فَصَلِّ معهم، فإنها زيادة خير (٢). •وجه الاستدلال: أن هؤلاء الأمراء كانوا يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها، ومع ذلك أمر النبي ﷺ أن يُصَلِّى خلفهم، ولو كانت الصلاة فاسدة لم تصح الصلاة خلفهم

стр. 1181

كالمصلي بغير وضوء، ولو كانت صلاة الأمراء باطلة لوجب قتالهم لأن النبي ﷺ نهانا عن قتالهم ما صَلُّوا، فحين أمرنا بالصلاة معهم دل على صحة صلاتهم، وإن وقعت خارج الوقت. • ونوقش هذا: حمله محمد بن نصر المروزي على أنهم يؤخرون الصلاة عن الوقت المختار إلى وقت أهل الأعذار (١). وحمله ابن تيمية على أنه تأخير الظهر إلى العصر، والعصر إلى الاصفرار. قال ابن تيمية: «إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، والعصر إلى وقت الاصفرار، وذلك مما هو مذمومون عليه، ولكن ليسوا كمن تركها أو فوتها حتى غابت الشمس، فإن هؤلاء أمر النبي ﷺ بقتالهم، ونهى عن قتال أولئك، فإنه لما ذكر أنه سيكون أمراء يفعلون ويفعلون، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صَلُّوا» (٢). • ورد هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث يقول: (يؤخرون الصلاة عن وقتها)، فكلمة (وقتها): مفرد مضاف، فيعم التأخير كل وقتها، المختار وغيره، وحمل التأخير عن بعض وقتها تخصيص أو تقييد له بلا دليل؛ لأن من صلى بعد الوقت المختار وقبل خروج الوقت فقد أدرك الوقت بنص الحديث، وأما الذم فهو محل خلاف بين العلماء، فالشافعية، وقول في مذهب الحنابلة أن من أخر الصلاة إلى وقت الاصفرار لم يأثم، وقد سبقت مناقشة هذه المسألة في مبحث مستقل، والحمد لله. ومثله من حمل تأخير الصلاة إلى صلاة تجمع معها، والنص لا يقيده إلا نص مثله أو إجماع، فقوله: (يؤخرون الصلاة عن وقتها) (الصلاة) لفظ عام يشمل كل الصلوات، وظاهره يدل على إيقاع الصلاة خارج وقتها الذي حده الرسول ﷺ من غير فرق بين كون الصلاة تجمع إلى الأخرى أو لا تجمع، وكون بعضهم اشترط

стр. 1182

لقتل تارك الصلاة ألا يقتل حتى يخرج وقت الثانية؛ فهذا من باب درء العقوبة بالشبهة، وحتى يتحقق الترك الموجب للقتل؛ لأنه لا يقتل حتى يترك، ولا يصح أن يقال ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، فإذا خرج وقتها صارت فائتة، فقالوا: لا يقتل بترك الفائتة للاختلاف في وجوب الفورية في القضاء، فإذا ضاق وقت الثانية عنها تحقق الترك في حقه ووجب قتله على أحد الأقوال، وسبق بحث ذلك، والله أعلم. الوجه الثاني: القول بأن من أخر الصلاة حتى غابت الشمس فإنه يجب قتالهم حتى ولو قضوا تلك الصلاة هذا استدلال في محل النزاع، لا دليل عليه، فالحديث يدل على قتالهم بترك الصلاة، لا بتأخير الصلاة عن وقتها. الدليل السابع: القياس على من ترك صيام يوم من رمضان عامدًا، فالصيام عبادة مؤقتة بوقت، فإذا أفطر الصائم بلا عذر فقد أفسد صومه، ووجب عليه القضاء، وإن كان خارج وقت العبادة، وهو قول الأئمة الأربعة، وإنما اختلفوا في وجوب الكفارة، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم، حيث قال: لا قضاء على من أفطر متعمدًا، وقد نقض ابن حزم قوله حين فرق بين الفطر بالقيء فيجب عليه القضاء، وبين الفطر بغيره فلا يجب القضاء. قال ابن بطال: «أجمعت الأمة على أن من ترك يومًا من شهر رمضان عامدًا من غير عذر أنه يلزمه قضاؤه، فكذلك الصلاة، ولا فرق بين ذلك» (١). وقال ابن عبد البر: «أجمعت الأمة، ونقلت الكافة فيمن لم يَصُمْ رمضان عامدًا، وهو مؤمن بفرضه، وإنما تركه أشرًا وبطرًا تعمد ذلك ثم تاب عنه أن عليه قضاءه، فكذلك من ترك الصلاة عامدًا، فالعامد والناسي في القضاء للصلاة والصيام سواء، وإن اختلفا في الإثم، كالجاني على الأموال المتلف لها عامدًا وناسيًا إلا في الإثم .... والصلاة والصيام كلاهما فرض واجب، ودين ثابت يؤدى أبدًا، وإن خرج الوقت المؤجل لهما» (٢).

стр. 1183

وقال ابن قدامة: «متى أفطر بشيء من ذلك فعليه القضاء؛ لا نعلم في ذلك خلافًا؛ لأن الصوم كان ثابتًا في الذمة، فلا تبرأ منه إلا بأدائه، ولم يُؤَدِّهِ، فبقي على ما كان عليه» (١). • ونوقش هذا: قال ابن رشد في بداية المجتهد: «من أفطر متعمدًا فليس في إيجاب القضاء عليه نص، فيلحق في قضاء المتعمد الخلاف الذي لحق في قضاء تارك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها، إلا أن الخلاف في هاتين المسألتين شاذ» (٢). وبعضهم رد صحة القياس من وجه آخر: أن من شرع في الصيام، ثم أفطر وجب عليه القضاء بخلاف من ترك الصيام ابتداءً، ولم يشرع فيه فلا يجب عليه قضاؤه. وجه القول بالتفريق: أنه لما شرع فيه التزم به، ودخل فيه على أنه فرض، فيلزمه قضاؤه كالنذر، أما لو ترك الصوم من الأصل متعمدًا بلا عذر فالراجح أنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه لا يستفيد به شيئًا؛ إذ إنه لن يُقْبَلَ منه. وهذا التفريق أيضًا لا وجه له، وكيف يكون التزام العبد أقوى من إلزام الشرع؟ فإذا كان إلزام الشرع لا يوجب القضاء عندكم، كيف يكون التزام العبد يوجب القضاء مع تعمده الإفساد؟ لِمَ لا يكون اعتقاده وجوب الصلاة كافيًا في إلزامه بالقضاء، وكأنه لا يرى وجوب الصلاة حتى يشرع فيها، وهو لو صرح أنه لا يرى وجوب الصلاة كفر، ولو صلى، ويمكن اعتبار هذا القول قولًا جديدًا، وهو أن من ترك الصلاة بعد الشروع فيها يصح منه القضاء، وتقبل منه، حتى لو أخرجها عن وقتها، ويكون القضاء كفارةً لفعله، كما قالوا: إن من ترك الصلاة حتى خرج وقتها، إن كان ما بعدها يجمع إلى ما قبلها يصح منه القضاء، للخروج من إلزام حديث أبي ذر في تأخيرِ الأمراءِ الصلاة عن وقتها، وقد صحح هذا الحديث صلاتهم بعد خروج الوقت، وهو حديث مطلق

стр. 1184

فحملوا ذلك على صلاة تجمع إلى غيرها للخروج من إلزام الدليل بصحة القضاء، وحين ورد الإجماع على أن من أفطر متعمدًا فعليه القضاء، حملوا ذلك على شخص أفسد صومه بعد الشروع فيه، ولو نظر المنصف إلى هذه الأدلة، واستسلم لها دون اعتقاد مسبق، لما ساغ هذا التأويل عنده، وفتح تأويل النصوص بلا دليل صحيح صريح يفسد الأدلة الشرعية، ولو فتح لم يسلم لنا دليل صحيح، والله أعلم. الدليل الثامن: (ث-١٢١) روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه قال: من استقاء، وهو صائم، فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه قضاء (١). [صحيح موقوفًا، وروي من مسند أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصح] (٢).

стр. 1185

فهذا ابن عمر ﵁ يرى أن الاستقاءة تفسد الصومَ، ومن أفسد صومه متعمدًا فعليه القضاء، كمن أخرج الصلاة عن وقتها متعمدًا. قال الترمذي: «العمل عليه عند أهل العلم» يعني: وجوب القضاء على من استقاء».

стр. 1186

وقال ابن المنذر ﵀: «أجمعوا على إبطال صوم من استقاء عمدًا» (١). وقال الخطابي ﵀ «لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامدًا أن عليه القضاء، ولكن اختلفوا في الكفارة» (٢). وقال ابن قدامة: «هذا قول عامة أهل العلم» (٣). • ونوقش: بأن الاستقاءة فيها خلاف، وهو محفوظ عن بعض الصحابة كأبي هريرة وابن عباس، وعكرمة، ورجحه البخاري، وبعض المالكية. (ث-١٢٢) روى البخاري في صحيحه معلقًا، قال: قال لي يحيى بن صالح، حدثنا معاوية بن سلام، حدثنا يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان: سمع أبا هريرة ﵁: إذا قاء فلا يُفطر إنما يُخرج ولا يُولج (٤). [صحيح]. قال البخاري: قال ابن عباس، وعكرمة: الصوم (الفطر) مما دخل وليس مما خرج» (٥). وإن كان من قال من الصحابة: إنه لا يقضي بتعمد القيء لا يرجع عدم القضاء إلى كونه قد تعمد الإفطار، وإنما لأنهم لا يرونه مفطرًا من الأساس، وربما لو كان هؤلاء الصحابة يرونه مفطرًا لقالوا بوجوب القضاء، والذي يعنينا هنا ثبوت القول عن ابن عباس وأبي هريرة بعدم الإفطار بالقيء، ويكفي إثبات القول لنقض دعوى الإجماع بصرف النظر عن الراجح، فلا يصح الاستدلال بالإجماع، والخلاف محفوظ، والله أعلم.

стр. 1187

الدليل التاسع: حكي الإجماع على وجوب القضاء على من ترك الصلاة حتى خرج وقتها، إلا ما يروى عن الحسن البصري. قال محمد بن نصر المروزي: «إذا ترك الرجل صلاةً متعمدًا حتى يذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك اختلافًا، إلا ما يروى عن الحسن» (١). وقال ابن قدامة: «ولا نعلم بين المسلمين خلافًا في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها» (٢). وقال النووي: «أجمع العلماء الذين يُعْتَدُّ بهم على أن من ترك صلاةً عمدًا لزمه قضاؤها، وخالفهم أبو محمد علي بن حزم» (٣). ولكون الإجماع في وجوب القضاء مستفيضًا ذهب أبو منصور البغدادي إلى كفر من يقول: لا يجب عليه القضاء. قال في كتابه الفَرْقُ بين الفِرَقِ في معرض رده على المعتزلة: «ومنها: أنه زعم أن من ترك صلاة مفروضة عمدًا لم يصح قضاؤه لها، ولم يجب عليه قضاؤها، وهذا يعني القول به عند سائر الأمة كفر ككفر من زعم أن الصلوات الخمس غير مفروضة» (٤). وأبو منصور البغدادي من علماء الأصول، وما حمله على ذلك أن حكاية الإجماع على وجوب القضاء مستفيضة، ولعله لم يطَّلِعْ على خلاف الحسن، فاعتبر مخالفة الإجماع كفرًا، والخلاف ثابت، إلا أن لكلام أبي منصور دلالة يؤخذ منه شذوذ القول بإسقاط القضاء. وهذا ما جعل ابن عبد البر وابن رشد الحفيد يصفان القول به بالشذوذ. قال ابن عبد البر واصفًا من قال بهذا: «خرج عن جماعة العلماء من السلف

стр. 1188

والخلف، وخالف جميع فرق الفقهاء، وشَذَّ عنهم، ولا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشاذ من العلم» (١). وقال ابن رشد: «الخلاف في هاتين المسألتين -يعني: إسقاط القضاء عن تارك الصلاة عمدًا والفطر متعمدًا- شاذ» (٢). فهؤلاء ثلاثة من أهل العلم يرون القول بسقوط القضاء من قبيل الخلاف الشاذ، والله أعلم. الدليل العاشر: (ح-٤٢٠) ما رواه البخاري من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء (٣). هذا ما وقفت عليه من أدلة الجمهور، والله أعلم بالصواب. • دليل من قال: لا يقضي إذا تعمد تأخيرها عن وقتها: الدليل الأول: القول بصحة القضاء يتوقف على ثبوت أمر جديد به، ولم يأتِ نَصٌّ صريح يأمر المتعمد بترك الصلاة حتى خرج وقتها بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا وصحيحًا لجاء النص بذلك، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وكل حكم لم يأتِ به نَصٌّ من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ فهو باطل. • ونوقش هذا من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: ثبت الأمر بالصلاة، وهو إجماع، وما ثبت بالإجماع لا يسقطه إلا إجماع مثله، أو نص صريح، ولا يوجد نص في إسقاط القضاء، وعامة الأمة على وجوب

стр. 1189

القضاء، والله أعلم. الوجه الثاني: على فرض أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، فإن حديث أبي ذر في صحة قضاء الصلاة من الأمراء الذين يؤخرونها عن وقتها، وأمر العامة بالصلاة خلفهم، وتصحيح قضائها لهم، كل ذلك يستلزم وجوب القضاء، وإلا لكانوا كفارًا بتركهم الصلاة، ولوجبت مقاتلتهم. الوجه الثالث: تقدم في أدلة القول الأول أن الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، فإذا تعذر بعض الأجزاء لزم فعل بعضها الذي لم يتعذر، فالأمر بالعبادة المؤقتة كالصلوات الخمس أمر بمركب من شيئين: فعل العبادة، وكونها مقترنة بالوقت المعين لها، وفوات أحدهما لا يعني فوات الآخر. الدليل الثاني: (ح-٤٢١) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، قال: كنا مع بريدةَ في غزوةٍ في يومٍ ذي غيمٍ، فقال: بكروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله. •وجه الاستدلال: دل الحديث بمنطوقه أن من ترك العصر فقد حبط عمله، ولو كان له أن يتداركها بالقضاء، وأن فعله صحيح لم يحبط عمله. • وأجيب من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الحديث منطوقه أن من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله، والقاضي لم يتركها. الوجه الثاني: ليس في الحديث دليل على أن الفوات يمنع القضاء ونحن نتفق معكم على أنه آثم ومرتكب لكبيرة، ولكن ليس في الحديث أنه لا يقضي.

стр. 1190

الوجه الثالث: أن الأحاديث في صلاة العصر، وهي أعظم من غيرها، وهي الصلاة الوسطى، وأنتم تحملونه على كل الصلوات. الدليل الثالث: (ح-٤٢٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله وماله. وجه الاستدلال. دل الحديث بأن الذي تفوته صلاة العصر حتى خرج وقتها فقد فاتته الصلاة؛ وما فات لا يمكن تداركه، وهو بمنزلة رجل خسر أهله وماله. • ونوقش هذا: الحديث يدل على جرم تفويت صلاة العصر، ولم يتكلم عن القضاء، فأين الدليل على أن الفوات يمنع القضاء، وهي مسألة النزاع؟ وما فات من الوقت لا يمكن تداركه إلا بالتوبة، وأما وجوب القضاء فهي مسألة أخرى، ويمكن تدارك ذلك بفعل الصلاة، والحديث لم يتعرض له. الدليل الرابع: (ح-٤٢٣) روى مسلم في صحيحه من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم ابن محمد، قال: أخبرتني عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. • وجه الدلالة: أن تأخير الصلاة عن وقتها ليس عليه أمر الرسول ﷺ ، فيكون مردودًا، وردها يعني: عدم الصحة. • وأجيب: بأن المسألة هذه فيها نزاع مشهور عند أهل الأصول، أيقتضي النهي الفساد، أم لا ينافي الصحة؟ فقد يحرم الشيء، ولا يصح، وقد يحرم، ويكون صحيحًا، وقد

стр. 1191

بحثت هذه المسألة في كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة في المجلد الأول منه، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وفي مسألتنا النهي لا يعود إلى الصلاة، وإنما يعود إلى وقتها، وإذا عاد النهي إلى غير ذات العبادة لم يعد ذلك على القضاء بالبطلان، فالقضاء تصحيح لما يمكن تداركه، وهو فعل العبادة، وأما ما لا يمكن تداركه من فوات الوقت فعلى من ابتُلِيَ به التوبة ليخرج من العهدة بإذن الله، والله أعلم. الدليل الخامس: القياس على الصلاة قبل الوقت، فإذا كانت الصلاة لا تصح إذا فعلت قبل وقتها لم تصح إذا فعلت بعد وقتها، فلا فرق بين من صلاها قبل الوقت ومن صلاها بعده. • ويناقش: بأن الشارع قد فرق بينهما، فالناسي لو صلى قبل الوقت لم تَصِحَّ فرضًا، ولا يكون النسيان عذرًا لتصحيح الفعل، ولو صلى الناسي بعد خروج الوقت صحت صلاته، فحين فرق الشارع بين الصلاة قبل وقتها وبعد وقتها لا تصح التسوية بينهما، فمن سوى بينهما فقد سوى بين ما فرق الله، وليس قضاؤه الصلاة لكونه معذورًا، وإنما قضاء الصلاة لكونها دينًا في الذمة، لا يسقط عن العبد إلا بفعلها، أو بإسقاط الشارع له كما في المجنون، والمغمى عليه، والعذر إنما هو سبب في إسقاط الإثم على التأخير، لا في تصحيح القضاء، فإذا صح انفكاك الصلاة عن وقتها، صحت من المعذور وغيره، ولم يكن فرق بينهما إلا في استحقاق الإثم من عدمه، والله أعلم. الدليل السادس: أن الرسول ﷺ قد سئل عن وقت الصلاة، كما في حديث بريدة، وحديث أبي موسى، وكلاهما في مسلم، فصلى الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، ثم صلاها في اليوم الثاني في آخر الوقت، ثم قال للسائل: الصلاة بين هذين الوقتين. وجه الاستدلال: منطوق الحديث: أن الصلاة المشروعة هي الصلاة التي تقع في وقتها الممتد من أول الوقت إلى نهايته، ومفهوم الحديث، أنه لا صلاة خارج وقتها.

стр. 1192

•ونوقش: نفي صحة الصلاة خارج الوقت إنما هو في دلالة المفهوم، وليس في دلالة المنطوق، وهذا المفهوم لا عموم له؛ لأنه صح وقوع الصلاة خارج هذه البينية حتى في غير المعذور. ففي العصر كانت البينية من ظل كل شيء مثله إلى أن يكون الظل مثليه، كما في حديث جابر وحديث ابن عباس ﵄ في إمامة جبريل للنبي ﷺ ، وجاء حديث عبد الله بن عمرو ليزيد في وقت العصر إلى اصفرار الشمس، ويلزم منه تأخير الصلاة عن هذه البينية، ثم جاء حديث أبي موسى في مسلم إلى احمرار الشمس، وهو أكثر من الاصفرار، ثم جاء حديث أبي هريرة في إدراك الوقت بإدراك ركعة قبل غروب الشمس، وهو خروج عنها جميعًا. وفي صلاة العشاء كانت البينية من غياب الشفق إلى ثلث الليل كما في حديث جابر وابن عباس في إمامة جبريل في مكة، وبريدة وأبي موسى في المدينة. وفي حديث عبد الله بن عمرو صح التأخير إلى نصف الليل، وهو خروج عن هذه البينية. وقد صرح أبو هريرة بأنه لا تفريط في تأخير العشاء ما لم يطلع الفجر، وهذا زيادة على المنتصف، وسيأتي تخريجه عند الكلام على وقت العشاء. وفي صلاة الفجر كانت البينية من طلوع الفجر إلى الإسفار كما في حديث ابن عباس وجابر في إمامة جبريل. وفي حديث أبي موسى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت. وفي حديث أبي هريرة خرج عن هذا الحد إلى إدراك الوقت بإدراك ركعة قبل طلوع الشمس. وفي صلاة المغرب صلى النبي ﷺ في وقت واحد في اليومين مما يجعل المغرب ليس لها إلا وقت واحد. وفي حديث عبد الله بن عمرو، وحديث بريدة، وحديث أبي موسى صح تأخير صلاة المغرب إلى قبيل غياب الشفق، وهو خروج عن حديث جابر وابن

стр. 1193

عباس وعليه فلا يصح الاستدلال بمفهوم حديث (الصلاة بين هذين) على بطلان الصلاة إذا وقعت خارج هذا الحد، والله أعلم. قال ابن عبد البر في التمهيد: «أجمع العلماء على أن من صلى العصر، والشمس بيضاء نقية لم تدخلها صفرة فقد صلاها في وقتها المختار، وفي ذلك دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب» (١). مع أن النبي ﷺ قال في مراعاة المثلين: (الصلاة بين هذين). الدليل السابع: العبادات المحدودة بمكان معين كعرفة ومزدلفة لا يصح نقلها عن مكانها فكذلك العبادات التي جعل لها زمان معين لا تصح إلا فيه، لا يصح نقلها عن زمانها. •ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق، فإن نقل مكان العبادات لا يصح مطلقًا، لا في المعذور، ولا في غير المعذور، بخلاف الصلاة، فإن نقلها عن زمانها صح في المعذور، فثبت الفرق. الدليل الثامن: القياس على الحج، فكما لا يجوز نقل زمانه إلى زمن آخر، فكذلك الصلاة لا يجوز نقلها عن زمانها إلى زمن آخر. •ونوقش: بأن الحج لا يمكن نقل زمانه مطلقًا، لا في المعذور، ولا في غيره، بخلاف الصلاة، فقد صح نقل زمانها في المعذور، فلما صح إيقاع الصلاة خارج وقتها في المعذور، صح إيقاعها خارج وقتها في غير المعذور، والفارق بينهما هو في استحقاق الإثم، ولو كانت الصلاة لا يصح إيقاعها خارج زمانها لما صح من المعذور إيقاعها خارج زمانها كالحج. الدليل التاسع: (ح-٤٢٤) ما رواه ابن ماجه من طريق الأفريقي، عن عمران

стр. 1194

عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثة لا يقبل لهم صلاة: الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، والرجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا - يعني: بعد ما يفوته الوقت - ومن اعتبد مُحَرَّرًا (١). [ضعيف] (٢). الدليل العاشر: (ث-١٢٣) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق زبيد اليامي، قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة أرسل إلى عمر فقال: إني موصيك بوصية إن حفظتها: إن لله حقًّا في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله حقًّا في النهار لا يقبله في الليل، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة (٣). [إسناده منقطع، والأثر صحيح دون موضع الشاهد] (٤).

стр. 1195

وجه الاستدلال: قوله: (إن لله حقًّا في الليل) يدخل فيه صلاة الليل، وقوله: (لا يقبله في النهار) أي لا يقبل الله نقل هذا الحق إلى النهار، ويدخل فيه صلاة الليل إذا صلاها بالنهار من غير عذر، والعكس. • ونوقش هذا من وجوه: الوجه الأول: أن قوله (إن لله حقًّا) ورد من طريق ضعيف، والصحيح من إسناده ليس فيه هذا الحرف. الوجه الثاني: معارضة هذا الأثر للحديث المرفوع عن أبي ذر في تأخيرِ الأمراءِ الصلاةَ عن وقتها، مع أمر النبي ﷺ بالصلاة معهم بنية النافلة، فإن هذا يستلزم صحة صلاتهم مع تأخيرها، ومن شروط العمل بالأثر ألا يعارض حديثًا مرفوعًا. الوجه الثالث: أن نفي القبول تارةً يراد به نفي الصحة، كما في حديث: لا تقبل صلاة بغير طهور. وتارة لا يراد به نفي الصحة، كما روى مسلم من طريق الشعبي، قال: كان جرير بن عبد الله، يحدث عن النبي ﷺ قال: إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة (١). جاء في شرح النووي لصحيح مسلم: «لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة، فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، فعدم قبولها لهذا الحديث وذلك لاقترانها بمعصية، وأما صحتها فلوجود شروطها وأركانها المستلزمة صحتها، ولا تناقض في ذلك، ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب، وأثر الصحة في سقوط القضاء، وفي أنه لا يعاقب عقوبة تارك الصلاة» (٢).
следующие страницы →