بحثت هذه المسألة في كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة في المجلد الأول منه، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وفي مسألتنا النهي لا يعود إلى الصلاة، وإنما يعود إلى وقتها، وإذا عاد النهي إلى غير ذات العبادة لم يعد ذلك على القضاء بالبطلان، فالقضاء تصحيح لما يمكن تداركه، وهو فعل العبادة، وأما ما لا يمكن تداركه من فوات الوقت فعلى من ابتُلِيَ به التوبة ليخرج من العهدة بإذن الله، والله أعلم.
الدليل الخامس:
القياس على الصلاة قبل الوقت، فإذا كانت الصلاة لا تصح إذا فعلت قبل وقتها لم تصح إذا فعلت بعد وقتها، فلا فرق بين من صلاها قبل الوقت ومن صلاها بعده.
• ويناقش:
بأن الشارع قد فرق بينهما، فالناسي لو صلى قبل الوقت لم تَصِحَّ فرضًا، ولا يكون النسيان عذرًا لتصحيح الفعل، ولو صلى الناسي بعد خروج الوقت صحت صلاته، فحين فرق الشارع بين الصلاة قبل وقتها وبعد وقتها لا تصح التسوية بينهما، فمن سوى بينهما فقد سوى بين ما فرق الله، وليس قضاؤه الصلاة لكونه معذورًا، وإنما قضاء الصلاة لكونها دينًا في الذمة، لا يسقط عن العبد إلا بفعلها، أو بإسقاط الشارع له كما في المجنون، والمغمى عليه، والعذر إنما هو سبب في إسقاط الإثم على التأخير، لا في تصحيح القضاء، فإذا صح انفكاك الصلاة عن وقتها، صحت من المعذور وغيره، ولم يكن فرق بينهما إلا في استحقاق الإثم من عدمه، والله أعلم.
الدليل السادس:
أن الرسول ﷺ قد سئل عن وقت الصلاة، كما في حديث بريدة، وحديث أبي موسى، وكلاهما في مسلم، فصلى الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، ثم صلاها في اليوم الثاني في آخر الوقت، ثم قال للسائل: الصلاة بين هذين الوقتين.
وجه الاستدلال:
منطوق الحديث: أن الصلاة المشروعة هي الصلاة التي تقع في وقتها الممتد من أول الوقت إلى نهايته، ومفهوم الحديث، أنه لا صلاة خارج وقتها.
стр. 1192
•ونوقش:
نفي صحة الصلاة خارج الوقت إنما هو في دلالة المفهوم، وليس في دلالة المنطوق، وهذا المفهوم لا عموم له؛ لأنه صح وقوع الصلاة خارج هذه البينية حتى في غير المعذور.
ففي العصر كانت البينية من ظل كل شيء مثله إلى أن يكون الظل مثليه، كما في حديث جابر وحديث ابن عباس ﵄ في إمامة جبريل للنبي ﷺ ، وجاء حديث عبد الله بن عمرو ليزيد في وقت العصر إلى اصفرار الشمس، ويلزم منه تأخير الصلاة عن هذه البينية، ثم جاء حديث أبي موسى في مسلم إلى احمرار الشمس، وهو أكثر من الاصفرار، ثم جاء حديث أبي هريرة في إدراك الوقت بإدراك ركعة قبل غروب الشمس، وهو خروج عنها جميعًا.
وفي صلاة العشاء كانت البينية من غياب الشفق إلى ثلث الليل كما في حديث جابر وابن عباس في إمامة جبريل في مكة، وبريدة وأبي موسى في المدينة.
وفي حديث عبد الله بن عمرو صح التأخير إلى نصف الليل، وهو خروج عن هذه البينية.
وقد صرح أبو هريرة بأنه لا تفريط في تأخير العشاء ما لم يطلع الفجر، وهذا زيادة على المنتصف، وسيأتي تخريجه عند الكلام على وقت العشاء.
وفي صلاة الفجر كانت البينية من طلوع الفجر إلى الإسفار كما في حديث ابن عباس وجابر في إمامة جبريل.
وفي حديث أبي موسى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت.
وفي حديث أبي هريرة خرج عن هذا الحد إلى إدراك الوقت بإدراك ركعة قبل طلوع الشمس.
وفي صلاة المغرب صلى النبي ﷺ في وقت واحد في اليومين مما يجعل المغرب ليس لها إلا وقت واحد.
وفي حديث عبد الله بن عمرو، وحديث بريدة، وحديث أبي موسى صح تأخير صلاة المغرب إلى قبيل غياب الشفق، وهو خروج عن حديث جابر وابن
стр. 1193
عباس وعليه فلا يصح الاستدلال بمفهوم حديث (الصلاة بين هذين) على بطلان الصلاة إذا وقعت خارج هذا الحد، والله أعلم.
قال ابن عبد البر في التمهيد: «أجمع العلماء على أن من صلى العصر، والشمس بيضاء نقية لم تدخلها صفرة فقد صلاها في وقتها المختار، وفي ذلك دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب» (١).
مع أن النبي ﷺ قال في مراعاة المثلين: (الصلاة بين هذين).
الدليل السابع:
العبادات المحدودة بمكان معين كعرفة ومزدلفة لا يصح نقلها عن مكانها فكذلك العبادات التي جعل لها زمان معين لا تصح إلا فيه، لا يصح نقلها عن زمانها.
•ونوقش:
بأن هذا قياس مع الفارق، فإن نقل مكان العبادات لا يصح مطلقًا، لا في المعذور، ولا في غير المعذور، بخلاف الصلاة، فإن نقلها عن زمانها صح في المعذور، فثبت الفرق.
الدليل الثامن:
القياس على الحج، فكما لا يجوز نقل زمانه إلى زمن آخر، فكذلك الصلاة لا يجوز نقلها عن زمانها إلى زمن آخر.
•ونوقش:
بأن الحج لا يمكن نقل زمانه مطلقًا، لا في المعذور، ولا في غيره، بخلاف الصلاة، فقد صح نقل زمانها في المعذور، فلما صح إيقاع الصلاة خارج وقتها في المعذور، صح إيقاعها خارج وقتها في غير المعذور، والفارق بينهما هو في استحقاق الإثم، ولو كانت الصلاة لا يصح إيقاعها خارج زمانها لما صح من المعذور إيقاعها خارج زمانها كالحج.
الدليل التاسع:
(ح-٤٢٤) ما رواه ابن ماجه من طريق الأفريقي، عن عمران
стр. 1194
عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثة لا يقبل لهم صلاة: الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، والرجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا - يعني: بعد ما يفوته الوقت - ومن اعتبد مُحَرَّرًا (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل العاشر:
(ث-١٢٣) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق زبيد اليامي، قال:
لما حضرت أبا بكر الوفاة أرسل إلى عمر فقال: إني موصيك بوصية إن حفظتها: إن لله حقًّا في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله حقًّا في النهار لا يقبله في الليل، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة (٣).
[إسناده منقطع، والأثر صحيح دون موضع الشاهد] (٤).
стр. 1195
وجه الاستدلال:
قوله: (إن لله حقًّا في الليل) يدخل فيه صلاة الليل، وقوله: (لا يقبله في النهار) أي لا يقبل الله نقل هذا الحق إلى النهار، ويدخل فيه صلاة الليل إذا صلاها بالنهار من غير عذر، والعكس.
• ونوقش هذا من وجوه:
الوجه الأول:
أن قوله (إن لله حقًّا) ورد من طريق ضعيف، والصحيح من إسناده ليس فيه هذا الحرف.
الوجه الثاني:
معارضة هذا الأثر للحديث المرفوع عن أبي ذر في تأخيرِ الأمراءِ الصلاةَ عن وقتها، مع أمر النبي ﷺ بالصلاة معهم بنية النافلة، فإن هذا يستلزم صحة صلاتهم مع تأخيرها، ومن شروط العمل بالأثر ألا يعارض حديثًا مرفوعًا.
الوجه الثالث:
أن نفي القبول تارةً يراد به نفي الصحة، كما في حديث: لا تقبل صلاة بغير طهور.
وتارة لا يراد به نفي الصحة، كما روى مسلم من طريق الشعبي، قال: كان جرير بن عبد الله، يحدث عن النبي ﷺ قال: إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة (١).
جاء في شرح النووي لصحيح مسلم: «لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة، فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، فعدم قبولها لهذا الحديث وذلك لاقترانها بمعصية، وأما صحتها فلوجود شروطها وأركانها المستلزمة صحتها، ولا تناقض في ذلك، ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب، وأثر الصحة في سقوط القضاء، وفي أنه لا يعاقب عقوبة تارك الصلاة» (٢).
стр. 1196
الدليل الحادي عشر:
تارك الصلاة كافر مرتد، والكافر إذا أسلم لا قضاء عليه، فكذا المرتد.
• ويناقش:
هذه مسألة أخرى غير مسألتنا، ونحن نناقش أن الرجل إذا ترك صلاة حتى خرج وقتها متعمدًا، أيقضي باعتبار أن الصلاة دين، وتفويت الشرط لا يفوت العبادة؟ أم لا يقضي باعتبار أن زمن العبادة قد فات، وفوات زمن العبادة تفويت للعبادة نفسها؟
أما التعليل بأنه كافر فهذه مسألة أخرى وقد كانت محلًّا للبحث قبل هذه المسألة، وهي محل خلاف بين الفقهاء، أيكفر الرجل بترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، أم لا يكفر بذلك؟
وإذا قلنا بكفره، أيكفر بمجرد الترك أم يشترط لتكفيره أن يكون ذلك بحكم من القاضي بعد أن يدعوه إلى فعل الصلاة، فيمتنع عن فعلها.
وذلك السؤال: أيكفر بترك صلاة واحدة، أم بترك صلاتين إذا كانت إحداهما تجمع إلى الأخرى، أم بعدد معين من الصلوات، أم لا يكفر حتى يعزم على ترك الصلاة بالكلية، أم لا يكفر إلا بالجحود فقط؟
وكل هذه التساؤلات هي أقوال في المسألة، لذا لا أجد أن هذا دليل، وإنما هذا قول يحتاج إلى دليل لإثباته، وانظر الإجابة على مثل هذه التساؤلات في مظانها من هذا الكتاب، فلعلك تجد الجواب عليها.
• الراجح:
بعد ذكر الأقوال بأدلتها، أجد أن القول بالقضاء فيه حديث أبي ذر، وهو حديث صحيح غير مدفوع.
وفيه من الموقوف قول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص ﵄، في قضاء من أخر الصلاة عن وقتها متعمدًا، ولا يعرف عن الصحابة ما يخالف هذا النقل، وهو كاف لطالب العلم في الذهاب إلى القول بوجوب القضاء.
وأما التابعون فأُثِر النقل عن الحسن البصري أنه لا يرى عليه القضاء، وإذا كان
стр. 1197
لا يعرف هذا القول في التابعين إلا عنه، فإني لا أحب أن أقول بقول لا يوافقني عليه من السلف إلا واحد، وإن كان القائل مثل الإمام الحسن البصري عليه رحمة الله، فالحق لا يمكن أن يغيب عن سواد الأمة، فإذا انفرد قتادة بقول، أو انفرد طاوس، أو الحسن، أو النخعي، وكانت الأمة على خلاف قوله، فإني أنحاز إلى السواد الأعظم، أما لو قالت به طائفة من أهل العلم، وإن كان عددهم قليلًا فينظر في حجتهم، فقد يكون الحق مع القلة، وقد تخطئ الكثرة، بخلاف ما يتفرد به واحد من التابعين، ولا يعرف له متابع على هذا الفقه، مع أن قول الحسن مخالف في ظاهره لحديث أبي ذر، ومخالف لقول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص ﵄.
وأما نسبة القول بأنه رواية عن مالك، أو نسبته لابن حبيب من المالكية، فلا يثبت ذلك عنهما، كما بينت في الأقوال.
ويبقى القول ثابتًا عن أبي بكر الحميدي المتوفى سنة (٢١٩) أ. هـ وبينه وبين وفاة الحسن أكثر من مائة سنة، فالحسن البصري مات سنة (١١٠) هـ وثابت عن أبي عبد الرحمن الشافعي.
وأما قول ابن حزم وابن تيمية وابن رجب فهو من قبيل الاختيار والترجيح لتأخر عصرهم، لهذا أرى الخلاف في هذه المسألة، كما وصفه ابن عبد البر وابن رشد بأنه من الخلاف الشاذ.
وقد اختلف في توجيه قول الحسن بعدم القضاء.
قال المروزي: «قول الحسن هذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمدًا، فلذلك لم ير عليه القضاء؛ لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره.
والمعنى الثاني: أنه إن لم يكن يكفره بتركها، فإنه ذهب إلى أن الله إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتى به بعد ذلك فإنما أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به عن المأمور
стр. 1198
به. وهذا القول غير مستنكر في النظر، لولا أن العلماء قد أجمعت على خلافه» (١).
وعندي أن حمله على الأول أقرب، خاصة أن الحسن نقل عنه القول بتكفير تارك الصلاة، وجمهور القائلين بتكفير تارك الصلاة يكفرونه بترك صلاة واحدة، أما المعنى الثاني فلا يوافقه فيه أحد من أهل عصره، حتى حكاه المروزي إجماعًا، والله أعلم.
стр. 1199
المبحث الثاني في تعين الوقت الواجب لأداء الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الفعل إن ذُمَّ على تركه مطلقًا فهو الواجب المضَيَّق، وإن لم يُذَمَّ على تركه مطلقًا، فهو المندوب، وإن ذُمَّ على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولم يُذَمَّ على تركه إلى بعض أجزاء الوقت فهو الواجب الموَسَّع، والصلاة من الواجب الموَسَّع.
• من فعل الصلاة في أول الوقت أو في وسطه، أو في آخر وقت الاختيار، فقد أدى ما فرض الله عليه بالإجماع.
• كل جزء من الوقت الموسع يعتبر سببًا تامًّا لوجوب الصلاة.
• كل جزء من الوقت الموسع صالح لإيقاع الفعل.
• لا يتعين الواجب الموسع إلا بتعيين المكلف أو أن يبقى من الوقت مقدار الفعل، أو مقدار ركعة تامة بسجدتيها على قول.
[م-١٧٩] تأخير وقت الصلاة عن أول وقتها يجوز بالاتفاق، على خلاف بينهم: أتجب الصلاة في أول الوقت، أم تجب في آخره، أم أن جميع الوقت زمن للوجوب، أم أن الوجوب زمن يسع فعل العبادة إلا أنه غير معين، ويتعين إما بفعل المكلف، أو إذا ضاق الوقت؟
فقيل: الوجوب يختص بآخر الوقت وهو قول أكثر العراقيين من الحنفية (١).
على اختلافٍ بينهم في المؤدى أول الوقت.
فقيل: نفل سقط به الفرض الواجب في آخر الوقت، كالوضوء قبل دخول الوقت يعتبر نفلًا، ويسقط به الواجب، قال علاء الدين السمرقندي: «وهذه
стр. 1200
الرواية مهجورة» (١).
وقيل: إن الفعل موقوف: فإن أدرك آخر الوقت، وهو أهل للوجوب كان المؤدى واجبًا، وإن لم يدركه كان نفلًا كالزكاة المعجلة إن حال الحول، والنصاب كاملًا كانت فريضةً، وإلا كانت نفلًا.
وقيل: الوجوب يتعلق بجميع الوقت، وعليه جمهور المالكية (٢).
وقيل: الوجوب يتعلق بزمن يسع فعل العبادة إلا أنه غير معين، وإنما يتعين الوجوب إما بالأداء، أو بأن يضيق الوقت. وهذا ما عليه جمهور الحنفية، قال علاء الدين السمرقندي: وهذه الرواية هي المعتمد عليها، ورجحه ابن رشد من المالكية، وقال الباجي: هذا هو الذي يجري على أصول المالكية، ورجحه ابن العربي (٣).
قال المازري في شرح التلقين: «اختلف الناس في العبادة المؤقتة بوقت يمكن إيقاعها في بعضه، بماذا يتعلق الوجوب من الوقت؟ فمذهب الشافعية بأوله. ومذهب الحنفية بآخره. وقال الكرخي بفعل الصلاة، أو بآخره، وعند جمهور المالكية بجميعه. وقيل بل يتعلق بزمن واحد يسع فعل العبادة، ولكنه غير معين. وإنما يتعين إذا أوقع المكلف العبادة فيه، أو ضاق الوقت» (٤).
وذكر ابن رشد الأقوال الأربعة، وقال: «الرابع: أن وقت الوجوب منه غير معين، وللمكلف تعيينه بفعل الصلاة فيه، وهذا أظهر الأقاويل وأسدها وأجراها على أصول المالكيين؛ لأن معظمهم قالوا: إن الأفعال المخير فيها كالإطعام والعتق والكسوة في الكفارة الواجب منها واحد غير معين، وللمكلف تعيين وجوبه بفعله» (٥).
стр. 1201
وقيل: يتعلق الوجوب بأول الوقت، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، فإذا مضى من الوقت ما يسع فعل الصلاة عند الشافعية، أو بمقدار تكبيرة الإحرام عند الحنابلة استقر الوجوب في ذمته، فلو طرأ مانع من حيض ونحوه وجب القضاء، ويجوز له تأخير الصلاة إلى آخر وقتها المختار.
•فصارت الأقوال ترجع إلى قولين:
أحدهما: أن الصلاة لا تجب في أول الوقت، وإنما تجب في آخره، وهذا مذهب أكثر العراقيين من الحنفية.
الثاني: أن الصلاة تجب في أول الوقت وجوبًا موسعًا، على خلاف بينهم في استقرار الوجوب، أيتعلق بأول الوقت، أم في آخره، أم في جزء منه غير معين؟ وهي مسألة أخرى يظهر أثرها في وجوب القضاء إذا طرأ مانع.
• دليل من قال: لا تجب الصلاة في أول الوقت:
الدليل الأول:
لما كان المكلف مخيرًا في أول الوقت بين فعل الصلاة وبين تركها إلى آخر الوقت دل ذلك على أن الصلاة لم تكن واجبة في أول الوقت، ولو وصفت الصلاة بالوجوب في أول الوقت ما جاز تأخيرها إلى آخر الوقت؛ لأن التخيير ينافي الوجوب.
• ويناقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
المكلف ليس مخيرًا بين فعل الصلاة وبين تركها، وإنما هو مخير بين فعل الصلاة وبين تأخيرها، والتأخير إذا كان بإذن الشارع لا يسمى تركًا.
الوجه الثاني:
لو كانت الصلاة لا توصف بالوجوب في أول الوقت لكانت نفلًا، وإذا كانت نفلًا لم يَصِحَّ أن تسد مسد الفرض، وقد انعقد الإجماع على أن صلاة الفريضة
стр. 1202
لا يصح أن تؤدى بنية النفل (١).
الوجه الثالث:
أن الفعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يذم على تركه مطلقًا، وهو الواجب المضيق، وفعل لا يذم على تركه مطلقًا، وهو المندوب، وفعل يذم على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولا يذم على تركه بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت، وهو الواجب الموسع، وصلاة الفريضة من الواجب الموسع.
الدليل الثاني:
الإجماع منعقد على أن الحائض والكافر والصبي إذا ارتفع عنهم المانع من التكليف في وسط الوقت أو في آخره فإنهم مخاطبون بالصلاة، ولو كان الوجوب متعلقًا بأول الوقت لما وجبت الصلاة عليهم حين فاتهم أول الوقت لفوات سبب الوجوب.
• ويناقش:
هذا الإيراد يرد على قول الشافعية والحنابلة ممن يقول بأن الوجوب يتعلق بأول الوقت، أما الذي يقول إن الوجوب يتعلق بجميع الوقت، أو بجزء منه غير معين فلا يرد عليه هذا الاعتراض، على أن هذا الاعتراض ضعيف حتى على مذهب الحنابلة والشافعية، فكون أول الوقت سببًا للوجوب لا يقولون: إن السببية استقرت على الجزء الأول من الوقت: والذي هو زوال الشمس بالنسبة للظهر؛ أو غروبها بالنسبة للمغرب، بل يقولون: إن كل جزء من الوقت يعتبر سببًا تامًّا، ويظل يتنقل حتى يتلبس المصلي بالصلاة أو يخرج الوقت، وقد ناقشت ذلك في مسألة تردد الوقت بين السببية والشرطية، فارجع إليه.
الدليل الثالث:
لو ثبت الوجوب أول الوقت لكانت الرخصة في التأخير بعد ذلك مقيدة بشرط ألا يفوته.
• ونوقش:
بأن المكلف إذا ظن حدوث مانع في آخر الوقت من موت، أو قتل، أو حيض
стр. 1203
تعين عليه فعل الصلاة قبل حدوث المانع، وهذا بالإجماع، وسوف أبحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل، أما إذا لم يعلم حصول المانع، وحصل قدرًا فلا يجب عليه قضاء الصلاة، ولا إثم عليه في التأخير؛ لأن التكليف مشروط بالعلم، والله أعلم.
• دليل من قال: تجب الصلاة في أول الوقت وجوبًا موسعًا:
الدليل الأول:
الإجماع، قال الآمدي: «أجمع السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت ومات أنه أدى فرض الله عليه» (١).
الدليل الثاني:
صلى جبريل بالنبي ﷺ معلمًا ومبينًا له أوقات الصلاة كما في حديث جابر ﵁، وحديث ابن عباس في مكة، فصلى به الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، ثم صلى به الصلوات الخمس في آخر الوقت، ثم قال: الوقت بين هذين.
وسوف يأتي تخريجها إن شاء الله تعالى عند الكلام على مواقيت الصلاة.
وسئل الرسول ﷺ في المدينة عن وقت الصلاة، كما في حديث بريدة، وحديث أبي موسى، وكلاهما في مسلم، فصلى الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، ثم صلاها في اليوم الثاني في آخر الوقت، ثم قال للسائل: الصلاة بين هذين الوقتين.
فالبينية ممتدة من أول الوقت إلى آخر الوقت، وليس المراد تطبيق فعل الصلاة على أول الوقت وآخره ولا فعلها في كل جزء بالإجماع، فلم يبقَ إلا أنه أريد به أن كلَّ جزءٍ منه صالح لوقوع الفعل فيه، ويكون المكلف مخيرًا في إيقاعه في أي جزءٍ أراد، وأن صلاته في أول الوقت أو في آخره لا يخرج الصلاة عن وصفها بالفرض.
الدليل الثالث:
من النظر، فلو أن السيد قال لعبده: خِطْ هذا الثوب في أول النهار، أو في
стр. 1204
وسطه، أو في آخره، فلا يخلو أن يقال: ما أوجب شيئًا أصلًا، أو أوجب مُضَيَّقًا، وهما محالان، فلا يبقى إلا أن يقال: أوجب موسَّعًا.
• الراجح:
أن الصلاة تجب في جزء من الوقت غير معين، وقد ترك التعيين للمكلف، فإذا صلاها في أي جزء منه تعينت إلا أن يضيق الوقت حتى لا يبقى منه إلا مقدار الصلاة فيتعين الوقت حينئذٍ للوجوب، والله أعلم.
стр. 1205
المبحث الثالث في اشتراط العزم على الفعل لجواز تأخير الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم الإيجاب.
• الوجوب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي.
• الفعل في الواجب الموسع لم يتعين أول الوقت حتى يشترط للتأخير العزم على فعله.
• تأخير الواجب الموسع إلى آخر الوقت لا يعتبر إعراضًا عن الفعل، فالإعراض: الترك المطلق، أو العزم على الترك.
• إذا لم يعزم المكلف على الترك فقد عزم على الفعل؛ لأنه مقتضى الإيمان بوجوب العبادة عليه، وهذا لا يخص الواجب الموسع فلا حاجة إلى نيته.
• تأخير الواجب الموسع لا يحتاج إلى بدل؛ لأن الوجوب لم يتعين أول الوقت.
• عزم المسلم على القيام بالواجبات عزمًّا عامًا هو مقتضى الإيمان بوجوبها عليه.
[م-١٨٠] اختلف الجمهور القائلون بأن الصلاة تجب في أول الوقت وجوبًا موسعًا هل يشترط لجواز التأخير العزم على الفعل؟ على قولين:
فقيل: لا يشترط للتأخير العزم على الفعل بل يجوز التأخير مطلقًا بلا بدل، وهو مذهب الحنفية، وقال به بعض المالكية كالحطاب والباجي والمازري وابن الحاجب في المختصر، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية والحنابلة، رجحه من الشافعية الرازي في المحصول، والبيضاوي في المنهاج، وابن السبكي في جمع الجوامع، ومن الحنابلة أبو الخطاب في التمهيد، ومجد الدين ابن تيمية في
стр. 1206
المسودة، وغيرهم (١).
قال الحطاب المالكي: «جميع وقت الاختيار يجوز إيقاع الصلاة فيه … ولا يشترط العزم على الأداء على الراجح» (٢).
وقيل: لا يجوز التأخير إلا بشرط العزم على الفعل، وعليه أكثر المالكية، رجحه منهم أبو بكر الباقلاني والقرافي، وأبو محمد البغدادي، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية والحنابلة، وقد رجحه الآمدي في الإحكام، وأبو إسحاق الشيرازي في اللمع، والغزالي في المستصفى، والزركشي في البحر المحيط، والنووي في المجموع، ومن الحنابلة: القاضي أبو يعلى وغيرهم (٣).
стр. 1207
وقيل: في التفريق بين الغافل والذاكر، فمن غفل عن الفعل والترك فلا يجب عليه العزم، وأما الذاكر: وهو الذي خطر بباله الفعل والترك فهو إن لم يعزم على الفعل عزم على الترك ضرورة، فيجب عليه العزم، قال القرافي: وهي طريقة حسنة (١).
وهذا القول ليس قولًا جديدًا؛ لأن التذكر شرط وجوب الأداء، فلا يجب أداء الصلاة مع النسيان، فضلًا عن العزم على التأخير.
• دليل من قال: لا يشترط العزم على الفعل:
الدليل الأول:
إيجاب العزم على الفعل حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع على اشتراط العزم على الفعل لجواز التأخير، والأصل عدم الإيجاب.
الدليل الثاني:
أن الرسول ﷺ في معرض بيانه وقت الصلاة، صلى الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، ثم صلاها في اليوم الثاني في آخر الوقت، ثم قال للسائل: الصلاة بين هذين الوقتين. رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، ومن حديث بريدة.
وجه الاستدلال:
قوله: (الصلاة بين هذين الوقتين) ليس فيه تعرض للعزم فإيجابه زيادة على
стр. 1208
مقتضى الصيغة، ولو كان العزم على الفعل شرطًا لجواز التأخير لبينه النبي ﷺ للسائل.
الدليل الثالث:
أن من أخر الصلاة إلى وسط الوقت أو إلى آخره فقد أتى بالصلاة في وقتها أداءً، لا قضاءً، وقد فعل ما يجوز له فعله، فلا حاجة إلى واجب آخر لجواز التأخير، وهو العزم على الفعل.
الدليل الرابع:
أن جميع الواجبات في المستقبل قد عزم المكلَّفُ عزمًا عامًّا على فعلها، حتى قبل دخول وقتها، وهو مقتضى الاعتقاد بوجوبها، فلا حاجة إلى عزم خاص لتأخير الواجب الموسع.
• دليل من قال: يجب العزم على الفعل:
الدليل الأول:
جعل الله دخول الوقت سببًا لوجوب الصلاة، فإذا زالت الشمس وجبت صلاة الظهر، والأصل ترتُّب المسبب على سببه، والزوال سبب، فيكون الوجوب الذي هو مسببه أول الوقت قد استقر بدخول الوقت، سواء أقلنا: يستقر بمضي قدر الصلاة من أول الوقت، كما هو مذهب الشافعية، أم بإدراك قدر تكبيرة الإحرام كما هو قول الحنابلة، فإذا وجبت الصلاة أول الوقت وجب عليه فعلها؛ أو العزم على الفعل؛ لأن من لم يفعل ولا عزم الفعل يعد معرضًا عن الأمر.
• ويناقش بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
لا نختلف معكم أن الوقت سبب لوجوب الصلاة، ولكن لا يمكن القول بأن جميع وقت الصلاة سبب للوجوب؛ لأن ذلك يعني تأخير الصلاة عن الوقت، أو تقديم الصلاة على سببها، وهذا لا يجوز بالإجماع.
ولا يصح أن نقول: إن السببية استقرت على الجزء الأول من الوقت: والذي هو زوال الشمس بالنسبة للظهر؛ أو غروبها بالنسبة للمغرب؛ لأن ذلك يعني أن المانع لو زال عن الكافر والحائض والمجنون قبل خروج الوقت لا تجب عليهم؛
стр. 1209
لأن قيام سبب الوجوب كان قبل تكليفهم.
وإنما كون الوقت سببًا للوجوب أن كل جزء من الوقت يعتبر سببًا تامًّا، ويظل يتنقل حتى يتلبس المصلي بالصلاة أو يخرج الوقت فالسبب بالنسبة للمصلي هو ما يسبق الأداء حتى يقع الأداء بعد سببه، هذا معنى قولنا: إن الوقت سبب للوجوب.
الوجه الثاني:
أن الوجوب إما أن يكون قد استقر أول الوقت، كما تقولون، أو يتعلق بآخر الوقت كما يقول بعض الحنفية، أو أن الوجوب يشمل كل الوقت وتعيينه راجع للمكلف ما لم يَضِقْ الوقت.
فلو كان الوجوب قد استقر في أول الوقت لما جاز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، ولكان فعل الصلاة بعد أول الوقت يكون قضاءً سَدَّ مسَدَّ الأداء.
فلما أذن الشارع في الصلاة في وسط الوقت وآخره، والإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء من غير ضرورة ولا حاجة خلاف قواعد الشرع، نعم يجوز تفويت الأداء لفعل القضاء لحاجة السفر، والمرض، كما في صيام رمضان ونحوه.
ولو كان الوجوب يتعلق بآخر الوقت لكان فعل الصلاة في أول الوقت نافلة، والمصلي يصلي أول الوقت بنية الفريضة، فتعين أن الوجوب متعلق بجزء منه يسع فعل العبادة، ولكنه غير معين، وإنما يتعين إذا أوقع المكلف العبادة فيه، أو ضاق الوقت، وإذا كان ذلك كذلك لم يصح القول بأنه إذا لم يفعل العبادة أول الوقت ولم يعزم على الفعل عُدَّ معرضًا، وإنما المعرض مَنْ تَرَكَ الفعل مطلقًا حتى خرج الوقت، أو عزم على الترك.
الدليل الثاني:
إذا جاز تأخير الصلاة عن أول الوقت لزمكم أحد أمرين:
إما أن يخرجها ذلك عن وصف الصلاة بالوجوب في أول الوقت؛ لأن جواز الترك ينافي حقيقة الوجوب، وعلى هذا تكون الصلاة أول الوقت نافلة، وفي آخر الوقت واجبة، وهذا يقتضي أن يكون النفل أفضل من الواجب، وهذا ما حمل بعض الحنفية على القول به.
стр. 1210
أو تقولون: يجوز تأخير الواجب بشرط العزم على الفعل؛ وبهذا يصح وصف الصلاة أول الوقت بالوجوب؛ لأن الصلاة وجبت بأول الوقت، وجاز تأخير الواجب بشرط العزم على الفعل، وبهذا يفارق الواجب الموسع النفل؛ إذ المندوب هو الذي يجوز تأخيره وتركه لا إلى بدل بخلاف الواجب لا يؤخر إلا إلى بدل.
• وأجيب من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم أن تأخير الصلاة أول الوقت يضاد الوجوب، فجواز التأخير إنما يضاد الواجب المضيق، وأما الموسع فإن المكلف مخير فيه بين فعل الواجب في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره كالمكلف إذا خير بين خصالٍ كان الواجب خصلة واحدة غير معينة كما في خصال الكفارة، فكذلك هنا.
فما خير بين فعله وتركه إن كان يجوز تركه مطلقًا لا يكون واجبًا، وإن كان يجوز تأخيره، ولا يجوز تركه كان واجبًا موسعًا، وهذا هو الفرق بين المندوب والواجب الموسع.
الوجه الثاني:
أن العزم على الفعل لا يصح أن يكون بدلًا عن الوجوب أول الوقت، وإلا لتأدى الواجب به.
•ورد هذا:
بأن العزم بدل عن وجوب التقديم، وليس عن الفعل نفسه.
• وأجيب على الرد:
لو كان العزم بدلًا لجاءت النصوص ببيانه كما جاء النص على أن التيمم بدل عن الوضوء، والمسح على الخفين بدل عن الغسل، فلا يوجد نص على أن العزم على الفعل بدل عن جوب التقديم، والبدائل عن الواجبات الشرعية لا تثبت إلا بنص أو إجماع.
стр. 1211
الدليل الثالث:
إذا حرم العزم على ترك الطاعة حرم ترك العزم على فعلها.
قال الطوفي في شرح مختصر الروضة: «فكما يحرم عليه أن يعزم على ترك الصلاة عند دخول وقتها، يحرم عليه أن يترك الآن العزم على فعلها إذا دخل وقتها؛ لأن التكليف الشرعي متوجه إلى الأبدان بالأفعال، وإلى القلوب بالنيات والعزائم» (١).
وقال القرافي في تنقيح الفصول: «من لم يفعل ولا عزم على الفعل يعد معرضًا عن الأمر» (٢).
• ويناقش:
بأن العزم على الترك لا يجوز، والتحريم مطلق حتى قبل دخول وقت العبادة، وأما وجوب العزم على الفعل قياسًا عليه فيقال: إن كان المقصود بالعزم على الفعل هو أن يعزم المسلم على القيام بالواجبات عزمًا عامًّا فهذا مقتضى الإيمان بوجوبها، وهو كافٍ في حصول المراد، وهذا لا يخص الواجب الموسع، بل هو مطلوب في جميع الواجبات حتى قبل دخول وقت وجوبها، وأما القول بأن تأخير الواجب الموسع لا يجوز إلا بشرط عزم خاص على فعلها، ويكون عقد هذا العزم واجبًا بعد دخول وقت الواجب كشرط لجواز تأخيرها فهذا هو محل النزاع، والأدلة لا تقتضيه.
الدليل الرابع:
أن ترك العزم على الطاعة تهاون بأمر الشرع، فيكون حرامًا، وإذا حرم ترك العزم على الطاعة، كان العزم عليها واجبًا، لأن فعل ما يحرم تركه واجب، والحرام يجب تركه.
•ويجاب عنه:
بأن القسمة ثلاثة: العزم على ترك الطاعة، والعزم على فعلها، وألا ينوي لا هذا ولا ذاك، والكلام في القسم الثالث، والقول بأنه إذا لم يعزم على الفعل
стр. 1212
من أول وقت الواجب الموسع فقد وقع في الحرام فيه نظر، فالعزمُ غالبًا ما يكون مرتبطًا بالفعل، وليس بالوقت، والفعل لم يتعين في أول الوقت، كالوضوء للصلاة يتوضأ المسلم إذا أراد أن يقوم إلى الصلاة، ولا يستحضر العزم على الوضوء من دخول وقت الصلاة وإن كان الوضوء واجبًا لها، فكذلك إذا هم بفعل الصلاة استحضر العزم على الفعل عند القيام إليها، نعم قد يقال: إذا ترك الصلاة إلى أن يخرج وقتها لا يجوز له إلا إذا عزم على جمعها مع الصلاة الأخرى إن كانت مما يشرع له الجمع حتى لا تخرج الصلاة عن وقتها دون مسوغ، والمسوغ هنا هو العزم على جمعها مع الصلاة الأخرى، والله أعلم.
• الراجح:
أن العزم ليس بشرط لجواز التأخير، لأن النصوص لا تدل إلا على الصلاة، وأما العزم فليس في النصوص تعرض له، وهذا يدل على عدم وجوبه، والله أعلم.
стр. 1213
المبحث الرابع في وجوب تقديم الصلاة إذا ظن حدوث مانع
المدخل إلى المسألة:
• من مات في أثناء الوقت قبل وجوبها عليه، لم يعد مفرطًا بوجه.
• ما ترتب على المأذون غير مضمون.
• تحديد الواجب الموسع متلقى من الشرع، وتضييق الوقت في حق من ظن مانعًا غير ثابت في الشرع، ولا متفق عليه بين الخلق.
• لم تؤمر المرأة بالمبادرة بالصلاة من الشارع إذا أحست بقرب نزول الحيض، ولو كان واجبًا لجاء الأمر به لكثرة وقوعه.
• كل ما لم يجعل سببًا أو شرطًا وقت التشريع مع إمكانه، ولم يمنع من اعتباره مانع فهو مُلْغًى.
[م-١٨١] إذا ظن حدوث مانع في وسط الوقت من موت، أو حيض، أو نفاس تعين فعلها قبلها، نص على ذلك جماهير الفقهاء (١).
стр. 1214
وألحق به بعض الحنابلة كل من قدر على شرط الصلاة في أول الوقت دون آخره من سترة، أو بقاء طهارة ماء (١).
وقيل: لا يجب تقديم الصلاة لمن ظن مانعًا في أثناء الوقت، قال القرافي في الفروق: وهو مذهب المالكية، وهو الصحيح من جهة النظر (٢).
• دليل من قال: يجب تقديم الصلاة قبل حدوث المانع:
الدليل الأول:
حكى بعض العلماء الإجماع على تحريم تأخير الصلاة إذا ظن حصول مانع.
قال في التاج والإكليل: «ومن أخر مع ظن الموت قبل الفعل عصى اتفاقًا» (٣).
وقال ابن مفلح: «من أخر الواجب الموسع مع ظن موت أو غيره أثم إجماعًا» (٤).
وقال الطوفي: «لو أخر الموسع عن أول وقته، مع ظنه أنه يموت قبل أن يفعله … عصى بمجرد هذا التأخير باتفاق الأصوليين؛ لأنه أخر الواجب في وقته مع القدرة على فعله، وظن موته في أول الوقت، وعدم استدراكه بعد ذلك، فصار كمن عنده وديعة، فترك إزالتها من مكان ظن أن النار ستأتي عليها فيه فتحرقها، ومناط الإثم والمعصية ترك إحراز الواجب الموسع، مع ظن فواته» (٥).
الدليل الثاني:
وعلل الخرشي وجوب التقديم بقوله: «لأن الوقت الموسع صار في حقه مضيقًا، فكان يجب عليه المبادرة إلى الفعل» (٦).
стр. 1215
• دليل من قال: لا يجب تقديم الصلاة على حدوث المانع:
الدليل الأول:
أن تحديد الواجب الموسع متلقى من الشارع، وتضييق الوقت في حق من ظن مانعًا غير ثابت في الشرع، ولا متفق عليه، لا بدليل قطعي ولا ظني، فلا يصح القول به.
الدليل الثاني:
لو كان التقديم واجبًا لنبه عليه الشارع، حيث يطرق الحيض نساء المسلمين، وله علامات محسوسة تعرفها المرأة قبل نزوله، ولم تؤمر المرأة بالمبادرة بالصلاة إذا أحست بقرب نزول الحيض.
الدليل الثالث:
من مات في أثناء الوقت قبل وجوبها عليه، لم يعد مفرطًا بوجه.
قال ابن الشاط: «ما قاله -يعني القرافي- من أن صاحب الشرع جعل نصف القامة وقتًا لمن غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى نصفها باطل لا شك فيه، وإن كان ذهب إلى ذلك طائفة فهو مذهب ذاهب، ودعوى لا حجة عليها البتة، ومن غلب على ظنه ذلك فلا يخلو أن يقع الأمر كما ظنه أو لا، فإن وقع الأمر كما ظنه فلا يخلو أن يكون قد أوقع الصلاة قبل موته أو لا، فإن كان قد أوقعها فقد أوقع الواجب وفاز بأجره، وإن لم يكن أوقعها فلا مؤاخذة عليه فإنه مات في أثناء الوقت فلا يعد مفرطًا بوجه» (١).
• الراجح:
إن صحت دعوى الإجماع فهو حجة، وخلاف من خالف لا يخرق الإجماع، وإن لم يَصِحَّ الإجماع، وهذا هو الظاهر فإن القول بعدم وجوب تقديم الصلاة قول قوي، لأن ما ترتب على المأذون غير مضمون، فإذا كان الشرع قد أذن له في التأخير، ونزل به مانع قبل تعين الوقت عليه لم يصح القول بإثمه، فالواجب الموسع لا يتعين ولا يضيق إلا أن يضيق وقته بحيث لا يبقى منه إلا مقدار ما يسع
стр. 1216
فعل الصلاة، فالقول بأنه يضيق إذا ظن حدوث مانعٍ في أثناء الوقت قول لا تسنده الأدلة، نعم يجري القول بالتأثيم على قول الشافعية الذين يقولون: إن الوجوب يستقر في الذمة إذا دخل وقت الصلاة ومضى منه مقدار ما يسع فعلها، وكذا على مذهب الحنابلة الذين يقولون: يستقر الوجوب إذا دخل الوقت ومضى منه قدر تكبيرة الإحرام، وهما قولان ضعيفان، انظر نقد هذا المذهب في مسألة سابقة.
стр. 1217
المبحث الخامس في تأخير الصلاة لمصلحة الصلاة
الفرع الأول في تأخير الصلاة عن وقتها لتحصيل شرطها
المدخل إلى المسألة:
• الطهارة ألصق بالصلاة من الوقت، فالوقت يسقط بالنسيان والنوم، ولا تسقط الطهارة بالنسيان.
• قال ﷺ : لا صلاة بغير طهور ولم يقل مثل ذلك في الوقت.
• الانتقال إلى التيمم مشروط بعدم وجود الماء للرجل الصحيح، وظاهره ولو خرج الوقت، ولا يوجد نص شرعي في إباحة التيمم مع القدرة على الماء لتدارك الوقت.
• الطهارة شطر الصلاة، قال ﷺ : الطهور شطر الإيمان (١)، والمقصود شطر الصلاة في الأصح، بينما الوقت مجرد ظرف، ومراعاة الشطر أولى من مراعاة الظرف.
• الطهارة تؤهل المصلي للأداء حتى لو أحدث في أي جزء من الصلاة عاد ذلك بالبطلان لكل الصلاة، أما الوقت فإدراك ركعة، وقيل: جزء من الوقت إدراك لكل الوقت.
• إذا خشي فوات العبادة تيمم لها ولو مع وجود الماء، كما لو خشي فوات الجنازة والجمعة، فلا يقاس فوات الشرط على فوات العبادة.
[م-١٨٢] هذه المسألة تقع ضمن مسائل كثيرة يقع الخلاف فيها بين العلماء إذا ترتب على مراعاة الوقت فوات شرط العبادة، فأيهما يقدم؟
стр. 1218
فالمسافر إذا عدم الماء، ولا يصل إليه إلا بعد خروج الوقت، فجمهور العلماء يرون أنه يتيمم ويصلي في الوقت (١).
قال ابن تيمية: «المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضًا عليه أن يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق الأئمة، وليس له أن يؤخر الصلاة حتى يصل إلى الماء» (٢).
إلا أن الحنفية لم يجعلوا المعيار في التيمم إدراك الوقت، وإنما نظروا إلى قرب الماء وبعده، فإن كان الماء قريبًا فإنه لا يتيمم، وإن خرج الوقت، وإن كان بعيدًا تيمم (٣).
ومثله العريان لو أمكنه تحصيل السترة بعد خروج الوقت لم يؤخر الصلاة حكاه ابن تيمية إجماعًا (٤)، وفيه قول للشافعية إن كان يمكنه تحصيل السترة قريبًا لزمه انتظار السترة، وإن فات الوقت (٥).
ومسألتنا هذه إذا أخر الصلاة عن وقتها للاشتغال بشرطها الذي يحصله قريبًا، كرجل وقف على بئر، وهو محدث، فإن اشتغل باستخراج الماء من البئر خرج الوقت، وإن تيمم صلى في الوقت، فأيهما أولى بالمراعاة عند التزاحم؟
وقع نزاع بين أهل العلم،
فقيل: يقدم الشرط على الوقت، فيصلي بالماء ولو خرج الوقت، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية رجحه الرافعي، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 1219
بل إن المالكية في المشهور قدموا قضاء الصلوات الفائتة على الحاضرة، وإن خرج وقت الحاضرة في خمس صلوات فما دون (١).
قال في التلقين: «والترتيب في الفوائت واجب بالذكر في الخمس فدون،
стр. 1220
وهي أولى عند ضيق الوقت من الحاضرة ويقضيها على صفة أدائها» (١).
وقيل: يقدم الوقت على الشرط، فيصلي بالتيمم لإدراك الوقت، اختاره زفر من الحنفية، وهو المشهور في مذهب مالك، نص عليه في المدونة، وأحد القولين في مذهب الشافعية، واستظهره النووي (٢).
стр. 1221
وقيل: بالتفريق بين النائم والناسي وبين غيرهما، فإن كان نائمًا، فاستيقظ من نومه، أو ناسيًا فتذكر في آخر الوقت، قدم الشرط ولو خرج الوقت، وإن لم يكن معذورًا بنوم أو نسيان فإنه يتيمم لإدراك الوقت، وهذا اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى (١).
• دليل من قال: يتيمم ويصلي مراعاةً للوقت:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
الدليل الثاني:
قالوا: إن التيمم إنما شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، ولولا مراعاة الشارع لهذه المصلحة لقيل: ينتظر إلى حين وجود الماء، فيصليها بالماء، فمشروعية التيمم دليل على اهتمام الشارع بالوقت، وأن المحافظة على الوقت بالتيمم، أولى من المحافظة على الطهارة المائية خارج الوقت.
والدليل على عناية الشارع بالوقت أنه لم يجعل قتال العدو مبيحًا لتأخير الصلاة عن وقتها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
معنى الآية: إن خفتم أن تصلوا قيامًا بالأرض فصلوا رجالًا على الأقدام، أو ركبانًا على الخيل والإبل إيماءً وإشارةً بالرأس حيثما توجه، فجوز ترك بعض الشروط كاستقبال القبلة، والاكتفاء بالإيماء بدلًا عن الركوع والسجود كل ذلك من أجل المحافظة على الوقت، مع أنه كان يمكنه أن يصلي خارج الوقت مع قيامه بشروط العبادة، وأركانها، فالوقت أولى بالمراعاة من الطهارة المائية، وإذا قدم الوقت على مراعاة بعض أركان العبادة والتي هي جزء من حقيقتها وماهيتها، فلئن يقدم على الطهارة المائية والتي هي بمنزلة الوسائل من باب أولى، والله أعلم.
• ويناقش:
هذا الدليل هو أقوى دليل لمن قال: يراعى الوقت على سائر الشروط، ومع التأمل يمكن الإجابة عنه وتوجيهه، فسقوط بعض الأركان إلى بدل للعجز عنها يختلف عن إسقاطها مع القدرة عليها.
стр. 1222
ومسألتنا: هي في ترك الطهارة المائية مع القدرة عليها لمصلحة الوقت، وبينهما فرق، فلو عجز عن الطهارة المائية تيمم لمصلحة الوقت، ولا إشكال، وهي محل إجماع حتى لو تيقن أنه يجد الماء بعد الوقت.
فلا يقاس العاجز على المقتدر، ولا يؤخذ من الإسقاط في العجز حال الخوف ترتيب الأوليات في حال الأمن، فمثلًا في النافلة له أن يصلي جالسًا مع قدرته على القيام، ولا يسقط عن المتنفل استقبال القبلة إذا كان مقيمًا على الأرض، وليس في هذا أن استقبال القبلة أهم من القيام في الصلاة، إلا أن الشرع راعى في سقوط القيام عن المتنفل الحاجة إلى تسهيل النوافل وتكثيرها، ولم يَرَ في سقوط استقبال القبلة وهو يتنفل على الأرض أي معنى لتخفيف الصلاة، فاتجاهه إلى القبلة كاتجاهه إلى غيرها، لهذا أبطل صلاته إذا انحرف عن القبلة متعمدًا، ولو كان في نافلة ما دام مقيمًا على الأرض، علمًا أن الخوف إذا اشتد على المجاهد حتى لا يضبط صلاته سقطت عنه على الصحيح، كما فعل الصحابة في فتح تستر، وسوف تأتينا إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث:
القياس على المسافر، وذلك أن المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء إلا بعد خروج الوقت كان فرضًا عليه أن يصلي بالتيمم حكاه بعض العلماء إجماعًا (١)، وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يصل إلى الماء، فكذلك الحال هنا، يجب عليه أن يؤدي الصلاة بالتيمم، ولا يخرج العبادة عن وقتها طلبًا للطهارة المائية.
• ونوقش هذا:
بأن الخلاف محفوظ حتى في المسافر، فالحنفية رأوا أن الماء إذا كان قريبًا من المسافر فإنه لا يتيمم، ولو خرج الوقت (٢)، وهو أحد القولين في
стр. 1223
مذهب الشافعية (١).
الدليل الرابع:
(ح-٤٢٥) ما رواه البخاري من طريق الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباسٍ قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،
فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه¬ السلام. وأخرجه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لما خشي فوات الرد على الرجل إن هو توضأ لرد السلام، تيمم في الحضر مع وجود الماء من أجل إدراك الرد على الرجل على طهارة، فكذلك إذا خشي فوات وقت الفريضة تيمم لإدراك الوقت، وإن كان الماء موجودًا.
• ويناقش:
هذا الدليل ليس في مسألتنا، فهذه المسألة: هي من تقديم العبادة على تحصيل شرطها، فإذا خشي فوات العبادة والتي هي الغاية إذا ذهب ليتوضأ فإنه يتيمم، وليست من باب تقديم الوقت على سائر الشروط، ومثله التيمم لخوف فوات الجنازة، أو لخوف فوات الجمعة، والله أعلم.
الدليل الخامس:
(ح-٤٢٦) ما رواه مسلم من حديث أبي موسى مرفوعًا، وفيه: ( … الوقت بين هذين) (٣).
وجه الاستدلال:
المقصود (الصلاة بين هذين) مع القيام بما لا تصح الصلاة إلا به، وهو
стр. 1224
الوضوء لمن كان واجدًا للماء قادرًا عليه، فإذا وضع حديث: (الصلاة بين هذين) مع حديث: (لا صلاة بغير طهور)، اكتمل الحكم باكتمال النظر لكلا الدليلين، وإذا كانت الصلاة تصح خارج الوقت للمعذور كالنائم والناسي بالإجماع، ولم يمنع قوله: (الصلاة بين هذين) من الصلاة خارج الوقت صح إيقاع الصلاة خارج وقتها لتحصيل ما لا تصح الصلاة إلا به، وهو الطهور مع القدرة عليه.
• دليل من قال: يتوضأ، ولا يتيمم ولو خرج الوقت:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦].
فالانتقال إلى التيمم مشروط بعدم وجود الماء للرجل الصحيح، وهذا واجد للماء حقيقة.
الدليل الثاني:
(ح-٤٢٧) ما رواه أبو ذر، قال النبي ﷺ له: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فَلْيُمِسَّهُ بشرَتَهُ، فإن ذلك له خير (١).
[انفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال أحمد: لا أعرفه] (٢).
فقوله: (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) مطلق، سواء أخاف خروج الوقت أم لا، فالله إنما أجاز التيمم بشرطين: فقد الماء، أو العجز عن استعماله لمرض ونحوه، أما مع وجود الماء، والقدرة على استعماله فإنه يجب عليه استعماله، ولو خرج الوقت؛ وخروج الوقت معذور فيه؛ لأنه مشتغل بتحصيل شرط العبادة.
• ويجاب:
واعترض عليه بالمسافر إذا علم أنه يدرك الماء بعد خروج الوقت لم يجز له
стр. 1225
تأخير الصلاة، ووجب عليه التيمم.
• ورد هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن البحث ليس في العاجز عن الشرط، وإنما البحث في القادر على الماء، هل يتيمم تحصيلًا للوقت، أو يتوضأ ولو خرج الوقت.
الوجه الثاني:
قدمت في معرض الأقوال أن الحنفية يجعلون المدار على قرب الماء وبعده للمسافر، فإن كان قريبًا قدم الشرط على الوقت، وإن كان بعيدًا على خلاف بينهم في تحديد مسافة البعد قدم الوقت على الشرط، وهو أحد القولين عند الشافعية، والله أعلم.
• دليل ابن تيمية على التفريق بين النائم والناسي وبين غيرهما:
قال: إن الوقت في حق النائم يبدأ من حين الاستيقاظ، فلا تفوته الصلاة،
وقد قال ﷺ : أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيءَ وقت الصلاة الأخرى.
الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة (١).
فإذا كان النوم ليس فيه تفريط، وقد أمر النائم بإيقاع الصلاة إذا قام من النوم، فهذا هو وقتها بالنسبة إليه، لا فرق بين كون الصلاة في الوقت أو خارج الوقت.
• الراجح:
بعد استعراض الأقوال، أجد أن المسألة فيها خلاف قوي، وليس هناك نص يقطع النزاع، ولا إجماع ترد إليه الأقوال، والوقت للصلاة سبب للوجوب وشرط للأداء، والطهارة شرط، وإذا انتبه النائم في آخر الوقت، وكان في حال إن صلى بالتيمم أدرك الوقت، وإن صلى بالماء خرج الوقت، فقيل: له: ليس فرضك التيمم،
стр. 1226
بل يجب عليك الوضوء وتحصيل الطهارة، وإن خرج الوقت، فغيره مثله، ومسألة العذر إنما هو في تعلق الإثم على المفرط، وهو حكم تكليفي.
لذلك أجدني أميل إلى القول بمراعاة الطهارة، إذا كانت بين يديه، ويلحق فعله بالقضاء، فإن كان متعمدًا لزمه التوبة مع القضاء.
والطهارة ألصق بالصلاة من الوقت، فالوقت يسقط بالنسيان، والنوم، ولا تسقط الطهارة بالنسيان، فلا صلاة بغير طهور.
والطهارة شطر الصلاة، قال ﷺ : الطهور شطر الإيمان (١)، والمقصود شطر الصلاة في الأصح، أما الوقت فهو مجرد ظرف.
وإذا أدرك ركعة، وقيل: أي جزء من الوقت فقد أدرك الوقت، حتى ولو وقع أكثر الصلاة خارج الوقت، بخلاف الطهارة فهي بمنزلة الأهلية للأداء، فلو أحدث بأي جزء من الصلاة قبل التسليم عاد ذلك البطلان إلى جميع الصلاة.
• تنبيه:
قال ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى: «وأما قول بعض أصحابنا: إنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لناوٍ لجمعها أو مشتغل بشرطها، فهذا لم يقله قبله أحد من الأصحاب، بل ولا أحد من سائر طوائف المسلمين، إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي؛ فهذا أشك فيه. ولا ريب أنه ليس على عمومه وإطلاقه بإجماع المسلمين، وإنما فيه صورة معروفة، كما إذا أمكن الواصل إلى البئر أن يضع حبلًا يستقي، ولا يفرغ إلا بعد الوقت؛ وإذا أمكن العريان أن يخيط له ثوبًا ولا يفرغ إلا بعد الوقت، ونحو هذه الصور، ومع هذا فالذي قاله في ذلك خلاف المذهب المعروف عن أحمد وأصحابه، وخلاف قول جماعة علماء المسلمين من الحنفية والمالكية وغيرهم.
وما أعلم من يوافقه على ذلك إلا بعض أصحاب الشافعي. ومن قال ذلك فهو محجوج بإجماع المسلمين على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح تأخير الصلاة عن وقتها المحدود شرعًا، فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب الماء وهو لا يجده
стр. 1227
إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير باتفاق المسلمين .... » (١).
هذا القول من الشيخ ﵀ يشكل عليه، ما جاء في مسائل أحمد رواية عبد الله: «سألت أبي عن رجل في مصر من الأمصار، فخاف إن هو ذهب يجيء بالماء ليتوضأ أن تطلع الشمس يتيمم قال: لا يكون هذا في مصر من الأمصار، إنما يتيمم في السفر، أو غير واجد الماء» (٢).
وقد علمت أن مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ونصره الرافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة تقديم الشرط على الوقت، وأنه لا يتيمم وهو قادر على الصلاة بالماء، ولو خرج الوقت.
стр. 1228
الفرع الثاني تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت
مدخل إلى المسألة:
• التيمم رافع للحدث إلى حين وجود الماء، وليس مجرد مبيح للصلاة.
• طهارة المتيمم طهارة كاملة وليست ناقصة.
• كل صلاة يستحب تعجيلها في طهارة الماء يستحب تعجيلها في طهارة التيمم.
وقيل:
• مراعاة الشروط أولى من مراعاة السنن والآداب، والصلاة في أول الوقت فضيلة.
[م-١٨٣] اختلف الفقهاء في الأفضل للمصلي، أيصلي في أول الوقت بالتيمم، أم يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء فيه؟
فقيل: تأخيرها إلى آخر الوقت أفضل، إن كان يغلب على ظنه وجود الماء، وهو مذهب الحنفية (١) والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يصلي في أول الوقت إلا إذا تيقن وجوده في آخر الوقت في منزله الذي هو فيه، فالتأخير أفضل، وهو مذهب الشافعية (٣).
стр. 1229
وقيل: إذا لم يغلب على ظن المسافر الرجاء للماء، ولا اليأس منه، فالمستحب له أن يتيمم وسط الوقت.
فإن غلب على ظنه إدراك الماء استُحِبَّ له التأخير.
وإن غلب على ظنه عدم وجود الماء، استُحِبَّ له الصلاة في أول الوقت وهذا مذهب المالكية (١).
وقد بحثت هذه المسألة وذكرت أدلة الأقوال في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، فانظره هناك مشكورًا (٢).
стр. 1230
الفرع الثالث تأخير الصلاة لتعلم واجب كتعلم الفاتحة
المدخل إلى المسألة:
• الأمر بالصلاة أمر بها وبما لا تتم الصلاة إلا به من تعلمٍ لأحكامها، وقراءتها والقيام بشروطها من طهارة وسترة ونحوها.
• ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[م-١٨٤] أمر الله تعالى المؤمنين بالصلاة، ويلزم منه الأمر بتعلم كل ما يلزم لإقامتها، فإذا دخل عليه الوقت، وجب عليه تأخير الصلاة عن أول وقتها ليتعلم ما يجب لها بشروطٍ ثلاثة: أن يقبل التعليم، وأن يجد من يعلمه ولو بأجرة، وأن يتسع الوقت، نص عليه المالكية، والشافعية والحنابلة (١).
فإن خشي أن يخرج عليه الوقت، قال المالكية: يصلي مأمومًا خلف من يحسنها وجوبًا، فإن صلى فَذًّا بطلت (٢).