الدليل الثاني:
(ح-٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني ابن جريج، حدثني عثمان بن السائب، مولاهم عن أبيه السائب، مولى أبي محذورة، وعن أم عبد الملك ابن أبي محذورة، أنهما سمعاه من أبي محذورة،
قال أبو محذورة: خرجت في عشرة فتيان مع النبي ﷺ ، وهو أبغض الناس إلينا، فأذنوا فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال النبي ﷺ : ائتوني بهؤلاء الفتيان، فقال: أذنوا فأذنوا فكنت أحدهم، فقال النبي ﷺ : نعم، هذا الذي سمعت صوته، اذهب فأذن لأهل مكة، فمسح على ناصيته، وقال: قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر … فذكر الأذان بالترجيع، وفيه: وإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، وإذا أقمت فقلها مرتين، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، أسمعت؟ قال: وكان أبو محذورة لا يجز ناصيته، ولا يفرقها؛ لأن رسول الله ﷺ مسح عليها (١).
[ضعيف، والمعروف من رواية ابن جريج أنه يرويه عن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، وليس فيه ذكر التثويب] (٢).
стр. 177
وإذا كنا لا نعتبر بالشاذ، فمن باب أولى لا نعتبر بالمنكر، فلا يأت أحد ويجمع الطريق الشاذ مع الطريق المنكر، ثم يعتبر بهما، ويقول: هذا حديث حسن لغيره، فإن هذا إلى التخليط أقرب منه إلى التحقيق.
الدليل الثالث:
(ح-٧١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي جعفر- قال عبد الرحمن: ليس هو الفراء - عن أبي سلمان،
عن أبي محذورة، قال: كنت أؤذن في زمن النبي ﷺ في صلاة الصبح، فإذا قلت: حي على الفلاح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم الأذان الأول (١).
[ضعيف، وقد اختلف في إسناده على أبي جعفر، والمعروف في رواية أبي جعفر أنه عن أبي المثنى، عن ابن عمر، وليس فيه ذكر التثويب] (٢).
стр. 178
وجه الاستدلال من الحديثين:
أنه وصف الأذان الذي يثوب فيه بالأول، والأذان الذي يؤذن لصلاة الصبح هو الأذان الثاني، وليس الأول.
• وأجيب:
بأن المعروف في الحديث ليس فيه ذكر التثويب، ومقابله: المنكر، وكما قلنا: المنكر لا يعتبر به؛ كالشاذ، بل هو أشد سوءًا من الشاذ.
الدليل الرابع:
أن الأذان الأول قبل دخول الوقت لإيقاظ النائم، فصح أن يقال: الصلاة خير من النوم، ومعناه: أن الصلاة أفضل من النوم، والمفاضلة بين النوم وبين صلاة الليل مناسبة جدًّا، وأما الأذان الثاني فهو دعاء لفعل الفريضة؛ ولا مفاضلة بين صلاة الفريضة وبين النوم.
• ويناقش:
بأن هذا وحده لا يمكن الاستناد إليه؛ لأن المفاضلة قد تقع بين التوحيد والشرك، قال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].
стр. 179
وقال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
والمفاضلة هنا بين البيع وهو مباح، وبين السعي لصلاة الجمعة وسماع الخطبة، وذلك واجب.
الدليل الخامس:
(ح-٧٢) ما رواه البيهقي في السنن من طريق يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا شعبة، عن الحكم بن عتيبة،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أُمِرَ بلال أن يُثَوِّب في صلاة الصبح، ولا يثوب في غيرها (١).
[وإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى لا بأس به، إلا أنه مرسل] (٢).
وجه الاستدلال:
إذا كان المأمور بالتثويب هو بلال، فإن الأحاديث في الصحيحين تدل على أنه كان يؤذن بليل، وأما الذي كان يؤذن بعد طلوع الصبح فإنه ابن أم مكتوم، ولم يرد في شيء من الأدلة أن ابن أم مكتوم كان يثوب، أو كان مأمورًا بالتثويب.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، وإذا لم يثبت الحديث لم تثبت دلالته.
الوجه الثاني: لا يعلم على وجه الدقة متى شرع الأذان الأول؟ فقد يكون الأمر لبلال موجهًا قبل مشروعية الأذان الأول.
وهل كان الأذان الأول خاصًّا في رمضان، لقوله ﷺ : (فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) أو كان يؤذن به طيلة العام؟
وهل كانا يتناوبان على الأذان الأول، أو كان مختصًّا به بلال؟
وسوف أبحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، فهناك نصوص صحيحة صريحة أن بلالًا كان يؤذن الأذان الثاني، فإما أن يكون ذلك قبل
стр. 180
مشروعية الأذان الأول، أو أن الأذان الأول كان مختصًّا في رمضان، والله أعلم، وعلى هذا الاحتمال لا يمكن الجزم بأن بلالًا أمر بالتثويب عندما كان يؤذن الأذان الأول، والله أعلم.
الدليل السادس:
لم يرد في شيء من الروايات التصريح بأن هذا القول: (الصلاة خير من النوم) كان في الأذان الثاني للصبح، بل الأحاديث على قسمين: منها ما هو صريح بأنه في الأذان الأول، كحديث ابن عمر وحديث أبي محذورة، ومنها ما هو مطلق ليس فيه التقييد بالأول أو الثاني، فتحمل هذه الأحاديث المطلقة على الأحاديث المقيدة، والله أعلم.
• ويجاب من وجوه:
الوجه الأول:
لا نسلم أنه لا يوجد تصريح بأن التثويب لا يقال في أذان الصبح، فقد جاءت آثار صحيحة أنه يثوب لصلاة الغداة كما في أثر أنس، ولصلاة الفجر كما في مرسل سعيد بن المسيب، وإذا كان التثويب لأذان الصبح صح أنه الأذان الثاني؛ لأن الأذان الأول لا يصدق عليه أن التثويب لصلاة الصبح، وإنما يؤذن بليل، وليس المقصود منه الدعاء لصلاة الصبح، ولهذا جاء في حديث عائشة وابن عمر في الصحيح: (إن بلالًا يؤذن بليل)، وفي حديث ابن مسعود في البخاري: (ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم).
بل إن الأحاديث التي وصفت الأذان بالأول جاء فيها: (وإذا أذنت بالأول من الصبح) ومعلوم أن الأذان الأول الذي في آخر الليل ليس لصلاة الصبح، وإنما أذان الصبح لا يصح على القول الصحيح إلا بعد دخول الوقت، كما قال ﷺ : (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم).
الوجه الثاني:
أن هذه الأحاديث التي ورد فيها وصف الأذان بالأول لا يمكن أن يقيد بها الأحاديث الصحيحة؛ لأنها أحاديث إما شاذة أو منكرة، والشاذ والمنكر لا يعتبر بهما، فضلًا أن يقيد بهما الأحاديث الصحيحة، وقد تبين للقارئ الكريم وجه
стр. 181
الشذوذ والنكارة فيها، فالطعن فيها ليس لمجرد ضعف إسنادها، بل إن الضعف فيها راجع لمخالفة الثقة أو الضعيف لمن هو أوثق منه، لهذا لا أرى أن وصف الأذان بالأول ثابت من هذه الأحاديث حتى يمكن الاحتجاج بدلالتها.
الوجه الثالث:
على فرض أن يكون وصف الأذان الأول محفوظًا فإن المقصود بالأول بالنسبة للإقامة، فالإقامة تسمى أذانًا في اللغة وفي عرف الصحابة، وجملها هي جمل الأذان إلا في قوله: (قد قامت الصلاة).
أما اللغة فلأن الأذان هو الإعلام في اللغة، والإقامة إعلام كذلك.
وقال ﷺ : بين كل أذانين صلاة (١)، والمقصود الأذان والإقامة.
(ح-٧٣) وروى البخاري عن السائب بن يزيد، قال:
كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁، وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء (٢).
فسمى الإقامة أذانًا ثالثًا؛ وإلا فالجمعة ليس فيها إلا أذانان وإقامة.
(ح-٧٤) وقد روى البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير،
أن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام، فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة (٣).
فوصفت الأذان بالأولى، وكان ذلك بالنسبة للإقامة.
(ح-٧٥) وروى مسلم من طريق أبي إسحاق، قال: سألت الأسود بن يزيد عما حدثته عائشة، عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت:
كان ينام أول الليل، ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته،
стр. 182
ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول، قالت: وثب، ولا والله ما قالت: قام، فأفاض عليه الماء، ولا والله ما قالت اغتسل، وأنا أعلم ما تريد، وإن لم يكن جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين (١).
فالمراد بالنداء الأول هو أذان الفجر. فتبين بهذا أن إطلاق الأول على أذان الفجر كان له أصل في اللغة، وفي استعمال الصحابة.
• حجة من قال: التثويب في الأذان الثاني:
الدليل الأول:
(ث-١٦) ما رواه الطحاوي من طريقين عن هشيم، عن أبي عون، عن محمد بن سيرين،
عن أنس، ﵁ قال: كان التثويب في صلاة الغداة، إذا قال: المؤذن حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم مرتين (٢).
[صحيح، لكنه موقوف، ورواه بعضهم بقوله: (من السنة)، وبعضهم: (على عهد رسول الله ﷺ )، وليس ذلك بمحفوظ] (٣).
وهذا الأثر بين أن التثويب في صلاة الغداة، وهي صلاة الصبح، والأذان الأول إنما يؤذن بليل، وليس لصلاة الغداة.
الدليل الثاني:
(ح-٧٦) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وذكر محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: لما أجمع رسول الله ﷺ أن يضرب بالناقوس يجمع للصلاة الناس، وهو له كاره لموافقته النصارى، طاف بي من الليل طائف، وأنا نائم، رجل عليه ثوبان أخضران، وفي يده ناقوس يحمله، قال: فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال:
стр. 183
أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: فقلت: بلى، فذكر صفة الأذان والإقامة، ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، قال: فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته الصلاة خير من النوم. قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر (١).
[قوله: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر، فيه دلالة على أن الأذان هو أذان صلاة الفجر، وإن كان مرسلًا، فإن مراسيل ابن المسيب من أقوى المراسيل، وهو يعضد أثر أنس، وأن التثويب لصلاة الصبح] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٧٧) ما رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، قال: حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا ابن أبي العشرين، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث حدثه،
عن نعيم بن النحام قال: كنت مع امرأتي في مرطها غداة باردة، فنادى منادي رسول الله ﷺ في صلاة الصبح، فلما سمعته قلت: لو قال: ومن قعد لا حرج فلما قال: الصلاة خير من النوم، قال: ومن قعد فلا حرج (٣).
[في إسناده انقطاع، وزيادة (الصلاة خير من النوم) زيادة منكرة] (٤).
• حجة من قال: يشرع التثويب في كل أذان للصبح، فيشمل الأول والثاني:
استدل هؤلاء بأدلة الفريقين: فأدلة القائلين بأن التثويب في الأذان الأول دليل على صحة التثويب في الأذان الأول، وليس فيها ما يمنع صحة التثويب في الأذان الثاني.
وأدلة القائلين بأن التثويب في الأذان الثاني دليل على صحة التثويب في الأذان الثاني، وليس فيها ما يمنع من صحة التثويب في الأذان الأول.
ومجموع أدلة القولين يدل على صحة التثويب في كل أذان للصبح، سواء أكان الأول أم الثاني.
• حجة من قال: إذا ثوب للأول لم يثوب للثاني:
ورد التثويب في الأذان الأول والثاني، إلا أنه لم ينقل أنه ثوب في كلا الأذانين، وهذا يعني أنه إذا ثوب في أحدهما لم يثوب في الثاني.
стр. 186
• الراجح من الخلاف:
أنه يثوب في الأذان الثاني، وهو الأول بالنسبة للإقامة، وأن أل في الصلاة (للعهد) وليست للعموم، والله أعلم.
стр. 187
المبحث الثالث في التثويب بين الأذان والإقامة
مدخل إلى المسألة
• كل ذكر مقيد لا يشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي ﷺ للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي ﷺ : قل: وبنبيك الذي أرسلت.
• كل عبادة قيدت بوقت أو في محل مخصوص فإنها لا تشرع في غير ما قيدت به.
• الأذان من الأذكار المقيدة بوقت وعبادة خاصة، فلا يزاد فيه، ولا ينقص منه إلا بدليل.
• لا تثويب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الصبح خاصة.
ويمكن أن يقال:
• التثويب ليس من الأذان؛ لأنه لم ينزل به الملك في رؤيا عبد الله بن زيد، ولم يثبت في حديث أبي محذورة، فكان بمنزلة الكلام في الأذان، وهو مباح عند قيام الحاجة، قياسًا على زيادة قوله: (صلوا في رحالكم) عند الحاجة إلى ذلك.
[م-١٣] اختلف الفقهاء في التثويب بين الأذان والإقامة، كأن يقول بعد الأذان إذا أبطأ الناس: (حي على الصلاة، حي الفلاح مرتين) أو يقول الصلاة الصلاة يرحمكم الله، أو يتنحنح، وهذا التثويب ليس له صيغة معينة، فقد يحدث كل بلد أنواعًا من التثويب على ما يتعارف عليه أهلها. وقد اختلف العلماء فيه.
فقيل: يستحب التثويب بين الأذان والإقامة، وهو قول الحنفية، إلا أن
стр. 188
المتقدمين كرهوا التثويب في غير صلاة الفجر، واستحسنه المتأخرون في جميع الصلوات (١).
وقيل: يكره التثويب بين الأذان والإقامة مطلقًا، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية والحنابلة، وبه قال إسحاق، وقال عنه مالك: إنه ضلال (٢).
وقال الترمذي: «قال إسحاق، في التثويب غير هذا، قال: هو شيء أحدثه الناس بعد النبي ﷺ إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا الذي قال إسحاق: هو التثويب الذي كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبي ﷺ … » (٣).
стр. 189
وقيل: يختص التثويب بمن يشتغل بمصالح العامة، كالقاضي، والمفتي، والمدرس، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره قاضي خان (١).
• حجة الجمهور على كراهة التثويب في غير الفجر:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
فما مات رسول الله ﷺ إلا وقد أكمل الله لنا الدين، ورضيه لنا فلا يحتاج الشرع إلى أن يستدرك أحد، فيحدث فيه ما ليس منه.
جاء في الاعتصام: «قال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكًا يقول: التثويب ضلال، قال مالك: ومن أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذٍ دينًا، لا يكون اليوم دينًا» (٢).
(ح-٧٨) وقد روى البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد (٣).
الدليل الثاني:
(ث-١٧) من الآثار، ما رواه أبو داود حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، حدثنا أبو يحيى القتات، عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر، قال: اخرج بنا فإن هذه بدعة (٤).
وفي إسناده أبو يحيى القتات فيه لين، إلا أن الإمام أحمد، قال: رواية سفيان
стр. 190
عنه مقاربة، وقد تابعه ليث، فصار الأثر حسنًا إن شاء الله تعالى والله أعلم (١).
الدليل الثالث:
(ح-٧٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن بن الربيع، وأبو أحمد، قالا: حدثنا أبو إسرائيل، قال: أبو أحمد في حديثه: حدثنا الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن بلال، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن لا أثوب في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر، وقال أبو أحمد في حديثه: قال لي رسول الله ﷺ : إذا أذنت فلا تثوب … (٢).
[ضعيف، وابن أبي ليلى لم يَلْقَ بلالًا، والمعروف فيه عن ابن أبي ليلى مرسلًا] (٣).
الدليل الرابع:
(ث-١٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا جرير، عن عبد العزيز ابن رفيع،
стр. 191
عن مجاهد، قال: لما قدم عمر مكة، أتاه أبو محذورة، وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح، قال: ويحك أمجنون أنت؟ أما كان في دعائك اللذي دعوتنا ما نأتيك حتى تأتينا.
[رجاله ثقات إلا أنه منقطع] (١).
الدليل الخامس: من النظر:
أن صلاة الفجر تأتي على الناس وهم في حال نوم وغفلة، فخصت التثويب، وهذا المعنى غير موجود في غيرها.
• حجة من قال: التثويب بين الأذان والإقامة جائز في كل الصلوات:
التثويب بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة رضوان الله عليهم لشدة الحاجة إليه في وقت صلاة الفجر؛ لغلبة الغفلة والنوم على الناس، ولم يكن هناك حاجة في ذلك الوقت لتعميمه على سائر الصلوات، لعدم الحاجة إليه، وقاس المتأخرون من الحنفية سائر الصلوات على صلاة الفجر؛ لفرط غلبة الغفلة على الناس، وشدة ركونهم إلى الدنيا، وتهاونهم بأمور الدين، فأصبحت سائر الصلوات في زمانهم كالفجر في زمان التابعين، فما ساغ إحداثه بين الأذان والإقامة لصلاة الفجر فإنه يجوز إحداثه لبقية الصلوات إذا وجدت العلة نفسها.
• ويناقش:
بأن ما أحدثه المتقدمون من الحنفية لم يكن مشروعًا حتى يمكن القياس عليه، فلا هدي في العبادات إلا باتباع ما كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته الكرام فعلًا لما فعلوه، وتركًا لما تركوه.
• دليل متقدمي الحنفية بالتثويب بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر:
(ح-٨٠) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وذكر
стр. 192
محمد ابن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، في قصة الرؤيا التي شرع بسببها الأذان، وفيه: .... فقال رسول الله ﷺ : إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله، ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، قال: فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر (١).
[ضعيف، وقد رواه أصحاب الزهري عن سعيد مرسلًا] (٢).
• الراجح:
أن التثويب عبادة، والعبادة سبيلها التوقيف، فلا يشرع التثويب إلا في الأذان، وفي أذان صلاة الفجر خاصة.
стр. 193
الفصل الخامس النداء بالصلاة في الرحال
المدخل إلى المسألة
• زيادة: (صلوا في رحالكم) إن كانت في أثناء الأذان فذلك بمنزلة الكلام في الأذان، وهو مباح عند الحاجة، وإن كان بعد الفراغ من الأذان فهو أولى بالجواز.
• إذا شرع للمنفرد أن يقول: (حي على الصلاة) مع أنه لا يرجو حضور أحد، جاز أن يجمع المؤذن بين قوله: (حي على الصلاة) وبين قوله: (صلوا في رحالكم) لغلبة التعبد في ألفاظ الأذان على معناه.
• إذا جاز أن تقال الحيعلتان في الأذان الأول قبل الفجر، مع أن هذا النداء لم يكن لفعل الصلاة؛ لكونه قبل وقتها، ولم يكن لصلاة الليل؛ لأنه لا يشرع الأذان للنفل ولا جماعة لها، جاز أن تقال الحيعلتان مع قوله: (صلوا في رحالكم) لغلبة جانب التعبد.
[م-١٤] يجوز للمؤذن في الليلة المطيرة أن يقول: ألا صلوا في رحالكم (١).
وقيد بعضهم ذلك في السفر (٢).
стр. 194
قال ابن عبد البر: «والسفر عندي والحضر في ذلك سواء؛ لأن السفر إن دخل بالنص دخل الحضر بالمعنى؛ لأن العلة من المطر والأذى قائمة فيهما» (١).
وخصه بعضهم في صلاة الليل دون النهار.
وقد فعله ابن عباس في نداء الجمعة، وهذا في النهار.
قال ابن رجب: «أكثر أهل العلم على أن المطر والطين عذر يباح معه التخلف عن حضور الجمعة والجماعات، ليلًا ونهارًا».
وقال أيضًا: «روي عن جماعة من الصحابة أنه يعذر في ترك الجمعة بالمطر والطين. منهم: ابن عباس وعبد الرحمن بن سمرة، وأسامة بن عمير والد أبي المليح، ولا يعرف عن صحابي خلافهم، وقولهم أحق أن يتبع» (٢).
واختار كثير من الحنابلة أن الريح الشديدة الباردة لا تكون عذرًا في ترك الجماعة إلا في الليلة المظلمة خاصة (٣).
وألحق بعضهم كل ما أذهب الخشوع كالحر الشديد (٤).
وسوف أتعرض لهذه المسألة إن شاء الله تعالى في مظانها عند الكلام على الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة، ولكن الذي يهمنا هنا هو الزيادة على صيغة الأذان في مثل هذه الظروف.
• والحجة في هذا:
(ح-٨١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
أن ابن عمر، أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (٥).
стр. 195
(ح-٨٢) وروى البخاري من طريق عبد الحميد، صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين،
قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض (١).
واختلف الفقهاء ﵏ في موضع جملة: (صلوا في رحالكم) من الأذان على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن هذه الجملة تقال بعد الفراغ من الأذان، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره إمام الحرمين من الشافعية (٢).
جاء في التاج والإكليل: «قال أبو عمر: مذهب أبي حنيفة كمذهب مالك أنه لا يتكلم أثناء الأذان .... ومن أراد أن يقولها فليقلها بعد الفراغ من الأذان» (٣).
• احتج أصحاب هذا القول:
(ح-٨٣) بما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
أن ابن عمر، أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (٤).
ورواه مسلم من طريق عبيد الله، حدثني نافع،
عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر، فقال في آخر ندائه: ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان
стр. 196
يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في السفر، أن يقول: ألا صلوا في رحالكم (١).
فقوله في رواية مالك: (أذن .. ثم قال) ظاهره أنه قال ذلك بعد فراغه من الأذان.
وقوله في رواية عبيد الله (فقال في آخر ندائه) أن ذلك بعد فراغه.
القول الثاني:
يقولها إذا فرغ من الأذان، وإن قالها بعد الحيعلة فلا بأس، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٢).
جاء في الأم: «وأحب للإمام أن يأمر بهذا يعني قوله: ألا صلوا في الرحال إذا فرغ من أذانه، وإن قاله في أذانه فلا بأس» (٣).
وجاء في أسنى المطالب: «ويستحب للمؤذن أن يقول في الليلة المطيرة، وإن لم تكن ذات ريح، أو المظلمة ذات الريح بعد الأذان أو بعد الحيعلة ألا صلوا في رحالكم» (٤).
فالدليل على جوازه بعد الفراغ من الأذان: حديث ابن عمر، وسبق ذكره.
والدليل على جوازه بعد الحيعلة: حديث ابن عباس، وسبق ذكره، وفيه: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم ....
قال النووي في شرح مسلم: «في حديث ابن عباس ﵁ أن يقول: ألا صلوا في رحالكم في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر أنه قال في آخر ندائه، والأمران جائزان، نص عليهما الشافعي رحمه الله تعالى في الأم في كتاب الأذان، وتابعه جمهور أصحابنا في ذلك، فيجوز بعد الأذان وفي أثنائه لثبوت السنة فيهما،
стр. 197
لكن قوله بعده أحسن؛ ليبقى نظم الأذان على وضعه … » (١).
وانتقد ذلك العراقي في طرح التثريب، فقال: «ما استدل عليه النووي بحديث ابن عباس ليس مطابقًا له؛ لأن حديث ابن عباس يدل على أنه يقول ذلك مكان حي على الصلاة، والذي قاله أصحابنا أنه يقولها بعد الحيعلة فهو مخالف لحديث ابن عباس، وما اقتضاه حديث ابن عباس من كونه يجعلها مكان حي على الصلاة هو المناسب من حيث المعنى؛ لأن قوله: (صلوا في رحالكم) يخالف قوله: حي على الصلاة، فلا يحسن أن يقول المؤذن تعالوا، ثم يقول: لا تجيئوا، ولكن البخاري قد بوب على بعض طرق حديث ابن عباس: باب الكلام في الأذان، وإذا حملناه على أنه أذان كامل، زاد فيه: (صلوا في رحالكم) فيكون تأويل قول ابن عباس، إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل حي على الصلاة: أي لا تقلها بعد الشهادتين، بل قل: صلوا في بيوتكم أولًا، وأتم الأذان بعد ذلك، وفيه نظر» (٢).
وقال الحافظ ﵀: «ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى (الصلاة في الرحال) رخصة لمن أراد أن يترخص ومعنى (حي على الصلاة) نَدْب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة، ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فمُطِرْنَا، فقال: لِيُصَلِّ من شاء منكم في رحله» (٣).
(ح-٨٤) قلت: قد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أن عمرو بن أوس أخبره،
أن رجلًا من ثقيف أخبره، أنه سمع مؤذن رسول الله ﷺ في يوم مطير، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، صلوا في رحالكم (٤).
стр. 198
[رجاله ثقات، وإبهام الثقفي لا يضر؛ فإن من سمع مؤذن رسول الله ﷺ فقد أدرك الصحبة؛ لأن مؤذن رسول الله ﷺ لم يؤذن بعد وفاته] (١).
القول الثالث:
أنه يقولها في أثناء الأذان، وهو ظاهر مذهب الحنابلة، واختاره بعض الحنفية (٢).
وترجم له البخاري في صحيحه: باب الكلام في الأذان.
وصفتها على قولين: أن يقولها: مكان الحيعلتين.
وقيل: يقولها بعد الحيعلتين، وقبل نهاية الأذان.
وحجة هذا القول حديث ابن عباس، وتقدم ذكر لفظه.
وحديث الرجل من ثقيف المتقدم ذكره.
• وسبب الخلاف:
هل جملة (صلوا في رحالكم) بمنزلة (الصلاة خير من النوم) هي من جمل
стр. 199
الأذان التي تشرع في بعض الأحيان، وعليه فلا إشكال إذا قيلت في أثناء الأذان؟
أو أن جملة (صلوا في رحالكم) كلام أجنبي عن الأذان، وإنما جاز الكلام به في أثناء الأذان لمصلحة الأذان، وعليه يكون تأخيره بعد الأذان أفضل من قطع الأذان، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى مسألة الكلام في أثناء الأذان، وأن ذلك جائز، وإن كان مذهب الحنفية والمالكية أضيق من مذهب الحنابلة والشافعية في هذه المسألة.
ولا أرى أن يستشكل قوله: (حي على الصلاة حي على الفلاح) مع قوله (صلوا في رحالكم) فإن المنفرد الذي لا يرجو إجابة أحد يشرع له أن يقول هذه الجملة، بل إن الأذان الأول بالليل ليس للصلاة، لأن صلاة النفل لا يشرع لها أذان، ومع ذلك جاء فيه الحيعلتان، فذكرهما يغلب عليه جانب التعبد على جانب المعنى أحيانًا.
وقد جاء الحديث عن ابن عمر وابن عباس في جواز الأمرين، وإنما النظر في أيهما يقدم، هل يقال بعد الفراغ من الأذان، أو في أثنائه، أو أن الأمرين على سواء؟ ومرده إلى ما ذكرت، فإن أخذنا بحديث ابن عمر قاله بعد الأذان، أو أخذنا بحديث ابن عباس قالها مكان الحيعلتين، وأكمل أذانه، أو أخذنا بحديث الثقفي قالها بعد الحيعلتين وقبل نهاية الأذان، وكل ذلك جائز، والله أعلم.
стр. 200
الفصل السادس في زيادة حي على خير العمل
المدخل إلى المسألة
• الأذان من الأذكار المقيدة لا يزاد فيه، ولا ينقص منه إلا بدليل، ولم تثبت زيادة (حي على خير العمل) في حديث مرفوع صحيح.
• في المشروع ما يغني عن المحدث، فكل معنى في لفظ: (حي على خير العمل) فهو موجود في لفظ (حي على الفلاح)، بل هو أبلغ؛ لأن الفلاح هو المقصود من العمل.
• حي على خير العمل قد اجتمع فيه وصفان: عدم المشروعية، واختصاصه بطائفة من أهل البدع المغلظة، وهذا كافٍ في تحريمه.
• المؤذنون الذين كانوا يؤذنون بأمر النبي ﷺ أربعة: بلال وابن أم مكتوم، وأبو محذورة، وسعد القرظ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال في أذانه: (حي على خير العمل).
[م-١٥] الأذان الراتب الذي كان يؤذن به بين يدي النبي ﷺ كما هو أذان بلال، وكذلك الأذان الذي علمه النبي ﷺ لأبي محذورة ليس في شيء منه: (حي على خير العمل).
قال الشوكاني: «لم يثبت رفع هذا اللفظ إلى رسول الله ﷺ في شيء من كتب الحديث على اختلاف أنواعها» (١).
فدواوين الحديث في الصحيح وغيرها ليس في شيء منها ما يدل على ثبوت هذا اللفظ عن المعصوم ﷺ .
وما ورد مرفوعًا على ضعفه فإنه يدل على أنه منسوخ:
стр. 201
(ح-٨٥) فقد روى الطبراني في الكبير من طريق عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد، عن عبد الله بن محمد، وعمر، وعمار، ابني حفص، عن آبائهم، عن أجدادهم،
عن بلال ﵁، أنه كان يؤذن بالصبح، فيقول: حي على خير العمل، فأمر رسول الله ﷺ أن يجعل مكانها: الصلاة خير من النوم، وترك حي على خير العمل (١).
[ضعيف] (٢).
قال الشوكاني: «ففي هذا التصريح بأن النبي ﷺ أمر بلالًا أن يترك ذلك فلو قدرنا ثبوته لكان منسوخًا» (٣).
وقد صح عن بعض الصحابة أنه ربما فعل ذلك:
(ث-١٩) فقد روى مالك في الموطأ من رواية محمد بن الحسن، قال: أخبرنا مالك، أخبرنا نافع،
عن ابن عمر أنه كان يكبر في النداء ثلاثًا، ويتشهد ثلاثًا، وكان أحيانًا إذا قال: حي على الفلاح، قال على إثرها: حي على خير العمل (٤).
[صحيح].
قال ابن تيمية: «كما يعلم أن (حي على خير العمل) لم يكن من الأذان الراتب،
стр. 202
وإنما فعله بعض الصحابة لعارض تحضيضًا للناس على الصلاة» (١).
وحمله الشيخ بكر أبو زيد يرحمه الله على أن ابن عمر لم يكن يؤذن في السفر، وكان ينبه للصلاة بعدة ألفاظ منها هذا في غير الأذان.
قال في معجم المناهي اللفظية: «وبالجملة: فلا يصح من المرفوع، ولا من الموقوف على الصحابة ﵃ في هذه اللفظة شيء، وكله باطل لا أصل له سوى أثر ابن عمر ﵄، رواه عبد الرزاق والبيهقي، وقد فهمه جمع من العلماء على غير وجهه، فإن ابن عمر ﵄ لم يكن يؤذن في السفر، وإنما كان ينبه لها بعدة ألفاظ ليست في الأذان؛ تحضيضاً للناس على الصلاة، فليفهم، والله أعلم» (٢).
(ث-٢٠) قلت: روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،
أن ابن عمر كان يقيم في السفر إلا في صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن ويقيم (٣).
[صحيح].
ويشكل على هذا أن ابن عمر كان يكره التثويب ويراه بدعة، وقد خرج من المسجد عندما سمع بالتثويب بين الأذان والإقامة، إلا أن يقال إن الرواية عنه ليست بالقوية.
(ث-٢١) فقد روى أبو داود من طريق يحيى القتات، عن مجاهد، قال:
كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر، قال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة (٤).
وفي إسناده أبو يحيى القتات فيه لين، إلا أن الإمام أحمد، قال: رواية سفيان عنه مقاربة، والله أعلم.
فلا يمكن توجيه كلام بكر أبو زيد إلا أن يقال:
стр. 203
إن الأثر هذا لا يثبت عن ابن عمر، أو يقال: إن كراهته للتثويب كان في الحضر حيث يؤذن للصلاة، وأما التثويب في السفر فإن أذن لها فيكره كالحضر، وإذا لم يؤذن لها كما كان يختار ابن عمر ﵄ فيثوب للصلاة بأي لفظ يجعل الجماعة تجتمع لها، وعليه يحمل فعل ابن عمر ﵄، والله أعلم.
ولو صح هذا التوجيه فإني لا أرى أن يقال هذا اللفظ بخصوصه بعد أن أصبح شعارًا لطائفة الرافضة.
ولعل الشيخ بكرًا قد أخذ ذلك من قول ابن تيمية في منهاج السنة:
قال ابن تيمية: «وغاية ما ينقل إن صح النقل، أن بعض الصحابة، كابن عمر ﵄، كان يقول ذلك أحيانًا على سبيل التوكيد، كما كان بعضهم يقول بين النداءين: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا يسمى نداء الأمراء، وبعضهم يسميه التثويب، ورخص فيه بعضهم، وكرهه أكثر العلماء، ورووا عن عمر وابنه وغيرهما كراهة ذلك.
ونحن نعلم بالاضطرار أن الأذان الذي كان يؤذنه بلال وابن أم مكتوم في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ في قباء لم يكن فيه هذا الشعار الرافضي، ولو كان فيه لنقله المسلمون ولم يهملوه، كما نقلوا ما هو أيسر منه. فلما لم يكن في الذين نقلوا الأذان من ذَكَرَ هذه الزيادة، علم أنها بدعة باطلة.
وهؤلاء الأربعة كانوا يؤذنون بأمر النبي ﷺ ، ومنه تعلموا الأذان، وكانوا يؤذنون في أفضل المساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد قباء، وأذانهم متواتر عند العامة والخاصة .... ولا شيء أشهر في شعائر الإسلام من الأذان، فنقله أعظم من نقل سائر شعائر الإسلام» (١). اه
ولهذا ذهب الأئمة الأربعة إلى كراهة أن يقال في الأذان: حي على خير العمل (٢).
стр. 204
وقال النووي: «يكره أن يقال في الأذان: حي على خير العمل؛ لأنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، وروى البيهقي فيه شيئًا موقوفًا على ابن عمر، وعلي بن الحسين ﵃. قال البيهقي: لم تثبت هذه اللفظة عن النبي ﷺ ، فنحن ننكر الزيادة في الأذان، والله أعلم» (١).
قال الشوكاني: «إن الفقهاء الأربعة لا يختلفون في ذلك يعني في أن حي على خير العمل ليس من ألفاظ الأذان» (٢).
стр. 205
الباب الثاني في شروط الأذان والإقامة
يشترط لصحة الأذان والإقامة شروط، منها ما يتعلق بالمؤذن والمقيم، كأن يكون مسلمًا، عاقلًا، ذكرًا.
ومنها ما يتعلق بالأذان والإقامة، كاشتراط دخول الوقت، والترتيب، والموالاة، ونحو ذلك.
وسوف تكون عنايتي في هذا الباب في عرض تلك الشروط، وسوف أقدم منها إن شاء الله تعالى الشروط المتعلقة بالمؤذن والمقيم، ثم ألحقها بعد بالشروط المتعلقة بالأذان نفسه، والغالب في هذا الباب أن كل شرط معتبر في الأذان فهو معتبر في الإقامة إلا أشياء مستثناة يسيرة، منها على سبيل المثال دخول الوقت، فقد يصح الأذان قبل الوقت كما في صلاة الصبح، ولا تصح الإقامة بحال إلا بعد دخول وقتها، ومنها ما يشترطه بعضهم من اتصال الإقامة بالصلاة، ولا يشترط ذلك في الأذان.
جاء في منح الجليل عن الإقامة قوله: «شروطها شروط الأذان» (١).
стр. 206
الفصل الأول في الشروط المتعلقة بالمؤذن والمقيم
الشرط الأول في اشتراط الإسلام
المدخل إلى المسألة
• كل عبادة تشترط لصحتها النية فإنها لا تصح من كافر، أو غير مميز.
• الأذان من القرب، ولها ثواب عظيم في الآخرة، والكافر ليس من أهل القرب.
• الأذان خبر يتعلق بأعظم العبادات، وهي الصلاة، والصيام، والإفطار، وهو مؤتمن على ذلك، والأخبار دورانها إما على الشهادة، أو على الرواية، وكلتاهما من شرطها العدالة.
• الوسائل نوعان، وسيلة لغيره، وهو مقصود بنفسه، كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة بذاتها، كإمرار الموسى على رأس الأقرع عند التحلل، والأذان من الأول.
[م-١٦] نص فقهاء الأئمة الأربعة على أن الإسلام شرط لصحة الأذان والإقامة، فلا يصحان من كافر (١).
стр. 207
قال ابن قدامة: «ولا يصح الأذان إلا من مسلم عاقل ذكر، فأما الكافر والمجنون فلا يصح منهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادات» (١).
(ح-٨٦) لما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث: أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (فليؤذن لكم أحدكم) دليل على أن الأذان لا يصح من الكافر.
ولأن الأذان قربة، ورتب على فعلها أجر عظيم، والكافر ليس من أهل القرب.
ولأن الأذان خبر، والأخبار تدور إما على الشهادة، أو على الرواية، وكلتاهما من شرطها العدالة.
ولأن الأذان نداء للصلاة، وهو لا يعتقد وجوبها فكان فعله ضربًا من الاستهزاء بها.
ولأن الصحيح من أقوال أهل العلم اشتراط النية لصحة الأذان، والكافر ليس من أهل النية.
واستظهر ابن ناجي من المالكية صحة أذان الكافر إن عزم على الإسلام قبله قياسًا على صحة غسله إذا عزم على الإسلام (٣).
• ويرد عليه:
بأن الصحيح أن الاغتسال ليس بواجب على الكافر إذا أسلم.
ولأن الغسل تارةً يكون ناشئًا عن حدث، وهو عبادة محضة تشترط لها النية، كما في اغتسال الجنب، وتارة يكون الغسل لطرح التفث والوسخ، وهذا حاصل بمجرد الغسل، ولا تشترط له النية.
وعلى التسليم فقد يوجد فرق عند المانعين يمنع القياس، فالمؤذن مخبر،
стр. 208
فلابد من عدالته؛ لأجل أن يقبل خبره، بخلاف المغتسل.
[م-١٧] واختلفوا: هل يكون بأذانه مسلمًا؟
فقيل: يكون مسلمًا لتضمن الأذان للشهادتين، ولهذا لا فرق بين أن يكون الأذان في الوقت أو في غيره، وهذا مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (١)، إلا أن الشافعية اشترطوا ألا يكون عيسويًّا، وهو من يعتقد أن محمدًا رسول للعرب خاصة (٢).
وقال الحنفية: يكون مسلمًا بشرط أن يؤذن في الوقت، وهو قول عند الحنابلة (٣).
• توجيه اشتراط الحنفية:
أن الأذان يعتبر من الإسلام بالفعل، وليس من الإسلام بالقول، فالكافر إذا فعل عبادة مختصة بالمسلمين فإنه يكون بها مسلمًا؛ وليس من أجل تضمن الأذان للشهادتين، ولهذا اشترطوا أن يكون الأذان في الوقت لصحة العبادة (٤).
ولو حكم بإسلامه فإنه لا يُعْتَدُّ به؛ لأن بعضه وقع في حال الكفر.
قال النووي: «وسواء أحكمنا بإسلامه أم لا، لا يصح أذانه؛ لأنه وإن حكم بإسلامه فإنما يحكم بعد الشهادتين، فيكون بعض الأذان جرى في الكفر» (٥).
стр. 209
وجاء في منتهى الإرادات: «وإذا صلى أو أذن، ولو في غير وقته كافر يصح إسلامه حكم به … ولا يُعْتَدُّ به بأذانه» (١).
وقيل: لا يكون الكافر مسلمًا بالأذان، ومثله الإقامة، اختاره بعض المالكية (٢)، وهو قول في مذهب الحنابلة إذا أذن في غير وقته ومحله (٣).
جاء في شرح الخرشي: «وشرط صحة الأذان أن يكون فاعله مسلمًا … فلا يصح من كافر؛ إذ لا يقتدى بخبره، وتشهده لغو، لا يكون به مسلمًا» (٤).
• الراجح:
أن الكافر إذا أذن، فإن قصد به حكاية أذان المسلمين لم يحكم بإسلامه، كما لو أتى بالشهادتين على سبيل الحكاية، فقال: سمعت أن فلانًا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وقياسًا على المسلم لو حكى الكفر؛ فإنه لا يكون كافرًا بذلك.
وإن أذن من تلقاء نفسه، فمات مباشرة حكمنا بإسلامه تقديمًا للظاهر على الأصل؛ لأن هذه عبادة مختصة بالمسلمين، وقد تضمنت الشهادتين، ولو نطق الشهادتين صح إسلامه فكذلك إذا أذن أو صلى.
فإن أبان عن نيته، وقال الكافر: إنه أذن على سبيل الحكاية، ولم يكن قاصدًا بذلك الإسلام، كما نقل فعل ذلك عن أبي محذورة، أو كان مستهزئًا، أو أنه فعل ذلك تقية لتحصين نفسه، أو ماله، فينبغي ألا يحكم بردته خلافًا للحنابلة (٥).
قال في حاشية الدسوقي: «من حكم بإسلامه بالأذان إذا رجع لدينه فإنه يؤدب ولا تجري عليه أحكام المرتد، إن كان لم يقف على الدعائم لا قبل الأذان ولا بعده
стр. 210
فإن وقف عليها كان مرتدًّا تجري عليه أحكام المرتد، فيستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يتب قتل، ومحل كونه إذا وقف على الدعائم، ورجع يكون مرتدًا ما لم يَدَّعِ أنه أذن لعذر كقصد التحصن بالإسلام؛ لحفظ ماله مثلًا، وإلا قبل منه ذلك، ولا يكون مرتدًّا حيث قامت قرينة على ما ادعاه» (١).
ومقتضى قبول قوله ألا يحكم بدخوله في الإسلام، ولا ردته.
стр. 211
الشرط الثاني في اشتراط النية
المدخل إلى المسألة
• كل عمل يختص بأهل القربة لا يصح إلا بنية.
• آلات التسجيل حكاية لصوت المؤذن، وليس أذانًا.
• الأذان عبادة بدنية مقصودة بنفسها، ووسيلة إلى غيره، فاشترط له الإسلام، والنية كسائر العبادات.
• كل عبادة معقولة المعنى لا تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالطهارة من النجاسة، والعبادة المحضة غير المعللة تشترط لها النية قولًا واحدًا كالصلاة. والأذان فيه شبه من العبادتين.
• الأعمال كلها إما مطلوبة أو مباحة، والمباح لا يتقرب به إلى الله قصدًا، فلا معنى للنية فيه.
والمطلوب: إما نواهٍ، أو أوامر، والنواهي يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم يشعر بها، والنية فيها شرط للثواب، لا في الخروج من العهدة.
والأوامر على قسمين: منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، ورد الودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فهذه الأفعال يخرج المكلف بها من عهدتها، وإن لم يَنْوِها.
ومنها ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات، والصيام، فالمقصود منها تعظيمه بفعلها، والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله سبحانه، فإن
стр. 212
التعظيم بالفعل من دون قصد المعظم محال.
وقيل:
• الغاية من الأذان إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، وهذا لا يتوقف على النية، فإذا وقع النداء في الوقت حصل المقصود.
• كل عبادة لا تلتبس بالعادات، ولا بغيرها من العبادات لا تشترط لها النية، كقراءة القرآن، والأذكار المطلقة، ونحوها، والأذان ملحق بها.
[م-١٨] اختلف العلماء في اشترط النية للأذان.
فقيل: لا يحتاج إلى نية، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (١).
وقيل: الأذان يفتقر إلى نية لصحته، وهو قول في مقابل المشهور عند الحنفية، والأظهر من مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (٢).
стр. 213
• وجه من قال: لا يحتاج الأذان إلى نية:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل يدل على اشتراط النية في الأذان، والأصل عدم الاشتراط.
الدليل الثاني:
أن النية مشروعة لتمييز العبادات من العادات، ولتمييز العبادات بعضها من بعض، وأما العبادة التي لا تكون عادة، ولا تلتبس بغيرها؛ لكونها عبادة خالصة، لا تشترط فيها النية، وذلك كالإيمان بالله تعالى، ومعرفته، والخوف منه، والرجاء فيه، وقراءة القرآن، والأذكار؛ لأنها متميزة بصورتها؛ والأذان مثلها.
الدليل الثالث:
أن كل فعل تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فلا تشترط له النية، ومن ذلك الأذان فإن الإعلام به حاصل بمجرد فعله في الوقت، سواء أنوى المؤذن الأذان أم لم يَنْوِ، وإنما النية لتحصيل الثواب، لا لصحة الأذان.
• حجة من قال: تشترط النية في الأذان:
الدليل الأول:
الأذان من أعظم القرب، وشعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، الذي إذا تركها أهل بلد وجب قتالهم في أحد قولي أهل العلم، وهو العلامة الفارقة بين دار الإسلام ودار الكفر، ويتعلق بأعظم العبادات العملية في الإسلام، وإذا كانت عبادته بهذه المنزلة افتقر فعله إلى نية.
• ويناقش:
بأن ترتيب الثواب على النية لا نزاع فيه، ولكن النقاش بترتيب الصحة عليها،
стр. 214
فإذا لم يَنْوِ الأذان لم يحصل له أجره، ولكن حصول المقصود من الأذان، وهو العلم بدخول الوقت ليس متوقفًا على النية، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٨٧) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فليؤذن لكم أحدكم) دليل على أن الأذان لا يصح من كافر، ولو كان الأذان لا يحتاج إلى نية لصح ذلك من الكافر.
• ويناقش:
بأن اشتراط الإسلام ليس سببه افتقار الأذان إلى النية، وإنما لأن الأذان خبر، ومن شروط قبول الأخبار العدالة عند الجمهور، فإن أذن الفاسق تبعًا لغيره صح أذانه، وسوف يأتينا إن شاء الله مناقشة أذان الفاسق في مبحث مستقل.
• الراجح:
إذا أَذَّن المؤذن وقد وقع فعله في الوقت، ولم يَنْوِ به الأذان كما لو نوى أن يختبر مكبر الصوت، أو نوى تجريب صوته، أو حكاية الأذان، أو لم يَنْوِ شيئًا، لم يحصل له أجر الأذان، وهذا ينبغي ألا يكون محل خلاف؛ لأن ثواب الأعمال متوقف على النية: (وإنما لكل امرئٍ ما نوى).
وحصول المقصود منه، وهو الإعلام بدخول وقت الصلاة لا يتوقف على النية، ذلك أن الناس لا يعلمون عن نية المؤذن، هل نوى بأذانه إخبارهم، أو نوى به شيئًا آخر؟ فإذا وقع الأذان من المؤذن بالوقت حصلت هذه الفائدة للناس، نوى أو لم يَنْوِ.
ولأن الناس يعلمون بدخول وقت الصلاة من خلال الأجهزة الذكية التي
стр. 215
يحملونها، ومن خلال سماع المذياع، وقد يكون المؤذن ميتًا.
وهل يصح الاكتفاء بسماع الأذان من المذياع، أو من الهواتف الذكية؟
الذي يظهر لي أنه لا يصح الاكتفاء بمثل هذا عن الأذان، لأن هناك مقاصد شرعية من الأذان، منها:
الأول: إظهار شعيرة من شعائر الإسلام، وأن الدار دار إسلام، وهذا يدل على أنه عبادة بدنية مقصودة بنفسها، وإن كان وسيلة إلى غيره.
الثاني: التقرب إلى الله بتعظيمه بهذا الذكر، وارتباطه بهذه الأوقات المختلفة، ورتب الله على هذه العبادة أجرًا عظيمًا في الآخرة، حتى كان المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة، وحتى أخبر الرسول ﷺ بأن الناس لو يعلمون ما فيه من الأجر، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، وهذه الفائدة والتي قبلها لا تحصل من هذه الآلات، وهي تدل على أنه لابد من النية في الأذان.
الثالث: الإعلام بدخول وقت الصلاة بهذه الكيفية دون زيادة أو نقص؛ لأنه ذكر مقيد، ولا يغني أي شعار آخر عنه؛ لأن الإعلام بدخول وقت الصلاة يمكن تحصيله بالظل، أو عن طريق الساعة، وقد شرعت هذه الطريقة للإعلان، وقصد فيها مخالفة شعائر اليهود والنصارى، فتعينت.
الرابع: الدعوة إلى الاجتماع إلى فعل الصلاة ومكان صلاتها. والفائدة الثالثة والرابعة لا يتوقفان على النية، بل تكفي نية القائم على هذه الآلات.
وقد اختار شيخنا ابن عثيمين ﵀ بأن الأذان من التسجيل لا يصح، ولا يجزئ، قيدته من تعليقه على الكافي لابن قدامة.
وبذلك صدر قرار من المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي.
«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي المنعقد بدورته التاسعة في مكة المكرمة من يوم السبت ١٢/ ٧/ ١٤٠٦ هـ إلى يوم السبت ١٩/ ٧/ ١٤٠٦ هـ وبعد استعراض ما تقدم من بحوث وفتاوى والمداولة في ذلك، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي تبين له ما يلي: