← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

• واستدل الجمهور على عدم وجود فاصل بين الظهر والعصر: الدليل الأول: (ح-٤٦٦) بما رواه مسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس (١). [اختلف في رفعه ووقفه، والرفع محفوظ] (٢). فقوله: (وقت الظهر ما لم يحضر العصر) صريح بأنه لا يوجد فاصل بين الوقتين، ولا يوجد اشتراك بينهما. الدليل الثاني: (ح-٤٦٧) ما رواه مسلم من طريق ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر، وفيه: أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى (٣). فدل على أن وقت صلاة الظهر يمتد حتى يجيء وقت العصر. • دليل من اشترط أدنى زيادة على ظل المثل لدخول العصر: دلالة النص على كون الظهر يمتد من زوال الشمس إلى أن يكون ظل كل شيء مثله، دلالة صريحة مطابقة، من حديث ابن عباس وجابر، في إمامة جبريل، وحديث أبي موسى وبريدة في مسلم، وسبق ذكرها، وتخريجها، وحتى نقطع بانتهاء وقت الظهر، ودخول وقت العصر فلا بد من زيادة الظل أدنى زيادة على ظل المثل، لأننا لا نكاد نعرف انتقال الوقت من الظهر إلى العصر إلا بهذه الزيادة، حتى لا يتداخل الوقتان، وقد اختلف الشافعية في الحكم على هذه

стр. 1332

الزيادة على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنها جزء من وقت العصر، وإنما اشترطت من أجل التحقق من انتهاء الظل إلى المثل. «وعبارة التنبيه (إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة)، وأشار إلى ذلك الإمام الشافعي ﵁، بقوله: فإن جاوز ظل الشيء مثله بأقل زيادة فقد دخل وقت العصر، وليس ذلك مخالفًا للصحيح، وهو أنه لا يشترط حدوث زيادة فاصلة كما في المنهاج كأصله، بل هو محمول على أن وقت العصر لا يكاد يعرف إلا بها» (١). الوجه الثاني: أن هذه الزيادة من وقت الظهر، وإنما تدخل العصر عقبها. وهذا ظاهر كلام الشافعي، والعراقيين، وعليه كثير من الأصحاب. الوجه الثالث: أنها فاصلة بين الوقتين، قال النووي: وهذا الثالث ليس بشيء (٢). • الراجح: قول الجمهور أن الظهر ينتهي إذا كان ظل كل شيء مثله، وبه يدخل وقت العصر، ولا فاصل بينهما، ولا اشتراك، ولا يحتاج الأمر إلى زيادة ظل المثل، كما قال كثير من الشافعية، والله أعلم. وهناك قول حكاه ابن رجب عن عطاء وطاوس: أن ما بعد مصير ظل كل شيء مثله وقت الظهر والعصر معًا. قال طاوس: إلى غروب الشمس. وقال عطاء: إلى اصفرارها، وحكي رواية عن مالك (٣).

стр. 1333

الفرع الثاني في تعجيل الظهر في غير شدة الحر المسألة الأولى في تعجيل الظهر مع الصحو المدخل إلى المسألة: • أمر الله بالمحافظة على الصلوات، ومن المحافظة عليها تعجيلها؛ ليأمن الفوت بالنسيان والأشغال والعلل. • تعجيل الصلوات في أول وقتها أفضلُ إبراءً للذمة، والأصل فيه عموم قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، إلا ما استثني. • يستحب تأخير الصلاة عن أول الوقت لتحقيق مصلحة إما للمصلي أو للصلاة، كتأخير الظهر في شدة الحر، والعشاء إلى ثلث الليل الأول إذا لم يشق، وعند الاشتباه بدخول الوقت، ولتحصيل الجماعة، وللمتيمم إذا رجا وجود الماء، وعند حضور الطعام، ولتحصيل شرط أو تعلم واجب ونحوها. • لا يأثم المصلي بتعجيل ما يستحب تأخيره من الصلوات، ولا بتأخير ما يستحب تعجيله ما لم يخرج الوقت، أو يضيق عن فعل العبادة جميعها. [م-١٩٥] تكلمت فيما سبق عن استحباب الإبراد في الظهر في شدة الحر، فإذا لم يكن حر، وكان الجو صحوًا: فقيل: يستحب تعجيل الظهر مطلقًا للفرد والجماعة،، وهو رواية عن مالك (١)،

стр. 1334

قال النووي: وبه قال الجمهور (١). جاء في روضة الطالبين: «وأما الظهر فيستحب فيها التعجيل في غير شدة الحر بلا خلاف» (٢). واستحب المالكية التعجيل للمنفرد، وأما الجماعة التي تطلب غيرها فاستحب المالكية التأخير إلى أن يكون الفيء ذراعًا وقدروه بربع القامة. واختلفوا في الجماعة التي لا تطلب غيرها، هل الأفضل لها التعجيل، كالمنفرد، وهو اختيار اللخمي، أم الأفضل لها التأخير كغيرها، وهو ظاهر كلام المتقدمين؟ قولان (٣). قال الحطاب: بأن تعليل كلام المتقدمين بإدراك الناس الصلاة يدل على أن ما قاله اللخمي هو المذهب (٤).

стр. 1335

• أدلة الجمهور على استحباب التعجيل: الدليل الأول: (ح-٤٦٨) ما رواه البخاري من طريق عوف، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير، التي تدعونها الأولى، حين تدحض الشمس .... الحديث (١). ورواه البخاري عن حفص بن عمر، ومسلم من طريق خالد الحذاء، كلاهما عن شعبة، حدثنا أبو المنهال (سيار بن سلامة) به، وفيه: ويصلي الظهر إذا زالت الشمس … (٢). الدليل الثاني: (ح-٤٦٩) روى البخاري ومسلم من طريق غندر (محمد بن جعفر) حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة … الحديث (٣). الدليل الثالث: (ح-٤٧٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق بشر بن المفضل، عن غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، عن أنس بن مالك ﵁، قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه (٤). الدليل الرابع: (ح-٤٧١) ما رواه مسلم من طريق زهير، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب،

стр. 1336

عن خباب، قال: أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا (١). وسبق مناقشة هذا الحديث في مسألة الإبراد بالظهر. وفي الباب حديث أنس في الصحيحين (٢). الدليل الخامس: (ح-٤٧٢) ما رواه البخاري من طريق حرمي بن عمارة، قال: حدثنا أبو خلدة هو خالد بن دينار، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة (٣). رواه يونس بن بكير، عن أبي خلدة، ولم يذكر الجمعة (٤). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن السنة في الظهر -في غير شدة الحر- هو التبكير في الصلاة. الدليل السادس: (ح-٤٧٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه … الحديث (٥). وجه الاستدلال: قوله: (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) فالتهجير: هو البدار إلى الصلاة

стр. 1337

في أول وقتها، وقيل: لا يكون ذلك إلا في صلاة الظهر، لأنه من السير في الهاجرة، وقد أطلقت الهجير على صلاة الظهر، كما جاء في الحديث: (كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى)، قال ابن بطال: «التهجير: السير في الهاجرة: وهي شدة الحر، ويدخل في معنى التهجير: المسارعة إلى الصلوات كلها قبل دخول أوقاتها؛ ليحصل له فضل الانتظار قبل الصلاة» (١). الدليل السابع: تأخر رسول الله ﷺ عن الصلاة بالناس لشغل عرض له مرتين، فقدَّم الناس مرة عبد الرحمن بن عوف (٢)، وقدموا في أخرى أبا بكر (٣)، ولم ينتظروا رسول الله ﷺ إلى آخر الوقت، فدل ذلك على استحباب الصلاة في أول وقتها.

стр. 1338

الدليل الثامن: (ح-٤٧٤) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر إذا دحضت الشمس (١). الدليل التاسع: الأحاديث التي تدل على فضيلة الصلاة في أول وقتها، وهي في إطلاقها تشمل الظهر، إلا ما استثني من الإبراد بالظهر في شدة الحر، وتأخير العشاء إذا لم يشق على الجماعة إلى ثلث الليل، ومن هذه الأحاديث. (ح-٤٧٥) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا بندار بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا مالك بن مغول، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها (٢). [المحفوظ رواية الصحيحين: الصلاة على وقتها] (٣).

стр. 1339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1345

وله شاهد ضعيف من حديث أم فروة (١).

стр. 1346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1348

الدليل العاشر:: (ح-٤٧٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: قالت أم سلمة: كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلًا للظهر منكم وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه (١). [صحيح إن ثبت سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة] (٢).

стр. 1349

وله شاهد من حديث عائشة، وهو ضعيف (١).

стр. 1350

الدليل الحادي عشر: أحاديث الإبراد بالظهر في شدة الحر، كحديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث أبي سعيد، وأنس، وابن عمر، وأبي ذر الغفاري وكلها في البخاري، وقد سبق تخريجها كلها. فقد دلت هذه الأحاديث بمفهومها بأن المستحب في الظهر في غير شدة الحر الصلاة في أول وقتها. • دليل المالكية في تأخير الظهر إلى ربع القامة: الدليل الأول: (ث-١٢٦) ما رواه مالك، عن نافع، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لسواها أضيع، ثم كتب: أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعًا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله .... الأثر (١). [حسن لغيره، وهذا إسناد منقطع] (٢). قوله: وكان الفيء ذراعًا: قال ابن عبد البر: أراد فيء الإنسان أن يكون ذراعًا زائدًا على القدر الذي تزول عليه الشمس … وذلك ربع قامة (٣). قال الباجي في المنتقى: «وإنما خاطب بذلك عماله وأمراءه الذين يقيمون الصلاة في مساجد الجماعة، ومحال أن يأمرهم بأن يتعدوا بالصلاة أفضل أوقاتها» (٤). • وأجيب بجوابين: الأول: أن هذا الأثر مخالف للمرفوع إلى النبي ﷺ ، وقد ذكرت أحد عشر دليلًا على أن الصلاة كانت تُصَلَّى إذا زالت الشمس.

стр. 1351

الثاني: أن هذا الأثر معارض بما هو أصح منه: (ث-١٢٧) فقد روى مالك في الموطأ، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى: أن صَلِّ الظهر، إذا زاغت الشمس. والعصر والشمس بيضاء نقية، قبل أن يدخلها صفرة. والمغرب إذا غربت الشمس، وأَخِّر العشاء ما لم تَنَمْ، وصَلِّ الصبح، والنجوم بادية مشتبكة. واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصل (١). [صحيح]. الدليل الثاني: من جهة المعنى: أنها صلاة ترد على الناس غير متأهبين، بل تجدهم نيامًا غافلين في أغلب الأحوال، فلو صلى الإمام عقيب الأذان لفاتَتْ أكثرَ الناسِ، فاستحب تأخيرها إلى أن يفيء الفيء ذراعًا، فيدرك من يحتاج الغسل الصلاة ويدركها من كان نائمًا بعد أن يستيقظ ويتوضأ ويروح إليها (٢). • ونوقش: لا نسلم أن أكثرَ الناسِ نِيَامٌ، ولو سلم فهذا المعنى كان موجودًا وقت الوحي ولم يكن مانعًا من الصلاة في أول الوقت، فاستحسانُ ما ورد الشرع بخلافه نَظَرٌ في مقابل النص. • الراجح: أن صلاة الظهر في غير شدة الحر يستحب تعجيلها. وأما تأخير الظهر إلى ربع القامة عند المالكية فقد يدخل ضمن خلاف الفقهاء متى يتحقق تعجيل الوقت، لمن أراد فضيلة التعجيل، وهو ما سوف نناقشه في المبحث التالي.

стр. 1352

المسألة الثانية في كيفية الحصول على فضيلة التعجيل المدخل إلى المسألة: • التقديم والتأخير أمر نسبي، فلا يكلف العجلة خلاف العادة. • التأخير بقدر ما يجتمع الناس للصلاة غالبًا بحسب العادة لا ينافي فضيلة التقديم. • الاشتغال بشروط العبادة وسننها المستحبة قبلها لا ينافي التعجيل. • كان الرسول ﷺ يصلي المغرب في أول وقتها بالاتفاق، وكان كثير من الصحابة يصلي ركعتين قبلها، وإذا لم ينافِ ذلك تعجيلها لم ينافِ تعجيل غيرها من الصلوات من باب أولى. [م-١٩٦] تحصل فضيلة التعجيل بالتأهب لها إذا دخل الوقت، بحيث لا يتشاغل عند دخول الوقت بغير أسباب الصلاة، من طهارة، وآذان، وستر عورة، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة والمالكية. وزاد الشافعية: ولا يضر أكل لقم توفر له الخشوع، وكلام يسير، ولا يكلف العجلة خلاف العادة، ولا يضر شغل خفيف، وسنة راتبة، ويندب للإمام الحرص على أول الوقت لكن بعد مضي وقت يجتمع الناس فيه عادة، ولا ينتظر لنحو شريف وعالم إذا تأخر (١).

стр. 1353

والمشهور من مذهب المالكية أن تقديم الصلاة في أول الوقت أمر نسبي، لا حقيقي، حتى قال ابن رشد: لا يصلي في أول الوقت حتى يتمكن ويمضي منه بعضه؛ لأن المبادرة في أول الوقت من فعل الخوارج الذين يعتقدون أن تأخير الصلاة عن أول وقتها لا يحل، ونسب ذلك للإمام مالك (١). وقال الدردير: «والمراد تقديمًا نسبيًّا فلا ينافي ندب تقديم النفل الوارد في الأحاديث، وهو الفجر وكذا الورد … وأربع قبل الظهر وقبل العصر» (٢). كما نص المالكية أن التأخير بقدر ما يجتمع الناس للصلاة غالبًا بحسب العادة لا ينافي فضيلة التقديم (٣). قال الدردير: «فتحصل أنه يندب المبادرة في أول المختار مطلقًا إلا الظهر لجماعة تنتظر غيرها، فيندب تأخيرها، وتحته قسمان: تأخير لانتظار الجماعة فقط، وتأخير للإبراد» (٤). وقيل: تحصل فضيلة أول الوقت إذا وقعت الصلاة مع أول الوقت، بحيث تكون شروطُ الصلاة متقدمةً على دخول الوقت، وهو وجه ضعيف في مذهب الشافعية (٥). واختار بعض المالكية أن الفذ والجماعة التي لا تنتظر غيرها تصلي في أول وقتها حقيقة، فلا يتنفل قبل الظهر والعصر كي تحصل له فضيلة التقديم، وما ورد من التنفل فيهما محمول على من ينتظر الجماعة (٦).

стр. 1354

واختاره العدوي من المالكية في صلاة المغرب، قال في حاشيته على الخرشي: «لا يخفى أن وقت المغرب مضيق فمعنى أفضلية تقديم المغرب تقديم شروطها على الغروب لتقع في أول وقتها» (١). وقيل: تحصل فضيلة أول الوقت إذا أداها في النصف الأول من الوقت، وقال بعضهم: إلى نصف وقت الاختيار، وهو وجه ثالث عند الشافعية (٢). فَتَلَخَّصَ لنا من الخلاف قولان: الأول: أن التعجيل حقيقي وليس نسبيًّا. ويتحقق عند بعض الشافعية بأن يشتغل بشروط العبادة من طهارة وستر العورة قبل دخولها. ويتحقق عند بعض المالكية بأن يترك التنفل قبلها كي تحصل له فضيلة التعجيل، وهذا عندهم في حق المنفرد والجماعة التي لا تنتظر غيرها. القول الثاني: أن التعجيل نسبي، وأصحاب هذا القول يتفاوتون في تقديره: فالإمام مالك ينهى عن الصلاة في أول الوقت حتى لا يتشبه بالخوارج الذين يحرمون تأخير الصلاة عن أول وقتها. وأكثرهم على أن الاشتغال في شروط العبادة وأسبابها بعد دخول الوقت لا ينافي التعجيل. ومنهم زاد كالشافعية، فقالوا: لا يضر أكل لقم توفر له الخشوع، وكلام يسير، وشغل خفيف، وسنة راتبة، ومضي وقت من أجل تكامل اجتماع الناس للصلاة عادة. وأوسع هذه الأقوال من جعل إيقاع العبادة في النصف الأول من الوقت دركًا لفضيلة التقديم. هذا ملخص الخلاف بين فقهائنا عليهم رحمة الله. • دليل من قال: الاشتغال بشروط العبادة وسننها لا ينافي التعجيل: لم يختلف العلماء أن الرسول ﷺ كان يصلي المغرب في أول وقتها:

стр. 1355

(ح-٤٧٧) لما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحَجاج، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت … (١). (ح-٤٧٨) ورواه الشيخان من حديث سلمة: كنا نصلي مع النبي ﷺ المغرب إذا توارت بالحجاب (٢). ومع هذا فقد كان كثير من الصحابة يصلون ركعتين قبل المغرب، ولم يكن ذلك منافيًا لتعجيلها. (ح-٤٧٩) فقد روى البخاري من طريق غندر، عن شعبة، قال: سمعت عمرو بن عامر الأنصاري، عن أنس بن مالك، قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء. قال عثمان بن جبلة، وأبو داود: عن شعبة، لم يكن بينهما إلا قليل (٣). ورواه مسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، وفيه: حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما (٤). تابعه ثابت البناني عند الدارقطني. وإذا لم ينافِ ذلك التعجيل في حق المغرب المتفق على استحباب تعجيلها حتى ذهب المالكية والحنفية إلى أن لها وقتًا واحدًا مضيقًا لم ينافِ مثل ذلك التعجيل فيما عداها من الصلوات، وهو يؤكد أن التصحيح نسبي، والله أعلم.

стр. 1356

• دليل من قال: التعجيل حقيقي وليس نسبيًّا: (ح-٤٨٠) ما رواه البخاري من طريق عوف، عن سَيَّارِ بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي بَرْزَةَ الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهَجِيرَ، التي تدعونها الأولى حين تَدْحَضُ الشمس … الحديث (١). ورواه البخاري عن حفص بن عمر، ومسلم من طريق خالد الحذاء، كلاهما عن شعبة، حدثنا أبو المنهال (سيار بن سلامة) به، وفيه: … ويصلي الظهر إذا زالت الشمس … (٢). (ح-٤٨١) وروى أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا مسحاج الضبي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في سفر، فقلنا: زالت الشمس، أو لم تزل، صلى الظهر ثم ارتحل (٣). [صحيح] • ويناقش حديث أبي برزة: بأن ذلك محمول على أنه صلى بعد أن صلى السنن الرواتب، واجتمع الناس للصلاة، فإذا كان النبي ﷺ لم يترك سنة الفجر في السفر بعد أن نام حتى خرج الوقت، فكيف يتصور أنه يترك ذلك في الحضر. • دليل من قال: فضيلة التقديم تحصل في النصف الأول من الوقت: قالوا: إذا صلاها قبل انتصاف الوقت فقد أدرك فضيلة أول الوقت لكون معظم الوقت ما زال باقيًا. • الراجح: أن التقديم يحصل بالتأهب لها بعد دخول الوقت، ولا ينافي التقديم أداء السنة القبلية كما في الظهر والفجر، ولا الانتظار المعتاد لتكامل الجماعة، والله أعلم.

стр. 1357

المبحث الرابع في وقت العصر الفرع الأول في ابتداء وقت العصر المدخل إلى المسألة: • أوقات العبادة ومقاديرها وعددها لا يثبت إلا بتوقيف أو إجماع. • أجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة (١). • قال ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: وقت الظهر ما لم يحضر العصر. • يحمل المجمل والمتشابه من النصوص على البين والمحكم. • الأحاديث المحتملة على وجود وقت مشترك بين الظهر والعصر كحديث إمامة جبريل للنبي ﷺ محمولة على الحديث الصريح البين من حديث عبد الله بن عمرو الصريح في نفيه. [م-١٩٧] أول وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وهو قول الجمهور وصاحبي أبي حنيفة. إلا أن المالكية قالوا بوجود وقت مشترك بينه وبين الظهر بمقدار أربع ركعاتٍ، فلو أن رجلين أحدهما صلى الظهر، والآخر صلى العصر، كانا مؤديين، على خلاف بينهم، هل العصر تشارك الظهر في آخر وقتها، أو الظهر تشارك العصر في أول وقتها؟ (٢).

стр. 1358

وقال أبو حنيفة: أوله إذا صار الظل مثليه بعد ظل الزوال، وعليه الفتوى في المذهب. وقال الشافعي وبعض الحنابلة: إذا كان ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة دخل وقت العصر، نص عليه الشافعي في مختصر المزني. وقد اختلف أصحاب الشافعي في حكم الزيادة على ثلاثة أقوال، أصحها: أنها من وقت العصر، ورجحه النووي، ونقل الرافعي الاتفاق عليه، وعليه فيرجع هذا القول إلى القول الأول (١). وقال ربيعة: وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس (٢). • دليل الجمهور على أن العصر يبدأ إذا كان ظل كل شيء مثله: الدليل الأول: (ح-٤٨٢) ما رواه أبو داود من طريق يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الرحمن

стр. 1359

ابن فلان بن أبي ربيعة، عن حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، عن نافع بن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قَدْرَ الشِّرَاكِ وصلى بي العصر حين كان ظله مثله ..... [حسن في الجملة] (١). الدليل الثاني: (ح-٤٨٣) روى أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن حسين بن علي، قال: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله وهو الأنصاري، أن النبي ﷺ جاءه جبريل، فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله … الحديث (٢). [صحيح، قال البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر] (٣). الدليل الثالث: (ح-٤٨٤) ما رواه النسائي من طريق الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : هذا جبريل ﵇ جاءكم يعلمكم دينكم، فصلى الصبح حين طلع الفجر، وصلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين رأى الظل مثله .... الحديث (٤). [لم يَرْوِهِ أحد عن أبي سلمة إلا محمد بن عمرو، وهو ضعيف في شيخه، حسن في غيره] (٥).

стр. 1360

وفي الباب حديث أبي سعيد الخدري في المسند، ومعجم الطبراني، وحديث عبد الله بن عمرو عند البيهقي، في صلاة جبريل بالنبي ﷺ ، وكلاهما ضعيف وسبق تخريجهما. • دليل المالكية على وجود وقت مشترك بين الظهر والعصر: ذكرت أدلتهم في مسألة آخر وقت الظهر، فأغنى ذلك عن إعادته. • دليل أبي حنيفة على أن وقت العصر يبدأ إذا صار الظل مثليه: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]. وجه الاستدلال: ظاهر الآية ينفي أن يكون أول وقت العصر بعد المثل؛ لأن ذلك إلى الوسط أقرب منه إلى الطرف، وإذا لم يكن بعد المثل: فهو بعد المثلين (١). • ونوقش هذا: الوجه الأول: بأن الحنفية فسروا إحدى صلاتي طرفي النهار: بأنها صلاة العصر، وهو واحد من التفسيرات التي ذكرت في الآية، وهو ليس أقوى ممن فسر الآية بأن المقصودَ بطرفي النهار: صلاتا الغداة والعشي، فالغداة: هي صلاة الصبح، والعشي: هما الظهر والعصر. وزلفًا من الليل: أي أول الليل، ويراد بها صلاتا العشاء، وقد صح هذا التفسير عن إمام المفسرين مجاهد ﵀ بسند صحيح عنه وعن محمد بن كعب القرضي بسند حسن نقل ذلك عنهما الإمام الطبري (٢). وعلى تفسير الحنفية تبقى صلاة الظهر بلا ذكر، وهذا بعيد، فالآية مشتملة على ذكر الصلوات الخمس. الوجه الثاني: من التفسيرات التي ذكرت في الآية أن طرفي النهار هما صلاة الغداة والمغرب،

стр. 1361

قال ابن كثير: «قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، قال: يعني الصبح والمغرب وكذا قال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم» (١). الوجه الثالث: أن المقصود بالطرف: هو ما تراخى عن الوسط فلا ينفي ما قاله الجمهور (٢). وانظر بقية أدلتهم ومناقشتها في مسألة: آخر وقت الظهر، فقد تقدم ذكر أدلتهم عند قولهم: إن وقت الظهر يخرج إذا صار ظل الشيء مثليه. • دليل من اشتراط أدنى زيادة على ظل المثل لدخول العصر: ذكرت أدلتهم في مسألة: آخر وقت الظهر، فانظره هناك. • الراجح: قول الجمهور، وهو أن وقت العصر يبدأ إذا انتهى وقت الظهر، من حين يكون ظل كل شيء مثله من غير فاصل، ولا اشتراك، والله أعلم.

стр. 1362

الفرع الثاني في آخر وقت العصر المدخل إلى المسألة: • قال ﷺ : (صل الصلاة لوقتها). وتقييده بأول الوقت أو الوقت المختار لا دليل عليه. • إدراك ركعة من الصلاة جعله الشارع دركًا لصلاة الجماعة، ولصلاة الجمعة، وللوقت. • من ادعى أن الإثم والأداء يجتمعان فقد خالف الأصل والنص. • الأصل أن الصلاة واجب موسع، فآخر الوقت كأوله في الجواز، من غير فرق بين الوقت المختار وغيره. • الأصل أن من صلى الصلاة بوقتها لم يأثم من غير فرق بين الاختيار وغيره. • من صلى خارج الوقت المختار وقبل مجيء الصلاة الأخرى لم يكن مفرطًا لقوله ﷺ : (إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى). [م-١٩٨] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن وقت العصر ينتهي بغروب الشمس على خلاف بينهم في تقسيم وقت العصر إلى قسمين: أحدهما: وقت اختيار وجواز وسعة. والثاني: وقت اضطرار: وسُمِّيَ مختصًّا بأرباب الضرورات من غفلةٍ، أو نومٍ، أو إغماءٍ، أو جنونٍ، أو حيضٍ (١). فقال الحنفية: يستحب تأخير العصر ما لم تتغير الشمس، ويكره تحريمًا تأخيرها إلى تغير الشمس، والمعتبر بالتغير تغير القرص، بحيث يصير بحال

стр. 1363

لا تحار فيه الأعين لذهاب ضوئه، وليس المقصود به تغير الضوء، هذا هو الأصح عندهم، ولهذا فسر الطحاوي التغير بالاحمرار (١). وقيل: آخر وقت الاختيار ما لم تصفر الشمس، وما بعده إلى غروب الشمس وقت ضرورة. وهو رواية عن مالك، قدمها خليل في مختصره، وهو مذهب المدونة، وبه قال أحمد في رواية، وقال في الفروع: وهي أظهر (٢). وقيل: آخر الوقت المختار حين يصير ظل كل شيء مثليه، وآخر وقت الضرورة غروب الشمس، وهذا مذهب الحنابلة، ورواية ابن عبد الحكم عن مالك (٣).

стр. 1364

وخالف الشافعية الجمهور، فلم يذهبوا إلى القول بوجود وقت الاضطرار، بل قسموا وقت العصر إلى ثلاثة أقسام: وقت استحبابٍ: ينتهي بخروج وقت الاختيار حين يصير ظل الشيء مثليه. وما بعده إلى اصفرار الشمس وقت جوازٍ بلا كراهة. وما بعد الاصفرار إلى الغروب وقت كراهةٍ، فلا يوجد عند الشافعية وقت الاضطرار (١). قال النووي: «يجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت بلا خلاف حيث تقع جميعًا في الوقت … » (٢). وقال ابن قدامة: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس، رواه مسلم، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى غروب الشمس، ومن أدرك جزءًا من الغروب فقد أدركها» (٣). وقال الإصطخري من الشافعية: يخرج الوقت بخروج وقت الاختيار في حق أهل الإرفاه، فإن صلوا كان قضاء بحقهم، وأما أهل الأعذار فلا يخرج الوقت في حقهم بخروج وقت الاختيار (٤). فتحصل من الخلاف ما يلي: الأول: لا يوجد وقت اضطرار، على خلاف بينهم، هل تكره الصلاة بعد اصفرار الشمس وهو مذهب الشافعية، أم تجوز بلا كراهة، وهو اختيار ابن قدامة. الثاني: تقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار على اختلاف بينهم في وقته: فقال الحنفية: يبدأ من تغير قرص الشمس بحيث يصير بحال لا تحار فيه الأعين، وليس المقصود تغير الضوء، وهذا أقصرها.

стр. 1365

وقال المالكية في رواية: من اصفرار الشمس إلى الغروب. وقال الحنابلة، وهو رواية عن مالك: من مصير ظل كل شيء مثليه إلى الغروب، وهذا أطولها. وكلهم متفقون على أن الصلاة في وقت الاضطرار هي أداء مطلقًا لأهل الأعذار وغيرهم وإن كان غير أهل الأعذار يأثمون بالتأخير إلا الإصطخري فجعل الصلاة في حق أهل الإرفاه قضاء، وقد انفرد به، ولا أعرف له سلفًا، والله أعلم. • دليل من قال: المختار ينتهي بتغير الشمس والضرورة إلى الغروب: (ح-٤٨٥) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، عن بدر بن عثمان، حدثنا أبو بكر بن موسى، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا .... وفيه: … ثم أَخَّرَ العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس … الحديث (١). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن صلاة العصر يجوز تأخيرها إلى تغير قرص الشمس بالاحمرار. والدليل على كراهة تأخيرها بعد الاحمرار كراهة تحريمية. (ح-٤٨٦) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة، حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه، قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، فقمنا، فصلينا، فلما انصرفنا، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا (٢).

стр. 1366

• دليل من قال: الوقت المختار إلى الاصفرار والضرورة إلى الغروب: الدليل الأول: (ح-٤٨٧) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس. [اختلف في رفعه ووقفه، والرفع محفوظ] (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس)، وهذا نص في موضع النزاع. • ويناقش: أن الاصفرار في الحديث قد أضيف إلى الشمس، ولم يضف إلى ضوئها، واصفرار القرص يعني ضعفها، وقربها من الاحمرار، وهو المعنى الذي ذكر في حديث أبي موسى في مسلم: (حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس)، واحمرارها يعني ميلانها إلى الغروب، فقد يكون القدر المتبقي من الوقت لا يسع أداء الصلاة فيها، ويشهد لذلك رواية أخرى للحديث عند مسلم. (ح -٤٨٨) فقد رواه مسلم من طريق عمر بن عبد الله بن رزين، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج بن حجاج، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلوات، فقال: … وفيه: ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ويسقط قرنها الأول .... الحديث (٢). فجمع بين الاصفرار، وبين شروعها في المغيب، فدل على أن التوقيت بالاصفرار لا يعني أن هناك وقتًا بين الاصفرار وبين شروعها بالمغيب.

стр. 1367

• وأجيب: بأن قوله: (ويسقط قرنها الأول) لم يروه عن قتادة إلا حجاج، ولا عن حجاج إلا ابن طهمان، تفرد به عنه عمر بن عبد الله بن رزين، ولا يحتمل تفرده (١). الدليل الثاني: (ح-٤٨٩) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: صل معنا هذين -يعني اليومين- وفيه: .... فأقام الظهر - يعني في اليوم الأول- والشمس مرتفعة بيضاء نقية، فلما أن كان اليوم الثاني .... صلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان … وقال في آخره: وقت صلاتكم بين ما رأيتم (٢). وجه الاستدلال: فإذا كان قد صلاها في اليوم الثاني، والشمس مرتفعة، دل على أنه صلاها قبل أن تصفر الشمس. الدليل الثالث: (ح-٤٩٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن للصلاة أولًا وآخرًا .... وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس .... (٣). [رواه محمد بن فضيل، عن الأعمش مسندًا، ورواه غيره عن الأعمش، عن مجاهد مرسلًا، وهو الصواب] (٤). • دليل من قال: المختار إلى بلوغ ظل الشيء مثليه، والضرورة إلى الغروب: الدليل الأول: (ح-٤٩١) روى أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن

стр. 1368

حسين بن علي، قال: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله وهو الأنصاري، أن النبي ﷺ جاءه جبريل، فقال: قم فصله، وفيه: … ثم جاءه العصر، فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله - أو قال: صار ظله مثله - .... وفي اليوم الثاني قال: فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه … وذكر بقية الأوقات، ثم قال: ما بين هذين وقت (١). [صحيح، قال البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر] (٢). الدليل الثاني: (ح-٤٩٢) ما رواه أبو داود من طريق يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الرحمن ابن فلان بن أبي ربيعة، عن حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، عن نافع بن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، وفيه … فصلى بي العصر حين كان ظله مثله … وقال في اليوم الثاني: وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه … وذكر بقية الصلوات، ثم قال في آخره: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين. [حسن في الجملة، إلا قوله: هذا وقت الأنبياء من قبلك] (٣). • ونوقش هذا: بأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أصح، فقد رواه مسلم. • ويجاب بثلاثة وجوه: الوجه الأول: لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، فالجمع غير متعذر؛ لأن الترجيح يعني الأخذ بأحد الدليلين، وترك الآخر، والجمع إعمال لكلا الدليلين، فهو أولى، وسوف يأتي بيان الأخذ بكلا الدليلين إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: لا نسلم أن حديث عبد الله بن عمرو أصح، فحديث جابر له شواهد كثيرة،

стр. 1369

أشهرها حديث ابن عباس في إمامة جبريل وقد ذكرتها كلها وخرجتها في مبحث سابق، وقد بنى أكثر فقهاء المذاهب توقيت الصلوات عليها، وأما حديث عبد الله بن عمرو فقد اختلف في رفعه ووقفه، وإن كان الرفع محفوظًا إلا أن الاختلاف في الحديث عامل مؤثر إذا اضطررنا إلى سلوك سبيل الترجيح، ولا حاجة إليه. الوجه الثالث: ليس هناك اختلاف بين الاصفرار وبين التوقيت بالمثلين: فالذين قالوا بالاصفرار فإنهم قالوا: يجب لزامًا على المصلي أن يفرغ من الصلاة قبل الاصفرار، وهو مقتضى حديث: (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) فإذا فرغ من الصلاة قبل الاصفرار، فإن هذا يعني أنه سوف ينصرف منها، والشمس مرتفعة لم تخالطها صفرة، وهو معنى حديث بريدة (صلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان) (١). وعلى هذا فحديث التوقيت بالمثلين إن لم يتطابق مع توقيت حديث ابن عمرو (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) فهو فليس بعيدًا عنه، ولو فرض وجود قدر زائد بين المثلين والاصفرار فهو قليل جدًّا يغتفر مع الوسائل المتاحة لضبط الوقت في ذلك العصر، واحتياطًا للعبادة، وهذا الوجه من الجمع يعني حمل أحاديث الاصفرار على المثلين، فيؤول معنى الروايتين إلى شيء واحد، والله أعلم. • دليل من قال: وقت الجواز إلى غروب الشمس: الدليل الأول: (ح-٤٩٣) ما رواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (٢).

стр. 1370

ورواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وبسر بن سعيد، وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس لم تفته الصلاة، ومن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس لم تفته الصلاة (١). • ونوقش هذا: بأن المقصود في الحديث: (من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر) بأنه قد أدرك الوجوب، فهو في حق أصحاب الأعذار: كالحائض تطهر، والكافر يسلم، والمغمى عليه والمجنون يفيق، والصبي يبلغ بدليل حديث عبد الله بن عمرو (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس). وبدليل ما رواه مسلم من حديث أنس ﵁، وفيه: … سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا (٢). • وأجيب بأكثر من جواب: الجواب الأول: قولكم: (فقد أدرك الوجوب) لا يسلم، بل محمول على إدراك الوقت، ولو سُلِّم فإنه يلزم من إدراك الوجوب إدراك الوقت؛ فلو أن الكافر والحائض والمجنون لم يرتفع المانع حتى خرج الوقت لم يدركوا الوجوب قولًا واحدًا فإدراك الوجوب لا يعني إلا إدراك الوقت بدلالة الالتزام، وإذا كان وقتًا لهم فهو وقت لغيرهم بدليل أنه لو صلاها غير المعذور لعد ذلك أداء، وإنما تكون أداء إذا وقعت في وقتها. الجواب الثاني: (من أدرك ركعة من العصر … ) من اسم شرط، وهو من ألفاظ العموم، فاختصاص ذلك بأهل الأعذار خلاف دلالة اللفظ.
следующие страницы →