← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وقال أحمد في رواية: يراعي حال المأمومين (١). • دليل الجمهور على استحباب التغليس: الدليل الأول: (ح-٥٩١) روى البخاري ومسلم من طريق غندر (محمد بن جعفر) حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة إلى أن قال: والصبح كانوا - أو كان - النبي ﷺ يصليها بغلس (٢). ورواه البخاري من طريق مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به، وفيه: والصبح بغلس (٣). بالجزم بإضافة ذلك إلى النبي ﷺ ولم يذكر فعل الصحابة. الدليل الثاني: (ح-٥٩٢) ما رواه البخاري من طريق عوف، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير، التي تدعونها الأولى، حين تدحض الشمس … إلى أن قال: وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة (٤). الدليل الثالث: (ح-٥٩٣) روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عروة ابن الزبير، أن عائشة أخبرته، قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة،

стр. 1542

لا يعرفهن أحد من الغلس (١). ورواه الشيخان من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس (٢). وفي رواية للبخاري من طريق فليح، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يصلي الصبح بغلس، فينصرفن نساء المؤمنين لا يُعْرفن من الغلس، أو لا يعرف بعضهن بعضًا (٣). لعل الشك من فليح، والراجح لا يعرفن من الغلس كما في رواية عروة وعمرة، عن عائشة. • وأجاب الحنفية: بأن المراد بالغلس فيه (غلس المسجد)؛ لأنهم كانوا يصلون في مسجده ﵊، ولم يكن فيه مصابيح وقت الصبح، والغلس في الأبنية يستمر إلى وقت الإسفار جدًّا، يقال: هذا بيت غلس بالنهار، فما ظنك قبل طلوع الشمس، ولا شك أن المرأة إذا تلفعت بمروطها لا تعرف في النهار، فما ظنك قبل طلوع الشمس وعدم معرفتهن وبقاء الغلس في المسجد لا يدل على أنه ﵊ صلاها في أول الوقت (٤). • ورد هذا الجواب: (ح-٥٩٤) بما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا نهيك بن يريم الأوزاعي قال: حدثنا مغيث بن سمي، قال:

стр. 1543

صليت مع عبد الله بن الزبير، الصبح بغلس، فلما سلم، أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا، كانت مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلما طُعِنَ عمرُ، أسفر بها عثمان (١). [انفرد به ابن ماجه، وهو حديث صحيح] (٢). فبين ابن عمر أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بغلس، وأن عثمان أول من أسفر بها، وكلهم كان يصلي بالمسجد، فلو كان التغليس هو تغليس المسجد، وأن فعلهم بالنسبة للوقت هو الإسفار لم يكن هناك فرق بينهم، والله أعلم.

стр. 1544

الدليل الرابع: (ح-٥٩٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، حدثنا قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت ﵁، قال: تسحرنا مع النبي ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (١). الدليل الخامس: (ح-٥٩٦) ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق حماد بن زيد، قال: حدثنا أنس ابن سيرين، قال: قلت لابن عمر: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة أطيل فيهما القراءة، فقال: كان النبي ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وكأن الأذان بأذنيه (٢). وجه الاستدلال: أي أنه يسرع بسنة الفجر إسراع من يسمع الإقامة ويريد أن يدركها. الدليل السادس: (ح-٥٩٧) ما رواه النسائي من طريق حاتم بن إسماعيل قال: حدثنا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، أن جابر بن عبد الله ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح حين تبين له الصبح (٣). [صحيح] (٤). • ويناقش: بأن هذا كان في مزدلفة، وكان التبكير بها متفقًا عليه حتى قال الراوي: إنه

стр. 1545

صلاها في غير وقتها. • ويجاب: هذا الاعتراض صحيح لو كان هذا الحديث هو عمدة الباب، أما وقد ورد أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما في استحباب التبكير بالصبح فلا مجال لهذا الاعتراض. الدليل السابع: (ح-٥٩٨) روى أبو داود من طريق ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب، أخبره، أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر فَأَخَّرَ العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل ﷺ قد أخبر محمدًا ﷺ بوقت الصلاة، فقال له عمر: اعلم ما تقول فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل جبريل ﷺ فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيت رسول الله ﷺ صلى الظهر حين تزول الشمس، وربما أخرها حين يشتد الحر، ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة، فينصرف الرجل من الصلاة، فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر. ورواه يزيد بن حبيب عن أسامة، وقال فيه: ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله (١). [انفرد بهذا أسامة بن زيد عن ابن شهاب، والحديث في الصحيحين وفي غيرهما وليس فيه ذكر أوقات الصلاة] (٢).

стр. 1546

الدليل الثامن: (ث-١٥٤) روى البيهقي في السنن من طريق يحيى بن أبى طالب، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن أبا موسى الأشعرى ﵁ صلى بهم الصبح بليلٍ، فأعاد بهم الصلاة ثم صلى بهم فأعاد بهم الصلاة ثلاث مرات (١). [انفرد يحيى بن أبي طالب عن عبد الوهاب بن عطاء، وفيه كلام] (٢). ودلالته على استحباب التبكير بالصبح حرص الصحابي على إيقاع الفجر في أول وقتها، ولو أخرها حتى يسفر لم يحتج إلى إعادتها ثلاث مرات، والله أعلم. الدليل التاسع: (ث-١٥٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا منصور بن حيان، قال: سمعت عمرو بن ميمون الأودي يقول: إن كنت لأصلي خلف عمر بن الخطاب الفجر، ولو أن ابني مني ثلاثة أذرع ما عرفته حتى يتكلم (٣). [صحيح] (٤).

стр. 1547

الدليل العاشر: (ث-١٥٦) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق معتمر بن سليمان قال: سمعت منصور بن المعتمر، يحدث عن إبراهيم النخعي، عن قرة بن حيان بن الحارث، قال: تسحرنا مع علي بن أبي طالب ﵁، فلما فرغ من السحور، أمر المؤذن، فأقام الصلاة (١). [صحيح من رواية منصور، عن شبيب، عن حبان] (٢).

стр. 1548

• دليل الحنفية على استحباب الإسفار: الدليل الأول: (ح-٥٩٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ ، أنه قال: أصْبِحُوا بالصبح، فإنه أعظم لأجوركم أو أعظم للأجر. [رجاله ثقات إلا ابن عجلان فإنه صدوق، وتابعه ابن إسحاق] (١).

стр. 1549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1556

الدليل الثاني: (ح-٦٠٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش قال: حدثني عمارة، عن عبد الرحمن، عن عبد الله ﵁ قال: ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة بغير ميقاتها، إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها (١). ورواه البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجنا مع عبد الله ﵁، إلى مكة، ثم قدمنا جمعًا، فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما، في هذا المكان، المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعًا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة .... (٢). وجه الاستدلال: حيث اعتبر التغليس في صلاة الفجر في مزدلفة صلاة قبل الميقات، فعلم أن العادة كانت في الفجر الإسفار. • ونوقش هذا: لا بد من النظر إلى مجموع النصوص، وليس إلى نص واحد، فنحن أمام أحاديث خاصة كلها في صلاة الصبح، وليس أحدها عامًّا في الصلوات، والآخر خاصًّا في الصبح حتى يرجح الخاص، وهي أحاديث صحيحة،

стр. 1557

فإما أن نسلك الجمع أو نسلك الترجيح: فإن كان السبيل هو الترجيح فإنه قد اجتمع في حديث التغليس عاملان حاسمان في الترجيح، وهو الكثرة، والقوة. فالكثرة حيث جاءت أحاديث التغليس من مسانيد جملة من الصحابة سقت لك في أدلة القول الأول ما وقفت عليه منها. وأما القوة فإن أكثرها مخرج في الصحيحين، وبعضها متفق عليها بين البخاري ومسلم، وما اتفق عليه الشيخان فهو الأعلى في درجة الصحة بخلاف حديث الإسفار فإنه لم يصح إلا من مسند رافع بن خديج، ولم يخرج في الصحيح، ومداره على ابن إسحاق وابن عجلان، وهما ليسا من شرط الصحيح، وفي لفظه وأسانيده اختلاف كثير. قال ابن رجب: « .... ما رواه ابن إسحاق وابن عجلان عن عاصم، وليس بالمبرزين في الحفظ» (١). وكل شواهد حديث رافع بن خديج شديدة الضعف، فلا يعتبر بها وأما الجمع بين حديث رافع وحديث التغليس - وهو المتعين إذا أمكن بلا تكلف- فإن الترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع؛ ذلك أن الجمع إعمال لكلا الدليلين، بخلاف الترجيح فإنه يؤدي إلى تعطيل أحد الدليلين. وسبيل الجمع أن نقول: أما حديث فعله ﷺ في صلاة الفجر في مزدلفة فيقصد به أنه غلس تغليسًا شديدًا يخالف التغليس المعتاد حتى قال رسول الله ﷺ : إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما، في هذا المكان، المغرب والعشاء. وأما حديث عائشة في الصحيحين، قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغلس. فظاهر الحديث أن هذا هو غالب عمله ﷺ .

стр. 1558

وحديث جابر في البخاري مرفوعًا: (كان يصلي الصبح بغلس) (١). وحديث أبي برزة الأسلمي في الصحيحين، وفيه: وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه (٢). والتعبير من الراوي ب (كان) الدالة على الاستمرار، تدل على أن هذا هو الثابت من فعله ﷺ ، ويؤيد هذا الفهم استمرار العمل عليه من أبي بكر وعمر ﵄، وأن الإسفار لم يعرف قبل عهد عثمان ﵁، بل قال ابن عبد البر: صح عن رسول الله ﷺ ، وعن أبي بكر، وعن عمر، وعن عثمان أنهم كانوا يغلسون، ومحال أن يتركوا الأفضل، ويأتوا الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل. وأما حديث رافع، فظاهره الإسفار بالفجر، ويحتمل معنيين: أحدهما: أن تؤخر صلاة الصبح إلى الإسفار بحيث يرتفع الغلس، وحمله على هذا المعنى سيعارض ما هو أقوى منه من الأحاديث القولية والفعلية. المعنى الثاني: أن المراد بالإسفار بالفجر أن يتبين الصبح لكل أحد، فالصلاة في مزدلفة كانت تقع في أول الوقت بحيث قد يلتبس على بعض الناس، وليس جميعهم، حتى قال قائلهم: هل دخل الوقت، أو لم يدخل؟ وأما صلاة الصبح في غير مزدلفة فتؤخر عن ذلك حتى يكون دخول الوقت جليًّا للجميع، لا يلتبس على أحد منهم، وهو لا يعارض التغليس بصلاة الصبح، وعليه يحمل حديث: (أسفروا بالفجر). قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «ومعنى ذلك عندنا الحض على التأخير إلى أن يتضح إسفار الفجر، فلا يرتاب في طلوعه، حتى يتفق قوله وفعله» (٣). واعترض على هذا التأويل باعتراضات منها: الاعتراض الأول: الصلاة قبل تبين الفجر لا تصح، فكيف يحمل الإسفار عليه، مع أن الحديث

стр. 1559

عبر بـ (أفعل) التفضيل حيث قال: (فإنه أعظم للأجر) ولفظ التفضيل يقتضي أن ثَمَّ أجرَيْن، أحدهما أكمل من الآخر؛ لأن صيغة أفعل تقتضي المشاركة في الأصل، مع الرجحان لأحد الطرفين. • وأجيب بجوابين: الجواب الأول: أَنَّا لم نرد حالة التباسه على جميع الناس، وإنما أردنا أن وضوح الفجر يتفاوت، فأمر المصلي بإيقاع الصلاة في الوضوح التام، والبيان الجلي الذي لا يتصور فيه وقوع التباسه على أحد من الناس، والله أعلم (١). ولهذا اختصت صلاته ﷺ في مزدلفة بأول الوقت، حتى قال الراوي: قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر، فلم يتبين الوقت لكل الناس، ومع ذلك صحت الصلاة، وهذا ما حمل الراوي أن يقول: صليت في غير ميقاتها. الجواب الثاني: أن هذا لا ينكر في لغة العرب؛ لأن الله تعالى يقول ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]. ولا خير في خلاف ذلك. وفي النداء في صلاة الفجر يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم، ولا خير في النوم عن صلاة الفريضة، فالمفاضلة قد تقع بين الخير المحض والشر المحض، قال الله تعالى: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. الاعتراض الثاني: حمل الإسفار على تبين الفجر خلاف الظاهر، فالإسفار ورد بالسنة بمعنى التنوير بالفجر. (ح-٦٠١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، أخبرنا حميد الطويل،

стр. 1560

عن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ عن وقت صلاة الصبح، قال: فأمر بلالًا حين طلع الفجر، فأقام الصلاة، ثم أسفر من الغد حتى أسفر، ثم قال: أين السائل عن وقت صلاة الغداة؟ ما بين هاتين - أو قال: هذين- وقت (١). فواضح أن كلمة حتى أسفر: أي حتى دخل في الإسفار، وهو التنوير. [صحيح] (٢). وفي حديث بريدة في مسلم: (ثم أمره الغد، فنور بالصبح) (٣). الاعتراض الثالث: أنه قد ورد في بعض ألفاظ الحديث ما يدفع هذا التأويل: (ح-٦٠٢) فقد روى ابن حبان من طريق أبي خيثمة، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ قال: أصبحوا بالصبح، فإنكم كلما أصبحتم بالصبح كان أعظم لأجوركم أو لأجرها. [رجاله ثقات، ولعل المحفوظ من الحديث ما اتفق عليه ابن إسحاق وابن

стр. 1561

عجلان في لفظه، دون ما اختلف على ابن عجلان فيه، ومنه هذا الزيادة] (١).

стр. 1562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1564

الاعتراض الرابع: أن حديث (أسفروا بالفجر) سنة قولية، وهذه الأحاديث سنة فعلية، والسنة القولية مقدمة على السنة الفعلية؛ لأنه يحتمل أنه ﵊ فعل ذلك في بعض الأوقات لبيان الجواز. • ويرد على هذا: بأن الفعل إذا كان لبيان الجواز يفعل مرة أو مرتين أما أن يداوم النبي ﷺ على التغليس إلى أن يفارق الدنيا كما يفيده التعبير ب (كان) الدالة على الاستمرار والدوام، كما في حديث (والصبح كان يصليها بغلس)، وكيف يستمر على التغليس الذي هو أشق، ويترك الإسفار الذي هو أخف، مع كون الإسفار أعظم أجرًا. هذا بعيد جدًّا، وقد قالت عائشة ﵂: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فلما ترك الإسفار من فعله ﷺ دل على أن القول بالإسفار له تأويل آخر، وهو أن يسفر بالفجر بحيث يتحقق دخوله لكل أحد، وقد كان لحرصه ﷺ على التغليس في صلاة الصبح أن شرع للصبح خاصة دون غيرها أذانين: أحدهما: قبل الوقت من أجل أن يستعد الناس للصلاة، فتقع صلاتهم في أول الوقت، ولو كانت الصلاة تؤخر إلى الإسفار لم يكن ثَمَّتْ حاجةٌ إلى الأذان قبل الوقت، فإنه إذا أذن في الوقت أمكن الناس أن يقوموا من النوم، ويستعدوا للصلاة ويجتمعوا عليها قبل الإسفار.

стр. 1565

الاعتراض الخامس: زعم الطحاوي أن الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وهذا ضعيف جدًّا، فالنسخ لا يصار إليه إلا بشروط منها: أن يتعذر الجمع، وأن يعلم التاريخ، فيتبع المتأخر، والطحاوي رحمه يكثر من القول بالنسخ عند أدنى تعارض، ولو قيل بنسخ الإسفار لكان أولى من اختيار الطحاوي؛ لأن حديث التغليس داوم عليه النبي ﷺ إلى أن فارق الدنيا، وعمل به أبو بكر وعمر، وكان أول من أسفر بها عثمان ﵁ كما قال ابن عمر، وكلها جائزة، وإن كان التغليس أفضل. الاعتراض السادس: أحاديث التغليس ليس فيها دليل على أنها الأفضل، بخلاف حديث الإسفار فقد نص على أنه أعظم للأجر. • ويجاب عنه: بأن مداومة النبي ﷺ على التغليس وكذلك أبو بكر وعمر دليل على أنه الأفضل، وهل يداوم النبي ﷺ على المفضول؟! الدليل الثالث: (ح-٦٠٣) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا أبو حاتم. والمقدسي في الأحاديث المختارة من طريق أبي الربيع، كلاهما عن معتمر بن سليمان، قال: حدثني رجل يقال له: بيان (وعند المقدسي: الرقاشي) قال: قلت لأنس: حدثني عن وقت رسول الله ﷺ في الصلاة، قال: كان يصلي الظهر عند دلوك الشمس، ويصلي العصر بين صلاتيكم الأولى والعصر، وكان يصلي المغرب عند غروب الشمس، ويصلي العشاء عند غروب الشفق، ويصلي الغداة عند الفجر حين يفتتح البصر، كل ما بين ذلك وقت، أو قال: صلاة (١). هذا لفظ أبي يعلى، وقال المقدسي: ويصلي الغداة عند الفجر إلى أن ينفسح البصر. وهكذا رواه شعبة، عن أبي صدقة، عن أنس، ولعل قوله: (يفتتح البصر) تصحيف. [ضعيف] (٢).

стр. 1566

وجه الاستدلال: قوله: (حين يفتتح البصر) دليل على ذهاب الغلس، وشدة الإسفار. • وأجيب بجوابين: الجواب الأول: أن الحديث ضعيف. الجواب الثاني: لو صح الحديث فإنه لا دلالة فيه على الإسفار، فهو يقصد بقوله: (ما بين ذلك وقت) يقصد به أن وقت الصبح من طلوع الفجر إلى أن ينفتح البصر، فقد رواه شعبة، عن أبي صدقة مولى أنس، عن أنس .... وفيه: والصبح إذا طلع الفجر إلى أن ينفسح البصر (١). الدليل الرابع: (ث-١٥٧) ما رواه الطحاوي، حدثنا أبو بشر الرقي، حدثنا شجاع بن الوليد، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، قال: كان علي بن أبي طالب ﵁ يصلي بنا الفجر، ونحن نتراءى الشمس مخافة أن تكون قد طلعت (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 1567

الدليل الخامس: (ث-١٥٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، قال: ما أجمع أصحاب محمد على شيء ما أجمعوا على التنوير بالفجر (١). [صحيح إلى إبراهيم] (٢). فإن قيل: إن إبراهيم لم يسمع من صحابي، وإنما روايته عن التابعين. •فالجواب: أن نقل الإجماع لا يحتاج إلى اتصال سند، فقد ينقل الإجماع عن الصحابة رجل معاصر، بناء على استقراء للأقوال في المسألة، لكن هل يمكن أن يكون إجماع من الصحابة على مثل هذه المسألة، والخلاف بينهم محفوظ، وأكثرهم على التغليس، فلا يصح متنًا، وإن صح سنده إلى إبراهيم، والله أعلم. • دليل من قال: يراعي حال المأمومين: الدليل الأول: (ح-٦٠٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق غندر (محمد بن جعفر) حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، وفيه: والعشاء أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا رآهم

стр. 1568

أبطؤوا أَخَّرَ .... (١). وجه الاستدلال: فإذا كان يراعي المأمومين في صلاة العشاء، فغيرها من الأوقات قياس عليها، فإذا ترك الوقت الأفضل لصلاة العشاء، وهو تأخيرها إلى الثلث الأول مراعاة للناس، ترك التغليس وإن كان أفضل مراعاةً للناس. • ويجاب: بأن الرجوع إلى القياس لو لم يكن هناك سنة محفوظة في الفجر، فإذا ثبت أن النبي ﷺ كان يصليها بغلس، وكان يداوم على ذلك حتى إنه شرع لصلاة الصبح دون غيرها أذانًا قبل الوقت؛ ليستعدوا للصلاة حتى إذا انتبه النائم، ورجع القائم، بادروا بالصلاة في أول وقتها، فإذا ثبت ذلك لم يصح أن يستدل بالقياس، ويكفي من أراد أن يسفر بالفجر أن يحتج بالجواز، وهو مجمع عليه، فإن وقت الصلاة واجب موسع، لكن لا يقال: إن مراعاة المأمومين سنة في الفجر، ويتقصد ذلك كما يفعل في العشاء، والله أعلم. الدليل الثاني: (ث-١٥٩) ما رواه أبو نعيم، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن خرشة بن الحر، قال: كان عمر ﵁ يغلس بالفجر وينور. [صحيح] (٢).

стр. 1569

(ث-١٦٠) وروى الطحاوي من طريق سيف بن هارون البرجمي، عن عبد الملك بن سلع الهمداني، عن عبد خير قال: كان علي ﵁ ينور بالفجر أحيانًا، ويغلس بها أحيانًا (١). [ضعيف] (٢). • وأجيب: قال ابن رجب: «فعل هؤلاء يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون ذلك على حسب مراعاة حال المأمومين في تقديمهم وتأخيرهم، وقد روي هذا صريحًا عن عمر. والثاني: أن يكون التقديم والتأخير عندهم سواءً في الفضل. قال ابن عبد البر: ذهب طائفة إلى أن أول الوقت وآخره سواء في الفضل؛ لقوله: (ما بين هذين وقت)، قال: ومال إلى ذلك بعض أصحاب مالك، وذهب إليه أهل الظاهر، وخالفهم جمهور العلماء، هذا مع أنه حكي عن داود أن التغليس بالفجر أفضل، وحكي الاتفاق من المسلمين على أن التعجيل بالمغرب أفضل، من يقول: لها وقت، ومن يقول: إن وقتها متسع إلى العشاء» (٣). وفيه احتمال ثالث، وهو الأقوى أن التنوير لبيان الجواز، ذلك أن التنوير والتغليس كليهما في الوقت بالاتفاق، والتغليس أفضل، وليس بواجب، وإذا لم يكن التغليس واجبًا لم يستنكر الإسفار إذا وقع، وليس وقوعه دليلًا على أفضليته. • دليل من قال: يبدأ بالتغليس وينصرف من الصلاة بالإسفار. الدليل الأول: (ث-١٦١) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا ابن عيينة، عن الزهري،

стр. 1570

عن أنس أن أبا بكر قرأ في صلاة الصبح بالبقرة، فقال له عمر حين فرغ: كربت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: واضح أن أبا بكر دخل فيها بالتغليس وانصرف منها وقد كادت الشمس أن تطلع. الدليل الثاني: (ث-١٦٢) ما رواه الطحاوي قال: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، قال: صلى بنا عمر ﵁ صلاة الصبح، فقرأ (بني إسرائيل والكهف) حتى جعلت أنظر إلى جدر المسجد، هل طلعت الشمس؟ (٣). [صحيح] (٤).

стр. 1571

الدليل الثالث: (ث-١٦٣) روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح، فقرأ فيها بسورة يوسف، وسورة الحج قراءة بطيئة، فقلت: والله إذًا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر، قال: أجل (١). [صحيح إلا أن ذكر عروة وهم، والصحيح أن هشامًا سمعه من عبد الله بن عامر] (٢).

стр. 1572

قال الطحاوي: وفي حديث عبد الله بن عامر أن قراءته تلك كان قراءة بطيئة لم نَرَ والله أعلم أن يكون دخوله فيها كان إلا بغلس، ولا خروجه كان منها إلا وقد أسفر إسفارًا شديدًا ..... ثم قال: فهذا أبو بكر الصديق ﵁ قد دخل فيها في وقت غير الإسفار، ثم مد القراءة فيها حتى خيف عليه طلوع الشمس، وهذا بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ وبقرب عهدهم من رسول الله ﷺ وبفعله، لا ينكر ذلك عليه منهم منكر، فذلك دليل على متابعتهم له، ثم فعل ذلك عمر ﵁ من بعده، فلم ينكره عليه من حضره منهم، فثبت بذلك أن هكذا يفعل في صلاة الفجر، وأن ما علموا من فعل رسول الله ﷺ غير مخالف لذلك (١). • ويناقش: أن هذا الفعل ربما كان يفعل أحيانًا، وليس هو الغالب من فعل الصحابة ﵃، (ث-١٦٤) فقد أخرج الإمام أحمد في العلل حدثنا سفيان بن عيينة، قال: أخبرنيه منصور بن حَيَّان بن أبي الهياج، عن عمرو بن ميمون قال: كنت أصلي مع عمر الصبح فإذا انصرفنا نظرت

стр. 1573

إلى وجه صاحبي فلا أعرفه (١). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا منصور بن حيان به، بلفظ: إن كنت لأصلي خلف عمر بن الخطاب الفجر، ولو أن ابني مني ثلاثة أذرع ما عرفته حتى يتكلم (٢). [صحيح] (٣). والتعبير بقول: (كنت أصلي مع عمر بن الخطاب) يشعر بأنه هو الغالب من فعل عمر ﵁، ولو فرض أن فعل عمر من البداءة بالتغليس والانصراف منها بالإسفار كان على سبيل الدوام فإنه لن يكون مقدمًا على صريح السنة من فعل النبي ﷺ ، كقول عائشة: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغلس (٤). وحديث أبي برزة الأسلمي، قال: كان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة (٥). • الراجح: أن الدخول في الصبح والانصراف منها قبل أن يسفر هذا هو المحفوظ من سنة الرسول ﷺ ، ولو أنه خالف ذلك أحيانًا فدخل في الصبح وقت الغلس، وأطال القراءة إلى الإسفار، فهذا من السنة أيضًا، كالقول في القراءة في صلاة المغرب فإن الأصل فيها أنها من قصار المفصل، ولو قرأ أحيانًا من طوال المفصل كان ذلك من السنة أيضًا، والله أعلم.

стр. 1574

الفرع الثالث في تقسيم وقت الصبح إلى اختيار وضرورة المدخل إلى المسألة: • لا يلزم من إثبات وقت الاختيار للصلوات إثبات وقت الاضطرار. • تقسيم وقت الأداء للصلوات: إلى عام لكل المصلين، وآخر خاص ببعضهم خلاف الأصل. • الإجماع منعقد على أن ما خرج وقته من الصلوات قبل زوال العذر لا يلزم أرباب الأعذار (١). • الأصل أن ما كان دركًا لأرباب الأعذار فهو درك لغيرهم. • القول باجتماع الأداء والإثم في وقت الاضطرار مخالف للنص والأصل. • الأداء: إيقاع العبادة في وقتها مطلقًا، ويقابله القضاء، وهو إيقاع العبادة خارج وقتها. • انفرد المالكية بتقسيم كل الصلوات إلى وقت اختيار واضطرار، وهناك من نفاه كالشافعية، وهناك من أثبت الاضطرار لبعض الصلوات كالحنفية والحنابلة، وهذا الاختلاف يشي بأنه لا نصوص كاشفة أو دافعة. [م-٢١٢] اختلف الفقهاء في تقسم الفجر إلى اختيار واضطرار: فقيل: الفجر ليس له وقت ضرورة. وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن مالك، اختارها القاضي عبد الوهاب، والمازري، وابن حبيب، وقدمها ابن رشد الجد والحفيد، وابن الحاجب، وابن العربي، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).

стр. 1575

وقال مالك: وقت الاختيار إلى الإسفار الأعلى، وما بعده وقت ضرورة وإدراكٍ إلى طلوع الشمس. وهذا مذهب المدونة، وقدمه خليل في مختصره، وقال ابن عبد السلام: وهو المشهور، واختاره من الحنابلة القاضي أبو يعلى وابن عقيل وابن قدامة، وفرع بعض الحنابلة على قولهم كراهة تأخير الفجر بعد الإسفار بلا عذر، وأكثر الحنابلة على عدم الكراهة (١). وقال الشافعية: الصبح له أربعة أوقات، فضيلة: وهو أوله، واختيار إلى الإسفار، وجواز بلا كراهة إلى الحمرة، وكراهة بعد الحمرة إلى طلوع الشمس. وقال الإصطخري من الشافعية: يخرج الوقت بالنسبة لأهل الإرفاه بخروج وقت الاختيار، وتكون قضاء بعده في حقهم، وما بقي إلى طلوع الشمس وقت لأهل الأعذار (٢). وقد ذكرت مسألة تقسيم وقت الصلاة إلى اختيار واضطرار في مسألة مستقلة، ومنه وقت الفجر، وذكرت أدلتهم مع مناقشتها، فارجع إليه إن شئت.

стр. 1576

الفرع الرابع في تسمية الفجر بصلاة الغداة المدخل إلى المسألة: • الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي. • قد يثبت للصلاة الواحدة أكثر من اسم، كإطلاق الصبح، والفجر، والغداة على صلاة الفجر. • كل اسم ليس فيه محذور شرعي، ولم يرد نهي عنه بخصوصه، وكان هناك مناسبة بين الاسم والمسمى فالأصل جواز إطلاق الاسم على مسماه، كإطلاق الأولى والهاجرة على الظهر. [م-٢١٣] لا يكره تسمية الفجر بصلاة الغداة، وهو قول الجمهور (١). وقال الشافعي: لا أحب أن تسمى صلاة الغداة، فقال المحققون من أصحابه: لا يستحب تسميتها بذلك، وقال بعض أصحابه: يكره تسميتها بذلك، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). • حجة الجمهور على عدم الكراهة: الدليل الأول: الأدلة الكثيرة على إطلاق الغداة على صلاة الصبح في السنة بلا نكير، من ذلك: (ح-٦٠٥) حديث أبي برزة الأسلمي، قال: كان ينفتل من صلاة الغداة حين

стр. 1577

يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة (١). (ح-٦٠٦) وحديث ابن عمر في الصحيحين: كان النبي ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وكأن الأذان بأذنيه (٢). (ح-٦٠٧) وحديث أبي مسعود الأنصاري في الصحيحين، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها، قال: فما رأيت النبيَّ ﷺ قَطُّ أشدَّ غضبًا في موعظةٍ منه يومئذٍ … الحديث (٣). دلت هذه الأحاديث على عدم كراهة تسمية صلاة الفجر بصلاة الغداة. قال النووي: «وقد كثر ذلك من استعمال الصحابة في الصحيحين وغيرهما» (٤). الدليل الثاني: الإجماع على الجواز، قال النووي: «جواز تسمية الصبح غداة وهذا لا خلاف فيه» (٥). • حجة من قال: يكره: أن الله سماها فجرًا في كتابه، قال تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾، ويقصد به الصلاة. وسماها النبي ﷺ بالصبح، قال كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح. ونقل النووي عن الشافعي أنه قال: «أحب أن لا تسمى إلا بأحد هذين الاسمين ولا أحب أن تسمى الغداة، هذا نص الشافعي» (٦). وقد فهم بعض أصحاب الشافعي من هذا النص كراهية تسمية الفجر بصلاة الغداة. وانتقد النووي هذا الفهم، وقال: «المحققون من أصحابنا قالوا: يستحب

стр. 1578

تسميتها صبحًا وفجرًا، ولا يستحب تسميتها غداة، ولم يقولوا: تكره تسميتها غداة، وقول المصنف وشيخه القاضي أبي الطيب يكره أن تسمى غداة غريب ضعيف لا دليل له، وما ذكره لا يدل على الكراهة؛ فإن المكروه ما ثبت فيه نهي غير جازم، ولم يرد في الغداة نهي، بل اشتهر استعمال لفظ الغداة فيها في الحديث وفي كلام الصحابة ﵃ من غير معارض، فالصواب أنه لا يكره لكن الأفضل الفجر والصبح والله أعلم» (١). وهذا الكلام جيد في نفي الكراهة، وأما نفي الاستحباب عن تسميتها بالغداة، ففيه نظر، فإن هذه الألفاظ (الصبح والفجر والغداة) كلها وردت في النصوص الشرعية، فالتفريق بينها لا دليل عليه، ولا تفضيل لبعضها على بعض، والله أعلم.

стр. 1579

الفرع الخامس في فساد الفجر إذا طلعت عليه الشمس وهو يصلي المدخل إلى المسألة: • قال ﷺ : إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (١)، وهذا نص في موضع النزاع. • النهي عن الصلاة في أوقات النهي لا يشمل الفرائض. • إذا تعارض دليل موجب ملزم، وآخر مانع حاضر، قدم الموجب الملزم على المانع الحاضر؛ لأن فيه احتياطًا للعبادة وإبراء الذمة، بخلاف إذا اجتمع حاضر ومبيح فيقدم الحاضر. • العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات؛ لأن المحفوظ دلالته على العموم أقوى. • النهي عن الصلاة في أوقات النهي خص منه ركعتا الطواف، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وقضاء الراتبة، وإذا حضر من صلى في مسجد جماعة، فأقيمت الصلاة أعادها على الصحيح لأدلة خاصة، فأضعفت عمومه. • حديث (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة)، وفي رواية: (فليتم صلاته)، خاص في الصبح، والخاص مقدم على العام. [م-٢١٤] اختلف الفقهاء في حكم صلاة من طلعت عليه الشمس، وهو يصلي الفجر: فقيل: لا تبطل الصلاة بخروج وقتها وهو فيها، من غير فرق بين الفجر والعصر وغيرهما، حتى ولو كان التأخير عمدًا، وهو مذهب الجمهور (٢).

стр. 1580

وقال الحنفية: إذا غربت الشمس وهو في صلاة العصر يتم صلاته بشرط أن يكون عصر يومه (١). واختلف الحنفية في الفجر، تطلع الشمس، وهو في الصلاة. فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تفسد، وتنقلب نفلًا، بشرط أن يمكث حتى ترتفع الشمس (٢). وقال محمد بن الحسن: تفسد، ولا تنقلب نفلًا (٣). وقيل: تصح صلاته بشرط أن يمكث حتى ترتفع الشمس، فإذا ارتفعت أتم فريضته، ونسبه بعض الحنفية لأبي يوسف (٤). • دليل الحنفية على بطلان صلاة الفجر إذا طلعت الشمس: الدليل الأول: استدل الحنفية بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وإطلاقها يشمل الفرض والنفل، من ذلك: (ح-٦٠٨) ما رواه مسلم من طريق موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: «حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب (٥). (ح-٦٠٩) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن
следующие страницы →