← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

السلام- خروج أكثر الوقت فيه، فصح يقينًا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق، الذي هو البياض بلا شك» (١). قال ابن عبد البر: «وذلك لا محالة قبل ذهاب البياض» (٢). وقد علم بالنصوص أن ابتداء وقت العشاء مغيب الشفق إجماعًا (٣)، فإذا امتنع حَمْلُهُ على الأبيض لم يبقَ إلا مغيب الشفق الأحمر. • ويناقش: بأن العلامات الكونية بين المغرب والعشاء كالعلامات الكونية بين الفجر وطلوع الشمس إلا أنها معكوسة، فوقت الفجر يسبقه الفجر الكاذب، وهو البياض المستطير، ثم يتلوه الفجر الصادق: وهو البياض المعترض في الأفق، ثم يتلو ذلك حمرة في الأفق تسبق طلوع الشمس، ثم ينتهي وقت الفجر بطلوع الشمس. واعكس هذه العلامات في وقت المغرب، فالمغرب يبدأ بغياب الشمس عكس الصبح الذي ينتهي بطلوعها، ثم تنتشر حمرة في الأفق ويستمر وقت المغرب إلى حين زوال حمرة الشفق، وهي لا تزول دفعة واحدة، وإنما تبدأ تخف تدريجيًّا شيئًا فشيئًا حتى تتحول إلى بياض مستطيل في الأفق مشوبًا بصفرة، وهذا يقابله في وقت الصبح الفجر الصادق فإذا كان الفجر الصادق علامة على طلوع الصبح، فإنه في المغرب على العكس من ذلك، فهو علامة على انتهاء وقت المغرب، وهذا البياض المستطيل المعترض في الأفق جزء من الشفق الأحمر متصل به، ويذهب سريعًا؛ وهو معنى ما نقلته عن الخطابي في معالم السنن بأن الشفق اسم للحمرة والبياض، إلا أنه إنما يطلق على أحمر ليس بقانٍ، وأبيض ليس بناصعٍ، ثم يحل مكانه بياض مستطير في السماء، وهو الذي يبقى إلى ثلث الليل، وهو بمنزلة الفجر الكاذب، وهذا لا علاقة له بانتهاء وقت المغرب، كما لا علاقة له بوقت الصبح، والله أعلم.

стр. 1437

يقول ابن رشد في بداية المجتهد: «فالطوالع إذن أربعة: الفجر الكاذب، والفجر الصادق، والأحمر والشمس، وكذلك يجب أن تكون الغوارب» (١). الدليل الرابع: (ث-١٤٠) ما رواه عبد الرزاق، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، أن ابن عمر، كان يقول: الشفق الحمرة (٢). [صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا ولا يصح] (٣). قال الصنعاني: «المبحث لغوي، والمرجع فيه إلى أهل اللغة، وابن عمر من أهل اللغة وقُحُ العرب، فكلامه حجة، وإن كان موقوفًا عليه» (٤). يضاف إلى كونه من أهل اللغة فهو من كبار فقهاء الصحابة، وتفسيره اللغوي

стр. 1438

لا يَنْفَكُّ عن العمل الذي كان عليه وقت التشريع. الدليل الخامس: (ث-١٤١) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق حنبل بن إسحاق، قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى، قال أبو عبد الله: هو أخو معاوية بن يحيى الصدفي، عن حبان بن أبي جبلة، عن ابن عباس ﵄، قال: الشفق الحمرة (١). [ضعيف، وهو شاهد صالح لما قبله] (٢). وله شاهد من حديث أبي هريرة (٣).

стр. 1439

• الراجح: أن الشفق هو الحمرة، والله أعلم.

стр. 1440

الفرع الثالث في تأخير المغرب مع الصحو المدخل إلى المسألة: • استحباب تعجيل المغرب متفق عليه، وترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه فضلًا عن المحرم. • لا يثبت في كراهة تأخير المغرب حديث. • من ذهب إلى تحريم تأخير المغرب بنى قوله على أن للمغرب وقتًا واحدًا، عملًا بحديث إمامة جبريل، وهو قول ضعيف المنزع، مخالف لصريح السنة. • أحاديث إمامة جبريل للنبي ﷺ في بيان آخر مواقيت الصلاة تقريب، لا تحديد، جاءت لبيان الوقت المختار إلا في الظهر. • قوله ﷺ : (الوقت بين هذين) في أحاديث بيان المواقيت في المدينة لبيان الوقت المختار، وليس حدًّا لا يجوز التأخر عنه إلا في الظهر والمغرب. • المغرب كسائر الصلوات وقتها موسع. • كل وقت لو وقعت فيه الصلاة وكانت أداء يجوز تأخير الصلاة إليه، وإن كان مفضولًا؛ لأن الأداء والإثم لا يجتمعان. [م-٢٠٣] يستحب تعجيل المغرب إذا كان الجو صحوًا، وحكي إجماعًا إلا في ليلة مزدلفة فيجمعها إلى العشاء بالاتفاق. وهل الجمع واجب أم سنة؟ قولان (١).

стр. 1441

وكره الحنفية والحنابلة تأخير المغرب إلى اشتباك النجوم، زاد الحنفية: وما بعد اشتباك النجوم يكره تحريمًا إلا لعذر (١). وقيل: يحرم تأخيرها إلا لعذر، وهذا بناءً على أن لها وقتًا واحدًا (٢). قال ابن رجب: «وقد أجمع العلماء على أن تعجيل المغرب في أول وقتها أفضل، ولا خلاف في ذلك مع الصحو في الحضر … » (٣). • الأدلة على أن السنة في المغرب التعجيل: الدليل الأول: (ح-٥٢٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق غندر (محمد بن جعفر) حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي ﷺ يصلي الظهرَ بالهاجرةِ، والعصرَ والشمسُ نقيةٌ، والمغربَ إذا وجبت، والعشاءَ أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّر، والصبحَ كانوا - أو كان - النبي ﷺ يصليها بغلس (٤). وجه الاستدلال: قوله: (يصلي … المغرب إذا وجبت) أي سقط قرص الشمس.

стр. 1442

الدليل الثاني: (ح-٥٢٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ المغرب إذا توارت بالحجاب (١). الدليل الثالث: (ح-٥٣٠) روى البخاري ومسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا أبو النجاشي صهيب مولى رافع بن خديج، قال: سمعت رافع بن خديج، يقول: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله (٢). وفي الباب حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ (٣)، وحديث جابر بن

стр. 1443

عبد الله (١) وحديث أنس ﵁ (٢)، وعن علي بن بلال الليثي، عن ناس من

стр. 1444

الأنصار (١)، وغيرها مما في معناها. الدليل الرابع: (ح-٥٣١) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق عبد الله بن المبارك، عن

стр. 1445

حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: صلى بنا عقبة بن عامر المغرب فأخرها، ونحن بالقسطنطينية، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال له أبو أيوب: لم تؤخر هذه الصلاة، وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ يراك من لم يصحبه فيظن أنه وقتها؟ فقلنا: يا أبا أيوب كيف كنتم تصلونها؟ قال: كنا نصليها حين تجب الشمس يبادرونها النجوم، كذاك يا عقبة؟ قال: نعم (١). [صحيح] (٢).

стр. 1446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1447

الدليل الخامس: جاء في شرح البخاري لابن بطال: «لم يزل المسلمون على تعجيل المغرب فيها، ولا نعلم أحدًا أَخَّرَ إقامتها في مسجد جماعة عن غروب الشمس» (١). • دليل من قال: يكره تأخير المغرب: (ح -٥٣٢) استدلوا بما رواه تمام في فوائده من حديث إسحاق بن إبراهيم ابن عرعرة، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي،

стр. 1448

عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم. قال أبو عبيد الله: لا نعلم أحدًا تابعه عليه. [ضعيف] (١).

стр. 1449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1452

• دليل من قال: يحرم تأخير المغرب: قد بنى أدلته على قوله بأن للمغرب وقتًا واحدًا، وقد ذكرت أدلته، ومناقشتها، وبينت أنه ضعيف المنزع. • الراجح: أن السنة في المغرب التعجيل، ووقتها موسع يمتد إلى غياب الشفق، ولا يثبت في كراهة التأخير حديث، والله أعلم.

стр. 1453

المبحث السادس في وقت العشاء الفرع الأول في بيان ابتداء وقت العشاء وانتهائه المدخل إلى المسألة: • قال ﷺ : (صَلِّ الصلاة لوقتها). وتقييده بأول الوقت أو الوقت المختار لا دليل عليه. • صح عن أبي هريرة أنه قال: لا إفراط في العشاء ما لم يطلع الفجر. • هل الأصل وجود فاصل بين أوقات الصلوات إلا بدليل، أم الأصل أن الأوقات متصلة بعضها ببعض، ولا يحكم بوجود فاصل إلا بدليل خاص؟ الظاهر الثاني؛ لحديث: (إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يَجيءَ وقت الصلاة الأخرى). • كل تأخير للصلاة لم يَجِيْء فيه وقت الصلاة الأخرى فليس بتفريط إلا الصبح. • أحاديث إمامة جبريل للنبي ﷺ في بيان آخر مواقيت الصلاة تقريب، لا تحديد، جاءت لبيان الوقت المختار إلا في الظهر. • كل وقت لو وقعت فيه الصلاة لوسع فعلها جميعًا، وكانت أداء بالاتفاق يجوز تأخير الصلاة إليه، وإن كان مفضولًا؛ لأن الأداء والإثم لا يجتمعان. [م-٢٠٤] اتفق الفقهاء على أن العشاء يدخل بغياب الشفق (١)، على خلاف بينهم هل الشفق الحمرة أم البياض؟ وقد سبق بيان الأصح في الشفق.

стр. 1454

واختلفوا في آخر وقت العشاء على أقوال: القول الأول: لا يفوت العشاء إلا بطلوع الفجر، وهو مذهب الأئمة الأربعة، على خلاف بينهم في تقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار، وقد سبق بحث الأصح من هذا التقسيم في مبحث مستقل (١).

стр. 1455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1456

القول الثاني: يرى أنه إذا ذهب الوقت المختار فات وقتها، ونسب هذا القول للخرقي، وهو اختيار ابن حزم على خلاف بينهما في الوقت المختار، أهو الثلث كما في اختيار الخرقي، أم النصف كما هو اختيار ابن حزم (١).

стр. 1457

القول الثالث: قال الإصطخري: «إذا فات الوقت المختار يفوت وقتها لأهل الرفاهية، وتكون قضاء في حقهم، دون أهل الأعذار» (١). إذا علم ذلك فقد خلص لنا من الخلاف قولان: أحدهما: أن الأئمة الأربعة على امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر. الثاني: يخرج الوقت بخروج الوقت المختار، ولم يثبت نسبة هذا القول

стр. 1458

حسب البحث إلا عند ابن حزم، عليه رحمة الله، وإن نسب هذا القول للشافعي، والخرقي من الحنابلة، إلا أنه لا يثبت عنهم على الصحيح، والله أعلم. • الدليل على أن وقت العشاء يبدأ بغياب الشفق: الدليل الأول: (ح-٥٣٣) روى مسلم من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: صَلِّ معنا هذين - يعني اليومين - وفيه … ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق … الحديث (١). وروى مسلم من طريق عبد الله بن نمير، عن بدر بن عثمان، حدثنا أبو بكر ابن أبي موسى، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ ، أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا .... وفيه: ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق … الحديث (٢). (ح-٥٣٤) وروى أبو داود من طريق يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الرحمن ابن فلان بن أبي ربيعة، عن حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، عن نافع بن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين .... وصلى بي العشاء حين غاب الشفق … ثم قال في آخره: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين. [حسن في الجملة، إلا في قوله: هذا وقت الأنبياء من قبلك] (٣). (ح-٥٣٥) وروى أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن حسين بن علي، قال: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله وهو الأنصاري، أن النبي ﷺ جاءه جبريل، فقال: قم فصله … وفيه: ثم جاءه العشاء يعني في اليوم الأول، فقال: قم فصله، فصلى حين غاب الشفق … الحديث (٤).

стр. 1459

[صحيح، قال البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر] (١). فصح عن رسول الله ﷺ أنه حين بيَّن ابتداء مواقيت الصلوات وانتهاءها أنه جعل وقت العشاء يبدأ من غياب الشفق. وكذلك فعل جبريل ﵇ حين بيَّن للنبي ﷺ ابتداء المواقيت وانتهاءها. وهذه الأحاديث مع صحتها، لا يوجد ما يعارضها، وإنما كان نزاع الفقهاء في تفسير الشفق، وهو نزاع في الدلالة لا في الدليل، والجمهور على أنه الحمرة، وقال الحنفية: البياض، وسبق البحث في تفسير الشفق، ولله الحمد. الدليل الثاني: (ح-٥٣٦) ما رواه النسائي في الكبرى، قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن شعبة، عن أبي صدقة، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ : يصلي العشاء إذا غاب الشفق (٢). [رجاله ثقات إن سَلِم شعبة من الخطأ في تسمية شيخه] (٣).

стр. 1460

الدليل الثالث: قال ابن المنذر: «ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأنه صلى العشاء حين غاب الشفق .... وأجمع أهل العلم -إلا من شذ منهم- على أن أول وقت العشاء الآخرة إذا غاب الشفق» (١). وقال الشنقيطي في أضواء البيان: «وأما أول وقت العشاء فقد أجمع المسلمون على أنه يدخل حين يغيب الشفق» (٢). يعني على خلاف بينهم في تفسير الشفق. • دليل من قال: وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر: الدليل الأول: أن الرسول ﷺ كان يحب تأخير العشاء إلى نصف الليل، لولا خوف المشقة على الناس. (ح-٥٣٧) فقد روى الإمام أحمد من حديث أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذي الحاجة، لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل. [حديث صحيح، وسبق تخريجه] (٣). ومن المعلوم من سنته ﷺ أنه لا يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها إلا للحاجة الشديدة، كالإبراد في شدة الحر، فلما استحب تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل في الاختيار لولا المشقة على الناس علم أن النصف ليس هو آخر وقتها مطلقًا، وإنما هو آخر الوقت المختار. الدليل الثاني: (ح-٥٣٨) ما رواه مسلم من طرق عن ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها أخبرته، عن عائشة، قالت: أعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى

стр. 1461

نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي (١). ورواه البخاري ومسلم من طريق عروة عن عائشة بنحوه، وليس فيه (حتى ذهب عامة الليل). وجه الاستدلال: قال الطحاوي: «ففي هذا أنه صلاها بعد مضي أكثر الليل، وأخبرنا أن ذلك وقت لها، فثبت بتصحيح هذه الآثار: أن أول وقت العشاء الآخرة من حين يغيب الشفق إلى أن يمضي الليل كله، ولكنه على أوقات ثلاثة: فأما من حين يدخل وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل فأفضل وقت صليت فيه. وأما من بعد ذلك إلى أن يتم نصف الليل ففي الفضل دون ذلك. وأما بعد نصف الليل ففي الفضل دون كل ما قبله» (٢). • ويجاب بجوابين: الجواب الأول: أن قوله: (عامة الليل) مجمل، ويحمل على الأحاديث الأخرى التي تفسره والتي بينت أن النبي إنما أخرها إلى قريب من نصف الليل كحديثي أنس وأبي سعيد، والله أعلم. الجواب الثاني: أن الحديث لو كان على ظاهره لدل ذلك على استحباب تأخير العشاء إلى النصف الثاني، لقوله ﷺ : (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)، ولا قائل به، فتعين تأويل الحديث، بل إن الأحاديث كلها تدل على خلاف ظاهر الحديث، فإنها قد جعلت وقت العشاء فيما بين غياب الشفق إلى ثلث الليل أو نصفه، والله أعلم. • ورد هذا الجواب: حتى على القول بأنه أخر صلاة العشاء إلى قريب من نصف الليل، فلو كان نصف الليل هو آخر وقتها لما أخر الرسول ﷺ الصلاة إلى آخر وقتها، ومن المعلوم

стр. 1462

من سنته أنه لا يؤخر الصلاة عن أول وقتها إلا للحاجة الشديدة كالحر الشديد، أو يكون ذلك في معرض التبليغ الواجب عليه في بيان آخر الوقت، أما أن يتحرى بالصلاة آخر وقتها مختارًا، ويقول: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي فهذا بعيد جدًّا، فتعين أن يكون نصف الليل هو آخر الوقت المختار. الدليل الثالث: (ح-٥٣٩) ما رواه البخاري من طريق زائدة، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: قد صلى الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها (١). وفي رواية للبخاري من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد به، بلفظ: أخر رسول الله ﷺ الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا … وجه الاستدلال: قال الطحاوي: «ففي هذه الآثار أنه صلاها بعد مضي نصف الليل، فذلك دليل على أنه قد كانت بقية من وقتها بعد مضي نصف الليل … » (٢). • ونوقش هذا: سبق أن بينت أن ثابتًا وقتادة روياه عن أنس بأنه صلى قريبًا من نصف الليل. الدليل الرابع: (ث-١٤٢) ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبيد بن جريج، أنه قال لأبي هريرة ﵁: ما إفراط صلاة العشاء؟ قال: طلوع الفجر (٣). [صحيح]. وهذا نص صريح من الصحابي أبي هريرة ﵁ على أنه لا تفريط في تأخير العشاء ما لم يطلع الفجر.

стр. 1463

وهذا الأثر الموقوف والصريح يدل على صحة من استدل بعموم حديث أبي قتادة المرفوع على عدم وجود فاصل بين صلاة العشاء وصلاة الفجر كما في الدليل التالي. الدليل الخامس: (ح-٥٤٠) فقد روى مسلم من طريق ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر، وفيه: أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى (١). فعموم هذا الحديث يشمل جميع أوقات الصلوات، وأن خروج وقت الصلاة يعني الدخول في وقت الصلاة الأخرى بلا فاصل، وأن عمومه يشمل صلاة العشاء فلا يوجد بينها وبين الفجر فاصل، بدليل كلام أبي هريرة السابق، والخاص في امتداد صلاة العشاء إلى الفجر في الاختيار، وإنما خص منه وقت الصبح بالإجماع على أن وقتها لا يمتد بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، وبقي ما عداها. الدليل السادس: (ث-١٤٣) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن ابن طاوس، عن ابن عباس قال: وقت الظهر إلى العصر، والعصر إلى المغرب، والمغرب إلى العشاء، والعشاء إلى الصبح (٢). [ضعيف، ويشهد له ما قبله] (٣). الدليل السابع: الإجماع على أن وقت العشاء يمتد في حق أهل الأعذار إلى طلوع الفجر، قال الجصاص: «لا خلاف بين الفقهاء أنها لا تفوت -يعني العشاء- إلا بطلوع الفجر،

стр. 1464

وأن من أدرك أو أسلم قبل طلوع الفجر أنه تلزمه العشاء الآخرة وكذلك المرأة إذا طهرت من الحيض» (١). وقال أيضًا: «لا خلاف أن ما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر من وقت العشاء الآخرة، وأن مدركه بالاحتلام أو الإسلام يلزمه فرضها» (٢). ونقل الإجماع غير الحنفية، قال إمام الحرمين: «لا نعرف خلافًا في أن الحائض إذا طهرت، وقد بقي من الليل مقدار ركعة أنها تصير مدركة لصلاة العشاء، ولو لم يكن ذلك معدودًا من وقت العشاء لما صارت مدركة له، كما لو طهرت مع طلوع الفجر» (٣). كما نقله ابن حامد من الشافعية، جاء في المجموع: «وقال الشيخ أبو حامد: إذا كَمُل الصبي، والكافر، والمجنون، والحائض قبل الفجر بركعة، لزمتهم العشاء بلا خلاف» (٤). ونقل العلامة الشنقيطي صاحب أضواء البيان إطباق العلماء على وجوب العشاء على من طرأ عليه التكليف قبل طلوع الفجر، وإنما اختلفوا في المغرب، أتجب بإدراك العشاء أم لا تجب؟ وأما العشاء فلم يختلفوا في وجوبه (٥). قال الشنقيطي: «إطباق من ذكرنا سابقًا من العلماء على أن الحائض إذا طهرت قبل الصبح بركعة صلت المغرب، والعشاء، ومن خالف من العلماء فيما ذكرنا سابقًا، إنما خالف في المغرب، لا في العشاء» (٦).

стр. 1465

وقال ابن تيمية: «ونقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار من أن الوقت وقتان: وقت اختيار، وهو خمسة مواقيت. ووقت اضطرار: وهو ثلاثة مواقيت، ولهذا أمرت الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وغيرهما الحائض إذا طهرت قبل الغروب: أن تصلي الظهر، والعصر وإذا طهرت قبل الفجر: أن تصلي المغرب والعشاء … » (١). (ث-١٤٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد ابن عثمان المخزومي، قال: أخبرتني جدتي، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف، قال: سمعته يقول: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (٢). [ضعيف] (٣). (ث-١٤٥) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن يزيد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (٤). ورواه ابن المنذر من طريق أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد به، واللفظ لابن المنذر. [ضعيف] (٥). (ث-٦٤١) وروى حرب الكرماني في مسائله، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر بن شميل قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا طهرت المرأة من حيضها فأدركت ركعتين، ثم صلي العصر قبل أن تغيب الشمس، فإنها تصلي الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل أن يطلع الفجر، فإنها تصلي المغرب والعشاء (٦).

стр. 1466

[رجاله ثقات إلا أن رواية حماد عن قيس فيها كلام] (١). وهذا القول وإن اختلفوا في وجوب أولى المجموعتين بإدراك الأخرى لكنهم لم يختلفوا في كون وقت العشاء ممتدًّا إلى طلوع الفجر، وقد صح عن أبي هريرة، ولم يخالفه أحد -فيما أعلم- من الصحابة كما تقدم ذكره. وأما التابعون، فقد قال الإمام أحمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده، قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها (٢). فالحسن إنما خالف في وجوب المغرب بإدراك العشاء، وأما كون وقت العشاء ممتدًّا إلى وقت طلوع الفجر فلم يخالف فيه الحسن البصري ﵀. وإذا كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم لم يختلفوا في أن وقت العشاء ممتد إلى وقت طلوع الفجر، ثم تبعهم على ذلك الأئمة الأربعة، فلا يبقى للمتأخر عنهم قول يمكن أن يستدركه عليهم، ولا أن يخرق بقوله ما اتفقوا عليه، والله أعلم، والنظر الفقهي يكون فيما اختلفوا فيه، لا فيما اتفقوا عليه، وظواهر النصوص لا تكفي لتخطئة كل هؤلاء. وعندي أن هذا الدليل هو من أقوى أدلة الجمهور على امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر، لثبوت القول به عن أبي هريرة، وابن عباس، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، مع الآثار الواردة بإدراك المغرب بإدراك العشاء عن ثلاثة من الصحابة، والضعف اليسير الذي فيها منجبر بمجموعها، ولم يرد ما يعارضها،

стр. 1467

وجميعها متفق مع عموم حديث أبي قتادة في حصر التفريط على من ترك الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى، فإذا أضيف ذلك إلى الإجماع على أن من ارتفع عنه المانع قبل صلاة الفجر فقد أدرك العشاء قطع الباحث بأن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر. وإذا ثبت أنه لا يوجد فاصل بين وقت العشاء والفجر، وأن الأداء ممتد إلى طلوع الفجر، صار الخلاف في المسألة راجع إلى صحة الخلاف في تقسيم بعض أوقات الصلوات إلى وقت اختيار واضطرار، وهي مسألة خلافية وسبق بحثها في مبحث مستقل. وما ثبت كونه وقتًا لأهل الاضطرار، فهو وقت لغيرهم، وإنما الفرق أن الوقت في حق غير المعذور هو وقت جائز، وليس وقتًا مختارًا؛ لأنه لا يتصور اجتماع الأداء والإثم بنص الحديث: إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى. فمن أخر الصلاة حتى أوقعها كاملة قبل أن يجيء وقت الصلاة الأخرى فلم يقع منه تفريط دلالة بالمنطوق والمطابقة. وتأكد هذا المنطوق بأثر أبي هريرة: بأنه لا إفراط في العشاء ما لم يطلع الفجر. ونفي التفريط لا يعني إلا الجواز. وعمدة من جزم بالإثم صفة صلاة المنافق من حديث أنس، وقد أجبت عنه من وجوه كثيرة بأنه دلالته لا تطابق أوقات الضرورة التي نص عليها من ذهب إلى تقسيم الوقت إلى اضطرار واختيار، يحسن بك أن ترجع إليها في مبحث موقف الفقهاء من تقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار، وحكم تأخير وقت الصلاة إلى وقت الاضطرار. • دليل من قال: إذا انتصف الليل خرج وقت العشاء: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وجه الاستدلال: في الآية دلالة عن طريق الإشارة إلى مواقيت الصلاة، فالدلوك: هو الزوال، والغسق، هو اشتداد الظلمة، وأشد ذلك ما يكون عند منتصف الليل، وقصد بقرآن

стр. 1468

الفجر صلاة الفجر، وأطلق عليها ذلك لإطالة القراءة فيها، وفصل صلاة الفجر عن باقي الصلوات لعدم اتصالها بما قبلها، وانفصالها عما بعدها، فدل ظاهر القرآن على وجود فاصل بين صلاة العشاء وبين صلاة الصبح. • ونوقش هذا الاستدلال: بأن الدلوك ليس هو الزوال، وإنما هو الميل، والجزم بأن المقصود ميلها وقت الزوال يحتاج إلى توقيف، والصحابة مختلفون فيه: أهو ميلها للزوال أم ميلها للغروب، والأول هو تفسير ابن عمر، والثاني تفسير ابن عباس وابن مسعود، ذكر ذلك ابن جرير الطبري في تفسيره وغيره. وعلى التسليم بأن الآية تحكي مواقيت الصلاة، فإن الجزم بأن الآية فيها دلالة ولو بالإشارة إلى وجود فاصل بين وقت العشاء ووقت الفجر ليس ظاهرًا، والواو لا تدل على الفصل في اللغة، ولو سلم: أهو فاصل بين الصلاتين بالأفعال كما هو معتاد بين الناس أن يصلوا العشاء ثم يغشاهم النوم إلى صلاة الصبح، أم هو فاصل بالوقت؟ وإذا قيل: إنه فاصل بالوقت، أهو فاصل مطلقًا أم فاصل بين وقت الاختيار ووقت أهل الأعذار؟ فالعلماء مجمعون على أن الحائض إذا طهرت قبل الفجر لزمتها العشاء، وسبق نقل الإجماع في ذلك. لهذه الأمور لا يمكن الجزم بدلالة الآية على خروج وقت العشاء بانتصاف الليل، والله أعلم. قال ابن عبد البر: «ليس في محكم القرآن في أوقات الصلوات شيء واضح يعتمد عليه» (١). الدليل الثاني: (ح-٥٤١) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق،

стр. 1469

ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس. [اختلف في رفعه ووقفه، والرفع محفوظ] (١). • ونوقش هذا: بأن قوله: (وقت العشاء إلى نصف الليل) بأن هذا لو كان حدًّا لما نقل الإجماع على أن من صار مكلفًا قبل طلوع الفجر لزمته صلاة العشاء. الدليل الثالث: بأن حديث إمامة جبريل للنبي ﷺ وحديث أبي موسى وحديث بريدة في صلاة العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق، ثم أخر العشاء في اليوم الثاني إلى ثلث الليل، ثم قال: (ما بين هذين وقت). فقوله: (ما بين هذين وقت) له منطوق ومفهوم: فمنطوقه: أن الوقت هو ما بين هذين الحدين. ومفهومه: أن ما كان خارج هذا الحد ليس وقتًا للصلاة. وكان يمكن أن يكون وقت العشاء ينتهي عند الثلث الأول من الوقت لولا ورود أحاديث تقول بأن وقت العشاء يمتد إلى منتصف الليل كحديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا، وفيه: … ووقت العشاء إلى نصف الليل (٢). رواه مسلم. فأخذنا بالقدر الزائد، ووقفنا عنده. • ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: إذا تبين أن الحد بالثلث ليس حدًّا مع أن النبي ﷺ قال فيه: (الوقت ما بين هذين) فالتوقيت بانتصاف الليل ليس حدًّا مثله، وإنما لبيان وقت آخر من أوقات الاختيار، فالعشاء لها ثلاثة أوقات: أفضلها: تأخيرها إلى ثلث الليل الأول، وعليه أكثر أحاديث المواقيت، من

стр. 1470

حديث إمامة جبريل، وحديث أبي موسى، وحديث بريدة. الوقت الثاني: تأخيرها إلى ما قبل منتصف الليل، وهذا وقت فاضل أيضًا، وإن كان دون الأول. ووقت جائز إلى ما قبل طلوع الصبح. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ قال في حديث عبد الله بن عمرو (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس)، وهو زيادة على المثلين، ولم يكن ذلك حدًّا لا يجوز الزيادة عليه بدليل أن النبي ﷺ صلى العصر مختارًا غير معذور في حديث أبي موسى في اليوم الثاني، والقائل يقول: قد احْمَرَّت الشمس. وهو قدر زائد على المثلين، وعلى الاصفرار، وإذا جاز الخروج عن توقيت العصر في حديث عبد الله بن عمرو جاز الخروج عن توقيت العشاء في الحديث نفسه، فإذا كانت زيادة حديث ابن عمرو على حديث إمامة جبريل في العصر لا تعني الحد، كانت زيادته في العشاء لا تعني الحد، بل كلتاهما في بيان الوقت المختار، لا غير. • ورد هذا الجواب: إنما صح تجاوز الحد في قوله: (الصلاة ما بين هذين) بأدلة أخرى، فالذي جعل وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس حديث أبي هريرة: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)، ولم يأتِ مثل ذلك في العشاء، ولو جاء في السنة ما يدل على أن من أدرك ركعة من العشاء قبل أن يطلع الصبح فقد أدرك العشاء لقلنا: إن الوقت يمتد إلى طلوع الصبح. • فالجواب على هذا الرد من وجوه: الوجه الأول: أن النبي ﷺ لم يقل: (من أدرك من الظهر ركعة قبل أن يدخل العصر فقد أدرك الظهر)، ولم يقل: (من أدرك ركعة من المغرب قبل أن يغيب الشفق فقد أدرك

стр. 1471

المغرب)، مع أن كثيرًا من الفقهاء قالوا بذلك، فالعشاء مثلها، فالشارع جعل الركعة دركًا للوقت، وللجماعة، وللجمعة، وكل ذلك يفوت إذا لم يدرك الركعة. الوجه الثاني: حكي الإجماع على أن الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر لزمتها العشاء، وهذا كَافٍ في أنه لا يوجد فاصل بين وقت العشاء والفجر. الوجه الثالث: هل الأصل وجود فاصل بين أوقات الصلوات إلا بدليل، أم الأصل أن الأوقات متصلة بعضها ببعض، ولا يحكم بوجود فاصل إلا بدليل خاص؟ الظاهر الثاني، ويدل له مطلق حديث أبي قتادة، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، وقول أبي هريرة: لا إفراط في العشاء ما لم يطلع الفجر، والله أعلم. • الراجح: الذي أميل إليه إلى أن وقت العشاء وقت ممتد إلى طلوع الفجر، وأن من صلاها قبل طلوع الفجر يكون فعله أداء، وليس قضاء باعتبار أن وقتها لا يخرج إلا بطلوع الصبح، وقد بينت أن الراجح أن وقت الأداء كله تصح الصلاة فيه مطلقًا، وإن كان بعض الوقت أفضل من بعض، وأن أحاديث إمامة جبريل في بيان آخر الوقت تقريب لا تحديد، سيقت لبيان الوقت المختار إلا في الظهر، وفي حديث أبي موسى وبريدة كذلك إلا في الظهر والمغرب، والله أعلم.

стр. 1472

الفرع الثاني في بيان الوقت المختار لصلاة العشاء [م-٢٠٥] اختلف العلماء في الوقت المختار لصلاة العشاء: فقيل: آخر الوقت المختار ربع الليل، حكاه ابن المنذر عن النخعي، ونقله ابن منصور عن إسحاق (١). وقيل: يمتد الوقت المختار إلى ثلث الليل، وهو مذهب مالك، والشافعي في الجديد، والمشهور عند الحنابلة، قال في الفروع: اختاره الأكثر (٢). وقيل: المختار إلى نصف الليل (٣)، وهو مذهب الحنفية، وبه قال الشافعي في القديم، قال النووي: وهو الأصح، وهو رواية عن مالك، اختارها ابن حبيب، ورواية عن أحمد، اختارها الموفق، والمجد، وغيرهما (٤).

стр. 1473

• دليل من قال: يمتد وقت الاختيار إلى ثلث الليل: الدليل الأول: من السنة: استدلوا بما رواه مسلم من حديث بريدة (١)، ومن حديث أبي موسى (٢)، أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن وقت الصلاة، فقال له: صَلِّ معنا هذين اليومين، فأقام العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق، وأخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، وهكذا فعل في بقية الصلوات، ثم قال في حديث أبي موسى: (الوقت فيما بين هذين). وقال في حديث بريدة: (وقت صلاتكم بين ما رأيتم). وكذلك فعل جبريل ﵇ في إمامته للنبي ﷺ لبيان المواقيت، جاء ذلك من حديث ابن عباس، وحديث جابر المتقدمين (٣). فهذه أربعة أحاديث كلها تتفق في بيان الوقت المختار للعشاء، وأنه ثلث الليل. الدليل الثاني: أن الأحاديث حول انتهاء الوقت المختار متعارضة، فبعضها يقدره بالثلث، وبعضها يقدره بالنصف، وكلها أحاديث صحيحة، فكان القول بالثلث أرجح من القول بانتهائه بنصف الليل؛ لأنها أكثر، و أحوط؛ لاتفاق الروايات على أن من صلى العشاء قبل الثلث فهو مُؤَدِّ لصلاته في وقتها الاختياري، والاحتياط لركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين أن أؤديها على حال لا يختلف الناس في مشروعية الفعل. • دليل من قال: يمتد وقت الاختيار إلى نصف الليل: الدليل الأول: (ح-٥٤٢) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس (٤).

стр. 1474

[اختلف في رفعه ووقفه، والرفع محفوظ] (١). الدليل الثاني: (ح-٥٤٣) ما رواه البخاري من طريق زائدة، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: قد صلى الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها (٢). وفي رواية للبخاري من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد به، بلفظ: أخر رسول الله ﷺ الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا … • ونوقش هذا: بأن ظاهر الحديث أنه أخرها إلى نصف الليل، ثم صلى، وفي رواية (ثم خرج علينا) بما يعني أنه شرع في الصلاة بعد منتصف الليل، أي بعد خروج الوقت المختار. • وأجيب: بأن الحد: (إلى نصف الليل) تقريبي، قيل من باب الظن والتخمين، ولهذا جاء في بعض الروايات (حتى كان قريب من نصف الليل)، وهي رواية ثابت وقتادة عن أنس، وثابت في أنس أقوى من حميد (٣).

стр. 1475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →