← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

هي إذن صلاة العصر، فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم. قال مسلم: ورواه الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأناها مع النبي ﷺ زمانًا بمثل حديث فضيل ابن مرزوق (١). الدليل الخامس: (ث-١٣٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن داود بن قيس، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، أنها استكتبت مصحفًا فلما بلغت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] قالت: اكتب العصر (٢). [رجاله ثقات إلا أنه اختلف في لفظه] (٣). الدليل السادس: ولأن صلاة العصر تقع بين صلاتين نهاريتين: وهما الفجر والظهر، وبين صلاتين ليليتين: وهما المغرب والعشاء، فصدق أنها بين صلاتين.

стр. 1402

• دليل من قال: الوسطى هي صلاة الصبح: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ومعنى الآية: وقوموا لله فيها قانتين، ولا صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس فيها قنوت سوى صلاة الصبح، فعلم بذلك أنها هي دون غيرها (١). •ويناقش: (ح-٥١٣) بأن البخاري ومسلم رويا في صحيحيهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بالسكوت، زاد مسلم: ونُهِيَنا عن الكلام (٢). الدليل الثاني: (ث-١٣٤) روى الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثني أبو بكرة، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: صليت خلف أبي موسى صلاة الصبح، فقال رجل إلى جنبي من أصحاب النبي ﷺ : هذه الصلاة الوسطى (٣). [حسن] (٤). الدليل الثالث: (ث-١٣٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن قرة،

стр. 1403

قال: ثنا أبو رجاء، قال: صليت مع ابن عباس الصبح في مسجد البصرة، فقال: هذه الصلاة الوسطى (١). [صحيح] (٢).

стр. 1404

الدليل الرابع: (ث-١٣٦) ما رواه ابن جرير الطبري من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله، قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح (١). [ضعيف] (٢). • ويجاب عن هذه الآثار: بأن قول الصحابي لا يعارض به الأحاديث المرفوعة فضلًا أن يقدم عليها، فحديث علي ﵁، وابن مسعود، والبراء، وغيرها من الأحاديث المرفوعة صريحة بأنها العصر، وقد كان علي ﵁ يظنها صلاة الصبح حتى سمع من رسول الله ﷺ أنها صلاة العصر، وذلك في غزوة الخندق. وإنما يستأنس بقول الصحابي ويقدم على غيره إذا لم يخالف المرفوع، ولم يعارضه قول صحابي مثله، هذا هو شرط الاستدلال بقول الصحابي على خلاف في الاحتجاج به عند أهل الأصول. قال ابن القيم: «السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى

стр. 1405

صلاة العصر» (١). الدليل الخامس: (ح-٥١٤) ما رواه مسلم من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس، مولى عائشة، أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فَآَذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فلما بلغتُها آذنتُها فأملتْ عَلَيَّ: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﷺ (٢). وله شاهد من حديث حفصة (٣).

стр. 1406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1408

وجه الاستدلال: أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة، فدل ذلك على أنها غيرها. • وأجيب: لو كانت الوسطى غير العصر فلا يلزم من ذلك أن تكون صلاة الصبح. ولو سلم فلا يمكن اعتبار ذلك قرآنًا؛ لفقده شرطين، أحدهما: مخالفة رسم المصحف العثماني، ولافتقاده شرط التواتر، فلا تثبت القراءة بخبر الآحاد، ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المصحف، ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا من غيرهم، وقد جاء في حديث البراء المتقدم أنه قد كان ذلك ثم نسخ. فإن قيل: إذا صَحَّ سند القراءة الشاذة فهي حجة، وإن لم تكن قرآنًا على الصحيح. فالجواب حتى تصح يشترط عدم معارضة الخبر في الظاهر لما هو أرجح منه، فحديث علي في الصحيحين وحديث ابن مسعود والبراء في مسلم أصح وأصرح منه؛ ولو سلمنا أنه مساوٍ لها في الصحة فإنه لا بد من التسليم في دلالته على المراد، وهذا لا يتوفر هنا، فالحديث يتطرق إليه احتمالات، منها: أن تكون الواو زائدة، كما في قوله ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]. أو تكون الواو من قبيل عطف الصفات، لا من باب عطف الذوات، كقوله تعالى ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].

стр. 1409

وكقوله سبحانه ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ١ - ٤] وأمثال ذلك كثيرة. وقال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم وقال أبو دؤاد الإيادي: سلط الموت والمنون عليهم … فلهم في صدى المقابر هام والموت هو المنون (١). • دليل من قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر: (ح-٥١٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان: أن رهطًا من قريش مَرَّ بهم زيد بن ثابت، وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، فقام إليه رجلان منهم فسألاه، فقال: هي الظهر، ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد، فسألاه، فقال: هي الظهر، إن رسول الله ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير، ولا يكون وراءه إلا الصف والصفان من الناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: فقال رسول الله ﷺ : لينتهِيَنَّ رجال أو لأحرِقَنَّ بيوتهم (٢). [الزبرقان لم يسمع من أسامة، ولا من زيد بن ثابت، وقيل: بينهما عروة بن الزبير، وقيل: زهرة، والقول بأن الوسطى الظهر ثابت عن زيد بن ثابت من غير هذا الطريق] (٣).

стр. 1410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1412

• ويجاب عن هذا الحديث: أما الموقوف على زيد بن ثابت فهو لا يمكن أن يعارض المرفوع، فضلًا عن تقديمه عليه، وسبق ذكر ذلك. وأما المرفوع من حديث أسامة فلم يكن في القدر المرفوع أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وإنما تعرض لبيان سبب النزول، وقد أمر بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى، فلو لم يأتِ من الأحاديث المرفوعة ما يبين أن الصلاة الوسطى صلاة العصر لقيل: قصد بالظهر الصلاة الوسطى، أما وقد جاء من حديث علي وابن مسعود والزبير، وحديث عائشة وحفصة وأم سلمة ما يبين أنها العصر، فلا بد من القول أن الظهر داخل بقوله تعالى: حافظوا على الصلوات وعطف عليها الصلاة الوسطى ويعني بها العصر اهتمامًا بها، وفهم الصحابي ليس حجة إذا عارض الحديث المرفوع، والجمع بين الأحاديث الصحيحة أولى من الترجيح على أنه لو كان السبيل الترجيح فالأحاديث الكثيرة مقدمة على غيرها، والله أعلم. • الراجح: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، والله أعلم.

стр. 1413

المبحث الخامس في وقت المغرب الفرع الأول في بيان ابتداء الوقت وانتهائه المدخل إلى المسألة: • لم يختلف المسلمون في ابتداء وقت الظهر والمغرب والصبح. • لم يختلف المسلمون على استحباب تعجيل صلاة المغرب. • كل أحاديث مواقيت الصلاة في معرض بيانها أول الوقت تحديد لا تقريب، لا يجوز التقدم عليه. • أحاديث إمامة جبريل للنبي ﷺ في بيان آخر مواقيت الصلاة تقريب، لا تحديد، جاءت لبيان الوقت المختار إلا في الظهر. • قوله ﷺ : (الوقت بين هذين) في جميع أحاديث المواقيت لبيان الوقت المختار، وليس حدًّا لا يجوز التأخر عنه. • المغرب كسائر الصلوات وقتها موسع. • كل وقت لو وقعت فيه الصلاة وكانت أداء يجوز تأخير الصلاة إليه، وإن كان مفضولًا؛ لأن الأداء والإثم لا يجتمعان. [م-٢٠١] أول وقت المغرب حين تغرب الشمس بلا خلاف (١). واختلفوا هل وقتها موسع كغيرها من الصلوات؟ فقيل: وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق، ويكره تأخيرها إلى ما بعد

стр. 1414

اشتباك النجوم. وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وإحدى الروايتين عن مالك وهي مذهب الموطأ، وفي المدونة ما يقتضي ذلك، ورجحه ابن العربي، وهو القول القديم للشافعي، وصححه النووي (١). إلا أن الكراهة عند الحنفية للتحريم، خلافًا للجمهور (٢).

стр. 1415

وقيل: ليس لها إلا وقت واحد إذا غربت الشمس، وهو رواية ثانية عن مالك، وهي التي حكاها العراقيون عن المذهب، والشافعي في الجديد على خلاف في تقديره: فاختار المالكية إلى تقسيم وقت المغرب إلى اختيار واضطرار: فالوقت المختار للمغرب: بقدر ما يسع فعل الصلاة (ثلاث ركعات) بعد أذان وإقامة، وتحصيل شرط من طهارة وستر عورة. ورخص مالك للمسافر وحده أن يمد الميل ونحوه قبل أن ينزل ويصلي (١). والضروري: ما بعد المختار إلى طلوع الفجر (٢). وهو معنى قول عطاء وطاوس: لا يفوت المغرب حتى يفوت العشاء بطلوع الفجر (٣). وقال الشافعي في الجديد: «وقت المغرب بقدر ما يسع (خمس ركعاتٍ) فعل الصلاة والسنة، بعد أذان وإقامة وتحصيل شرط من طهارةٍ وستر عورةٍ» (٤). وقالوا في الأصح: «لو شرع في الوقت يجوز مدها إلى مغيب الشفق، ولا وقت ضروري للمغرب» (٥).

стр. 1416

وقال أشهب: «إذا غاب الشفق فله أن يصلي المغرب، وآخر يصلي العشاء، ويكون هذا المقدار وقتًا مشتركًا كما يشترك الظهر والعصر، ورجحه الباجي» (١). • فتحصل من الخلاف ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المغرب يمتد إلى مغيب الشفق، وهو قول الحنفية، والحنابلة، والقديم من قولي الشافعي، وعليه الفتوى، ورواية عن مالك. القول الثاني: أن المغرب له وقت واحد، بقدر فعلها وتحصيل شرطها، وبه قال المالكية والشافعي في الجديد، وأضاف الشافعية فعل سنتها. القول الثالث: أن هناك وقتًا مشتركًا بين المغرب والعشاء بعد غياب الشفق، فله أن يصلي فيه المغرب، وآخر يصلي فيه العشاء، وبه قال أشهب. واختلفوا في مسألتين: المسألة الأولى: في تقسيم وقت المغرب إلى اختياري واضطراري، وفيها قولان: الأول: لا يوجد وقت اضطراري للمغرب، وهو مذهب الحنابلة والشافعية. الثاني: يوجد وقت اضطراري للمغرب على خلاف في تقديره: فالحنفية: يكره تحريمًا تأخير صلاة المغرب بعد اشتباك النجوم إلى غياب الشفق يعني إلا للمضطر. وقال المالكية: يبدأ وقت الاضطرار: بعد ذهاب وقت الاختيار إلى طلوع الفجر. المسألة الثانية: هل إدراك العشاء من أصحاب الموانع إدراك للمغرب؟ فالجمهور يقولون: إدراك العشاء إدراك للمغرب في الجملة، خلافًا للحنفية، وقد سبق بحث هذه المسألة فيما سبق على وجه التفصيل، فأغنى ذلك عن إعادته. كما أنني ناقشت في مسألة مستقلة موقف الفقهاء من تقسيم وقت الصلوات إلى اختيار واضطرار، فلست بحاجة إلى إعادة النقاش فيها في هذا المبحث. وسوف نحصر البحث هنا على مسألة واحدة، هل وقت المغرب وقت مضيق مطلقًا، أم أنه وقت موسع كسائر الصلوات، وإذا كان وقتها مضيقًا فهل هو مضيق

стр. 1417

مطلقًا أم هو مضيق في الابتداء؟ وله المد في القراءة إذا دخل في صلاة المغرب في أول الوقت إلى ما قبل غياب الشفق، والله الموفق والمستعان وحده. • دليل من قال: وقت المغرب من الغروب إلى غياب الشفق: الدليل الأول: (ح-٥١٦) روى مسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق … (١). [اختلف في وقفه ورفعه، والرفع محفوظ] (٢). الدليل الثاني: (ح-٥١٧) روى مسلم في صحيحه من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: صَلِّ معنا هذين - يعني اليومين - وفيه … فأقام المغرب -يعني في اليوم الأول- حين غابت الشمس، فلما أن كان اليوم الثاني .... صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق … وقال في آخره: وقت صلاتكم بين ما رأيتم (٣). الدليل الثالث: (ح-٥١٨) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، عن بدر بن عثمان، حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ ، أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا .... وفيه: فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس … وقال في اليوم الثاني: ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق … فدعا السائل، فقال:

стр. 1418

الوقت بين هذين (١). الدليل الرابع: (ح-٥١٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن للصلاة أولًا وآخرًا .... وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق .... (٢). [رواه محمد بن فضيل، عن الأعمش مسندًا، ورواه غيره عن الأعمش، عن مجاهد مرسلًا، وهو الصواب] (٣).

стр. 1419

الدليل الخامس: (ح-٥٢٠) ما رواه البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قُدِّمَ العَشَاءُ، فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم. ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: لو كان وقت المغرب وقتًا واحدًا ما قُدِّمَ العَشَاءُ على صلاة المغرب. • دليل من قال: المغرب لها وقت واحد: استدلوا بحديث إمامة جبريل للنبي ﷺ حيث صلى المغرب في اليومين في وقتٍ واحدٍ خلافًا لبقية الأوقات، فدل على أن لها وقتًا واحدًا. (ح-٥٢١) فقد روى أبو داود من طريق يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الرحمن بن فلان بن أبي ربيعة، عن حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، عن نافع بن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قَدْرَ الشِّرَاكِ وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي يعني المغرب حين أفطر الصائم … ثم

стр. 1420

ذكر بقية الأوقات فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مِثْلَهُ وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم .... ثم قال في آخره: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين. [حسن في الجملة، إلا قوله: هذا وقت الأنبياء من قبلك] (١). (ح-٥٢٢) وروى أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن حسين بن علي، قال: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله وهو الأنصاري، أن النبي ﷺ جاءه جبريل، فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله - أو قال: صار ظله مثله - ثم جاءه المغرب، فقال: قم فصله، فصلى حين وجبت الشمس … وذكر بقية الأوقات، ثم جاءه من الغد للظهر، فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله ثم جاءه للعصر، فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه للمغرب، وقتًا واحدًا لم يزل عنه … وذكر بقية الأوقات، ثم قال: ما بين هذين وقت (٢). [صحيح، قال البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر] (٣). وجه الاستدلال: الاستدلال بمفهوم المخالفة بقوله: (ما بين هذين وقت) فإن مفهومه أن ما كان خارج هذين ليس وقتًا، وقد صلى المغرب وقتًا واحدًا، فدل على أن المغرب دون سائر الصلوات لها وقت واحد. • وأجيب عن هذا بوجهين: الوجه الأول: أن مفهوم المخالفة حجة عند الجمهور خلافًا للحنفية إلا أنه

стр. 1421

يشترط للاحتجاج به ألا يأتي في النصوص ما يدل على أن المفهوم غير مراد، فإذا عارضه منطوق، قدم عليه؛ لأن دلالة المنطوق مقصودة أصالة، ودلالة المفهوم قد تكون مرادة، وقد تكون غير مرادة للمتكلم. فجبريل صلى العصر بالنبي ﷺ في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه، وقال: الوقت بين هذين. فلو كان مفهوم المخالفة مرادًا في قوله: (الوقت بين هذين) ما ورد ما يخالفه في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في مسلم حيث جعل وقت العصر ما لم تصفر الشمس، وهو قدر زائد على المثلين. وصلى النبي ﷺ العصر كما في حديث أبي موسى في اليوم الثاني، والقائل يقول: قد احمرت الشمس. وهو قدر زائد على الاصفرار. وفي حديث أبي هريرة قال ﷺ : من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وهو قدر زائد على جميع المقادير السابقة، ولا يصح قولهم: إن الحديث خاص بالمعذور. وصلى النبي ﷺ المغرب في المدينة في حديث أبي موسى وحديث بريدة في اليوم الأول حين غربت الشمس، وصلى في اليوم الثاني قبل غياب الشفق، وقال: (الوقت بين هذين)، فدل على أن فعله للمغرب في وقت واحد لا يدل على أنه لا وقت لها غيره، وإنما هو لبيان الوقت المختار. الوجه الثاني: أن حديث إمامة جبريل في مكة وحديث بريدة وأبي موسى في المدينة، والمتأخر مقدم. • دليل من قال: وقت المغرب مضيق وله مد القراءة إلى غياب الشفق: (ح-٥٢٣) ما رواه البخاري من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار، وقد سمعت النبي ﷺ

стр. 1422

يقرأ بطولى الطوليين. رواه البخاري (١). وعند أحمد والنسائي: قال: قلت ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف (٢). وجه الاستدلال: فلو كان وقت المغرب غير ممتد ما أطال القراءة بقدر الأعراف. • دليل من قال بوجود وقت مشترك للمغرب والعشاء: ذكرت أدلة المالكية على وجود وقت مشترك بين الظهر والعصر، عند الكلام على آخر وقت الظهر، فقاس بعض المالكية المغرب والعشاء عليهما بجامع أنه يجمع بينهما كما يجمع بين الظهر والعصر، فدل على اتصال وقتيهما. وقد بينت فيما سبق ضعف القول بجود وقت مشترك بين الظهر والعصر، وإذا سقط الأصل المقيس عليه سقط الفرع. • دليل من قال: لا يفوت المغرب حتى يفوت العشاء: الدليل الأول: (ث-١٣٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عثمان المخزومي، قال: أخبرتني جدتي، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف، قال: سمعته يقول: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (٣). [ضعيف] (٤). الدليل الثاني: (ث-٨٣١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن يزيد، عن مقسم،

стр. 1423

عن ابن عباس قال: إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (١). ورواه ابن المنذر من طريق أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد به، واللفظ لابن المنذر. [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (ث-٩٣١) ما رواه حرب الكرماني في مسائله، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر بن شميل قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا طهرت المرأة من حيضها فأدركت ركعتين، ثم صلي العصر قبل أن تغيب الشمس، فإنها تصلي الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل أن يطلع الفجر، فإنها تصلي المغرب والعشاء (٣). [رجاله ثقات إلا أن رواية حماد عن قيس فيها كلام] (٤). فهذه ثلاثة آثار عن الصحابة، وهي وإن كانت أسانيدها فيها كلام إلا أن ضعفها من الضعف اليسير فهي آثار صالحة للشواهد يجبر بعضها بعضًا، ويقوي بعضها بعضًا، ولم يأتِ عن الصحابة ما يخالفها، ولو جاء ذلك، ولو من آثار ضعيفة لسلك الباحث سبيل الترجيح، وإذا كان هذا المنقول عن الصحابة فإن القلب ينشرح لذلك. وأما التابعون، فقد قال الإمام أحمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده، قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها (٥). فإذا كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم لم يختلفوا في أن إدراك العشاء

стр. 1424

إدراك للمغرب، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن عليه رحمة الله، ثم تبعهم على ذلك جمهور الفقهاء في الجملة من المالكية والشافعية والحنابلة فالأخذ بما أفتى به الصحابة متعين، فالصحابة لا يفتون بما يخالف القياس إلا لمقتض عندهم علموه، وإن لم يقف عليه غيرهم، والله أعلم. • الراجح: قول الجمهور، وأن صلاة المغرب لها وقتان، وأن المعذور إذا أدرك العشاء فقد أدرك المغرب، هذا هو قضاء الصحابة والتابعين، ولم يخالف في التابعين إلا الحسن البصري عليه رحمة الله، والله أعلم.

стр. 1425

الفرع الثاني في تفسير الشفق المدخل إلى المسألة: • اللفظ إذا كان له دلالة شرعية ولغوية وعرفية، ولم يوجد قرينة تبين المراد من الإطلاق قدمت الشرعية في استعمال الشرع على الأصح؛ لأن الرسول ﷺ بعث ليبين الأحكام الشرعية، وتقدم الحقيقة اللغوية في استعمال أهل اللغة. • اللفظ إذا كان له دلالة واحدة فهو النص، وإن احتمل معنيين فأكثر، فإن كان أحدهما أظهر من الآخر فالراجح هو الظاهر، وإن كان لا رجحان في أحد المعنيين كالعين والقرء والشفق فهو المجمل. • إذا تناول الاسم الواحد شيئين متضادين كالحيض والطهر: اسم للقرء، والحمرة والبياض اسم للشفق، فإنه يصار إلى الترجيح من خارج دلالة اللفظ. • اللفظ المشترك لا يمكن حمله على مفهوميه معًا، وقيل: يمكن. • تعيين أحد لفظي المشترك لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع أو قول صاحب. • قال الطوفي: أكثر السلف كابن عمر، وعبادة، وشداد بن أوس، وغيرهم فسروا الشفق بالحمرة. اه وهذا كافٍ في ترجيح أحد المعنيين (١). • ما كان طلوعه علامة على طلوع الصبح كان غيابه علامة على نهاية المغرب، فالطوالع كالغوارب إلا أنه معكوس. [م-٢٠٢] الشفق هو الحمرة، وهو قول الجمهور، ورواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة، وبه قال صاحباه: أبو يوسف ومحمد (٢).

стр. 1426

وقال أبو حنيفة والمزني والأوزاعي: هو البياض، وهو رواية عن أحمد، لكن قال ابن رجب: ولا يكاد يثبت عنه (١). وقال أحمد في رواية: الشفق في الحضر البياض، وفي السفر الحمرة. وحمل القاضي ومن بعده هذا على مجرد الاحتياط والاستحباب دون الوجوب (٢). وقال بعضهم: الشفق اسم للحمرة والبياض معًا، إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بِقَانٍ، وأبيض ليس بناصع، وإنما يعلم المراد منه بالأدلة، لا بنفس اللفظ، كالقرء الذي يقع على الحيض والطهر معًا (٣). واختلفوا متى يغيب البياض: قال ابن سيد الناس: «قد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل» (٤).

стр. 1427

وقال الخليل بن أحمد: راعيت البياض بمكة، فما ذهب إلا بعد نصف الليل (١). وقال أبو بكر الجصاص: «راعيته في البوادي في ليالي الصيف، والجو نقي، والسماء مصحية، فإذا هو يغيب قبل أن يمضي من الليل ربعه بالتقريب» (٢). وقال ابن أبي أويس: «رأيته- يعني البياض- يتمادى إلى طلوع الفجر» (٣). فهذه أربعة أقوال: أقلها أنه بعد ما يذهب ربع الليل، وقيل: ثلثه، وقيل: نصفه، وقيل يتمادى إلى طلوع الفجر. والذي ظهر لي أن البياض قسمان كالبياض في الفجر، صادق وكاذب، وسيأتي مزيد توضيح لهذا خلال البحث. • دليل من قال: الشفق البياض: الدليل الأول: استدل الحنفية بما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: آخر وقت المغرب إذا اسودَّ الأفق (٤). [لا أصل له بهذا اللفظ] (٥). (ح-٥٢٤) والمعروف ما رواه أبو داود من طريق ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب، أخبره، أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر فأخر العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل ﷺ قد أخبر محمدًا ﷺ بوقت الصلاة، فقال له عمر: اعلم ما تقول. فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل جبريل ﷺ فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلواتٍ، فرأيت رسول الله ﷺ صلى الظهر حين تزول الشمس … ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء

стр. 1428

حين يسود الأفق … الحديث. [انفرد أسامة بن زيد عن ابن شهاب بذكر تفصيل أوقات الصلوات، وخالف الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، والحديث في الصحيحين، وفي غيرهما، وليس فيه تفصيل أوقات الصلوات] (١). فإذا كان يصلي العشاء حين يسود الأفق، وإنما يسود إذا خفي أثر الشمس في الظلام، وهو وقت مغيب الشفق الأبيض، ولم يوجد فاصل بين وقت المغرب، ووقت العشاء، فكان هذا وقت انتهاء المغرب وابتداء وقت العشاء. • ويجاب على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث شاذ. الوجه الثاني: على فرض صحته فإنه ليس صريحًا في دلالته، فقد يقال: إن الشروع في الصلاة لا يلزم منه أن يكون في أول الوقت، فإنه من المعلوم في صلاة الجماعة أن يكون هناك فاصل بين الأذان والإقامة يتطهر الناس للصلاة ويستعدون لها، وفي الناس السريع والبطيء، حتى إذا اجتمع أكثرهم قام فصلى، خاصة أن صلاة العشاء من الصلوات التي يستحب تأخيرها إلى ثلث الليل لولا المشقة على الناس، وقد جاء في حديث جابر في الصحيحين أنه كان يصلي العشاء أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّر (٢)، فإذا كان التعجيل معلقًا باجتماعهم فإن اجتماع الجماعة للصلاة يستغرق وقتًا كما هو معلوم، والله أعلم. الوجه الثالث: أن المقصود بقوله: (إذا اسْوَدَّ الأفق) أي ابتدأ بالسواد، وهو يبتدئ بغياب الشفق الأحمر. الدليل الثاني: أن الحمرة والبياض أثر النهار، والعشاء من صلاة الليل، فيبدأ وقتها من زوال أثر النهار، والذي لا يزول إلا بمغيب البياض، والذي هو آخر وقت المغرب. •ونوقش: بأن الأثر لا عبرة به، بدليل أن صلاة المغرب من صلاة الليل، وأثر النهار فيها

стр. 1429

باقٍ، وصلاة الصبح من صلاة النهار، وأثر الليل لا يزال موجودًا، حيث يدخل وقت الصبح، والغلس مستحكم. ولو حكمنا الأثر فإن العبرة للغالب، فإن الليل بغياب الشفق الأحمر يعتبر غالبًا على غيره، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الشفق في اللغة: اسم لما رقَّ، يقال: ثوب رقيق: أي شفيق، ومنه الشفقة: وهي رقة القلب من الخوف والمحبة، ورقَّة نور الشمس باقية ما بقي البياض. أو أن الشفق اسم لرديء الشيء وباقيه، والبياض باقي آثار الشمس (١). • ونوقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: إذا فسر الشفق بأنه اسم لرديء الشيء، فإن الحمرة أردأ من البياض؛ وذلك لأن البياض أقوى من الحمرة. الوجه الثاني: أكثر أهل اللغة ينسبون تفسير الشفق بالحمرة لأهل اللغة، وينسبون تفسير الشفق بالبياض لبعض الفقهاء، وتفسير اللغة مقدَّم؛ لأن الشرع لم يجعل للشفق حقيقة شرعية. قال الخليل في كتابه العين: «الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الأخيرة» (٢)، ولم يذكر البياض من معاني الشفق. وقال في تهذيب اللغة: «الشفق: الحمرة التي في المغرب من الشمس، قال: وكان بعض الفقهاء يقول: الشفق البياض … قال الفراء: وسمعت العرب تقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق، وكان أحمر فهذا شاهد للحمرة» (٣).

стр. 1430

ونقل هذا صاحب اللسان ولم يتعقبه. وجاء في لسان العرب: «قال الخليل: الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الأخيرة، فإذا ذهب قيل غاب الشفق، وكان بعض الفقهاء يقول: الشفق البياض … » (١). وذكر في الْمُغْرِبِ فِي تَرْتِيبِ الْمُعْرِبِ الحمرة والبياض، وقال: الأول قول أهل اللغة، ونسب الثاني لأبي حنيفة (٢). • ورد هذا الجواب: بأن تفسير الشفق بالبياض قد قال به بعض أهل اللغة، قال ثعلب: الشفق: البياض (٣). وقال ابن الأثير في النهاية: «الشفق من الأضداد، يقع على الحمرة التي ترى في المغرب بعد مغيب الشمس، وبه أخذ الشافعي، وعلى البياض الباقي في الأفق الغربي بعد الحمرة المذكورة، وبه أخذ أبو حنيفة» (٤). •وتعقب الرد: بأن الواضح أن أكثر أهل اللغة يفسرون الشفق بالحمرة، وعلى تقدير أن يكون من الأضداد فإنه يطلب مُرَجِّحٌ من خارج اللغة كما سيأتي في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. الوجه الثالث: إذا كان الشفق يطلق على الحمرة والبياض، وأطلقه الشارع في النصوص ولم يقيده بالبياض فحمله على البياض تحكم، بل يطلق على أقل ما يقع عليه الاسم، وهو الحمرة، ولو أراد البياض لبينته النصوص. الدليل الرابع: أن انتهاء وقت المغرب بمغيب البياض متفق عليه، بخلاف انتهاء المغرب

стр. 1431

بالحمرة فإنه مختلف عليه، مشكوك فيه؛ وإذا اختلف في خروج وقت المغرب فالأصل بقاؤه حتى نتيقن خروجه، كما لو أخبرك ثقتان أحدهما: يقول دخل الوقت، والآخر يقول: لم يدخل، فالأصل عدم دخول الوقت. • ويجاب: أما كونه مختلفًا فيه فهذا مسلم، وأما كونه مشكوكًا فيه فغير مسلم، بل عندنا من الأدلة ما تفيد بأن الشفق الحمرة، وكون دلالتها ظنية لا يقال: مشكوك في دلالتها؛ لأن الظن غير الشك، وإذا كان دخول الوقت نفسه يكفي فيه غلبة الظن على الصحيح كما بينت في مسألة سابقة، فكذلك القول في تفسير الشفق، والله أعلم. • دليل من قال: الشفق الحمرة: الدليل الأول: (ح-٥٢٥) ما رواه ابن خزيمة من طريق محمد وهو ابن يزيد وهو الواسطي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : وقت الظهر إلى العصر، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس، ووقت المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق .... الحديث (١). [قوله: (حمرة الشفق) تفرد بها محمد بن يزيد الواسطي، عن شعبة، وهو حرف شاذ] (٢).

стр. 1432

الدليل الثاني: (ح-٥٢٦) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: صَلِّ معنا هذين - يعني اليومين - وفيه … فأقام المغرب -يعني في اليوم الأول- حين غابت الشمس، فلما أن كان اليوم الثاني .... صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق … وقال في آخره: وقت صلاتكم بين ما رأيتم (١). وله شاهد من حديث أبي موسى عند مسلم.

стр. 1433

وجه الاستدلال: قوله: (صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق). فالشفق مطلق، والمطلق يدخل فيه كل ما يصدق عليه أنه شفق، وتقييده بالأبيض تقييد له بلا مقيد. الدليل الثالث: (ح-٥٢٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، وسريج، قالا: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، قال: والله إني لأعلم الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله ﷺ ، يصليها لسقوط القمر لثالثة (١). [صحيح] (٢).

стр. 1434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1435

وجه الاستدلال: قال ابن حزم في المحلى: «وقد علم كل من له علم بالمطالع، والمغارب، ودوران الشمس: أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول؛ وهو الذي حد -عليه

стр. 1436

السلام- خروج أكثر الوقت فيه، فصح يقينًا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق، الذي هو البياض بلا شك» (١). قال ابن عبد البر: «وذلك لا محالة قبل ذهاب البياض» (٢). وقد علم بالنصوص أن ابتداء وقت العشاء مغيب الشفق إجماعًا (٣)، فإذا امتنع حَمْلُهُ على الأبيض لم يبقَ إلا مغيب الشفق الأحمر. • ويناقش: بأن العلامات الكونية بين المغرب والعشاء كالعلامات الكونية بين الفجر وطلوع الشمس إلا أنها معكوسة، فوقت الفجر يسبقه الفجر الكاذب، وهو البياض المستطير، ثم يتلوه الفجر الصادق: وهو البياض المعترض في الأفق، ثم يتلو ذلك حمرة في الأفق تسبق طلوع الشمس، ثم ينتهي وقت الفجر بطلوع الشمس. واعكس هذه العلامات في وقت المغرب، فالمغرب يبدأ بغياب الشمس عكس الصبح الذي ينتهي بطلوعها، ثم تنتشر حمرة في الأفق ويستمر وقت المغرب إلى حين زوال حمرة الشفق، وهي لا تزول دفعة واحدة، وإنما تبدأ تخف تدريجيًّا شيئًا فشيئًا حتى تتحول إلى بياض مستطيل في الأفق مشوبًا بصفرة، وهذا يقابله في وقت الصبح الفجر الصادق فإذا كان الفجر الصادق علامة على طلوع الصبح، فإنه في المغرب على العكس من ذلك، فهو علامة على انتهاء وقت المغرب، وهذا البياض المستطيل المعترض في الأفق جزء من الشفق الأحمر متصل به، ويذهب سريعًا؛ وهو معنى ما نقلته عن الخطابي في معالم السنن بأن الشفق اسم للحمرة والبياض، إلا أنه إنما يطلق على أحمر ليس بقانٍ، وأبيض ليس بناصعٍ، ثم يحل مكانه بياض مستطير في السماء، وهو الذي يبقى إلى ثلث الليل، وهو بمنزلة الفجر الكاذب، وهذا لا علاقة له بانتهاء وقت المغرب، كما لا علاقة له بوقت الصبح، والله أعلم.

стр. 1437

يقول ابن رشد في بداية المجتهد: «فالطوالع إذن أربعة: الفجر الكاذب، والفجر الصادق، والأحمر والشمس، وكذلك يجب أن تكون الغوارب» (١). الدليل الرابع: (ث-١٤٠) ما رواه عبد الرزاق، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، أن ابن عمر، كان يقول: الشفق الحمرة (٢). [صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا ولا يصح] (٣). قال الصنعاني: «المبحث لغوي، والمرجع فيه إلى أهل اللغة، وابن عمر من أهل اللغة وقُحُ العرب، فكلامه حجة، وإن كان موقوفًا عليه» (٤). يضاف إلى كونه من أهل اللغة فهو من كبار فقهاء الصحابة، وتفسيره اللغوي

стр. 1438

لا يَنْفَكُّ عن العمل الذي كان عليه وقت التشريع. الدليل الخامس: (ث-١٤١) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق حنبل بن إسحاق، قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى، قال أبو عبد الله: هو أخو معاوية بن يحيى الصدفي، عن حبان بن أبي جبلة، عن ابن عباس ﵄، قال: الشفق الحمرة (١). [ضعيف، وهو شاهد صالح لما قبله] (٢). وله شاهد من حديث أبي هريرة (٣).

стр. 1439

• الراجح: أن الشفق هو الحمرة، والله أعلم.

стр. 1440

الفرع الثالث في تأخير المغرب مع الصحو المدخل إلى المسألة: • استحباب تعجيل المغرب متفق عليه، وترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه فضلًا عن المحرم. • لا يثبت في كراهة تأخير المغرب حديث. • من ذهب إلى تحريم تأخير المغرب بنى قوله على أن للمغرب وقتًا واحدًا، عملًا بحديث إمامة جبريل، وهو قول ضعيف المنزع، مخالف لصريح السنة. • أحاديث إمامة جبريل للنبي ﷺ في بيان آخر مواقيت الصلاة تقريب، لا تحديد، جاءت لبيان الوقت المختار إلا في الظهر. • قوله ﷺ : (الوقت بين هذين) في أحاديث بيان المواقيت في المدينة لبيان الوقت المختار، وليس حدًّا لا يجوز التأخر عنه إلا في الظهر والمغرب. • المغرب كسائر الصلوات وقتها موسع. • كل وقت لو وقعت فيه الصلاة وكانت أداء يجوز تأخير الصلاة إليه، وإن كان مفضولًا؛ لأن الأداء والإثم لا يجتمعان. [م-٢٠٣] يستحب تعجيل المغرب إذا كان الجو صحوًا، وحكي إجماعًا إلا في ليلة مزدلفة فيجمعها إلى العشاء بالاتفاق. وهل الجمع واجب أم سنة؟ قولان (١).
следующие страницы →