الحر أبرد بالصلاة (١).
فجعل الإبراد في مقابل التبكير.
وقال الخطابي: «ومن تأول على بردي النهار فقد خرج عن جملة قول الأمة» (٢).
وقال ابن رجب: «والمراد كسر شدة حر الظهيرة؛ لأن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد» (٣).
• دليل من قال: يؤخر الظهر من أجل الإبراد للجماعة دون المنفرد:
أحاديث الأمر بالإبراد كحديث أبي هريرة، وأبي ذر، وهما في الصحيحين، وحديث أبي سعيد، وابن عمر، وأنس، وهم في البخاري، هذه الأحاديث وإن كانت مطلقة، إلا أننا قيدناها بالجماعة التي تقصد من بعد، إذا لم يكن لهم ظل، وذلك من باب تقييد النص وتخصيصه بالعلة، فالعلة من الأمر بالإبراد هو لدفع مشقة المشي في الحر، فأما من صلاها في بيته أو كانت الجماعة مجتمعة أو قريبة، أو كان هناك ظل يقي من المشي في الحر فالأفضل أن تصلى في أول وقتها على الأصل؛ لأنه لا أذى عليهم في ذلك.
• ونوقش هذا:
(ح-٤٤٢) بما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال حدثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله، قال: سمعت زيد بن وهب،
عن أبي ذر الغفاري، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (٤).
ورواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن جعفر (٥).
стр. 1262
ورواه أحمد عن عفان، وحجاج كلهم عن شعبة به، بلفظ: (حتى رأينا فيء التلول).
ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم،
وابن خزيمة من طريق ابن مهدي، كلاهما عن شعبة به، وفيه: حتى ساوى الظل التلول (١).
ورواه البخاري حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة به، وفيه: حتى فاء الفيء، يعني للتلول (٢).
فدل الحديث على أن الإبراد مشروع مطلقًا في الحضر والسفر، وسواء أكانت الجماعة مجتمعة في مكان الصلاة، أم كانت غائبة، خلافًا لما قاله الإمام الشافعي من استحباب الإبراد إذا كان مسجدًا يقصده أهله من بعد، ولا ظل لهم.
قال الترمذي: «لو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد … » (٣).
• ورد هذا الاعتراض:
قال الحافظ: «وتعقبه الكرماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب الرعي، فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة. انتهى
وأيضًا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر، وليس هناك كِنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته أنه استنبط من النص العام، وهو الأمر بالإبراد معنى يخصصه، وذلك جائز على الأصح في الأصول، لكنه مبني على أن العلة في ذلك تأذيهم بالحر في طريقهم» (٤).
وقد اختلف العلماء في العلة:
فقيل: العلة: شدة الحر، وهو ما نص عليه في الحديث: (فإن شدة الحر من فيح
стр. 1263
جهنم)، فأمر بالإبراد بالصلاة طلبًا لكمال الخشوع في الصلاة، واتقاء لفيح جنهم الذي يصيب المصلي كما يصيب الذاهب إلى الصلاة، وهو مذهب الجمهور.
وقيل: العلة مشقة المشي في الحر، وهو مذهب الشافعية.
وقيل: هو وقت تنفس جهنم (١).
(ح-٤٤٣) لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة،
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير (٢).
ولأنه لما علل بعلة لا تعلم إلا بالوحي علم أنه قصد معنًى يخفى على أكثر الناس، وهو كراهة إيقاع الصلاة وقت تنفس جنهم.
والتعليل بشدة الحر أظهر من التعليل بالمشقة الناتجة عن شدة الحر؛ لأن وصف الشافعية يمكن أن يعدَّ حكمة، وليس علة للحكم، كالسفر علة للإفطار والقصر، والحكمة وجود المشقة في السفر.
ولأن أكثر المساجد إنما يصلي فيها جيرانها، فلا يجوز حمل الأحاديث على المساجد التي ينتابها الناس من بعد؛ لأن هذا صورة قليلة بالنسبة إلى غيرها، فحمل النص العام عليها يكون حملًا له على الأقل دون الأكثر من غير أن يكون في الكلام ما يدل عليه.
فإذا رجحنا أن العلة تجنب الصلاة في شدة الحر طلبًا لكمال الخشوع، فلا شك أن هذا المعنى لا يختلف فيه المنفرد عن الجماعة، ولا الصلاة في البيت عن المسجد، خاصة أنهم في الزمن الأول لم يكن لديهم وسائل التكييف والتبريد
стр. 1264
التي وجدت في هذا العصر، ومثله من قال: إن العلة هي وقت تنفس جهنم بخلاف من قصر العلة على مشقة المشي في الحر.
ولا أرى مانعًا من ترتب الحكم على أكثر من وصف، فأي مانع يمنع أن يكون الحكم له أكثر من علة، فطلب كمال الخشوع، والرفق بالناس من الخروج إلى المسجد في شدة الحر، والابتعاد عن وقت تنفس جهنم، كل ذلك يصلح التعليل به في الإبراد بصلاة الظهر، فأي وصف وجد من العلة وجد الحكم، والله أعلم.
• الراجح:
أن تأخير الظهر إلى وقت الإبراد مشروع مطلقًا، والله أعلم.
стр. 1265
الفرع السابع في حكم الإبراد
المدخل إلى المسألة:
• الأصل استحباب الصلاة في أول الوقت إلا الظهر في شدة الحر، وإلا العشاء إلى ثلث الليل الأول ما لم يَشُقَّ على الناس.
• حديث (أبردوا … ) أمر، والأصل فيه الوجوب، والصارف عن الوجوب إجماعهم على صحة الصلاة في أول الوقت مطلقًا في الحر والبرد.
• إذا تزاحمت فضيلتان إحداهما تتعلق بذات العبادة، وأخرى بوقتها أو مكانها قدم منهما ما تعلق بذاتها، كتقديم الطعام من أجل حضور القلب وتقديم الإبراد على فضيلة الصلاة في أول الوقت.
[م-١٨٨] اختلف العلماء في حكم الإبراد:
فقيل: الأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب، وهو قول الأكثر (١).
وقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج (٢).
وقال الليث بن سعد: إن الإبراد رخصة، وهو وجه في مذهب الشافعية، حكم عليه النووي بالشذوذ (٣).
وقال بعضهم: الأمر بالإبراد للوجوب، وهو أضعفها (٤).
стр. 1266
وبنى الشافعية على هذا الخلاف: أن من صلى في بيته أو مشى في كنٍّ إلى المسجد، هل يسن له الإبراد؟ فإن قلنا: إنه رخصة لم يسنَّ؛ إذ لا مشقة عليه في التعجيل، وإن قلنا: إنه سنة أبرد (١).
وقيل: لا يستحب تأخير الظهر من أجل الإبراد مطلقًا، حكاه ابن المنذر عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وحكاه ابن بطال عنهم، وعن أبي بكر وعلي ﵃ أجمعين (٢).
ومدار الخلاف بينهم تعارض حديث: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة).
رواه الشيخان من حديث أبي هريرة، ورواه البخاري من حديث أبي سعيد، وابن عمر، وتقدم تخريجها في المسألة التي قبل هذه.
وحديث خباب: (أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا) (٣).
فمن قال: إن الإبراد مندوب، أخذ هذا من الأمر بالإبراد، وأقل ما يدل عليه الأمر هو الاستحباب.
وحكي الإجماع على استحبابه، قال الكرماني في شرح البخاري: «فإن قلت ظاهر لأمر الوجوب -يعني أبردوا بالصلاة- فلم قلت بالاستحباب؟ قلت: للإجماع على عدمه» (٤).
وتعقب ابنُ حجرٍ الكرمانيَّ، فقال في الفتح: «وغفل الكرماني، فنقل الإجماع على عدم الوجوب» (٥).
ولم ينفرد الكرماني بحكاية الإجماع.
قال ابن رجب: «والأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب، لا أمر حتم وإيجاب، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء، فإن شذ أحد من أهل الظاهر جريًا على عادتهم، ولم يبُالِ بخرق إجماع المسلمين، كان محجوجًا بالإجماع قبله» (٦).
стр. 1267
ولم يذهب ابن حزم إلى القول بالوجوب كما ظنه ابن رجب من أجل حديث خباب، وإنما القول بالوجوب حكاه القاضي عياض (١).
ولأن الإبراد يحصل به كمال الخشوع، وهو فضيلة تتعلق بذات العبادة، وإذا تعارضت فضيلتان، إحداهما تتعلق بذات العبادة، والأخرى تتعلق بوقتها أو مكانها، قدمت الفضيلة المتعلقة بذاتها.
• دليل من قال: إن الإبراد رخصة، والتقديم أفضل:
الدليل الأول:
اعتمَدَ هؤلاء على حديث خباب. وقد علمت ما فيه من مناقشة في المسألة التي قبل هذه.
الدليل الثاني:
(ح-٤٤٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه … الحديث (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) فالتهجير: هو التبكير لأي صلاة، وهذا دليل على أن صلاة الظهر عند الزوال أفضل.
قال ابن بطال: «التهجير: السير في الهاجرة: وهي شدة الحر، ويدخل في معنى التهجير: المسارعة إلى الصلوات كلها قبل دخول أوقاتها؛ ليحصل له فضل الانتظار قبل الصلاة … والآثار التي وردت بالإبراد ليست بمعارضة لهذا الحديث، بل هي رخصة» (٣).
стр. 1268
• ويناقش:
بأن الحديث عام خص منه الإبراد بالظهر، وتأخير العشاء إذا لم يشق على الجماعة، فإن تأخيرهما أفضل من التهجير، ولو تصورت الرخصة بالإبراد لم تتصور الرخصة في تأخير العشاء، فإن التأخير ربما يكون أشق، ولهذا قال النبي ﷺ : إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي (١)، وإذا خص العشاء خص الظهر من عموم الحديث، والله أعلم.
الدليل الثالث:
استدلوا بالأحاديث التي ترغب في أداء الصلاة في أول وقتها، وحملوا أحاديث الإبراد على الترخيص والتخفيف.
الدليل الرابع:
ولأن غالب فعل الرسول ﷺ هو التعجيل، فقد جاء في حديث أبي مسعود أن النبي ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس وربما أَخَّرَ الظهر في شدة الحر، مما يدل على أن الإبراد لم يكن هو الأكثر من فعله ﷺ .
(ح-٤٤٥) فقد روى أبو داود من طريق ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب، أخبره،
أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر فأَخَّرَ العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل ﵇ قد أخبر محمدًا ﷺ بوقت الصلاة، فقال له عمر: اعلم ما تقول: فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل جبريل ﵇ فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلواتٍ، فرأيت رسول الله ﷺ صلى الظهر حين تزول الشمس، وربما أخرها حين يشتد الحر، ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة، فينصرف الرجل من الصلاة، فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يَسْوَدُّ الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى
стр. 1269
فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر.
ورواه يزيد بن حبيب عن أسامة، وقال فيه: ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (وربما أخرها في شدة الحر) فلفظ: (ربما) يقع للتقليل، وإنما يفعل ذلك في النادر، وليدل أمته على أن ما أمرهم به من الإبراد قد يفعله هو أيضًا، وإن كان أكثر دهره يعجل الصلاة (٢).
• ويجاب:
بأن أسامة بن زيد انفرد بهذه اللفظة عن ابن شهاب، وخالف الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، والحديث في الصحيحين، وفي غيرهما، وليس فيه تفصيل أوقات الصلوات، ولا قوله: (وربما أخرها في شدة الحر) (٣).
ولو صح هذا الفهم لم نكن بحاجة إلى أحاديث الأمر بالإبراد؛ لأن العلماء مجمعون على أن الصلاة من الواجب الموسع (١)، وإباحة التأخير لا تحتاج للأمر بها، وقد قال النبي ﷺ : (الصلاة بين هذين) إشارة إلى جواز الصلاة بين أول الوقت وآخره، فأفاد الأمر بالإبراد معنى زائدًا على إباحة التأخير، وهو الاستحباب.
وأما عمدة من قال: إن الأمر للوجوب، وهو أضعفها:
فهو يرى أن الرسول ﷺ أمر بالإبراد، والأصل في الأمر الوجوب.
وقد علمت الصارف عن الوجوب، نعم لو أن شدة الحر تشغله حتى لا يدري كيف يصلي فهو الذي يكون الإبراد في حقه واجبًا، وأما إن كان لا يمنعه من إقامة حدودها، فلا يجب الإبراد، كما ذكرنا ذلك في مسألة مدافعة الأخبثين، والله أعلم.
وأما من قال: لا يستحب الإبراد فقد ذكرت أدلته في المسألة السابقة فارجع إليها.
стр. 1275
الفرع الثامن في الإبراد بالجمعة
المدخل إلى المسألة:
• لم ينقل الإبراد بالجمعة في عهد النبي ﷺ ، وما تركه ﷺ فهو سنة كفعله.
• كل عبادة قام سببها على عهد النبي ﷺ ، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع فهي غير مشروعة.
• شرع التبكير للجمعة وهو مطلق في الحر والبرد، فإذا حضر الناس كان الأرفق بهم إيقاع الصلاة في أول الوقت فلو أخرت طلبًا للإبراد لتضرر الناس.
وقيل:
• هل تعلق الحكم بالإبراد بالظهر من أجل المسمَّى فيتعلق بالظهر خاصة، أو من أجل المعنى: وهو شدة الحر، فيشمل حتى الجمعة؟
• هل الجمعة بدل عن الظهر، فالبدل له حكم المبدل، أو الجمعة ليست بدلًا عنها، فيختص الحكم بالظهر؟
• الإبراد بالظهر معلل بشدة الحر، فتدخل الجمعة قياسًا.
[م-١٨٩] لا يشرع الإبراد لصلاة الجمعة، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، وبه قال المالكية والحنابلة، وهو الأصح في مذهب الشافعية (١).
стр. 1276
وقيل الجمعة كالظهر، في التعجيل والإبراد، وهو قول في مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، ورجحه البخاري حيث ترجم له في صحيحه (١).
• دليل من قال: لا يستحب الإبراد بالجمعة:
الدليل الأول:
(ح-٤٤٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يعلى بن الحارث، عن إياس بن سلمة بن الأكوع،
عن أبيه، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، فنرجع وما نجد للحيطان فيئًا نستظِلُّ به (٢).
وجه الاستدلال:
الحديث دليل على التبكير بالجمعة، وأن الصحابة كانوا ينصرفون من الصلاة، وليس للحيطان ظل يستظل به، والمنفي والله أعلم ليس مطلق الظل، وإنما نفى ظلًّا يستظل به من الحر، ولا يلزم من نفي هذا نفي وجود الظل مطلقًا، فدل على عدم الإبراد بصلاة الجمعة، أما إذا أبردوا بالظهر فكانوا يؤخرون الصلاة حتى يرى فيء التلول، وهي الروابي، وظلها لا يظهر إلا بعد تمكن الفيء واستطالته جدًّا بخلاف الأشياء المنتصبة التي يظهر ظلها سريعًا في أسفلها لاعتدال أعلاها وأسفلها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٤٤٧) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن حسان، حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه،
أنه سأل جابر بن عبد الله: متى كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة؟ قال: كان يصلي، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس، يعني النواضح (٣).
стр. 1277
وجه الاستدلال:
أن الحديث في بيان الوقت الذي كان يصلي به رسول الله ﷺ الجمعة، وهو مطلق يشمل الحر والبرد.
• دليل من استحب الإبراد بالجمعة:
الدليل الأول:
(ح-٤٤٨) ما رواه البخاري من طريق حرمي بن عمارة، قال: حدثنا أبو خلدة هو خالد بن دينار، قال:
سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بَكَّرَ بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة.
قال يونس بن بكير: أخبرنا أبو خلدة، فقال: بالصلاة، ولم يذكر الجمعة.
وقال بشر بن ثابت: حدثنا أبو خلدة، قال: صلى بنا أمير الجمعة، ثم قال لأنس ﵁: كيف كان النبي ﷺ يصلي الظهر؟ (١).
وجه الاستدلال:
قول أنس: (إذا اشتد الحر أبرد بالصلاة) يدخل في ذلك الجمعة؛ لدخولها في مسمى الصلاة ولذلك قال الراوي: يعني الجمعة فألحقها بالظهر قياسًا، واحتج به البخاري على مشروعية الإبراد بالجمعة.
• ونوقش:
بأن لفظة (يعني الجمعة) تفرد بها حرمي بن عمارة على اختلاف عليه فيها، وهو كثير الخطأ، ولا حجة فيها؛ لأنها ليست مرفوعة، وتحتمل أن تكون من كلام التابعي، أو ممن هم دونه، وهذا التفسير معارَضٌ بما أخرجه الإسماعيلي كما في فتح الباري، عن يونس بن بكير، عن أبي خلدة به، وفيه: (يعني الظهر) (٢).
ولهذا أشار البخاري إلى الاختلاف في ذكرها.
стр. 1278
وفي رواية بشر بن ثابت، عن أبي خلدة: إذا كان الشتاء بكر بالظهر، وإذا كان الصيف أخرها، ورواها البخاري معلقًا بصيغة الجزم: وأن السؤال كيف كان النبي ﷺ يصلي الظهر؟
وترجم لها النسائي في المجتبى: تعجيل الظهر في البرد (١)، وترجم له في
الكبرى: تأخير الجمعة في الحر، مما يدل على أنهم قاسوا الجمعة على الظهر، ويبقى تحقيق المناط في صحة هذا القياس، وسوف أناقش العلة الجامعة بينها وبين الظهر في الدليل التالي إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني:
(ح-٤٤٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (١).
فالعلة في الإبراد منصوص عليها في الحديث: وهي شدة الحر، وهذا الوصف موجود في صلاة الجمعة كوجوده في صلاة الظهر.
• ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
قياس الجمعة على الظهر لا يصح، حيث لم ينقل الإبراد بالجمعة في عهد النبي ﷺ ، وما تركه ﷺ فهو سنة كفعله، ولو كان الإبراد مشروعًا للجمعة لفعله النبي ﷺ ، ولو فعله لنقل إلينا، وكل عبادة قام سببها على عهد النبي ﷺ ، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع فهي غير مشروعة، بل المنقول لنا من سنته ﷺ في الجمعة التبكير فيها حتى في شدة الحر، كما حفظ لنا ذلك سلمة بن الأكوع ﵁، وذكرت دليله في القول الأول.
стр. 1281
الوجه الثاني:
سواء أقلنا: إن العلة في الإبراد: هي شدة الحر، أم قلنا: العلة هي المشقة الموجودة بسبب شدة الحر، فإن التعجيل في الجمعة هو الأرفق بالناس، وجه ذلك أنه من المعلوم أنه يندب التبكير للجمعة، وهذا الندب مطلق في الحر والبرد، وما زال الناس يبكرون إليها، فإذا حضروا، كان الأرفق بهم إيقاع الصلاة في أول الوقت لينصرف كل واحد منهم إلى منزله فيستريح من شدة الحر، فإذا أخرت الجمعة طلبًا للإبراد تضرر الناس بطول الاجتماع في شدة الحر فانعكس الحكم (١).
• الراجح:
أن الإبراد مستحب لصلاة الظهر خاصة، والله أعلم.
стр. 1282
الفرع التاسع في حد الإبراد
المدخل إلى المسألة:
• الإبراد: تأخير الظهر عن أول وقتها إلى وقت الإبراد ما لم يدخل العصر.
• كلما كان إيقاع صلاة الظهر في وقت أَبْرَد من غيره كان ذلك أفضل، وهو في آخر وقتها أظهر من غيره؛ لتعليق التأخير على وصف الإبراد.
• لا يتحقق الإبراد بتأخير الظهر إلى نصف الوقت لأنه يجمع بين حر الشمس، وحر الأرض.
• جاء في الحديث: (من صلى البردين دخل الجنة) فوقت العصر وقت البرد بالنص؛ لأن العصر إحدى صلاتي البردين؛ حيث تقع في برد النهار، فما قرب من العصر فإنه يعطى حكمه.
[م-١٩٠] اختلف الفقهاء في حد الإبراد على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصليها في آخر وقتها وقبل بلوغ الظل المثل.
وهذا مذهب الحنفية، واختيار القاضي أبي يعلى، وابن رجب من الحنابلة.
وهو معنى قول ابن عبد الحكم من المالكية، والبندنيجي وأبي الطيب من الشافعية: يؤخرها، ولكن لا يبلغ بتأخيرها آخر الوقت (١).
стр. 1283
القول الثاني:
قال الشافعية: يؤخر إلى أن يكون للحيطان ظل، ولا يجاوز بالإبراد نصف الوقت، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (١).
القول الثالث:
قالوا: يؤخرها إلى نصف الوقت، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنابلة (٢).
وهو معنى قول المالكية في الراجح من مذهبهم أنه يؤخر إلى نحو الذراعين، وقَدَّرَهُ بعضهم بنصف القامة.
ونصف القامة: هو وسط الوقت (٣).
стр. 1284
وقيل: يؤخر حتى ينكسر الحر، نَصَّ عليه ابن قدامة، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (١).
فخلص لنا ثلاثة أقوال:
يؤخرها إلى ما قبل بلوغ الظل المثل، أي إلى آخر وقتها.
وقيل: يؤخرها إلى وسط الوقت، ولا يتجاوز نصف الوقت.
وقيل: يؤخرها إلى أن يكون هناك فيء يمشي فيه، وهذا القول راجع إلى القول الثاني ولولا أن المرداوي في الإنصاف ذكره قولًا مستقلًّا لحملته على القول الثاني، والله أعلم.
• حجة من قال: يؤخرها إلى ما قبل بلوغ الظل المثل:
الدليل الأول:
(ح-٤٥٠) ما رواه البخاري من طريق الأعمش، حدثنا أبو صالح،
عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم (٢).
стр. 1285
وجه الاستدلال:
فقوله: (أبردوا بالظهر) أي أَدْخِلُوا بها وقت البرد، وليس هناك حد حاسم من الشرع، وإنما يتحقق هذا كلما أوقع صلاة الظهر في وقت البرد، وهو في آخر وقتها أظهر من غيره، المهم ألا يؤخرها حتى يدخل وقت العصر، فإن في هذا الخروج عن قول الأئمة، يقال: أبرد الرجل كذا: إذا فعله في وقت البرد، ولهذا كانت صلاة العصر إحدى صلاتي البردين؛ لأنها تقع في برد النهار، قال ﷺ : من صلى البردين دخل الجنة (١)، يعني بهما الفجر والعصر؛ وسُمِّيَا كذلك؛ لأنهما يصَلَّيَانِ في برد النهار من أوله وآخره، فإذا كان وقت العصر هو وقت البرد بالنص، فما قرب من العصر فإنه يعطى حكمه، وأما صلاة الظهر في أول وقتها، فيسمى الهجير؛ حيث تقع بالهاجرة.
الدليل الثاني:
(ح-٤٥١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال حدثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله، قال: سمعت زيد بن وهب،
عن أبي ذَرٍّ الغفاري، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (٢).
ورواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن جعفر (٣).
ورواه أحمد عن عفان، وحجاج كلهم شعبة به، بلفظ: (حتى رأينا فيء التلول).
ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم،
وابن خزيمة من طريق ابن مهدي، كلاهما عن شعبة به، وفيه: حتى ساوى الظل التلول (٤).
стр. 1286
وجه الاستدلال:
قوله: (حتى رأينا فيء التلول) كما هي رواية الأكثر، أو قوله: (حتى ساوى الظل التلول) كما هي رواية البعض، فإن فيء التلول لا يظهر إلا بعد تمكن الفيء واستطالته جدًّا. وهذا يدل على أن التأخير كان إلى قرب وقت العصر.
فإن قيل: أليس مساواة الظل للتلول يعني أن الظل صار بمقدار المثل، وهو وقت دخول العصر؟ قيل: بقي ليدخل وقت العصر ظل الزوال نفسه، فإن العصر لا يدخل إلا بعد أن يكون ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وقد يكون الراوي قصد بذلك المبالغة، لا حقيقة المساواة، ولهذا كانت رواية الأكثر (حتى رأينا فيء التلول)، والله أعلم.
وتطلق التلال عند العرب على الروابي، كما تطلق على غير الروابي، قال الخطابي في غريب الحديث: «كل شيء ألقيته على الأرض مما له جثة فقد تللته، ومنه سمي التل من التراب» (١).
وقال ابن بطال: «ومعنى قوله: فيء التلول يريد ظل كل شيء بارز على وجه الأرض من حجر، أو نبات، أو غيره فهو تَلٌّ … فإذا زالت الشمس وفاء الفيء امتد كل شيء إلى جهة المشرق، وبدا للتلول فيء، ولا يبدو لها في الحجاز إلا بعد تمكن الوقت» (٢).
• واعتُرِضَ على حديث أبي ذر بأنه محمول على الجمع في السفر.
وهذا خلاف ظاهر النص وخلاف التعليل الوارد في الحديث:
فأما النص، فإن النبي ﷺ قال لبلال: أبرد، ولو كان التأخير بقصد الجمع لم يكن لهذا الوصف معنى.
وأما التعليل، فإن النبي ﷺ علل الأمر بالإبراد ليس لكونه مسافرًا، وإنما قال: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فلم يأت في تعليل الحكم أي ذكر للسفر، مما يجعل السفر وصفًا طرديًّا لا تأثير له في الحكم.
стр. 1287
الدليل الثالث:
أن العلة في الإبراد بالظهر: هو أداء الصلاة حال انكسار الحر؛ ليتمكن من الصلاة في وقت الإبراد طلبًا لكمال الخشوع، وليس من أجل ألا يمشي في الحر وليس للحيطان ظل يستظل به كما يقول الشافعية، وهذا يحتاج إلى تأخير صلاة الظهر إلى آخر وقتها.
• حجة من قال: يؤخرها إلى وسط الوقت:
الأصل أن الصلاة في أول الوقت أفضل، خصت الظهر بالإبراد، للأحاديث الواردة في الباب، وجعل غايته إلى نصف الوقت عند الشافعية لأمرين:
الأول: أن الإبراد كان من أجل أن يكون للحيطان ظل يقي من يقصد المسجد من بَعُدَ في ذهابه وانصرافه، وذلك حاصل قبل انتصاف وقت الظهر، وبه يخرج عن حد التهجير.
الثاني: أن الشافعية يرون أن وقت الفضيلة ينتهي بانتصاف الوقت على أحد الأقوال، لهذا استحب ألا يتجاوز بالإبراد نصف الوقت حتى لا يخرج عن وقت الفضيلة (١).
وقال القاضي حسين خلافًا للأكثر: إذا انتصف الوقت خرج وقت الاختيار (٢).
• ويناقش:
بأن منتصف الظهيرة أشد ما تكون عليه الحرارة، قد اجتمع عليه حر الشمس، وحر الأرض، فلا يكون هذا من الإبراد في شيء، والإبراد لا يحصل دفعة واحدة، وإنما يحصل شيئًا فشيئًا، وإنما يبدأ الإبراد بالظهور بعد انتصاف وقت الظهر، لا قبله، حين يبدأ وقت الظهر بالانصراف، وكلما تأخر كان الإبراد أظهر، وأظهره للظهر ما كان قرب وقت العصر، فإذا صلى قبل خروج الوقت فقد أوقع الصلاة وقت استكمال الإبراد، فمن قال: لا يتجاوز وسط الوقت هذا أضعف الأقوال، وهو إحرار، وليس إبرادًا، ومن قال: بعد انتصاف الوقت يريد أن تقع الصلاة في
стр. 1288
أول ظهور الإبراد، وهو في أول ظهوره ضعيف، وأحسن الأقوال من قال: يفرغ من الصلاة قبل أن يبلغ الظل المثل، أي قبل دخول وقت العصر، وهذا وقت استحكام الإبراد، وظهوره، وهو أرجحها، خاصة في بلاد الحجاز، ونجد، والعراق ودول الخليج حيث ترتفع فيها حرارة الصيف، والله أعلم.
стр. 1289
الفرع العاشر الإبراد في صلاة العصر
[م-١٩١] لا يشرع الإبراد في صلاة العصر، وهو قول الجمهور (١)، خلافًا لأشهب من المالكية (٢).
• واحتج أشهب:
بأن أحاديث الإبراد معلقة بالحر، وإطلاقها يدخل فيه العصر، من ذلك:
(ح-٤٥٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (٣).
(ح-٤٥٣) ما رواه البخاري من طريق نافع، مولى عبد الله بن عمر.
عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جنهم (٤).
وقوله: (أبردوا عن الصلاة) لفظ الصلاة عام، يشمل جميع الصلوات، والإبراد مشروط بالحر، وهو لا يختص بالظهر، خاصة في فورة الحر.
(ح-٤٥٤) وأما ما رواه البخاري من طريق الأعمش، حدثنا أبو صالح،
стр. 1290
عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم (١).
فلم يأت ذكر للظهر إلا في هذا الحديث، وهو لا يقتضي تخصيصًا، لأن ذكر فرد من أفراد العام بحكم يوافق العام، لا يقتضي التخصيص، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، لا يقتضي ذكر الصلاة الوسطى اختصاصها بالمحافظة.
• واحتج الجمهور:
بأن الأحاديث المطلقة بالأمر بالإبراد: مخصوصة بالعلة، فالتعليل بشدة الحر يقتضي اختصاصه بالظهر، ولأن العصر إحدى صلاتي البردين، قال ﷺ : من صلى البردين دخل الجنة، ولأن الإبراد له غاية ينتهي عندها، وهو قوله: (حتى رأينا فيء التلول)، أي مالت الشمس وبعدت عن وسط السماء، وفي رواية حتى ساوى الظل التلول، أي كان ظل كل شيء مثله مع ظل الزوال، فاختص ذلك بالظهر.
وهذا أرجحها، والله أعلم.
стр. 1291
الفصل الخامس في بيان المواقيت
المبحث الأول مرد الخلاف في المواقيت بين الفقهاء
المدخل إلى المسألة:
• توقيت العبادات توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.
• كل أحاديث مواقيت الصلاة في معرض بيانها أول الوقت تحديد لا تقريب، لا يجوز التقدم عليه.
• أحاديث إمامة جبريل للنبي ﷺ في بيان آخر مواقيت الصلاة تقريب، لا تحديد، جاءت لبيان الوقت الأفضل والمختار إلا في الظهر.
• قوله ﷺ : (الوقت بين هذين) في حديث جبريل تقريب مطلقًا، يجوز التأخر عنه، ولا يجوز التقدم عليه.
• إمامة جبريل في اليومين لبيان مواقيت الصلاة ومثلها حديث أبي موسى وبريدة، إذا قال: (صلى في اليوم الأول): أي شرع في الصلاة؛ لأنه لبيان أول الوقت، وإذا قال: (صلى في اليوم الثاني) بمعنى فرغ من الصلاة؛ لأنه لبيان آخر الوقت، حتى يصدق عليه قوله بعد ذلك: الصلاة بين هذين.
[م-١٩٢] الخلاف بين الفقهاء في المواقيت مرده إلى الاختلاف بين مواقيت الصلاة الواردة في إمامة جبريل ﵇ للرسول ﷺ ، خاصة حديث ابن عباس وبين المواقيت الواردة في حديث عبد الله بن عمرو.
فظاهر حديث ابن عباس وجابر في إمامة جبريل للنبي ﷺ ظاهرهما القول
стр. 1292
بمشاركة الظهر للعصر في آخر الظهر وبداية العصر، بخلاف حديث عبد الله ابن عمرو فهو أصل للقول بمنع مشاركة الظهر للعصر، لقوله: ووقت الظهر ما لم يحضر العصر.
ونهاية العصر في إمامة جبريل حين يكون ظل كل شيء مثليه.
وفي حديث عبد الله بن عمرو ما لم تصفر الشمس، وهو قدر زائد على الحد بالمثلين، وهو كذلك في حديث بريدة، ونحوه في حديث أبي موسى، وكلاهما في مسلم.
وتوقيت المغرب في إمامة جبريل لها وقت واحد هوغياب الشمس.
وفي حديث عبد الله بن عمرو لها وقتان كسائر الصلوات، بحيث يمتد المغرب إلى غياب الشفق، وكذلك هو في حديث أبي موسى وبريدة في مسلم.
ووقت العشاء في إمامة جبريل من حديث ابن عباس إلى ثلث الليل.
وفي حديث جابر في إمامة جبريل إلى ثلث الليل أو نصف الليل بالشك.
وفي حديث بريدة وأبي موسى في مسلم إلى ثلث الليل.
وأما حديث عبد الله بن عمرو فجعل وقت العشاء إلى نصف الليل جزمًا.
والصبح في إمامة جبريل ينتهي بالإسفار، وهو كذلك في حديث بريدة.
وآخر الصبح في حديث عبد الله بن عمرو وأبي موسى ما لم تطلع الشمس.
ومن هذا الاختلاف اختلف الفقهاء في اعتماد التوقيت:
فمنهم من قدم حديث ابن عباس وجابر في إمامة جبريل للنبي ﷺ ، والجمهور بنوا مذهبهم على هذين الحديثين.
ومنهم من قدم حديث عبد الله بن عمرو؛ لتأخره.
إذا علم ذلك نأتي إلى تخريج حديث ابن عباس وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.
• أما حديث عبد الله بن عباس:
(ح-٤٥٥) فقد روى أبو داود من طريق يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الرحمن ابن فلان بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مطعم،
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أَمَّنِي جبريل ﵇ عند البيت
стр. 1293
مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي يعني المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين.
[حسن، عدا قوله هذا وقت الأنبياء من قبلك] (١).