← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

في الجماعة عن الصلاة في غيرها، مع أن هناك فرقًا بينها في الفضل، وإذا كانت المفاضلة بين الصلاة وبين غيرها من الأعمال، وكان الغالب على الصلوات استحباب التعجيل، فالعصر والمغرب والصبح يستحب التعجيل فيهامطلقًا على الأصح، ويستحب التعجيل في الظهر في البرد، فلم يبق إلا العشاء هو الوارد في استحباب تأخيرها بشرط ألا يشق على الناس، فكان الحكم موجهًا للأغلب. الدليل الثاني: أن حديث ابن عباس وجابر في إمامة جبريل، وحديثي بريدة وأبي موسى في بيان أول الوقت وآخره، قد قال في آخره: الصلاة بين هذين الوقتين. أي من غير فرق بين أول الوقت وآخره، وقد سبق تخريجها. • ويناقش: بأن هذه الأحاديث سيقت لبيان أول الوقت وآخره، وأن وقت الصلاة وقت موسع، وأما بيان الوقت الأفضل في حق كل صلاة فهذا موضوع آخر، وله أحاديث أخرى كما جرى في تفضيل تأخير الظهر في شدة الحر على المبادرة بها، واستحباب تأخير العشاء ما لم يشق على الناس. • دليل من قال: الأفضل متابعة الناس إن عجلوا عجل، وإن تأخروا أخر: (ح-٥٦٢) لما رواه البخاري ومسلم من طريق غندر (محمد بن جعفر) حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، والصبح كانوا - أو كان - النبي ﷺ يصليها بغلس (١).

стр. 1507

الفرع الرابع السنة في المغرب والعشاء مع الغيم المدخل إلى المسألة: • الاحتياط للعبادة أصل في الشرع ما لم يصل للوسوسة. • يحتاط للصلوات التي لا تجمع مع التي قبلها كالظهر والمغرب والصبح أكثر من الصلوات التي تجمع مع التي قبلها كالعصر والعشاء. • لا يستحب التأخير بسبب الغيم إذا تيقن دخول الوقت إلا في حال يستحب التأخير مع الصحو. • غلبة الظن تكفي في اعتماد دخول الوقت، ولا يشترط اليقين. [م-٢٠٧] استحب الحنفية والحنابلة تأخير المغرب وتقديم العشاء في حال الغيم، ورواه مطرف عن مالك (١). واختلفوا في العلة: فقيل: العلة في تأخير المغرب الاحتياط للوقت، والعلة في تعجيل العشاء الخوف من تقليل الجماعة، وهذا مذهب الحنفية (٢). وقيل: ليخرج لهما خروجًا واحدًا دفعًا لمشقة الريح والبرد والمطر، وهذا مذهب الحنابلة.

стр. 1508

وقال بعضهم: العلة في تأخير الأولى تيقن دخول الوقت، ولأنها لا تجمع مع الصلاة التي قبلها، فاستحب تأخيرها، والعلة في استحباب تعجيل الثانية؛ لأنها لما كانت تجمع مع التي قبلها للعذر ساغ تعجيلها للعذر أيضًا، والاشتباه في الوقت عذر (١). وقيل: التأخير أفضل في كل الأوقات والأحوال، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٢). والعلة في التأخير على هذا القول هو الاحتياط للوقت، وهذا تستوي به الصلوات كلها في استحباب التأخير (٣). وقيل: لا يستحب التأخير بسبب الغيم إذا تيقن دخول الوقت إلا في حال يستحب التأخير مع الصحو، وهو مذهب الشافعية (٤). وهذا القول هو أرجحها، فالغيم إن كان سببًا في الشك في دخول الوقت لم يُصَلِّ حتى يغلب على ظنه دخول الوقت، أو يخشى من التأخير خروج الوقت، وهذا ليس خاصًّا في المغرب والعشاء، بل في كل الصلوات. وإن تيقن دخول الوقت فلا أثر للغيم، فالمغرب لا يستحب تأخيرها إذا تيقن دخول الوقت؛ لأن السنة فيها المبادرة، والعشاء يستحب تأخيرها، ولو تيقن دخول وقتها؛ لأن السنة فيها التأخير إلى ثلث الليل ما لم يَشُقَّ على الناس. واليوم هذه المسألة لا تكاد تتنزل على حياة الناس، لوجود الساعات معهم، والتي تضبط لهم الوقت في الصحو والغيم، فلا يكون للغيم تأثير في إدراك الوقت، والله أعلم.

стр. 1509

الفرع الخامس في تسمية المغرب بالعشاء والعشاء بالعتمة المدخل إلى المسألة: • أحيانًا تطلق الكراهة ويراد بها خلاف الْأَوْلَى. • التشبه بالأعراب في ألفاظهم يدخل في خلاف الأولى. • خلاف الأولى ما ترجح أحد طرفيه فعلًا أو تركًا، وكان المرجوح غير مقصود بالنهي، وعليه يحمل قوله ﷺ : (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)، فالذكر من المحدث ليس مكروهًا. [م-٢٠٨] لا تكره تسمية المغرب بالعشاء، ولا تسمية العشاء بالعتمة، وإن كان تسميتهما بالمغرب والعشاء أولى. وهو ظاهر مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، اختاره صاحب الرسالة، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة، واختاره البخاري في صحيحه (١).

стр. 1510

قال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافًا اليوم بين فقهاء الأمصار في جواز ذلك» (١). وقيل: يكره، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، ومذهب الشافعية، ووجه ضعيف عند الحنابلة (٢). قال الشافعي: «ولا أحب أن تسمى صلاة العشاء بالعتمة … » (٣). وحمله أصحابه على الكراهة (٤). وقيل: المكروه أن يغلب اسم الأعراب عليهما، وهذا اختيار ابن تيمية (٥). وقيل: يحرم تسمية العشاء بالعتمة، وهو قول في مذهب المالكية، وظاهر قول ابن عمر (٦). فهذه أربعة أقوال: الكراهة، وعدمها، والكراهة إذا أدت إلى الغلبة على الاسم الشرعي، والتحريم.

стр. 1511

• دليل من قال: لا يكره: الدليل الأول: ورد في السنة إطلاق العشاء الآخرة، وفي ذلك دلالة على أن المغرب هي العشاء الأولى. (ح-٥٦٣) من ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن أبي فروة، عن يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أيما امرأة أصابت بخورًا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة (١). (ح- ٥٦٤) وروى مسلم من طريق شعبة، عن عدي، قال: سمعت البراء يحدث عن النبي ﷺ أنه كان في سفر، فصلى العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين: والتين والزيتون (٢). (ح-٥٦٥) وروى مسلم من طريق منصور، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة (٣). وأحاديث كثيرة في السنة تسمي العشاء بالعشاء بالآخرة. • ونوقش هذا: بأن وصف العشاء الآخرة؛ لأنها آخر الصلوات، لا لأن قبلها عشاء آخر (٤).

стр. 1512

الدليل الثاني: (ح-٥٦٦) روى مسلم من طريق الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن شتير بن شكل، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم، وقبورهم نارًا، ثم صلى بين العشاءين بين المغرب والعشاء (١). وجه الاستدلال: أطلق على المغرب (العشاء)، فدل على جواز ذلك، ولو كان مكروهًا لتحاشى ذلك. • ونوقش: بأن التثنية هنا من باب التغليب كالأبوين والقمرين، وإن كان لا يصح أن يطلق على الأم وحدها بأنها أب، ولا على الشمس بأنها قمر. الدليل الثالث: (ح-٥٦٧) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: متى توتر؟ قال: من أول الليل بعد العتمة، قبل أن أنام .... الحديث (٢). [حسن، رجاله ثقات إلا ابن عقيل فإنه حسن ما لم يتفرد بأصل، أو يخالف غيره] (٣).

стр. 1513

الدليل الرابع: (ث-١٤٩) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إذا كان سفرك يومًا إلى العتمة فلا تقصر الصلاة، فإن جاوزت ذلك فاقصر (١). [رجاله ثقات إلا أن شعبة والثوري روياه عن منصور، ولم يقولا العتمة] (٢). ولم يقصد ابن عباس العتمة العشاء، وإنما قصد به سواد الليل، والله أعلم. • دليل من قال: يكره إطلاق العشاء على المغرب والعتمة على العشاء: الدليل الأول: (ح-٥٦٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الوارث، عن الحسين، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، قال: حدثني عبد الله بن مغفل المزني، أن النبي ﷺ قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، قال الأعراب: وتقول: هي العشاء (٣). هذا في النهي عن إطلاق العشاء على المغرب. وأما النهي عن إطلاق العتمة على العشاء: (ح-٥٦٩) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: لا تغلبنكم

стр. 1514

الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل (١). •وجه الدلالة على الكراهية من الحديثين: قال ابن دقيق العيد: «وهذا الحديث يدل على هذا المقصود من وجوه: أحدها: صيغة النهي. والثاني: ما في قوله (تغلبنكم) فإن فيه تنفيرًا عن هذه التمسية؛ فإن النفوس تأنف من الغلبة. والثالث: إضافة الصلاة إليهم، في قوله (على اسم صلاتكم) فإن فيه زيادة، ألا ترى أنا لو قلنا: لا تغلبن على مالك: كان أشد تنفيرًا من قولنا: لا تغلبن على مال، أو على المال؟ لدلالة الإضافة على الاختصاص به» (٢). ويضاف إلى ما ذكره ابن دقيق العيد: أن توكيد النهي بإلحاق نون التوكيد يدل على أن الكراهة على بابها، وليست من قبيل خلاف الأولى. كما يضاف إليه بأن اختصاص الأعراب بهذه التسمية، فيه إيماء بالتنفير منها؛ لارتباط الأعراب غالبًا بالجهل والجفاء. الدليل الثاني: كره إطلاق اسم العشاء عليها؛ لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى، ولهذا لم يكره بعض العلماء أن تسمى العشاء بقيد، كأن يقول العشاء الأولى ويؤيده قولهم العشاء الآخرة كما ثبت في الصحيح (٣). الدليل الثالث: أن العادة أن العظماء إذا سموا شيئًا باسم، فلا يليق العدول عنه لما فيه من تنقيصهم والرغبة عن صنيعهم، والله تعالى أعظم العظماء قد سماها العشاء في قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨] (٤).

стр. 1515

• ونوقش هذا: بأن النهي من النبي ﷺ للإرشاد، ومراعاة الآداب، ولا يبلغ ذلك الوقوع في المكروه، وإنما يقال: خلاف الأولى، ولهذا ورد إطلاق العتمة على العشاء بالسنة المرفوعة، وأقوال الصحابة. (ح-٥٧٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: .... لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا (١). (ح-٥٧١) وروى البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، قالت: أعتم رسول الله بالعتمة حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان، فخرج النبي ﷺ ، فقال: ما ينتظرها أحد غيركم من أهل الأرض، ولا يُصَلَّى يومئذٍ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول (٢). (ح-٥٧٢) وروى البخاري من طريق عوف، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب، وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة .... (٣). وإطلاق العتمة وإن كان من قبل الناس دليل على أن الأمر واسع، ولو كان

стр. 1516

الأمر مكروهًا لشدد عليهم في هذا. (ث-١٥٠) وروى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: قال أبو هريرة ﵁: يقول الناس: أكثر أبو هريرة، فلقيت رجلًا فقلت: بِمَ قرأ رسول الله ﷺ البارحة في العتمة؟ فقال: لا أدري. فقلت: ألم تشهدها؟ قال: بلى، قلت: لكن أنا أدري، قرأ سورة كذا وكذا (١). رضي الله عن أبي هريرة صاحب رسول الله، كان يقال له ذلك، ورسول الله شاهد، والوحي ينزل، ولو كان كما قيل لنزل الوحي حفظًا للديانة، وصيانة للشريعة، نعم لقد أكثر أبو هريرة، وما له لا يفعل؟ فصاحب الهمة العالية في حفظ السنة، والذي نذر نفسه لهذه الرسالة جدير به أن يوفق لما أراد، وأن يبلغ هذه المنزلة العظيمة. • ويجاب على هذا بجوابين: الجواب الأول: أن هذه الأدلة هي القرينة التي حملت النهي من التحريم إلى الكراهة، ولولاها لكان الأصل في النهي التحريم، فاستعمال إطلاق العتمة على العشاء لبيان الجواز، والنهي للكراهة، لأن القاعدة تقول: إذا نهى الشارع عن شيء كان النهي للتحريم، فإن ورد ما يدل على جواز مخالفته كان ذلك دليلًا على أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة. الجواب الثاني: استعمال العتمة على البراءة الأصلية، وحديث النهي ناقل عن البراءة الأصلية، والناقل مقدم. وادَّعَى بعضهم احتمال أن يكون الجواز منسوخًا بحديث النهي، ولا يصح القول بالنسخ حتى يعلم التاريخ. قال المنذري: «يجوز أن يكون منسوخًا، وناسخه (لا تغلبنكم الأعراب)، ويحتمل عكسه، فإن التاريخ في التقدم لأحدهما متعذر» (٢).

стр. 1517

•دليل من قال بالتحريم: استدل بنفس الأدلة التي استدل بها من قال بالكراهة، إلا أنه حمل النهي على التحريم؛ لأنه الأصل في النهي، ولأن النهي جاء مؤكدًا بنون التوكيد، وتوكيد النهي لا معنى له إلا حمله على التحريم. (ث-١٥١) وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شريك، عن أبي فزارة، عن ميمون بن مهران، قال: قلت لابن عمر: من أول من سماها العتمة؟ قال: الشيطان (١). [ضعيف] (٢). • دليل من قال: يكره أن يغلب اسم الأعراب عليهما، لا مطلق التسمية: الخبر لا يقتضي نهيًا مطلقًا، لكن فيه النهي عن غلبة تسمية الأعراب على ذلك، أما إذا لم يغلب عليها هذا الاسم فلا يُتَوَجَّه النهي حينئذٍ إليه (٣). •وقد يناقش: بأن الاستعمال وسيلة للغلبة، وما يؤدي إلى المكروه فهو مكروه، وقوله: (لا يغلبنكم) تحذير من الاستعمال؛ لأن يؤول إلى الغلبة، وليس اختصاص النهي بالغلبة، ومعلوم أن الوسائل لها أحكام المقاصد. • الراجح: الإمام البخاري ﵀ من خلال تراجمه كأنه يفرق بين إطلاق العشاء على المغرب، وبين إطلاق العتمة على العشاء، ذلك أن إطلاق العشاء على المغرب لم يأتِ في السنة، بخلاف إطلاق العتمة على العشاء فهو كثير، لذلك قال البخاري في الترجمة الأولى: باب من كره أن يقال: للمغرب العشاء. وقال في الترجمة الثانية: باب ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعًا.

стр. 1518

وهذا ما فهمه ابن حجر، قال في الفتح: «غاير المصنف بين هذه الترجمة والتي قبلها مع أن سياق الحديثين الواردين فيهما واحد وهو النهي عن غلبة الأعراب على التسميتين وذلك لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ إطلاق اسم العشاء على المغرب وثبت عنه إطلاق اسم العتمة على العشاء فتصرف المصنف في الترجمتين بحسب ذلك» (١). والحق أن الباب واحد، وأن المسألة دائرة بين خلاف الأولى والجواز، والقول بأن ذلك خلاف الأولى أقرب، والله أعلم.

стр. 1519

الفرع السادس في النوم قبل العشاء والحديث بعدها المدخل إلى المسألة: • الكراهة إذا عارضها مصلحة راجحة أو حاجة رفع حكمها. • كل حديث لا حاجة فيه، ولا مصلحة دينية ولا دنيوية فإنه يكره السمر عليه بعد العشاء. • كل سمر واجب كسمر الحاكم والمسؤول وأهل الحسبة في مصالح المسلمين الواجبة فهذا مطلوب شرعًا على من وجب عليه. • كل سمر محتاج إليه كالسمر في العلم ومذاكرته ومراجعته فليس بمكروه. • يلحق بالسمر المباح ما يحتاج إليه من حديث الرجل مع أهله، والسمر مع ضيفه؛ لأن الحاجة ترفع الكراهة. • كل سمر مباح يكون سببًا في فوات عبادة واجبة، أو كان سببًا في ضياع من يعول فإنه يحرم. [م-٢٠٩] يكره الحديث بعد صلاة العشاء فيما لا مصلحة فيه، ولا حاجة له، وهو مذهب الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة. ويكره النوم قبلها عند الجمهور (١).

стр. 1520

وقال الطحاوي من الحنفية: إذا كان له من يوقظه لم يكره النوم قبلها، وهو رواية عن أحمد (١). وكأن هذا القول بني على أن علة كراهة النوم قبلها الخوف من تفويت العشاء. • حجة الجمهور على الكراهة: الدليل الأول: (ح-٥٧٣) ما رواه البخاري من طريق عوف، عن سيار بن سلمة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة، فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس … وفيه: وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها .... الحديث (٢). الدليل الثاني: (ح-٥٧٤) ما رواه ابن حبان من طريق جعفر بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سمعتني عائشة، وأنا أتكلم بعد العشاء الآخرة، فقالت: يا عُرَيُّ، ألا تريح كاتبك؟ فإن رسول الله ﷺ لم يكن ينام قبلها، ولا يتحدث بعدها (٣). [حسن إن شاء الله] (٤).

стр. 1521

الدليل الثالث: (ث-١٥٢) روى مالك، عن نافع، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها، وحافظ عليها، حفظ دينه. ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ثم كتب: أن صلوا ..... العشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه. فمن نام فلا نامت عينه فمن نام فلا نامت عينه (١). [إسناده منقطع، والأثر حسن عن عمر] (٢). الدليل الرابع: (ث-١٥٣) وقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن الأعمش،

стр. 1522

عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر، قال: رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على السمر بعدها (١). [صحيح] (٢).

стр. 1523

الدليل الخامس: من النظر أن النوم قبلها قد يعرضها للفوات عن كل وقتها، أو عن أفضل وقتها، وأما كراهية الحديث بعدها: فعلله بعضهم بأن صلاة العشاء قد كفرت خطاياه، فينام على سلامة من اللغو الذي هو مظنة الإثم، وقد ختم الحفظة صحيفته بالعبادة. وعلله آخرون: بأن السمر بعدها يعرض صاحبه إلى النوم عن صلاة الصبح، أو عن قيام الليل إن كان من أهله. وقيل: علة الكراهة لأن الله تعالى جعل الليل سكنًا: أي يُسْكَنُ فيه، فإذا جعله للسهر والحديث جعله كالنهار، وهو مخالف لحكمة الله تعالى، وقد يعرضه لنوم النهار، فيفوته بذلك قيامه على معاشه، وما يصلح دنياه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]، تنافيَ بين هذه العلل، والحكم قد يبعث عليه أكثر من علة تقتضيه، فلا مانع من القول بها كلها. والحديث المكروه بعد العشاء: كل حديث لا حاجة فيه، ولا مصلحة. وليس

стр. 1524

المقصود مطلق الحديث؛ لهذا استثنى العلماء السمر الواجب، كسمر الحاكم والمسؤول وأهل الحسبة في مصالح المسلمين الواجبة. كما استثنى العلماء ما يحتاج إليه كالسمر في العلم ومذاكرته ومراجعته. كما استثنى العلماء ما يحتاج إليه من حديث الرجل مع أهله، والسمر مع الضيف. فإن هذه إما مصالح مطلوبة وإما حاجات، وكلها ترفع الكراهة، والقاعدة الفقهية: أن الكراهة إذا عارضها مصلحة راجحة أو حاجة رفعت حكمها، وقد وردت فيها أدلة خاصة، من ذلك: (ح-٥٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر الليلة، كذلك في الأمر من أمر المسلمين، وأنا معه (١). [لم يسمع علقمة من عمر] (٢).

стр. 1525

(ح-٥٧٦) ومنها: ما رواه البخاري ومسلم من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس ﵄، قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعةً، ثم رقد .... الحديث (١). (ح-٥٧٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: أعتم رجل عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، فأتاه أهله بطعامه، فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا له فأكل، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه (٢). وجه الشاهد منه أن هذا الرجل قد سمر عند النبي ﷺ بعد صلاة العشاء.

стр. 1526

وربما خطب النبي ﷺ بأصحابه بعد صلاة العشاء، (ح-٥٧٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، أن عبد الله بن عمر، قال: صلى بنا النبي ﷺ العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام، فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد (١). (ح-٥٧٩) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق الجريري، عن أبي عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: نزل علينا أضياف لنا، قال: وكان أبي يتحدث إلى رسول الله ﷺ من الليل، قال: فانطلق، وقال: يا عبد الرحمن، افرغ من أضيافك، قال: فلما أمسيت جئنا بقراهم، قال: فأبوا، فقالوا: حتى يجيء أبو منزلنا فيطعم معنا، قال: فقلت لهم: إنه رجل حديد، وإنكم إن لم تفعلوا خفت أن يصيبني منه أذى، قال: فأبوا، فلما جاء لم يبدأ بشيء أول منهم، فقال: أفرغتم من أضيافكم، قال: قالوا: لا والله ما فرغنا، قال: ألم آمر عبد الرحمن؟ قال: وتنحيت عنه، فقال: يا عبد الرحمن، قال: فتنحيت، قال: فقال: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي إلا جئت، قال: فجئت، فقلت: والله، ما لي ذنب، هؤلاء أضيافك فسلهم قد أتيتهم بقراهم فأبوا أن يطعموا حتى تجيء، قال: فقال: ما لكم، أن لا تقبلوا عنا قراكم، قال: فقال أبو بكر: فوالله، لا أطعمه الليلة، قال: فقالوا: فوالله، لا نطعمه حتى تطعمه، قال: فما رأيت كالشر كالليلة قط، ويلكم، ما لكم أن لا تقبلوا عنا قراكم، قال: ثم قال: أما الأولى فمن الشيطان هلموا قراكم، قال: فجيء بالطعام فسمى، فأكل وأكلوا، قال: فلما أصبح غدا على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بروا وحنثت، قال: فأخبره، فقال: بل أنت أبرهم وأخيرهم، قال: ولم تبلغني كفارة (٢).

стр. 1527

وقد أخذ العلماء من هذا الحديث جواز السمر عند الأهل والضيف؛ فإن أبا بكر سمر عند أهله وضيفه بعد أن سمر عند النبي ﷺ . (ح-٥٨٠) وأما حديث لا سمر بعد الصلاة إلا لِمُصَلٍّ أو مسافرٍ، فقد رواه أحمد في المسند، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن خيثمة، عن رجل من قومه، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : لا سمر بعد الصلاة -يعني العشاء الآخرة- إلا لأحد رجلين: مُصَلٍّ أو مسافرٍ (١). [ضعيف لإبهام راويه] (٢).

стр. 1528

• الراجح: أن السمر إذا كان لمصلحة أو حاجة فهو يأخذ حكم تلك المصلحة أو الحاجة، فإن كان على أمر مباح، وكان يسيرًا بحيث لا يفوت المصالح والحاجات المعيشية، فهو على الإباحة خاصة أن البلاد الحارة لا يطيب الاجتماع فيها بالنهار لأنه وقت قيام الناس على كسب معاشهم والنظر في مصالحهم، ولشدة الحر، فإذا غابت الشمس اجتمع الناس للسمر وتبادل الأحاديث المباحة للاستجمام وصلة الأرحام، فإذا مضى بعض الليل ثاب الناس إلى بيوتهم للسكن والسبات، فإن زاد بأن كان السهر لمعظم الليل فهذا الذي لا يشك الإنسان في كراهته، فإن فوت عبادة أو كان سببًا في ضياع من يعول، أو كان اجتماعهم لمتابعات قنوات اللغو واللهو والرفث، فإنه يحرم حينئذ، والله أعلم.

стр. 1529

المبحث السابع في وقت الصبح الفرع الأول في بيان وقت ابتداء الصبح وانتهائه المدخل إلى المسألة: • أوقات الصلاة توقيفية. • كل الصلوات المفروضة لها أوقات اختيار تقديمًا في بعضها، وتأخيرًا في بعضها بحسب ما يقضي به النص. • لا يلزم من إثبات وقت الاختيار للصلوات إثبات وقت الاضطرار. • تقسيم وقت الأداء للصلوات: إلى عام لكل المصلين، وآخر خاص ببعضهم خلاف الأصل. • لا خلاف أن أول وقت الفجر طلوع الفجر الصادق. • أحاديث إمامة جبريل للنبي ﷺ في بيان آخر مواقيت الصلاة تقريب، لا تحديد، جاءت لبيان الوقت المختار إلا في الظهر. • كل وقت لو وقعت فيه الصلاة لوسع فعلها جميعًا، وكانت أداء بالاتفاق يجوز تأخير الصلاة إليه، وإن كان مفضولًا؛ لأن الأداء والإثم لا يجتمعان. [م-٢١٠] اتفقوا على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الثاني، وهو البياض المعترض في الأفق (١). واختلفوا في آخره:

стр. 1530

فقيل: آخر وقتها ما لم تطلع الشمس، وهو قول الجمهور (١)، ورواية عن مالك، اختارها القاضي عبد الوهاب، والمازري، وابن حبيب، وقدمها ابن رشد الجد والحفيد، وابن الحاجب، حتى قال ابن العربي: ولا يصح غيره، وعليه فليس لها وقت ضرورة (٢). وقال مالك: آخر وقتها المختار إلى الإسفار الأعلى (الْبَيِّن)، وما بعده وقت ضرورةٍ وإدراكٍ إلى طلوع الشمس، وهذا مذهب المدونة، وقدمه خليل في مختصره، وقال ابن عبد السلام: وهو المشهور، واختاره من الحنابلة القاضي أبو يعلى وابن عقيل وابن قدامة (٣). وقال الإصطخري من الشافعية: إذا خرج وقت الاختيار، وهو بلوغ الإسفار خرج وقت الصلاة، وصارت بعده قضاءً إلا في حق أهل الأعذار (٤).

стр. 1531

• الأدلة على أن وقت الفجر يبدأ من طلوع الفجر الصادق: الدليل الأول: مر معك أحاديث كثيرة جدًّا، منها حديثا ابن عباس وجابر في إمامة جبريل للنبي ﷺ ، وحديث عبد الله بن عمرو في مسلم، وحديثا بريدة وأبي موسى عند مسلم أيضًا، وهي أحاديث سقْتُها في مسائل مختلفة، فأكتفي بالإشارة إليها اختصارًا، ولا حاجة إلى إعادتها بأسانيدها. الدليل الثاني: الإجماع على أن وقت الصبح يبدأ من طلوع الفجر، حيث لم يختلف المسلمون فيه. قال الجصاص: «أما أول وقت الفجر فلا خلاف فيه أنه من حين يطلع الفجر الثاني الذي يعترض في الأفق» (١). وقال ابن عابدين: «لا خلاف في أوله» (٢). وقال الحطاب: «ولا خلاف أن أول وقتها طلوع الفجر الصادق» (٣). وقال ابن قدامة: «وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إجماعًا» (٤). الدليل الثالث: (ح-٥٨١) ما رواه الحاكم، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم الداربردي، بمرو، حدثنا عبد الله بن روح المدائني، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأ ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا تحل الصلاة فيه، ولا يحرم الطعام، وأما الذي يذهب مستطيلًا في الأفق فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام (٥).

стр. 1532

[المعروف أنه مرسل، ومعناه في الصحيحين] (١).

стр. 1533

• دليل من قال: آخر وقت الصبح طلوع الشمس: الدليل الأول: (ح-٥٨٢) روى مسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: وقت الظهر ما لم يحضر العصر،

стр. 1534

ووقت العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس. [اختلف في رفعه ووقفه، والرفع محفوظ] (١). الدليل الثاني: (ح-٥٨٣) ما رواه أبو موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ -أتاه سائلٌ يسأله عن مواقيت الصلاة، وفيه: … فأقام الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت (٢). الدليل الثالث: (ح-٥٨٤) ما رواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (٣). ورواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وبسر بن سعيد، وعبد الرحمن بن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس لم تفته الصلاة، ومن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس لم تفته الصلاة (٤). فهذا القول بنى مذهبه على تقديم حديث عبد الله بن عمرو في مسلم على حديثي ابن عباس وجابر في إمامة جبريل بالنبي ﷺ .

стр. 1535

• دليل من قال: وقت الاختيار إلى الإسفار البين وما بعده وقت ضرورة: الدليل الأول: (ح-٥٨٥) روى أبو داود من طريق يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الرحمن ابن فلان بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين .... فصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم .... فلما كان الغد صلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين (١). [حسن، عدا قوله هذا وقت الأنبياء من قبلك]. الدليل الثاني: (ح-٥٨٦) ما رواه أحمد من طريق حسين بن علي، قال: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله وهو الأنصاري، أن النبي ﷺ جاءه جبريل، فقال: قم فصله، فصلى به الفجر في اليوم الأول حين برق الفجر - أو قال: حين سطع الفجر، ثم جاءه من الغد فصلى به الفجر حين أسفر جدًّا، ثم قال: ما بين هذين وقت (٢). [صحيح]. الدليل الثالث: (ح-٥٨٧) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: صل معنا هذين - يعني اليومين - وفيه … فأقام الفجر حين طلع الفجر-يعني في اليوم الأول- فلما أن كان اليوم الثاني .... وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم (٣).

стр. 1536

الدليل الرابع: (ح-٥٨٨) ما رواه أبو يعلى من طريق يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر فغلس بها، ثم صلى الغد فأسفر بها قليلًا، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ الوقت فيما بين هاتين: أمس وصلاتي اليوم (١). [اختلف فيه على محمد بن عمرو، ورايته عن أبي سلمة فيها كلام] (٢). • وأجيب عن هذه الأدلة من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الأدلة بيان بالفعل، وقوله: (ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس) بيان بالقول، والقول مقدم على الفعل. الوجه الثاني: أن حديث امتداد الوقت إلى طلوع الشمس قد اشتمل على زيادة على الإسفار، والزيادة مقبولة.

стр. 1537

الوجه الثالث: أن قوله: (فأسفر بها) أي شرع فيها حين الإسفار، وأما الانصراف منها فقد كشف عنه حديث أبي موسى تصريحًا، وفيه: (حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت) (١). الوجه الرابع: حمل المالكية أحاديث إمامة جبريل وما كان في معناه على بيان وقت الاختيار، وحملوا حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (٢)، على وقت الاضطرار، أي في حق أهل الأعذار. وقد بينت فيما سبق أنه لا يوجد على الصحيح وقت اضطرار، لا للصبح، ولا لغيرها من الصلوات، بل يحمل حديثا ابن عباس وجابر في إمامة جبريل على بيان وقت الأفضلية، وحديث أبي هريرة على بيان وقت الجواز، كما هو مذهب الشافعية، ويدل له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث أبي موسى: (ح-٥٨٩) فقد روى مسلم من حديث هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن نبي الله ﷺ قال: إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول (٣). وظاهره من غير فرق بين أهل الأعذار وغيرهم. (ح-٥٩٠) وروى مسلم من طريق عبد الله بن نمير، وأحمد والطحاوي والدارقطني والبيهقي وغيرهم (٤)، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، كلاهما، عن بدر بن عثمان، حدثنا أبو بكر بن موسى،

стр. 1538

عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئًا، فأمر بلالًا فأقام الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا .... وقال في اليوم الثاني: ثم أَخَّرَ الفجر حتى انصرف منها والقائل يقول قد طلعت الشمس أو كادت … الحديث وذكر بقية الصلوات. ورواه عمر بن سعد بن عبيد الحفري (أبو داود) كما في سنن النسائي (١)، عن بدر بن عثمان به، بلفظ: والقائل يقول: طلعت الشمس. ورواه عبد الله بن داود كما في سنن أبي داود، ومسند البزار (٢)، عن بدر بن عثمان به، بلفظ: فقلنا: أطلعت الشمس؟ ورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة، وسنن الدارقطني، والسنن الكبرى للبيهقي (٣)، عن بدر بن عثمان به، بلفظ: ثم صلى الفجر من الغد، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو لم تطلع. فظاهر الحديث أن النبي ﷺ أخر الصلاة حتى كادت الشمس أن تطلع، حتى وقع تساؤل: هل طلعت الشمس؟ وهذا هو آخر وقتها؛ فتبين من هذا الحديث أن جميع وقت الصبح وقت جواز، إلا أنه على قسمين: وقت فضيلة: يبدأ من دخول الوقت وينتهي بالإسفار. ووقت جواز: يمتد إلى قبيل طلوع الشمس، كما يفيده حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي موسى، والله أعلم. • دليل من قال: يخرج الوقت بخروج وقت الاختيار إلا في حق أهل الأعذار: استدل الإصطخري بأن جبريل صلى بالنبي ﷺ الصبح في اليوم الأول حين طلع الفجر، ثم صلى به في اليوم الثاني حين أسفر جدًّا، ثم قال: الوقت بين هذين. فهذا ظاهره أن ما بعد الإسفار ليس وقتًا لصلاة الصبح، فمن صلاها بعد ذلك فهي قضاء في حقه.

стр. 1539

وفي حديث أبي هريرة قال ﷺ من صلى ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح. فهذا محمول على أهل الأعذار، فدل على أن الوقت قسمان: قسم لأهل الإرفاه: يخرج بخروج وقت الاختيار. وقسم لأهل الأعذار، وهو يمتد في الصبح إلى طلوع الشمس، وقل مثله في صلاة العصر والعشاء. • وهذا القول ضعيف؛ لأكثر من وجه: الأول: أنه استدلال بمفهوم المخالفة، وهو حجة عند الجمهور ما لم يتبين أنه غير مراد، وقد تبين من الأحاديث الصريحة التي تدل على امتداد الوقت إلى طلوع الشمس أن مفهوم قوله: (الوقت بين هذين) أنه غير مراد، وأنه في بيان وقت الاختيار. الوجه الثاني: أن الأداء والقضاء حكم وضعي، لا يصح التفريق فيه بين فعل وآخر، وإنما يصح التفريق في الحكم التكليفي، فيقال: أيحرم التأخير، أم يُكْرَهُ، أم يجوز؟ على الخلاف الذي بينته في مسألة مستقلة عن تقسيم الوقت إلى اضطرار واختيار. • الراجح: أرى أن القول بأن وقت الصبح يمتد إلى قبيل طلوع الشمس هو القول الراجح، ولم يتبين لي تقسيم الوقت إلى اختيار واضطرار، نعم يصح تقسيمه إلى وقت فضيلة ووقت جواز، والفضيلة أن ينصرف المصلي من صلاة الفجر بغلس كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، ووقت جواز فيما عدا ذلك، والله أعلم.

стр. 1540

الفرع الثاني في تعجيل صلاة الصبح المدخل إلى المسألة: • الأصل المسارعة إلى الطاعات، إلا ما ثبت استثناؤه. • العبادات في التعجيل والتأخير مبناها على الاتباع. • التبكير والتأخير في الصلاة على ثلاثة أقسام: ما يستحب التبكير فيه مطلقًا كالمغرب والصبح والعصر، وما يستحب فيه التأخير مطلقًا كالعشاء للمنفرد، أو لجماعة لا يشق عليها التأخير. وما يستحب التأخير فيه لعارض كالظهر في شدة الحر. • لا يأثم المصلي بتعجيل ما يستحب تأخيره من الصلوات، ولا بتأخير ما يستحب تعجيله ما لم يخرج الوقت، أو يَضِيقْ عن فعل العبادة جميعها. [م-٢١١] التغليس في صلاة الصبح أفضل، وهو قول الجمهور (١). وقال الحنفية: الإسفار أفضل إلا لحاجٍّ بمزدلفة، وهو رواية عن أحمد (٢). وقال الطحاوي: يبدأ بالتغليس ويختم بالإسفار (٣).

стр. 1541

وقال أحمد في رواية: يراعي حال المأمومين (١). • دليل الجمهور على استحباب التغليس: الدليل الأول: (ح-٥٩١) روى البخاري ومسلم من طريق غندر (محمد بن جعفر) حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة إلى أن قال: والصبح كانوا - أو كان - النبي ﷺ يصليها بغلس (٢). ورواه البخاري من طريق مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به، وفيه: والصبح بغلس (٣). بالجزم بإضافة ذلك إلى النبي ﷺ ولم يذكر فعل الصحابة. الدليل الثاني: (ح-٥٩٢) ما رواه البخاري من طريق عوف، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير، التي تدعونها الأولى، حين تدحض الشمس … إلى أن قال: وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة (٤). الدليل الثالث: (ح-٥٩٣) روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عروة ابن الزبير، أن عائشة أخبرته، قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة،

стр. 1542

لا يعرفهن أحد من الغلس (١). ورواه الشيخان من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس (٢). وفي رواية للبخاري من طريق فليح، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يصلي الصبح بغلس، فينصرفن نساء المؤمنين لا يُعْرفن من الغلس، أو لا يعرف بعضهن بعضًا (٣). لعل الشك من فليح، والراجح لا يعرفن من الغلس كما في رواية عروة وعمرة، عن عائشة. • وأجاب الحنفية: بأن المراد بالغلس فيه (غلس المسجد)؛ لأنهم كانوا يصلون في مسجده ﵊، ولم يكن فيه مصابيح وقت الصبح، والغلس في الأبنية يستمر إلى وقت الإسفار جدًّا، يقال: هذا بيت غلس بالنهار، فما ظنك قبل طلوع الشمس، ولا شك أن المرأة إذا تلفعت بمروطها لا تعرف في النهار، فما ظنك قبل طلوع الشمس وعدم معرفتهن وبقاء الغلس في المسجد لا يدل على أنه ﵊ صلاها في أول الوقت (٤). • ورد هذا الجواب: (ح-٥٩٤) بما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا نهيك بن يريم الأوزاعي قال: حدثنا مغيث بن سمي، قال:

стр. 1543

صليت مع عبد الله بن الزبير، الصبح بغلس، فلما سلم، أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا، كانت مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلما طُعِنَ عمرُ، أسفر بها عثمان (١). [انفرد به ابن ماجه، وهو حديث صحيح] (٢). فبين ابن عمر أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بغلس، وأن عثمان أول من أسفر بها، وكلهم كان يصلي بالمسجد، فلو كان التغليس هو تغليس المسجد، وأن فعلهم بالنسبة للوقت هو الإسفار لم يكن هناك فرق بينهم، والله أعلم.

стр. 1544

الدليل الرابع: (ح-٥٩٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، حدثنا قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت ﵁، قال: تسحرنا مع النبي ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (١). الدليل الخامس: (ح-٥٩٦) ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق حماد بن زيد، قال: حدثنا أنس ابن سيرين، قال: قلت لابن عمر: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة أطيل فيهما القراءة، فقال: كان النبي ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وكأن الأذان بأذنيه (٢). وجه الاستدلال: أي أنه يسرع بسنة الفجر إسراع من يسمع الإقامة ويريد أن يدركها. الدليل السادس: (ح-٥٩٧) ما رواه النسائي من طريق حاتم بن إسماعيل قال: حدثنا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، أن جابر بن عبد الله ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح حين تبين له الصبح (٣). [صحيح] (٤). • ويناقش: بأن هذا كان في مزدلفة، وكان التبكير بها متفقًا عليه حتى قال الراوي: إنه

стр. 1545

صلاها في غير وقتها. • ويجاب: هذا الاعتراض صحيح لو كان هذا الحديث هو عمدة الباب، أما وقد ورد أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما في استحباب التبكير بالصبح فلا مجال لهذا الاعتراض. الدليل السابع: (ح-٥٩٨) روى أبو داود من طريق ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب، أخبره، أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر فَأَخَّرَ العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل ﷺ قد أخبر محمدًا ﷺ بوقت الصلاة، فقال له عمر: اعلم ما تقول فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل جبريل ﷺ فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيت رسول الله ﷺ صلى الظهر حين تزول الشمس، وربما أخرها حين يشتد الحر، ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة، فينصرف الرجل من الصلاة، فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر. ورواه يزيد بن حبيب عن أسامة، وقال فيه: ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله (١). [انفرد بهذا أسامة بن زيد عن ابن شهاب، والحديث في الصحيحين وفي غيرهما وليس فيه ذكر أوقات الصلاة] (٢).
следующие страницы →