بل يجب عليك الوضوء وتحصيل الطهارة، وإن خرج الوقت، فغيره مثله، ومسألة العذر إنما هو في تعلق الإثم على المفرط، وهو حكم تكليفي.
لذلك أجدني أميل إلى القول بمراعاة الطهارة، إذا كانت بين يديه، ويلحق فعله بالقضاء، فإن كان متعمدًا لزمه التوبة مع القضاء.
والطهارة ألصق بالصلاة من الوقت، فالوقت يسقط بالنسيان، والنوم، ولا تسقط الطهارة بالنسيان، فلا صلاة بغير طهور.
والطهارة شطر الصلاة، قال ﷺ : الطهور شطر الإيمان (١)، والمقصود شطر الصلاة في الأصح، أما الوقت فهو مجرد ظرف.
وإذا أدرك ركعة، وقيل: أي جزء من الوقت فقد أدرك الوقت، حتى ولو وقع أكثر الصلاة خارج الوقت، بخلاف الطهارة فهي بمنزلة الأهلية للأداء، فلو أحدث بأي جزء من الصلاة قبل التسليم عاد ذلك البطلان إلى جميع الصلاة.
• تنبيه:
قال ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى: «وأما قول بعض أصحابنا: إنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لناوٍ لجمعها أو مشتغل بشرطها، فهذا لم يقله قبله أحد من الأصحاب، بل ولا أحد من سائر طوائف المسلمين، إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي؛ فهذا أشك فيه. ولا ريب أنه ليس على عمومه وإطلاقه بإجماع المسلمين، وإنما فيه صورة معروفة، كما إذا أمكن الواصل إلى البئر أن يضع حبلًا يستقي، ولا يفرغ إلا بعد الوقت؛ وإذا أمكن العريان أن يخيط له ثوبًا ولا يفرغ إلا بعد الوقت، ونحو هذه الصور، ومع هذا فالذي قاله في ذلك خلاف المذهب المعروف عن أحمد وأصحابه، وخلاف قول جماعة علماء المسلمين من الحنفية والمالكية وغيرهم.
وما أعلم من يوافقه على ذلك إلا بعض أصحاب الشافعي. ومن قال ذلك فهو محجوج بإجماع المسلمين على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح تأخير الصلاة عن وقتها المحدود شرعًا، فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب الماء وهو لا يجده
стр. 1227
إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير باتفاق المسلمين .... » (١).
هذا القول من الشيخ ﵀ يشكل عليه، ما جاء في مسائل أحمد رواية عبد الله: «سألت أبي عن رجل في مصر من الأمصار، فخاف إن هو ذهب يجيء بالماء ليتوضأ أن تطلع الشمس يتيمم قال: لا يكون هذا في مصر من الأمصار، إنما يتيمم في السفر، أو غير واجد الماء» (٢).
وقد علمت أن مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ونصره الرافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة تقديم الشرط على الوقت، وأنه لا يتيمم وهو قادر على الصلاة بالماء، ولو خرج الوقت.
стр. 1228
الفرع الثاني تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت
مدخل إلى المسألة:
• التيمم رافع للحدث إلى حين وجود الماء، وليس مجرد مبيح للصلاة.
• طهارة المتيمم طهارة كاملة وليست ناقصة.
• كل صلاة يستحب تعجيلها في طهارة الماء يستحب تعجيلها في طهارة التيمم.
وقيل:
• مراعاة الشروط أولى من مراعاة السنن والآداب، والصلاة في أول الوقت فضيلة.
[م-١٨٣] اختلف الفقهاء في الأفضل للمصلي، أيصلي في أول الوقت بالتيمم، أم يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء فيه؟
فقيل: تأخيرها إلى آخر الوقت أفضل، إن كان يغلب على ظنه وجود الماء، وهو مذهب الحنفية (١) والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يصلي في أول الوقت إلا إذا تيقن وجوده في آخر الوقت في منزله الذي هو فيه، فالتأخير أفضل، وهو مذهب الشافعية (٣).
стр. 1229
وقيل: إذا لم يغلب على ظن المسافر الرجاء للماء، ولا اليأس منه، فالمستحب له أن يتيمم وسط الوقت.
فإن غلب على ظنه إدراك الماء استُحِبَّ له التأخير.
وإن غلب على ظنه عدم وجود الماء، استُحِبَّ له الصلاة في أول الوقت وهذا مذهب المالكية (١).
وقد بحثت هذه المسألة وذكرت أدلة الأقوال في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، فانظره هناك مشكورًا (٢).
стр. 1230
الفرع الثالث تأخير الصلاة لتعلم واجب كتعلم الفاتحة
المدخل إلى المسألة:
• الأمر بالصلاة أمر بها وبما لا تتم الصلاة إلا به من تعلمٍ لأحكامها، وقراءتها والقيام بشروطها من طهارة وسترة ونحوها.
• ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[م-١٨٤] أمر الله تعالى المؤمنين بالصلاة، ويلزم منه الأمر بتعلم كل ما يلزم لإقامتها، فإذا دخل عليه الوقت، وجب عليه تأخير الصلاة عن أول وقتها ليتعلم ما يجب لها بشروطٍ ثلاثة: أن يقبل التعليم، وأن يجد من يعلمه ولو بأجرة، وأن يتسع الوقت، نص عليه المالكية، والشافعية والحنابلة (١).
فإن خشي أن يخرج عليه الوقت، قال المالكية: يصلي مأمومًا خلف من يحسنها وجوبًا، فإن صلى فَذًّا بطلت (٢).
стр. 1231
وقال الحنابلة والشافعية: سقط عنه الواجب (١).
فإن لم يفعل مع القدرة على التعلم أثم، وعليه الإعادة مطلقًا عند الشافعية والحنابلة (٢).
وقال المالكية: يقضي من الصلوات ما صلاه فذًّا في الأزمنة التي فرط فيها، ولا يقضي ما ائتم فيها بمن يحسنها (٣).
وقال أشهب: صلاته صحيحة ولو صلى فذًّا (٤).
• وجه القول بالأمر بالوجوب:
أمر الله تعالى بالصلاة، والأمر بها أمر بتحصيل كل ما يجب لها وفيها، أو يشترط لصحتها؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولأن تأخير الصلاة إلى آخر وقت الاختيار مباح، وتعلم الفاتحة واجب للصلاة، فلزمه تحصيله إذا أمكنه كسائر شروطها.
• وجه قول المالكية يجب عليه أن يأتم بمن يحسنها:
هذا القول مبني على أن قراءة الإمام قراءة لمن خلفه.
(ح-٤٢٨) فقد روى أحمد من طريق الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي (٥)،
стр. 1232
عن أبي الزبير،
عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
[ضعيف، والمعروف عن جابر موقوفًا، وعن عبد الله بن شداد مرسلًا] (١).
وإذا كان كذلك فإن قراءة الفاتحة واجب، ولا يتوصل إلى ذلك الواجب إلا بالإتمام بمن يحسنها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
• وجه القول ببطلان الصلاة إذا ترك التعلم مع القدرة عليه:
الدليل الأول:
(ح-٤٢٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن محمود بن الربيع،
عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٢).
الدليل الثاني:
«القادر على التوصل إلى الشيء في حكم القادر عليه، ألا ترى أن من قدر على التوصل إلى الماء لم يجز له التيمم، ومن قدر على ثمن الرقبة لم يجز له التكفير بالصيام، ومن قدر على ثمن الزاد والراحلة لزمه الحج فكذلك إذا قدر على تعليم الفاتحة كان في حكم القادر عليها» (٣).
الدليل الثالث:
ولأن قراءة الفاتحة إما ركن أو واجب في الصلاة، والأصل في ترك الواجب عمدًا أنه يبطل الصلاة.
• وجه القول بصحة الصلاة:
إذا ترك التعلم مع قدرته عليه أثم، فإذا وجبت عليه الصلاة أمر بها على
стр. 1233
حسب حاله، ولا يؤمر المسلم بصلاة لا تجزئ عنه، ويدخل فيها، وهو يعلم أنه مأمور بإعادتها، فإذا أمرناه بالصلاة أسقطنا عنه الطلب، والإجزاء دليل الصحة، ولا يكلف بالصلاة مرتين.
• الراجح:
أن تعلمها واجب مع القدرة، ويأثم بالتفريط، ويبقى النظر إذا ضاق الوقت ووجبت عليه الصلاة، هل نقول: لا تُصَلِّ لتفريطك، ولأن الرسول ﷺ : قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب؟
أو نقول: صَلِّ تداركًا للوقت، وأعد الصلاة؛ لأنك قادر على تعلم قراءة الفاتحة، ولم تفعل؟ ويشكل عليه كيف يؤمر المسلم بصلاة لا تجزئ عنه، ويدخل فيها، وهو يعلم أنه مأمور بإعادتها
أو نقول: صَلِّ ما دام قد ضاق الوقت وصلاتك صحيحة، وأنت على خطر كبير في بطلان صلاتك، وتجب عليك التوبة مما أنت فيه، ومن التوبة أن تقوم بتعلم قراءة الفاتحة؟ وأما حديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب: فيتجه لمن صلى، وهو قادر على قراءة الفاتحة، كل قول من هذه الأقوال له وجه، ونفسي تميل إلى الثالث، والله أعلم.
стр. 1234
الفرع الرابع تأخير الصلاة لحضور الطعام أو لمدافعة الأخبثين
المدخل إلى المسألة:
• الأصل في النفي نفي الوجود، فإن وجد حمل على نفي الصحة، فإن اقتضى الدليلُ الصحةَ حمل على نفي الكمال ..
• يشرع تفريغ قلب المصلي من كل ما يشغله أو يذهب بكمال خشوعه قبل الصلاة.
• ترك الجماعة الواجبة من أجل كمال الخشوع يدل على أهمية الخشوع ومنزلته من الصلاة.
• تحرم الصلاة مع ذهاب كامل الخشوع، وتكره مع ذهاب كماله، ولو صلى صحت صلاته في الحالين على الصحيح كما لو فوَّت الخشوع لغير هذا السبب.
• إن شغله مدافعة الأخبثين حتى لا يدري كم صلى بنى على اليقين.
• إذا تزاحمت فضيلتان إحداهما تتعلق بذات العبادة، والأخرى بوقتها أو مكانها قدم منهما ما تعلق بذاتها، كتقديم الطعام من أجل حضور القلب على فضيلة الصلاة في أول الوقت، وتقديم الرمل في الطواف وإن أبعد على الدنو من الكعبة.
[م-١٨٥] يكره أن يصلي بحضرة طعام، أو وهو حاقن، إذا كان في الوقت سعة، فإن صلى وهو حاقن، فلا إعادة عليه، وهذا مذهب الجمهور (١).
وروى ابن القاسم عن مالك: يعيد في الوقت وبعده، وهو ورواية عن أحمد، وبه قال أهل الظاهرية، حتى قالوا: يأكل ولو خرج الوقت، وحكي عن بعض الشافعية (٢).
стр. 1235
وتأوله بعض أصحاب مالك: أنه إن شغله حتى إنه لا يدري كيف صلى فهو الذي يعيد قبل وبعد. وأما إن شغله شغلًا لم يمنعه من إقامة حدودها أعاد استحبابًا في الوقت، واختار هذا بعض الشافعية (١).
• دليل من قال: يكره، وتصح الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٤٣٠) ما رواه مسلم من طريق يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق،
عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (٢).
•وجه الاستدلال:
قوله: (لا صلاة بحضرة الطعام) نفي بمعنى النهي، أي لا يصلي أحد بحضرة طعام.
والأصل في النهي التحريم، وفي النفي أنه محمول على نفي الصحة، إلا أنهم جعلوا العلة في النهي قرينة صارفة من التحريم للكراهة، ومن نفي الصحة إلى نفي الكمال، فصار المعنى: لا صلاة أي كاملة.
والعلة وإن كانت مستنبطة إلا أنها ظاهرة في أن النهي عند الجمهور من أجل تفويت كمال الخشوع بانشغال القلب من أجل التشوف إلى الطعام، أو انشغاله في مدافعة الأخبثين، فينبغي أن يؤخر الصلاة لكل مشوش على القلب حيث كان في الوقت سعة، كشدة الحر، وغلبة النعاس، وشدة الخوف، ومثلها شدة المطر والريح إذا لم يكن له ما يكنُّه عنهما، ولهذا شرع الإبراد في صلاة الظهر عند شدة الحر؛ كل ذلك ليؤدي العبد الصلاة، وهو مقبل على ربه بخشوع وطمأنينة.
стр. 1236
وتفويت الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها: إن أذهَبَ كمالَهُ فالصلاة صحيحة مع الكراهة.
وإن أذهب كامل الخشوع كان الدخول في الصلاة مبنيًا على حكم من صلى بغير خشوع، وفيه خلاف بين الفقهاء، ومذهب الأئمة الأربعة على استحباب الخشوع في الصلاة، وحكي إجماعًا، فيكون فواته لا يبطل الصلاة، والله أعلم (١).
قال النووي: «في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله لما فيه من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع وكراهتها مع مدافعة الأخبثين وهما البول والغائط، ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب، ويذهب كمال الخشوع، وهذه الكراهة عند جمهور أصحابنا وغيرهم إذا صلى كذلك، وفي الوقت سعة، فإذا ضاق بحيث لو أكل، أو تطهر خرج وقت الصلاة صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز تأخيرها» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٤٣١) روى البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه. وكان ابن عمر: يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام (٣).
وفي هذا الحديث دليل على فضيلة تقديم حضور القلب في الصلاة على فضيلة أول الوقت، وهكذا ينبغي تقديم كل فضيلة تتعلق بذات العبادة على ما يتعلق بمكانها، أو أول وقتها.
فالوقوف عن يسار الإمام مع إدراك جزء من العبادة أفضل من تَطَلُّبِ الوقوف عن يمين الإمام إذا كان ذلك يفوت جزءًا من العبادة؛ لأن إدراك جزء من العبادة أفضل
стр. 1237
من تحصيل فضيلة خارجة عنها.
ومثله إذا دخل الإمام في الصلاة فالدخول معه أولى من تحصيل فضيلة السواك، والأمثلة كثيرة.
(ث-١٢٤) وروى البخاري تعليقًا في صحيحه، قال: قال أبو الدرداء: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته، وقلبه فارغ (١).
• دليل من قال: لا يصلي بحضور الطعام، ومدافعة الأخبثين:
استدل بحديث عائشة المتقدم في مسلم: لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان.
وجه الاستدلال:
أن قوله: (لا صلاة … ) نفي بمعنى النهي، أي لا يصلي أحد بحضرة الطعام، والأصل في النهي من حيث الحكم التكليفي هو التحريم.
ومن حيث الحكم الوضعي الفساد، وعدم الصحة.
وقوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي فتعم، سواء أكان حضور الطعام يشوش على قلبه أم لا، وسواء أكان يذهب كمال الخشوع أم كليته.
والأصل في النفي في قوله: (لا صلاة) أن يكون نفيًا للوجود، فإذا وجدت الصلاة مع حضور الطعام صار النفي نفيًا للصحة، ولا يحمل على الكمال إلا بنص أو إجماع، كالنفي في قوله ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٢)، فكان يمكن أن يكون نفيًا لصحة الإيمان لولا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا … ﴾. إلى قوله تعالى: ﴿ … إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
ولا يوجد مثل ذلك في حديث النهي عن الصلاة بحضرة الطعام، ولا في النهي عن مدافعة الأخبثين، فتعين النفي للصحة.
стр. 1238
• ونوقش هذا:
والصارف عند الجمهور ما قاله ابن عبد البر، قال: «قد أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته، ولم يترك من فرائضها شيئًا أن صلاته مجزية عنه، فكذلك إذا صلاها حاقنًا فأكمل صلاته، وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام من أجل خوف اشتغال بال المصلي بالطعام عن الصلاة، وتركه إقامتها على حدودها، فإذا أقامها على حدودها خرج من المعنى المخوف عليه وأجزأته صلاته» (١).
• ونوقش:
بأن الخلاف في الصلاة بحضور الطعام محفوظ، وليس فيه إجماع ليكون قرينة صارفة، فهناك من ذهب إلى وجوب تقديم الطعام على الصلاة ما لم يَخْشَ خروج الوقت.
واختار بعضهم: ولو خرج الوقت.
ومنهم من استحب تقديم الطعام على الصلاة. ومنهم من قيد ذلك بالحاجة.
والخلاف مثله أو أشد إذا حصره البول؛ لأن حبس البول مضر بالبدن.
وإنما الصارف عن الوجوب: أن النهي معلل، وليس تعبديًّا، وظاهره أنه من أجل المحافظة على الخشوع في الصلاة، فإذا لم يذهب الخشوع لم يحرم، ولو فات كماله، وإذا فات كله حرم الدخول في الصلاة، وفي إبطال الصلاة خلاف (٢).
• دليل من قال: إن شغله حتى لا يدري ما يقول أعاد الصلاة مطلقًا:
الخشوع في الصلاة واجب فإن كانت مدافعة الأخبثين تذهب بكماله كره، لأن الصلاة لا تبطل بفواته.
وإن شغله حتى لا يدري كيف صلى فإنه يعيد في الوقت وبعده.
قال القاضي عياض: «كلهم مجمعون: أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها أنه لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها» (٣).
стр. 1239
• ونوقش هذا:
بأن دخوله في الصلاة وهو يدافع الأخبثين، إما أن يؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا.
فإن أدى إلى ذلك حرم الدخول في الصلاة في هذه الحال من حيث الحكم التكليفي.
فإن دخل في الصلاة واختل ركن أو شرط فسدت الصلاة بذلك الاختلال، لا بمدافعة الأخبثين.
وإن لم يُؤَدِّ إلى ذلك فصلاته مكروهة، وقول القاضي عياض: إن بلغ به ما لا يعقل صلاته ولا يضبط حدودها: إن أراد بذلك الشك في شيء من الأركان، فحكمه حكم من شك في ذلك بغير هذا السبب، وهو البناء على اليقين.
وإن أراد به أنه يذهب الخشوع بالكلية فحكمه حكم من صلى بغير خشوع، ومذهب جمهور الأمة أن ذلك لا يبطل الصلاة (١).
والخشوع في الصلاة إن كان المراد به سكون الجوارح؛ لأن حركة الجوارح تخالف الخشوع، وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]. فجعل حركتها في مقابل خشوعها، فهذا لا تأثير لمدافعة الأخبثين أو حضور الطعام عليها، فيمكن للمصلي أن يحافظ على جوارحه ساكنة، وإن كان يدافع الأخبثين، أو كان يتشوف إلى الطعام.
وإن كان المقصود بالخشوع حضور القلب، فهذا مختلف في وجوبه، والأكثر على عدم الوجوب وحكاه النووي إجماعًا، كما حكى الإجماع على أن الصلاة لا تبطل، ولا يصح الإجماع في الموضعين (٢).
وعلى القول بوجوبه فهو ليس واجبًا للخروج من عهدة التكليف وأداء الواجب، وإنما هو شرط لحصول الثواب عند الله، فالتقصير فيه ينقص من ثواب الصلاة بمقدار ما نقص له من خشوعها، ولا يبطل الصلاة، وتعمده يجعل المصلي
стр. 1240
آثمًا، وأما الإجزاء فقد سقطت الصلاة عنه بفعلها، ولأن الإعادة تحتاج إلى دليل، ولا دليل على وجوب الإعادة.
تنبيه: إذا خشي خروج الوقت إن قدم دفع الأخبثين فهنا تزاحم واجبان:
مراعاة شرط العبادة الذي هو الوقت، أو مراعاة مصلحة تعود على العبادة نفسها، من كونه يقبل عليها، وهو يعقلها، فيؤديها بسكينة وخشوع.
هذه محل اجتهاد المفتي ونظره:
أيقدم صورة الصلاة وإن لم يعقل ما يقول فيها حفاظًا على الوقت، أم يقدم الخشوع على الوقت؟
فمن قدم الأول كان حجته مشروعية الصلاة حال المسايفة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فقدم الصلاة في الوقت على المحافظة على بعض فروضها، ومنه الخشوع، ولأن الوقت سبب للوجوب وشرط للأداء، والخشوع مختلف في وجوبه، والأكثر على عدم الوجوب.
ومن قدم الثاني فإنه نظر إلى أن العبد إنما يقيم الصلاة من أجل إقامة ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] فإذا كانت مدافعة الأخبثين شديدة حتى لا يدري ما يقرأ ذهبت الغاية من إقامة الصلاة، ويكون تأخيره لها في هذه الصورة من تأخير المعذور، ويلحق به الخوف الشديد الذي لا يعقل معه صلاته على الصحيح من أقوال أهل العلم، كما صلى الصحابة بعد خروج الوقت يوم فتح تستر، وكما يلحق بالناسي والنائم، ونحو ذلك من الصور التي يعذر فيها على تأخير الصلاة عن وقتها، والله أعلم.
وانظر: بحث المسألة مستوفاة في المجلد الخامس عشر، عند الكلام على الأعذار التي تسقط بها الجماعة.
стр. 1241
الفرع الخامس تأخير الصلاة بسبب الغيم
المدخل إلى المسألة:
• الأصل أن أول الوقت أفضل إلا ما اسْتُثِنْيَ.
• يستحب التأخير في حال الغيم إذا لم نتيقن دخول الوقت احتياطًا للعبادة.
• غلبة الظن يكفي في دخول الوقت على الصحيح إذا تعذر اليقين.
• إذا تيقنا دخول الوقت في الغيم كان الاستعجال أفضل إلا حيث استحب التأخير في الصحو كالإبراد بالظهر في شدة الحر، وتأخير العشاء إذا لم يشق على الناس.
• الاحتياط لدخول الوقت معنى يستوي فيه كل الصلوات.
• الصلوات التي لا تشارك ما قبلها كالظهر والمغرب والفجر يحتاط لها أكثر من العصر والعشاء مما يشارك ما قبلها في الوقت.
[م-١٨٦] قال الحنفية يستحب تأخير الظهر والمغرب والفجر من أجل الغيم مطلقًا للفرد والجماعة، وهو رواية مطرف عن مالك (١).
ووافقهم الحنابلة في تأخير الظهر والمغرب في الغيم لمن يصلي جماعة (٢).
قال ابن الهمام: «فإن كان في يوم غيم فالمستحب في الفجر، والظهر، والمغرب تأخيرها … » (٣).
стр. 1242
• واختلفوا في تعليل الحكم:
فعلل الحنفية والمالكية: استحباب التأخير احتياطًا للعبادة، خوفًا من وقوع الصلاة قبل الوقت، ولأن الأصل عدم دخول الوقت حتى يتيقن دخوله، ولهذا استحبُّوا التأخير للمنفرد والجماعة.
وإذا كان الأمر احتياطًا لدخول الوقت فهذا معنى يستوي فيه كل الصلوات، فتخصيص الاستحباب ببعض الأوقات دون بعض لا معنى له.
وذكر الحنفية من أسباب تفضيل التأخير: أن في التأخير ترددًا بين وجهي الجواز: إما القضاء، وإما الأداء.
وفي التعجيل تردد بين وجهي الجواز والفساد، فكان التأخير أولى (١).
وهذا يصدق على كل الصلوات، ولهذا يستحب الحنفية تأخير الصلوات كلها إلا المغرب في الصحو، والعصر والعشاء في حال الغيم، فيستحب تقديمهما.
وذكر بعض المالكية وجهًا لاختصاص استحباب تأخير الظهر والمغرب والصبح في الغيم: أن هذه الصلوات لا تشارك ما قبلها، فلا يصليها حتى يتيقن دخول الوقت، بخلاف العصر والعشاء فإنها تشارك ما قبلها في الوقت لهذا استحب تعجيلها اكتفاء بغلبة الظن (٢).
وهو قريب من تعليل بعض المتأخرين من الحنابلة: بأن تعجيل الثانية قبل الوقت جائز في حال الجمع للأعذار، والاشتباه في الوقت نوع من العذر.
وقد نص أحمد على أن المسافر حال اشتباه الوقت عليه في الصحو أيضًا يؤخر الظهر ويعجل العصر؛ لهذا المعنى، وهو يدل على أنه يجوز تعجيل الثانية من المجموعتين، وإن لم يتيقن دخول وقتها (٣).
وانفرد بعض الحنابلة بذكر علة أخرى للحكم: أن الغيم مظنة المطر، فاستحباب التأخير دفعًا للحرج والمشقة؛ ليكون الخروج لهما واحدًا، ولهذا
стр. 1243
قصروا الاستحباب على الجماعة، وهو قدر زائد على تأخير الجمهور، وقصروه على الظهر ليصلي معه العصر، والمغرب ليصلي معه العشاء، وهذا المعنى لا يوجد في الصبح، والعصر، والعشاء فلم يستحبوا تأخيرها من أجل الغيم.
وقد يستدل على أن العصر لا تؤخر من أجل الغيم:
(ح-٤٣٢) بما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن أبا المليح حدثه، قال:
كنا مع بريدة في يومٍ ذي غيم، فقال: بكروا بالصلاة فإن النبي ﷺ قال: من ترك صلاة العصر حبط عمله (١).
قال ابن حجر: «خص يوم الغيم بذلك؛ لأنه مظنة التأخير، إما لمتنطع يحتاط لدخول الوقت، فيبالغ في التأخير حتى يخرج الوقت، أو لمتشاغل بأمر آخر، فيظن بقاء الوقت، فيسترسل في شغله إلى أن يخرج الوقت … وقد استشكل معرفة تيقن دخول أول الوقت مع وجود الغيم؛ لأنهم لم يكونوا يعتمدون فيه إلا على الشمس. وأجيب: باحتمال أن بريدة قال ذلك عند معرفة دخول الوقت؛ لأنه لا مانع في يوم الغيم من أن تظهر الشمس أحيانًا، ثم إنه لا يشترط إذا احتجبت الشمس اليقين بل يكفي الاجتهاد» (٢).
واستحب الشافعية أن تؤخر كل الصلوات للغيم حتى يتيقن الوقت، أو يخشى فواته، ولم يخصوا صلاة دون صلاة، وبه قال إسحاق (٣).
وهذا يعني أنه لا يستحب التأخير في الغيم مع تحقق دخول الوقت، إلا في حال يستحب التأخير في الصحو كشدة الحر، ونحوه، وحكي مثل ذلك عن
стр. 1244
الخرقي، وهو رواية عن أحمد (١).
• دليل هذا القول:
النصوص دالة على أن أول الوقت أفضل مطلقًا، وإنما خولف في شدة الحر لمعنى يخصه، فيبقى ما سوى ذلك على استحباب التعجيل.
ولأن النبي كان يعجل الظهر في الشتاء من غير فرق بين حالي الغيم والصحو، وإنما استحب التأخير في حال الغيم إذا لم نتيقن دخول الوقت احتياطًا للعبادة، فإذا تَيَقَّنَّا دخوله كان الاستعجال أفضل إلا حيث استحب التأخير في الصحو.
وقيل: يستحب تأخير الظهر وحده دون المغرب في حال الغيم، وهو قول في مذهب الحنابلة، قال ابن رجب: والمنصوص عن أحمد خلافه (٢).
• وجه هذا القول:
نصوص الصحيحين في وقت صلاة المغرب كلها تدل على أن النبي ﷺ كان يصلي المغرب إذا وجبت: أي سقط قرصها غائبًا، وفي بعض الروايات: إذا توارت بالحجاب، وهذه الأحاديث مطلقة، فظاهرها من غير فرق بين الصحو والغيم، لهذا كانت المبادرة بها متفقًا على استحبابها، وتأخيرها عن أول الوقت مكروهًا على الصحيح، وذهب الشافعية والمالكية إلى أن لها وقتًا واحدًا مما يعني أن وقتها ضيق، لهذا استحب المبادرة بها.
• الراجح:
أن الأفضل في حق من تيقن دخول الوقت أن يصلي أول الوقت، ولا يستحب التأخير إلا حيث يستحب التأخير في الصحو، كتأخير الظهر في شدة الحر، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل إذا لم يشق على الجماعة، أو تأخروا في الحضور.
وأما من لم يتيقن دخول الوقت فيستحب له الاحتياط والتأخير حتى يتيقن
стр. 1245
دخول الوقت، وإن صلى بعد أن غلب على ظنه دخول الوقت فلا بأس، وقد تقدم البحث أن غلبة الظن تكفي في جواز الصلاة، وأن تيقن دخول الوقت ليس شرطًا فإذا تبين أنه أخطأ وجبت عليه الإعادة، والأصل عدم الخطأ، والله أعلم.
стр. 1246
الفرع السادس في تأخير الظهر لشدة الحر
المدخل إلى المسألة
• لا يلزم من الإبراد أن تزول الرمضاء.
• أحاديث الأمر بالإبراد مطلقة تشمل الفَذَّ والجماعة والرجل والمرأة، ومن له ظل في طريقه وغيره، ولا يستثنى من ذلك شيء إلا بنص أو إجماع.
• حديث (أبردوا بالصلاة) ف (الصلاة) لفظ عام، والتعليل بشدة الحر يقتضي اختصاصه بالظهر؛ لأن العصر إحدى صلاتي البردين.
• الإبراد: تأخير الظهر عن أول وقتها إلى وقت الإبراد ما لم يدخل العصر.
• الإبراد فيه مصلحتان: الرفق بالمصلي فلا يمشي في شدة الحر، وخشوعه بالصلاة، فلا يصلي في شدة الحر، وكراهة إيقاع الصلاة في وقت تنفس جهنم.
• لا مانع من تعليل الحكم بأكثر من وصف مناسب.
[م-١٨٧] تأخير الظهر في وقت الحر داخل في التأخير لمصلحة الصلاة:
فقيل: تؤخر الظهر إلى وقت الإبراد مع الحر مطلقًا، للفذ والجماعة، وهذا مذهب الجمهور، والمشهور في مذهب المالكية (١).
стр. 1247
وقيل: لا تؤخر الظهر من أجل الإبراد مطلقًا، حكاه ابن المنذر عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وحكاه ابن بطال عنهم، وعن أبي بكر وعلي ﵃ أجمعين (١).
•وهذان القولان متقابلان:
وقال الشافعية تؤخر بشروط، أن يكون في بلد حار، ويقصد الجماعة من بعد، ولا ظل في طريقهم، وبه قال بعض الحنفية، وبعض الحنابلة (٢).
وفي قول للمالكية: لا يبرد المنفرد، وبه قال ابن حزم (٣).
هذا من حيث موقف الفقهاء من تأخير الظهر من أجل الإبراد، أما حكم الإبراد فسوف أعقد له مبحثًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى.
• دليل من قال: يؤخر الظهر إلى وقت الإبراد مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٤٣٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب،
стр. 1248
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (١).
ورواه مسلم أيضًا من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة مقرونًا بسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة (٢).
ورواه البخاري من طريق صالح بن كيسان، عن الأعرج (٣).
ورواه مسلم من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وبسر بن سعيد، وسلمان الأغر، وأبي يونس، وعبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، كلهم عن أبي هريرة (٤).
وجه الاستدلال:
قوله: (إذا اشتد الحر فأبردوا) أي: أخروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: (أَبْرَدَ) إذا دخل في البرد، كأَظْهَرَ إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان: أَنْجَدَ إذا دخل نجدًا، وأَتْهَمَ: إذا دخل تهامة.
وهذه الأحاديث مطلقة، تشمل الجماعة والمنفرد، ولا يُستثنى من ذلك شيء إلا بنص أو إجماع.
وقوله: (أبردوا بالصلاة) لفظ الصلاة عام، يشمل جميع الصلوات، وحديث أبي سعيدٍ في البخاري: (أبردوا بالظهر)، هو أحد أفراد العام لا يقتضي تخصيصًا، إلا أن التعليل بشدة الحر يقتضي اختصاصه بالظهر، وهو من تخصيص العام بالعلة.
ولأن العصر إحدى صلاتي البردين، قال ﷺ : من صلى البردين دخل الجنة.
ولأن الإبراد له غاية ينتهي عندها، وهو قوله: (حتى رأينا فَيْءَ التلول)، أي مالت الشمس وبعدت عن وسط السماء، وفي رواية حتى ساوى الظل التلول، أي كان ظل كل شيء مثله مع ظل الزوال، فاختص ذلك بالظهر.
стр. 1249
وقوله: (أبردوا … ) أمر، والأصل فيه الوجوب، إلا أن الصارف للأمر الإجماع على صحة الصلاة في أول الوقت مطلقًا في الحر والبرد، وإنما الأمر دائر بين الرخصة والندب، حكى الإجماع ابن رجب، والكرماني في شرحه للبخاري، وسيأتي النقل عنهما في حكم الإبراد إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني:
(ح-٤٣٤) ما رواه البخاري من طريق الأعمش، حدثنا أبو صالح،
عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم (١).
تابع سهيل بن أبي صالح الأعمش عند أحمد (٢).
وجه الاستدلال من الحديث كالاستدلال من الحديث السابق.
الدليل الثالث:
(ح-٤٣٥) ما رواه البخاري من طريق حرمي بن عمارة، قال: حدثنا أبو خلدة هو خالد بن دينار، قال:
سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة (٣).
رواه يونس بن بكير، عن أبي خلدة، ولم يذكر الجمعة (٤).
الدليل الرابع:
(ح-٤٣٦) ما رواه البخاري من طريق نافع، مولى عبد الله بن عمر.
عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جنهم (٥).
стр. 1250
• دليل من قال: لا يؤخر الظهر من أجل الإبراد مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٤٣٧) ما رواه مسلم من طريق زهير، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب،
عن خباب، قال: أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا (١).
وهكذا رواه الثوري، وشعبة، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل، والرحيل بن معاوية وسليمان بن قرم، وزياد بن خيثمة، وغيرهم (٢).
ورواه مسلم من طريق أبي الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق به، بلفظ:
شكونا إلى رسول الله ﷺ الصلاة في الرمضاء، فلم يشكنا (٣).
стр. 1251
فصرح بلفظ (الصلاة).
وورد التصريح بالصلاة تفسيرًا من بعض الرواة،
ففي مسلم، قال زهير، قال قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم (١).
وفي المسند قال شعبة من رواية أبي داود الطيالسي عنه: يعني في الظهر (٢).
ورواه يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، بلفظ الجماعة، إلا أنه زاد: وكان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهجير.
وفي رواية أخرى زاد يونس بدلًا منها: وقال: إذا زالت الشمس فصلوا.
وهذان الحرفان تفرد بهما يونس بن أبي إسحاق، وهما حرفان شاذان، وقد ضعف تلك الزيادة البيهقي، والذهبي، والطبراني، وغيرهم (٣).
ورواه سليمان بن أبي هند، عن خباب، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ شدة الحر في جباهنا، وأكفنا، فلم يشكنا.
تفرد بذلك سليمان بن أبي هند، وهو منقطع، لم يسمع من خباب (١).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على أن الصحابة شكوا إلى رسول الله ﷺ الصلاة في شدة الحر، وطلبوا منه الإبراد بها، فلم يجبهم، وبهذا فسره بعض رواة الحديث، منهم أبو إسحاق، وشعبة … (٢).
стр. 1254
• وأجيب عن ذلك بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن العلماء مختلفون في دلالة الحديث على المراد.
فقيل فيه: (إنهم سألوه الإبراد بالصلاة)، ونسبه ابن رجب إلى جمهور العلماء (١).
وقيل: إنهم إنما شكوا إليه أنهم كانوا يعذبون في الله بمكة في حر الرمضاء قبل الهجرة، وطلبوا منه أن يدعو لهم ويستنصر، فأمرهم بالصبر في الله، ولم يزل شكواهم.
واستدلوا لهذا الفهم، بأدلة منها:
أن ذكر الصلاة لا دليل عليه في اللفظ، وما ورد ليس محفوظًا، فقد تفرد بذلك أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، وخالفه الثوري وشعبة، وسبق التنبيه على ذلك في تخريج الحديث، وأما تفسير أبي إسحاق وشعبة فهو رأي لهما.
(ح-٤٣٨) ولأن البخاري روى من طريق قيس بن أبي حازم عن خباب هذا المعنى صريحًا:
قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون (٢).
وهذا معنى قول خباب فلم يشكنا، أي أعرض عن شكايتهم، ولم يدع لنا ويتعجل رفع البلاء عَنَّا، وأمرهم بالصبر، وأخبرهم بصبر من قبلهم.
ولأن شدة الحر في الحجاز تمنع من مباشرة الجبهة والكف للأرض، بل يكاد يشوي الوجهَ والكفَّ، فلا يتمكن من الطمأنينة في السجود، ويذهب خشوع الصلاة ويتضرر البدن، ويتعرض للمرض، والشريعة لا تأتي بهذا. وقد رجح هذا القول علي
стр. 1255
ابن المديني، وابن القيم وابن كثير عليهم رحمة الله (١).
واعترض ابن حجر على ابن القيم برواية يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب: (شكونا إلى رسول الله ﷺ الرمضاء، فما أشكانا، وقال: إذا زالت الشمس فصلوا) (٢).
وهذا الحديث سبق تخريجه، وقد تفرد بقوله: (وإذا زالت الشمس فصلوا) يونس ابن أبي إسحاق، وهو ممن روى عن جده بعد تغيره، ولم يذكر هذه اللفظة سائر من روى الحديث عن أبي إسحاق، وفي مقدمتهم الطبقة الأولى من الرواة عن أبي إسحاق، كالثوري وشعبة، والله أعلم.
الجواب الثاني:
يحتمل أن يكون هذا منه ﷺ قبل أن يؤمروا بالإبراد،
(ح-٤٣٩) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن شريك، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم،
عن المغيرة بن شعبة قال: كنا نصلي مع نبي الله ﷺ ، صلاة الظهر بالهاجرة فقال لنا رسول الله ﷺ : أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (٣).
[الأمر بالإبراد متفق عليه، وكونه بعد التهجير حسن إن سلم من تفرد شريك، ومن الاختلاف على قيس بن أبي حازم، ولا إخاله] (٤).
ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ (١).
الجواب الثالث:
لا يلزم من الإبراد أن تزول الرمضاء، فالرمض: حر الحجارة من الشمس، وقد رَمِضت الأرض والحجارة: إذا اشتد وقع الشمس عليها، ورَمِض الرجل: احترقت قدماه من شدة الحر، والاسم الرمضاء، والأرض والحجارة تخزن الحرارة فيها وتبقى إلى وقت متأخر جدًّا عن وقت الإبراد، خاصة مع شدة حر الصيف في الحجاز، وعليه فيحمل الحديث على أنهم طلبوا زيادة تأخير الظهر عن وقت الإبراد إلى ذهاب حر الرمضاء، فلم يجبهم.
الجواب الرابع:
أن قوله: (فلم يشكنا) هذه اللفظة من الأضداد، فتحتمل (لم يشكنا) لم يزل شكونا، وتحتمل لم يشكنا: لم يحوجنا إلى الشكوى، يقال: أشكيت الرجل إِذا أحوجته إلى أن يشكو، وأشكيته إِذا أزلت عنه ما يشكوه، وحمل هذه اللفظة على ما يوافق أحاديث الإبراد أولى من حملها على ما يخالفها، قال ثعلب في قوله: فلم (يشكنا)، أي:
стр. 1259
لم يُحْوِجْنا إلى الشَّكْوَى، ورَخَّص لنا في الإبراد، حكاه القاضي أبو الفرج (١).
الدليل الثاني:
(ح-٤٤٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق بشر بن المفضل، عن غالب القطان، عن بكر بن عبد الله،
عن أنس بن مالك ﵁، قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه (٢).
• وأجيب:
بأن هذا الحديث دليل على جواز صلاة الظهر في أول الوقت مع شدة الحر، ولا ينافي ذلك استحباب الإبراد للأمر به، وإنما يعترض بهذا الحديث على من قال بوجوب الإبراد.
ويحتمل أن يكون هذا الحديث دليلًا على أن الإبراد رخصة، وأن التهجير أفضل.
ويحتمل أن ذلك يحصل لهم مع الإبراد؛ لأنه من المعلوم أن الإبراد لا يزيل الحر عن الأرض.
ويحتمل أن يكون هذا الحديث قبل أن يشرع الإبراد، كما دل عليه حديث المغيرة، فلا يصح الاعتراض بهذا الحديث على أحاديث الإبراد، وهي أحاديث كثيرة، وبعضها متفق على صحتها (٣).
الدليل الثالث:
استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الدالة على فضيلة أول الوقت.
• ويجاب:
بأنها مخصوصة أو مقيدة بأحاديث الإبراد، والخاص مقدم على العام.
стр. 1260
الدليل الرابع:
وبأن الصلاة في شدة الحر أكثر مشقةً، فتكون أفضل.
• ونوقش:
بأن مراتب الثواب يرجع فيها إلى النصوص، ولا تنحصر الأفضلية في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل، كما في قصر الصلاة في السفر (١).
(ح-٤٤١) وقد روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة ﵂، أنها قالت: ما خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه (٢).
ولا تقصد المشقة لذاتها، فلا يترك الماء الدافئ بالبرد في الطهارة طلبًا للمشقة، ولا يقصد المسجد الأبعد مع وجود الأقرب، ولا تترك وسائل التكييف في الصيام تعرضًا للمشقة، فإن عرضت بلا قصد أثيب عليها.
الدليل الخامس:
أن قوله: (أبردوا بالظهر) أي: صلوها في أول وقتها؛ لأن برد النهار أوله.
• ونوقش:
قال العراقي: «ويبطل هذا قوله: (فإن شدة الحر من فيح جهنم) لأن أول وقت الظهر أشد حرًّا من آخره» (٣).
وحديث أبي ذر في الصحيحين صريح أن المراد بالإبراد التأخير، فإن فيه: أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (٤).
وسوف يأتي الكلام على حديث أبي ذر عند مناقشة مذهب الشافعي ﵀.
وحديث أنس في البخاري: كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد
стр. 1261
الحر أبرد بالصلاة (١).
فجعل الإبراد في مقابل التبكير.
وقال الخطابي: «ومن تأول على بردي النهار فقد خرج عن جملة قول الأمة» (٢).
وقال ابن رجب: «والمراد كسر شدة حر الظهيرة؛ لأن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد» (٣).
• دليل من قال: يؤخر الظهر من أجل الإبراد للجماعة دون المنفرد:
أحاديث الأمر بالإبراد كحديث أبي هريرة، وأبي ذر، وهما في الصحيحين، وحديث أبي سعيد، وابن عمر، وأنس، وهم في البخاري، هذه الأحاديث وإن كانت مطلقة، إلا أننا قيدناها بالجماعة التي تقصد من بعد، إذا لم يكن لهم ظل، وذلك من باب تقييد النص وتخصيصه بالعلة، فالعلة من الأمر بالإبراد هو لدفع مشقة المشي في الحر، فأما من صلاها في بيته أو كانت الجماعة مجتمعة أو قريبة، أو كان هناك ظل يقي من المشي في الحر فالأفضل أن تصلى في أول وقتها على الأصل؛ لأنه لا أذى عليهم في ذلك.
• ونوقش هذا:
(ح-٤٤٢) بما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال حدثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله، قال: سمعت زيد بن وهب،
عن أبي ذر الغفاري، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (٤).
ورواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن جعفر (٥).
стр. 1262
ورواه أحمد عن عفان، وحجاج كلهم عن شعبة به، بلفظ: (حتى رأينا فيء التلول).
ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم،
وابن خزيمة من طريق ابن مهدي، كلاهما عن شعبة به، وفيه: حتى ساوى الظل التلول (١).
ورواه البخاري حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة به، وفيه: حتى فاء الفيء، يعني للتلول (٢).
فدل الحديث على أن الإبراد مشروع مطلقًا في الحضر والسفر، وسواء أكانت الجماعة مجتمعة في مكان الصلاة، أم كانت غائبة، خلافًا لما قاله الإمام الشافعي من استحباب الإبراد إذا كان مسجدًا يقصده أهله من بعد، ولا ظل لهم.
قال الترمذي: «لو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد … » (٣).
• ورد هذا الاعتراض:
قال الحافظ: «وتعقبه الكرماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب الرعي، فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة. انتهى
وأيضًا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر، وليس هناك كِنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته أنه استنبط من النص العام، وهو الأمر بالإبراد معنى يخصصه، وذلك جائز على الأصح في الأصول، لكنه مبني على أن العلة في ذلك تأذيهم بالحر في طريقهم» (٤).
وقد اختلف العلماء في العلة:
فقيل: العلة: شدة الحر، وهو ما نص عليه في الحديث: (فإن شدة الحر من فيح
стр. 1263
جهنم)، فأمر بالإبراد بالصلاة طلبًا لكمال الخشوع في الصلاة، واتقاء لفيح جنهم الذي يصيب المصلي كما يصيب الذاهب إلى الصلاة، وهو مذهب الجمهور.
وقيل: العلة مشقة المشي في الحر، وهو مذهب الشافعية.
وقيل: هو وقت تنفس جهنم (١).
(ح-٤٤٣) لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة،
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير (٢).
ولأنه لما علل بعلة لا تعلم إلا بالوحي علم أنه قصد معنًى يخفى على أكثر الناس، وهو كراهة إيقاع الصلاة وقت تنفس جنهم.
والتعليل بشدة الحر أظهر من التعليل بالمشقة الناتجة عن شدة الحر؛ لأن وصف الشافعية يمكن أن يعدَّ حكمة، وليس علة للحكم، كالسفر علة للإفطار والقصر، والحكمة وجود المشقة في السفر.
ولأن أكثر المساجد إنما يصلي فيها جيرانها، فلا يجوز حمل الأحاديث على المساجد التي ينتابها الناس من بعد؛ لأن هذا صورة قليلة بالنسبة إلى غيرها، فحمل النص العام عليها يكون حملًا له على الأقل دون الأكثر من غير أن يكون في الكلام ما يدل عليه.
فإذا رجحنا أن العلة تجنب الصلاة في شدة الحر طلبًا لكمال الخشوع، فلا شك أن هذا المعنى لا يختلف فيه المنفرد عن الجماعة، ولا الصلاة في البيت عن المسجد، خاصة أنهم في الزمن الأول لم يكن لديهم وسائل التكييف والتبريد
стр. 1264
التي وجدت في هذا العصر، ومثله من قال: إن العلة هي وقت تنفس جهنم بخلاف من قصر العلة على مشقة المشي في الحر.
ولا أرى مانعًا من ترتب الحكم على أكثر من وصف، فأي مانع يمنع أن يكون الحكم له أكثر من علة، فطلب كمال الخشوع، والرفق بالناس من الخروج إلى المسجد في شدة الحر، والابتعاد عن وقت تنفس جهنم، كل ذلك يصلح التعليل به في الإبراد بصلاة الظهر، فأي وصف وجد من العلة وجد الحكم، والله أعلم.
• الراجح:
أن تأخير الظهر إلى وقت الإبراد مشروع مطلقًا، والله أعلم.
стр. 1265
الفرع السابع في حكم الإبراد
المدخل إلى المسألة:
• الأصل استحباب الصلاة في أول الوقت إلا الظهر في شدة الحر، وإلا العشاء إلى ثلث الليل الأول ما لم يَشُقَّ على الناس.
• حديث (أبردوا … ) أمر، والأصل فيه الوجوب، والصارف عن الوجوب إجماعهم على صحة الصلاة في أول الوقت مطلقًا في الحر والبرد.
• إذا تزاحمت فضيلتان إحداهما تتعلق بذات العبادة، وأخرى بوقتها أو مكانها قدم منهما ما تعلق بذاتها، كتقديم الطعام من أجل حضور القلب وتقديم الإبراد على فضيلة الصلاة في أول الوقت.
[م-١٨٨] اختلف العلماء في حكم الإبراد:
فقيل: الأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب، وهو قول الأكثر (١).
وقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج (٢).
وقال الليث بن سعد: إن الإبراد رخصة، وهو وجه في مذهب الشافعية، حكم عليه النووي بالشذوذ (٣).
وقال بعضهم: الأمر بالإبراد للوجوب، وهو أضعفها (٤).