← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

• دليل من قال: الوقت المختار إلى الاصفرار والضرورة إلى الغروب: الدليل الأول: (ح-٤٨٧) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس. [اختلف في رفعه ووقفه، والرفع محفوظ] (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس)، وهذا نص في موضع النزاع. • ويناقش: أن الاصفرار في الحديث قد أضيف إلى الشمس، ولم يضف إلى ضوئها، واصفرار القرص يعني ضعفها، وقربها من الاحمرار، وهو المعنى الذي ذكر في حديث أبي موسى في مسلم: (حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس)، واحمرارها يعني ميلانها إلى الغروب، فقد يكون القدر المتبقي من الوقت لا يسع أداء الصلاة فيها، ويشهد لذلك رواية أخرى للحديث عند مسلم. (ح -٤٨٨) فقد رواه مسلم من طريق عمر بن عبد الله بن رزين، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج بن حجاج، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلوات، فقال: … وفيه: ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ويسقط قرنها الأول .... الحديث (٢). فجمع بين الاصفرار، وبين شروعها في المغيب، فدل على أن التوقيت بالاصفرار لا يعني أن هناك وقتًا بين الاصفرار وبين شروعها بالمغيب.

стр. 1367

• وأجيب: بأن قوله: (ويسقط قرنها الأول) لم يروه عن قتادة إلا حجاج، ولا عن حجاج إلا ابن طهمان، تفرد به عنه عمر بن عبد الله بن رزين، ولا يحتمل تفرده (١). الدليل الثاني: (ح-٤٨٩) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: صل معنا هذين -يعني اليومين- وفيه: .... فأقام الظهر - يعني في اليوم الأول- والشمس مرتفعة بيضاء نقية، فلما أن كان اليوم الثاني .... صلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان … وقال في آخره: وقت صلاتكم بين ما رأيتم (٢). وجه الاستدلال: فإذا كان قد صلاها في اليوم الثاني، والشمس مرتفعة، دل على أنه صلاها قبل أن تصفر الشمس. الدليل الثالث: (ح-٤٩٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن للصلاة أولًا وآخرًا .... وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس .... (٣). [رواه محمد بن فضيل، عن الأعمش مسندًا، ورواه غيره عن الأعمش، عن مجاهد مرسلًا، وهو الصواب] (٤). • دليل من قال: المختار إلى بلوغ ظل الشيء مثليه، والضرورة إلى الغروب: الدليل الأول: (ح-٤٩١) روى أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن

стр. 1368

حسين بن علي، قال: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله وهو الأنصاري، أن النبي ﷺ جاءه جبريل، فقال: قم فصله، وفيه: … ثم جاءه العصر، فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله - أو قال: صار ظله مثله - .... وفي اليوم الثاني قال: فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه … وذكر بقية الأوقات، ثم قال: ما بين هذين وقت (١). [صحيح، قال البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر] (٢). الدليل الثاني: (ح-٤٩٢) ما رواه أبو داود من طريق يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الرحمن ابن فلان بن أبي ربيعة، عن حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، عن نافع بن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، وفيه … فصلى بي العصر حين كان ظله مثله … وقال في اليوم الثاني: وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه … وذكر بقية الصلوات، ثم قال في آخره: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين. [حسن في الجملة، إلا قوله: هذا وقت الأنبياء من قبلك] (٣). • ونوقش هذا: بأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أصح، فقد رواه مسلم. • ويجاب بثلاثة وجوه: الوجه الأول: لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، فالجمع غير متعذر؛ لأن الترجيح يعني الأخذ بأحد الدليلين، وترك الآخر، والجمع إعمال لكلا الدليلين، فهو أولى، وسوف يأتي بيان الأخذ بكلا الدليلين إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: لا نسلم أن حديث عبد الله بن عمرو أصح، فحديث جابر له شواهد كثيرة،

стр. 1369

أشهرها حديث ابن عباس في إمامة جبريل وقد ذكرتها كلها وخرجتها في مبحث سابق، وقد بنى أكثر فقهاء المذاهب توقيت الصلوات عليها، وأما حديث عبد الله بن عمرو فقد اختلف في رفعه ووقفه، وإن كان الرفع محفوظًا إلا أن الاختلاف في الحديث عامل مؤثر إذا اضطررنا إلى سلوك سبيل الترجيح، ولا حاجة إليه. الوجه الثالث: ليس هناك اختلاف بين الاصفرار وبين التوقيت بالمثلين: فالذين قالوا بالاصفرار فإنهم قالوا: يجب لزامًا على المصلي أن يفرغ من الصلاة قبل الاصفرار، وهو مقتضى حديث: (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) فإذا فرغ من الصلاة قبل الاصفرار، فإن هذا يعني أنه سوف ينصرف منها، والشمس مرتفعة لم تخالطها صفرة، وهو معنى حديث بريدة (صلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان) (١). وعلى هذا فحديث التوقيت بالمثلين إن لم يتطابق مع توقيت حديث ابن عمرو (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) فهو فليس بعيدًا عنه، ولو فرض وجود قدر زائد بين المثلين والاصفرار فهو قليل جدًّا يغتفر مع الوسائل المتاحة لضبط الوقت في ذلك العصر، واحتياطًا للعبادة، وهذا الوجه من الجمع يعني حمل أحاديث الاصفرار على المثلين، فيؤول معنى الروايتين إلى شيء واحد، والله أعلم. • دليل من قال: وقت الجواز إلى غروب الشمس: الدليل الأول: (ح-٤٩٣) ما رواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (٢).

стр. 1370

ورواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وبسر بن سعيد، وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس لم تفته الصلاة، ومن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس لم تفته الصلاة (١). • ونوقش هذا: بأن المقصود في الحديث: (من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر) بأنه قد أدرك الوجوب، فهو في حق أصحاب الأعذار: كالحائض تطهر، والكافر يسلم، والمغمى عليه والمجنون يفيق، والصبي يبلغ بدليل حديث عبد الله بن عمرو (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس). وبدليل ما رواه مسلم من حديث أنس ﵁، وفيه: … سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا (٢). • وأجيب بأكثر من جواب: الجواب الأول: قولكم: (فقد أدرك الوجوب) لا يسلم، بل محمول على إدراك الوقت، ولو سُلِّم فإنه يلزم من إدراك الوجوب إدراك الوقت؛ فلو أن الكافر والحائض والمجنون لم يرتفع المانع حتى خرج الوقت لم يدركوا الوجوب قولًا واحدًا فإدراك الوجوب لا يعني إلا إدراك الوقت بدلالة الالتزام، وإذا كان وقتًا لهم فهو وقت لغيرهم بدليل أنه لو صلاها غير المعذور لعد ذلك أداء، وإنما تكون أداء إذا وقعت في وقتها. الجواب الثاني: (من أدرك ركعة من العصر … ) من اسم شرط، وهو من ألفاظ العموم، فاختصاص ذلك بأهل الأعذار خلاف دلالة اللفظ.

стр. 1371

الجواب الثالث: أن التوقيت بالاصفرار أو بالمثلين ثم قوله: (الوقت بين هذين) إنما هو لبيان وقت الاختيار، وليس لبيان وقت الجواز، فوقت الجواز أعم من وقت الاختيار: فجبريل ﵇ صلى بالنبي ﷺ العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى به في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه، وقال: الوقت بين هذين. فكان الخارجُ عن وقت المثلين داخلًا في وقت الضرورة لو كان هذا حدًّا واجبًا. وقال ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس). وهو قدر زائد عن المثلين، فتبين أن المثلين ليس حدًّا واجبًا. وصلى النبي ﷺ العصر مختارًا غير معذور في حديث أبي موسى في اليوم الثاني، والقائل يقول: قد احمرت الشمس، وهو قدر زائد على المثلين وعلى الاصفرار، وإذا احمرت الشمس فلم يبق عليها إلا الغروب. فتبين أن الحد بالاصفرار أيضًا ليس حدًا واجبًا، وإلا لكانت صلاة النبي ﷺ داخلة في وقت الاضطرار الذي حده الحنابلة والمالكية، فتبين أن التوقيت بالصلاة قبل الاصفرار لبيان الوقت المختار. ولأن الأئمة الأربعة متفقون على أن من صلى قبل غروب الشمس فقد صلاها أداء، ولا يُتَصَوَّرُ اجتماع الأداء والإثم كما سيأتي الاستدلال عليه. وأما الجواب عن حديث أنس في صفة صلاة المنافق فقد أجبت عنه عند الكلام على مسألة: حكم تأخير الصلاة إلى وقت الاضطرار، فانظره هناك يا رعاك الله. الدليل الثاني: (ح-٤٩٤) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا أبو الوليد الطيالسي، وحدثنا محمد بن يحيى بن المنذر القزاز، حدثنا حفص بن عمر الحوضي، قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرٍو؛ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن وقت الصلاة فقال:

стр. 1372

وقت صلاة الظهر: إذا زالت الشمس، فكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر: ما لم تغرب الشمس .... الحديث (١). ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة، عن قتادة به، وفيه: قال: وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم يحضر المغرب (٢). [الأكثر رووه بلفظ: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) وهو المحفوظ] (٣).

стр. 1373

الدليل الثالث: (ح-٤٩٥) ما رواه مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء

стр. 1374

يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١). الدليل الرابع: (ح-٤٩٦) ما رواه البخاري من طريق الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود ﵁: أن رجلًا سأل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله. ورواه مسلم (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ أمر أبا ذر أن يصلي الصلاة لوقتها، وفي حديث ابن مسعود ﵁ جعل الصلاة لوقتها من أفضل الأعمال. ولفظ (وقتها) في الحديثين مفرد مضاف، فيعم كل وقتها، فكل وقت للصلاة هو داخل في وقت الصلاة، أوله كآخره، فإذا أوقع الصلاة في الوقت فقد امتثل الأمر، فمن أخرج جزءًا من وقت الصلاة من هذا الخطاب النبوي العام فقد خصص كلام رسول الله ﷺ بلا مخصص. قال ابن دقيق العيد: «قوله: (الصلاة على وقتها) ليس فيه ما يقتضي أول الوقت وآخره، وكان المقصود به: الاحتراز عما إذا وقعت خارج الوقت قضاء» (٣). الدليل الخامس: (ح-٤٩٧) ما رواه مسلم من حديث أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ..... إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى (٤). فقوله: (إنما) أداة حصر، فحصر التفريط على من تعمد التأخير حتى دخل وقت الصلاة الأخرى، وليس حتى خرج وقت الاختيار.

стр. 1375

وقد دل الحديث على أن الإثم والأداء لا يجتمعان. • الراجح: يتفق الفقهاء إلا الإصطخري أن من صلى قبل غروب الشمس أن صلاته تقع أداء، ويختلفون في تأثيم من أخر العصر إلى ما بعد المثلين على قول، أو إلى اصفرار الشمس على قول آخر خلافًا للشافعية، وقد بحثت في فصل مستقل تقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار، وحكم تأخير الصلاة إلى وقت الاضطرار، سواء أكان ذلك في العصر أم في سائر أوقات الصلوات، ورجحت مذهب الشافعية، فإذا أحببت الوقوف على أدلة هذه المسألة فارجع إليها تحت هذا المبحث، والله الموفق.

стр. 1376

الفرع الثالث في تعجيل العصر المدخل إلى المسألة: • أمر الله بالمحافظة على الصلوات، ومن المحافظة تعجيلها؛ ليأمن الفوت بالنسيان والأشغال والعلل. • الأصل أن تعجيل الصلوات في أول وقتها أفضل إبراء للذمة، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، إلا ما استُثْنِيَ. • يستحب تأخير الصلاة عن أول الوقت لتحقيق مصلحة إما للمصلي أو للصلاة، كتأخير الظهر في شدة الحر، والعشاء إلى ثلث الليل الأول إذا لم يشق، وعند الاشتباه بدخول الوقت، ولتحصيل الجماعة، وللمتيمم إذا رَجَا وجود الماء، وعند حضور الطعام، ولتحصيل شرط أو تعلم واجب. • لا يأثم المصلي بتعجيل ما يستحب تأخيره من الصلوات، ولا بتأخير ما يستحب تعجيله ما لم يخرج الوقت أو يضيق عن فعل العبادة جميعها. [م-١٩٩] يستحب تعجيل العصر مطلقًا، وهو قول الجمهور (١).

стр. 1377

وقال الحنفية: يستحب تأخير العصر ما لم تتغير الشمس، ويستحب تعجيلها مع الغيم، ولا يباح تأخير العصر إلى تغير الشمس، والمعتبر تغير القرص بحيث لا تحار فيه الأعين على الصحيح، لا تغير الضوء (١). واستحب أحمد في رواية تأخيرها في يوم الغيم (٢). وقال أشهب: يستحب تأخيرها لذراع بعد القامة لا سيما إذا اشتد الحر (٣). وقال ابن حبيب: يستحب تعجيل عصر يوم الجمعة أكثر من تعجيله في غيرها (٤). • دليل الجمهور على استحباب تعجيل العصر: الدليل الأول: (ح-٤٩٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي صلاة العصر، والشمس طالعة في حجرتي، لم يظهر الفيء بعد. قال البخاري: وقال مالك، ويحيى بن سعيد، وشعيب، وابن أبي حفصة: والشمس قبل أن تظهر. ورواه مسلم عن عمرو الناقد، عن سفيان، بلفظ: لم يَفِئْ الفيء بعد (٥). ورواه البخاري من طريق أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه،

стр. 1378

أن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر، والشمس لم تخرج من حجرتها. وقال أبو أسامة، عن هشام: من قعر حجرتها. وجه الاستدلال: الحديث دليل على أن العصر يأتي على الصحابة، والشمس لا زالت في صحن الحجرة، وهو أيضًا دليل على قصر الجدار، وضيق الساحة، والحجرة: هي الدار، وكل ما حجر وأحيط به البناء، فهو حجرة. وفسر ظهور الفيء: أي غلبته على الشمس، فيكون المعنى: لم يكن الفيء أكثر من الشمس حين صلى العصر، كما يقال: ظهر فلان على فلان إذا غلب عليه (١). • ورد الحنفية بجوابين: الجواب الأول: قال بعض الحنفية: لا دلالة في هذا الحديث على تعجيل العصر، فالجدر كانت قصيرة، فلم تكن تنقطع من غرفتها إلا بقرب الغروب (٢). • ورد هذا الجواب: بأن دلالة الحديث على قصر الجدار ظاهر، وأما دعوى أن الشمس لا تنقطع من غرفتها إلا بقرب الغروب فبعيد؛ لأن معنى ذلك أن الجدار لا يستر أهله، وحجر أزواجه لم تكن متسعة، وضوء الشمس لا يكون باقيًا في قعر الحجرة إلا وهي قائمة مرتفعة، فدل على أن الصلاة كانت في أول الوقت. الجواب الثاني للحنفية: أن الحديث محمول على جواز الصلاة في أول الوقت، ولا يخالف في ذلك الحنفية، وإنما الخلاف في الاستحباب، فالجمهور يرون استحباب التقديم، والحنفية يرون استحباب التأخير. • ورد هذا الجواب: بأن التعبير ب (كان) يدل على أن هذا هو الغالب من فعل الرسول ﷺ .

стр. 1379

الدليل الثاني: (ح-٤٩٩) ما رواه البخاري من طريق عبد الله (يعني ابن المبارك)، قال: أخبرنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل، يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه (١). قال ابن بطال: «قول أنس: (هذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصليها معه)، يدل على أن سنته تعجيل العصر في أول وقتها» (٢). الدليل الثالث: (ح-٥٠٠) ما رواه مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن موسى بن سعد الأنصاري، حدثه عن حفص بن عبيد الله، عن أنس بن مالك، أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا، ونحن نحب أن تحضرها، قال: نعم، فانطلق، وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم تنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس (٣). وروى الشيخان نحوه من مسند رافع بن خديج (٤). قال صاحب فيض الباري: «قد يستدل به على تعجيل العصر، ولا دليل فيه أصلًا، فإنه يمكن مثله بعد المثلين أيضًا. وقد نقل عن بعض السلاطين ما هو أعجب منه؛ حكي عن بعض سلاطين دِهْلى يصلي صلاة العيد، ثم ينحر أضحيته، فإذا فرغ من الخطبة، فإذا اللحم قد نضج، فكان يأكل» (٥).

стр. 1380

الدليل الرابع: (ح-٥٠١) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة (١). هكذا رواه مالك، عن الزهري موقوفًا، وبقوله: (ثم يذهب الذاهب إلى قباء). ورواه أصحاب الزهري، عنه، عن أنس مرفوعًا بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة) (٢). قال الجوهري: «قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أن أحدًا من أصحاب الزهري تابع مالكًا على قوله إلى قباء» (٣). ورجح الدارقطني وابن عبد البر وابن بطال والبزار وغيرهم أن الصواب قوله: (إلى العوالي) (٤).

стр. 1381

وروى مسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر (١). قال ابن عبد البر: قباء: موضع بني عمرو بن عوف (٢). قال ابن حجر: قباء من العوالي، وليست العوالي كل قباء، ولعل مالكًا لما رأى أن في رواية الزهري إجمالًا حملها على الرواية المفسرة، وهي روايته المتقدمة عن إسحاق حيث قال فيها: ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، وقد تقدم أنهم أهل قباء، فبنى مالك على أن القصة واحدة؛ لأنهما جميعًا حدثاه عن أنس، والمعنى متقارب فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكًا وهم فيه» (٣). قال القاضي عياض: «فسر مالك العوالي بثلاثة أميال من المدينة. قال غيره: وهى مفترقة، فأدناها ميلان، وأبعدها ثمانية أميال» (٤). فإذا خلصنا من الكلام على لفظ الحديث نأتي إلى وجه الدلالة فيه. فقد دل الحديث على أن السنة التعجيل في صلاة العصر؛ لأنه لا يمكن للمصلي أن يصليها ثم يذهب ثلاثة أميال إلى أربعة، والشمس مرتفعة لم تتغير، إلا أن يكون قد صلى في أول الوقت، وكان ذلك في أيام الصيف حيث

стр. 1382

يكون النهار طويلًا (١). الدليل الخامس: (ح-٥٠٢) روى البخاري ومسلم من طريق غندر (محمد بن جعفر) حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي ﷺ يصلي الظهرَ بالهاجرةِ، والعصرَ والشمسُ نقيةٌ … (٢). الدليل السادس: (ح-٥٠٣) روى البخاري من طريق عوف، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير، التي تدعونها الأولى، حين تدحض الشمس، ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حية … الحديث، ورواه مسلم بنحوه (٣). وحياة الشمس يعني بقاء حرها ولونها، والرجوع إلى أقصى المدينة والشمس في هذه الحال دليل على وقوع الصلاة في أول الوقت. فهذه الأحاديث المتكاثرة دليل على استحباب تعجيل العصر، وأن هذا كان فعل الرسول وأكثر صحابته من بعده، وأما حملها على بيان الجواز فهو قول ضعيف، والله أعلم. • دليل الحنفية على أن تأخير العصر أفضل: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]. وجه الاستدلال: بأن المقصود بالصلاة: الصبح في الطرف الأول، والعصر في الطرف الثاني،

стр. 1383

فإذا صليت العصر في أول الوقت لم تكن في طرف النهار، بل في وسطه. وقد سبقت مناقشة هذا الاستدلال واختلاف العلماء في تفسيرها عند الكلام على مسألة: أول صلاة العصر، فارجع إليه غير مأمور. الدليل الثاني: (ح-٥٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: قالت أم سلمة: كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلًا للظهر منكم وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه (١). [صحيح إن ثبت سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة] (٢). وله شاهد من قول عائشة، وهو ضعيف (٣). • ويناقش: بأنه لا دلالة فيه على التأخير، فقولها (أشد) أفعل تفضيل بين ما يفعله الرسول ﷺ ، وبين ما يفعله التابعون في المدينة، فقد اجتمع الجميع على التعجيل، إلا أن تعجيل التابعين كان أشد من تعجيل النبي ﷺ ، ولا بد من حمل هذا عملًا بالأدلة الكثيرة الدالة على تعجيل النبي ﷺ للعصر، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٥٠٥) ما رواه مالك في الموطأ، قال: حدثنا عبد الله بن دينار، أن عبد الله بن عمر أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: إنما أجلكم فيما خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس وإنما مثلكم ومثل اليهود، والنصارى كرجل استعمل عمالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ قال: فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى على قيراط قيراط، ثم قال: من

стр. 1384

يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، قال: فغضب اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا، وأقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت (١). ورواه البخاري بنحوه من طريق الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر (٢). ورواه أيضًا من طريق نافع، وسالم عن ابن عمر (٣). قال محمد بن الحسن: «هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أفضل من تعجيلها، ألا ترى أنه جعل ما بين الظهر إلى العصر أكثر مما بين العصر إلى المغرب في هذا الحديث، ومن عجل العصر كان ما بين الظهر إلى العصر أقل مما بين العصر إلى المغرب، فهذا يدل على تأخير العصر، وتأخير العصر أفضل من تعجيلها، ما دامت الشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة» (٤). • ويجاب: بأن هذا المثل لم يضرب لبيان أوقات الصلوات، والاستدلال به على أوقات الصلاة غير مقصود للشارع، ودلالته على ذلك لو سلمت من باب دلالة الإشارة، فلا يعارض الأحاديث الكثيرة والتي نقلت لنا سنة الرسول ﷺ التعجيل في العصر، ودلالتها نصية، ومقصودة للشارع، وإذا تعارضت دلالة الإشارة مع دلالة العبارة قدمت دلالة العبارة عند أهل الأصول، كتقديمهم دلالة المنطوق على دلالة المفهوم، والله أعلم. وقد سبق مناقشة دلالة هذا الحديث عند الكلام على مسألة وقت الظهر، فارجع إليه إن شئت. الدليل الرابع: (ح-٥٠٦) ما رواه أبو داود من طريق محمد بن يزيد اليمامي، حدثني يزيد بن

стр. 1385

عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، عن جده علي بن شيبان قال: قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية (١). [ضعيف] (٢). الدليل الخامس: (ث-١٢٨) ما رواه الدارقطني من طريق عبد الرحيم بن سليمان أخبرنا الشيباني، عن العباس بن ذريح، عن زياد بن عبد الله النخعي، قال: كنا جلوسًا مع علي ﵁ في المسجد الأعظم والكوفة يومئذٍ أخصاص فجاءه المؤذن فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين للعصر فقال: اجلس، فجلس، ثم عاد، فقال ذلك، فقال علي ﵁: هذا الكلب يعلمنا بالسنة، فقام علي ﵁ فصلى بنا العصر، ثم انصرفنا فرجعنا إلى المكان الذي كنا فيه جلوسًا، فجثونا للركب؛ لنزول الشمس للمغيب نتراءاها (٣). [ضعيف جدًّا، على اختلاف في لفظه] (٤).

стр. 1386

والإمام علي بن أبي طالب أَجَلُّ من أن يصف رجلًا من المسلمين ذكَّره بالصلاة بالكلب، ولقد قال أسامة بن زيد للرسول ﷺ -وهو أكبرُ وأَجَلُّ- الصلاة يا رسول الله، فما زاد الرسول ﷺ على أن قال له: الصلاة أمامك، وذلك في حجة الوداع. الدليل السادس: (ث-١٢٩) من الآثار: ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، أن ابن مسعود كان يؤخر العصر (١). [صحيح] (٢). (ث-١٣٠) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن عمر بن منبه، عن سوار بن شبيب، عن أبي هريرة، أنه كان يؤخر العصر حتى أقول: قد اصفرت الشمس (٣). [رجاله ثقات] (٤).

стр. 1387

(ث-١٣١) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن أبي عاصم، عن أبي عون، أن عليًّا كان يؤخر العصر حتى ترتفع الشمس على الحيطان (١). [رواته ثقات إلا أنه منقطع، أبو عون لم يدرك عليًّا ﵁]. الدليل السابع: قالوا: سميت بالعصر؛ لأنها تعصر، أي تؤخر. (ث-١٣٢) فقد روى الطحاوي، قال: حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو ابن الحارث الأنصاري، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا خالد، عن أبي قلابة، قال: إنما سميت العصر لتعصر (٢). [حسن] ولا دليل فيه على استحباب تأخير العصر، وإنما فيه سبب تسميتها بالعصر، حتى لو صليت في أول وقتها، وذلك التسمية بالنسبة لليوم، فهي إحدى صلاتي طرفي النهار، ولولا أن الطحاوي ﵀ استدل به على استحباب التأخير ما ذكرته. الدليل الثامن: ولأن في تأخير العصر تكثير النوافل، وأداء النوافل بعدها مكروه.

стр. 1388

• ويناقش من أكثر من وجه: أحدها: أن هذا اجتهاد في مقابل النص، فلا يقبل. الثاني: أن التفضيل بين العبادات مرده إلى الشرع، وقد دلت النصوص على تقديم الفريضة في أول وقتها على مصلحة تكثير النوافل. الثالث: لو سلم هذا المعنى لكان استحباب تأخير العصر مستحبًّا في حق من يريد تكثير النوافل لا مطلقًا، ومذهب الحنفية استحباب التأخير مطلقًا. • وأما أدلة الحنفية على استحباب التعجيل في يوم الغيم: الدليل الأول: (ح-٥٠٧) ما رواه البخاري من طريق هشام -يعني الدستوائي- عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله (١). • ونوقش: بأن ذكر الغيم في الحديث يحتمل أن يكون لبيان الواقع، فكما أن قوله: (كنا في غزوة) وصف طردي لا تأثير له في الحكم، فكذلك قوله (في يوم غيم). بدليل أنه لم يرتب عليه حكمًا، فالحديث اشتمل على موقوف ومرفوع، وكلاهما لا علاقة له بالغيم. فالموقوف: بكروا بصلاة العصر. وعلل الأمر بالتبكير: بأن النبي ﷺ قال: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله، ولم يعلله بالغيم حتى يكون ذكر الغيم وصفًا مؤثرًا بالحكم. ويحتمل أن يكون ذكر الغيم له أثر في الأمر بالتبكير، ويكون الصحابي أراد من أمرهم بالتبكير حال الغيم؛ لأن هناك من يتكلف ويتنطع، ويريد أن يؤخر الوقت ليتيقن دخوله فيؤدي ذلك إلى إخراج الصلاة عن وقتها، لهذا ربط الأمر بالتبكير

стр. 1389

حال الغيم بأن من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله، فأراد بريدة ﵁ التحذير من هؤلاء، وأن يبادروا في الصلاة حال الغيم في أول الوقت إذا تيقنوا أو غلب على ظنهم دخول الوقت، وألا يتكلفوا حتى يبلغ بهم إخراج الصلاة عن وقتها، والله أعلم، وعلى كلا الاحتمالين لا يدل على قصر استحباب التعجيل في يوم الغيم، وتأخيره في الصحو. الدليل الثاني: (ح-٥٠٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة، قال: كنا معه في غزاة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بكروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإنه من فاته صلاة العصر فقد حبط عمله (١). [وهم فيه الأوزاعي في إسناده ومتنه] (٢).

стр. 1390

• الراجح: أن المبادرة بالصلاة في أول الوقت أفضل؛ فلو لم يرد في ذلك سنة لكان التعجيل أفضل، لأنه هو الأصل لما فيه من المبادرة على فعل الطاعة، كيف والأحاديث متكاثرة على بيان سنة المصطفى ﷺ في التعجيل بها، إلا الظهر في

стр. 1391

شدة الحر، وإلا العشاء إذا لم يشق تأخيرها على الناس، ويلحق بهما في حالة الغيم إذا لم يكن هناك ساعة يعرف بها الوقت حتى يتيقن أو يغلب على ظنه دخول الوقت، والله أعلم.

стр. 1392

الفرع الرابع في بيان الصلاة الوسطى المدخل إلى المسألة: • لا يقضى بالتفضيل إلا بنص، ولا مدخل للاجتهاد فيه. • لا يفضل الشيء على غيره إلا لحكمة ومعنى اقتضت تفضيله وتخصيصه، قد يقف عليه العقل، وقد يعجز عن إدراك أسرار تشريعه. • لا تعني المفاضلة نقصان المفضول، ولهذا أجرى الله المفاضلة بين أسمائه وإن كانت كلها حسنى، وبين كلامه وإن كانت أخباره وأحكامه صدقًا وعدلًا، وبين ملائكته ورسله قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١). • ترجع أسباب المفاضلة إلى سببين: عام، وهو المصلحة، وخاص: وهي ستة أسباب: الكيفية، والكمية، والحكم، والثمرة، والمشقة، والزمان، والمكان، وكل واحد من هذه الأسباب لها تعلق بالعمل، والعامل (٢). • قد يدخل التفضيل أجزاء العبادة الواحدة كتفضيل تكبيرة الإحرام على غيرها من التكبيرات. • قد يفضل الأقل على الأكثر كتفضيل القصر على الإتمام. • السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. • الوسط يطلق على ما كان بين شيئين، ويطلق في الشرع، ويراد به العدل والخيار، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، والعصر جمعت الأمرين معًا، فهي وسط بمعنى الخيار، وهي بين صلاتي النهار وصلاتي الليل.

стр. 1393

[م-٢٠٠] الصلاة الوسطى هي العصر، وهو قول الحنفية والحنابلة، وبه قال داود، وابن المنذر، ونقله الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم (١). وقال المالكية والشافعية: هي الصبح (٢). وقال جماعة: هي الظهر، وهو رواية عن أبي حنيفة (٣). وقيل: هي المغرب (٤). وقيل: هي العشاء الآخرة (٥). وقيل: الجمعة (٦). وقيل: هي مبهمة، كساعة الجمعة، وليلة القدر (٧). وقيل غير ذلك حتى بلغت الأقوال فيها إلى عشرين قولًا (٨)، والأكثر من هذه الأقوال مذهبان: العصر والصبح، قال ابن رجب: «والقول بأن الوسطى غيرهما لا تعويل عليه» (٩).

стр. 1394

• دليل من قال: الوسطى هي العصر: الدليل الأول: (ح-٥٠٩) روى البخاري ومسلم من طريقين عن هشام عن محمد، عن عبيدة بن عمرو، عن علي ﵁، قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ : ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس (١). ورواه البخاري من طريق الأنصاري (محمد بن عبد الله)، عن هشام به، وزاد: وهي صلاة العصر (٢). ورواه ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام بن حسان به، بلفظ: حبسونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر … (٣). ورواه أحمد عن بهز، عن همام، عن قتادة، عن أبي حسان (الأعرج)، عن عبيدة بن عمرو، قال:

стр. 1395

كنا نرى أن صلاة الوسطى صلاة الصبح، قال: فحدثنا علي؛ أنهم يوم الأحزاب اقتتلوا، وحبسونا عن صلاة العصر، فقال النبي ﷺ : اللهم املأ قبورهم نارًا، أو املأ بطونهم نارًا، كما حبسونا عن الصلاة الوسطى. قال: فعرفنا يومئذ، أن صلاة الوسطى، صلاة العصر (١). ورواه النسائي في السنن الكبرى من طريق الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: قلنا لعبيدة: سَلْ عليًّا عن صلاة الوسطى فسأله، فقال: كنا نراها الفجر، فسمعت النبي ﷺ يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن صلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قبورهم، وأجوافهم نارًا (٢).

стр. 1396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1397

قال ابن حجر: «وهذه الرواية تدفع دعوى من زعم أن قوله: (صلاة العصر) مدرج من تفسير بعض الرواة، وهي نص في كونها العصر من كلام النبي ﷺ ، وأن شبهة من قال: إنها الصبح قوية لكن كونها العصر هي المعتمد» (١). هذا ما يتعلق برواية عبيدة السلماني.

стр. 1398

ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، ثم صلاها بين العشاءين، بين المغرب والعشاء (١). ورواه مسلم من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، سمع عليًّا يقول: قال رسول الله يوم الأحزاب، وهو قاعد على فُرْضَة من فُرَض الخندق شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم، أو قال: قبورهم وبطونهم نارًا. هكذا صرح بسماع يحيى بن الجزار الحديث من علي ﵁. ورواه مسلم أيضًا عن وكيع، عن شعبة به، إلا أنه قال: عن يحيى، عن علي (٢). الدليل الثاني: (ح-٥١٠) ما رواه مسلم من طريق محمد بن طلحة بن مصرف اليامي، عن زبيد، عن مرة بن شراحيل،

стр. 1399

عن عبد الله، قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر، حتى احمرت الشمس، أو اصفرت، فقال رسول الله ﷺ : شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم، وقبورهم نارًا، أو قال: حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا (١). الدليل الثالث: (ح-٥١١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، وروح، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ قال: هي العصر، قال ابن جعفر: سئل عن صلاة الوسطى (٢). [منقطع الحسن لم يسمع هذا الحديث من سمرة على الصحيح] (٣).

стр. 1400

الدليل الرابع: (ح-٥١٢) ما رواه مسلم من طريق الفضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فقال رجل كان جالسًا عند شقيق له:

стр. 1401

هي إذن صلاة العصر، فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم. قال مسلم: ورواه الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأناها مع النبي ﷺ زمانًا بمثل حديث فضيل ابن مرزوق (١). الدليل الخامس: (ث-١٣٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن داود بن قيس، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، أنها استكتبت مصحفًا فلما بلغت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] قالت: اكتب العصر (٢). [رجاله ثقات إلا أنه اختلف في لفظه] (٣). الدليل السادس: ولأن صلاة العصر تقع بين صلاتين نهاريتين: وهما الفجر والظهر، وبين صلاتين ليليتين: وهما المغرب والعشاء، فصدق أنها بين صلاتين.

стр. 1402

• دليل من قال: الوسطى هي صلاة الصبح: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ومعنى الآية: وقوموا لله فيها قانتين، ولا صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس فيها قنوت سوى صلاة الصبح، فعلم بذلك أنها هي دون غيرها (١). •ويناقش: (ح-٥١٣) بأن البخاري ومسلم رويا في صحيحيهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بالسكوت، زاد مسلم: ونُهِيَنا عن الكلام (٢). الدليل الثاني: (ث-١٣٤) روى الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثني أبو بكرة، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: صليت خلف أبي موسى صلاة الصبح، فقال رجل إلى جنبي من أصحاب النبي ﷺ : هذه الصلاة الوسطى (٣). [حسن] (٤). الدليل الثالث: (ث-١٣٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن قرة،

стр. 1403

قال: ثنا أبو رجاء، قال: صليت مع ابن عباس الصبح في مسجد البصرة، فقال: هذه الصلاة الوسطى (١). [صحيح] (٢).

стр. 1404

الدليل الرابع: (ث-١٣٦) ما رواه ابن جرير الطبري من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله، قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح (١). [ضعيف] (٢). • ويجاب عن هذه الآثار: بأن قول الصحابي لا يعارض به الأحاديث المرفوعة فضلًا أن يقدم عليها، فحديث علي ﵁، وابن مسعود، والبراء، وغيرها من الأحاديث المرفوعة صريحة بأنها العصر، وقد كان علي ﵁ يظنها صلاة الصبح حتى سمع من رسول الله ﷺ أنها صلاة العصر، وذلك في غزوة الخندق. وإنما يستأنس بقول الصحابي ويقدم على غيره إذا لم يخالف المرفوع، ولم يعارضه قول صحابي مثله، هذا هو شرط الاستدلال بقول الصحابي على خلاف في الاحتجاج به عند أهل الأصول. قال ابن القيم: «السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى

стр. 1405

صلاة العصر» (١). الدليل الخامس: (ح-٥١٤) ما رواه مسلم من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس، مولى عائشة، أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فَآَذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فلما بلغتُها آذنتُها فأملتْ عَلَيَّ: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﷺ (٢). وله شاهد من حديث حفصة (٣).
следующие страницы →