← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الفرع الرابع في تسمية الفجر بصلاة الغداة المدخل إلى المسألة: • الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي. • قد يثبت للصلاة الواحدة أكثر من اسم، كإطلاق الصبح، والفجر، والغداة على صلاة الفجر. • كل اسم ليس فيه محذور شرعي، ولم يرد نهي عنه بخصوصه، وكان هناك مناسبة بين الاسم والمسمى فالأصل جواز إطلاق الاسم على مسماه، كإطلاق الأولى والهاجرة على الظهر. [م-٢١٣] لا يكره تسمية الفجر بصلاة الغداة، وهو قول الجمهور (١). وقال الشافعي: لا أحب أن تسمى صلاة الغداة، فقال المحققون من أصحابه: لا يستحب تسميتها بذلك، وقال بعض أصحابه: يكره تسميتها بذلك، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). • حجة الجمهور على عدم الكراهة: الدليل الأول: الأدلة الكثيرة على إطلاق الغداة على صلاة الصبح في السنة بلا نكير، من ذلك: (ح-٦٠٥) حديث أبي برزة الأسلمي، قال: كان ينفتل من صلاة الغداة حين

стр. 1577

يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة (١). (ح-٦٠٦) وحديث ابن عمر في الصحيحين: كان النبي ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وكأن الأذان بأذنيه (٢). (ح-٦٠٧) وحديث أبي مسعود الأنصاري في الصحيحين، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها، قال: فما رأيت النبيَّ ﷺ قَطُّ أشدَّ غضبًا في موعظةٍ منه يومئذٍ … الحديث (٣). دلت هذه الأحاديث على عدم كراهة تسمية صلاة الفجر بصلاة الغداة. قال النووي: «وقد كثر ذلك من استعمال الصحابة في الصحيحين وغيرهما» (٤). الدليل الثاني: الإجماع على الجواز، قال النووي: «جواز تسمية الصبح غداة وهذا لا خلاف فيه» (٥). • حجة من قال: يكره: أن الله سماها فجرًا في كتابه، قال تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾، ويقصد به الصلاة. وسماها النبي ﷺ بالصبح، قال كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح. ونقل النووي عن الشافعي أنه قال: «أحب أن لا تسمى إلا بأحد هذين الاسمين ولا أحب أن تسمى الغداة، هذا نص الشافعي» (٦). وقد فهم بعض أصحاب الشافعي من هذا النص كراهية تسمية الفجر بصلاة الغداة. وانتقد النووي هذا الفهم، وقال: «المحققون من أصحابنا قالوا: يستحب

стр. 1578

تسميتها صبحًا وفجرًا، ولا يستحب تسميتها غداة، ولم يقولوا: تكره تسميتها غداة، وقول المصنف وشيخه القاضي أبي الطيب يكره أن تسمى غداة غريب ضعيف لا دليل له، وما ذكره لا يدل على الكراهة؛ فإن المكروه ما ثبت فيه نهي غير جازم، ولم يرد في الغداة نهي، بل اشتهر استعمال لفظ الغداة فيها في الحديث وفي كلام الصحابة ﵃ من غير معارض، فالصواب أنه لا يكره لكن الأفضل الفجر والصبح والله أعلم» (١). وهذا الكلام جيد في نفي الكراهة، وأما نفي الاستحباب عن تسميتها بالغداة، ففيه نظر، فإن هذه الألفاظ (الصبح والفجر والغداة) كلها وردت في النصوص الشرعية، فالتفريق بينها لا دليل عليه، ولا تفضيل لبعضها على بعض، والله أعلم.

стр. 1579

الفرع الخامس في فساد الفجر إذا طلعت عليه الشمس وهو يصلي المدخل إلى المسألة: • قال ﷺ : إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (١)، وهذا نص في موضع النزاع. • النهي عن الصلاة في أوقات النهي لا يشمل الفرائض. • إذا تعارض دليل موجب ملزم، وآخر مانع حاضر، قدم الموجب الملزم على المانع الحاضر؛ لأن فيه احتياطًا للعبادة وإبراء الذمة، بخلاف إذا اجتمع حاضر ومبيح فيقدم الحاضر. • العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات؛ لأن المحفوظ دلالته على العموم أقوى. • النهي عن الصلاة في أوقات النهي خص منه ركعتا الطواف، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وقضاء الراتبة، وإذا حضر من صلى في مسجد جماعة، فأقيمت الصلاة أعادها على الصحيح لأدلة خاصة، فأضعفت عمومه. • حديث (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة)، وفي رواية: (فليتم صلاته)، خاص في الصبح، والخاص مقدم على العام. [م-٢١٤] اختلف الفقهاء في حكم صلاة من طلعت عليه الشمس، وهو يصلي الفجر: فقيل: لا تبطل الصلاة بخروج وقتها وهو فيها، من غير فرق بين الفجر والعصر وغيرهما، حتى ولو كان التأخير عمدًا، وهو مذهب الجمهور (٢).

стр. 1580

وقال الحنفية: إذا غربت الشمس وهو في صلاة العصر يتم صلاته بشرط أن يكون عصر يومه (١). واختلف الحنفية في الفجر، تطلع الشمس، وهو في الصلاة. فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تفسد، وتنقلب نفلًا، بشرط أن يمكث حتى ترتفع الشمس (٢). وقال محمد بن الحسن: تفسد، ولا تنقلب نفلًا (٣). وقيل: تصح صلاته بشرط أن يمكث حتى ترتفع الشمس، فإذا ارتفعت أتم فريضته، ونسبه بعض الحنفية لأبي يوسف (٤). • دليل الحنفية على بطلان صلاة الفجر إذا طلعت الشمس: الدليل الأول: استدل الحنفية بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وإطلاقها يشمل الفرض والنفل، من ذلك: (ح-٦٠٨) ما رواه مسلم من طريق موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: «حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب (٥). (ح-٦٠٩) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن

стр. 1581

عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: إن الشمس تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، قال: فكنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها. [حسن] (١). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات مطلق، يشمل الفرض والنفل، فلا تصح الصلاة عند طلوع الشمس أداء أو قضاء، ولا تصح العصر قضاء عند غروبها. • ونوقش هذا الاستدلال: أن عموم النهي عن الصلوات في حديث عقبة وابن مسعود مخصوص بحديث (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها) فالفرائض قد خصت من هذا النهي، لأن الفرائض مطلوب أن يصليها في أي وقت، ولا نهي عنها. • وناقش الحنفية هذا الاستدلال: أن بين هذين الحديثين عموم وخصوص من وجه: فحديث: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها) هذا الحديث خاص بالصلوات

стр. 1582

المفروضة، عام في الأوقات لقوله: (إذا ذكرها). وحديث عقبة: النهي عن الصلوات مطلق، فيشمل الفرض والنفل، خاص في الأوقات المنهي عنها حيث قيدها بثلاث ساعات. فكان كل واحدٍ منهما عامًّا من وجهٍ، وخاصًّا من وجهٍ آخر، والخاص مقدم على العام هذا لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصَّيْنِ يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟ فالحنفية: أخذوا بالخاص في حديث عقبة بن عامر، (الأوقات المنهي عنها)، وخصصوا به عموم الوقت في حديث (فليصلها إذا ذكرها)، وبهذا استثنوا صلاة الفجر في وقت النهي، فأفسدوا الفريضة إذا طلعت الشمس. فإذا أوجبتم تخصيص عموم الصلوات في حديث عقبة بن عامر بحديث (من نسي صلاة .. ) وجب أيضًا تخصيص عموم الأوقات في حديث (فليصلها إذا ذكرها) بحديث عقبة بن عامر، لأن تخصيص أحدهما بالآخر ليس بأولى من العكس. بل إن تخصيص الوقت في حديث (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها) أولى، من تخصيص عموم الصلوات في حديث عقبة. • وسبب الترجيح نص وتعليل: (ح-٦١٠) أما النص: فَلِمَا رواه مسلم من طريق يزيد بن كيسان، حدثنا أبو حازم، عن أبي هريرة، قال: عرسنا مع نبي الله ﷺ ، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : ليأخذ كل رجلٍ برأس راحلته، فإن هذا منزل حَضَرَنَا فيه الشيطان، قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، وقال يعقوب: ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغداة (١). (ح-٦١١) وقد روى مسلم قصة نومه من مسند عمران بن حصين، وفيه: (استيقظ رسول الله ﷺ فلما رفع رأسه، ورأى الشمس قد بزغت، قال: ارتحلوا، فسار بنا حتى إذا ابْيَضَّت الشمس نزل فصلى بنا الغداة) (٢).

стр. 1583

فحمل الحنفية الارتحال من أجل أن ترتفع الشمس؛ فدل على أن قضاء الفائتة لا يجوز في وقت النهي، فاتفق هذا الحديث الخاص في قضاء صلاة الفجر، مع النهي العام في حديث عقبة على النهي عن وقوع الصلاة في أوقات النهي من غير فرق بين فرض ونافلة، وإذا كان ما يقع من الصلاة بعد طلوع الشمس يكون قضاء لوقوعه خارج الوقت، فالفوائت لا تقضى في أوقات النهي (١). وأما التعليل: فلأن حديث (من نسي صلاة … ) يبيح فعل الصلاة المفروضة في كل وقت، وحديث عقبة يحرم فعل الصلاة مطلقًا في أوقات النهي، ومن طرق الترجيح التي عليها أكثر أهل الأصول: ترجيح ما يفيد المنع على ما يفيد الإباحة، حتى صاغ بعض الفقهاء القاعدة التي تقول: إذا اجتمع الحلال والحرام غَلِّبَ جانبُ الحرامِ. • ونوقش هذا من أكثر من وجه: الوجه الأول: لا نسلم أن الارتحال كان بسبب وقت النهي، لأن النبي ﷺ لم يستيقظ هو وأصحابه إلا حين أصابهم حر الشمس، ولا يوقظهم حرها إلا وقد ارتفعت الشمس، وزال وقت الكراهة، ولأن تعليل الارتحال لقيام النهي عن الصلاة في هذا الوقت إغفال للتعليل المنصوص عليه في الحديث، من قوله ﷺ : (فإن هذا منزل حَضَرَنَا فيه الشيطان) إلى تعليل لم يعلل به النبي ﷺ أمره بالارتحال، وما نُصَّ على تعليله لا سبيل إلى تلمس علته بالاجتهاد، فإنه لا اجتهاد مع النص. الوجه الثاني: أن التعارض ليس بين مبيح ومانع، فيقدم المانع، وإنما التعارض بين أمرين: أحدهما موجب ملزم، والآخر مانع حاضر، فيقدم الموجب الملزم على المانع الحاضر؛ لأن فيه احتياطًا للعبادة إبراءً الذمة، ولذلك إذا دخل العشر، ونوى الرجل أن يضحي أمسك عن الأخذ من شعره، فإذا أحرم بنسك، ووجب الأخذ من شعره

стр. 1584

قدمه على النهي، ولم يمنعه ذلك كونه ممنوعًا من الأخذ بسبب الأضحية. الوجه الثالث: لو عكس الحنفية، فقالوا: تجوز صلاة الصبح إذا طلعت عليه الشمس، وهو يصلي الفريضة، بخلاف العصر لكان أولى؛ لأن الابتداء بالعصر يكون في وقت النهي حين تتضيف الشمس للغروب، والابتداء بالصبح ليس في وقت النهي، فما كان مؤثرًا في التمادي كان أولى أن يؤثر في الابتداء، وقد يؤثر النهي في الابتداء، ولا يؤثر في التمادي (١). الوجه الرابع: أن حديث النهي عن الصلوات في أوقات النهي لم تفرق بين العصر والفجر، فإذا كان من يدرك ركعة من عصر يومه قبل غروب الشمس عليه أن يتم صلاته ولو غربت عليه الشمس، فكذلك من يدرك ركعة قبل طلوع الشمس عليه أن يتم صلاته، ولو طلعت عليه الشمس، وأنتم أبطلتم الفجر مطلقًا أداء كانت أو قضاء إذا طلعت عليه الشمس، وهو يصلي، وفرقتم في العصر بين الأداء والقضاء، فقلتم: إذا غربت عليه الشمس، وهو يصلي عصر يومه لم تفسد صلاته بخلاف عصر أمسه فتفسد، وهذا تخصيص للحديث وتقييد له بلا مُخصِّصٍ أو مُقِّيدٍ، ولو صح التقييد أو التخصيص، فإن العام إذا خصص ضعفت دلالته على العموم، فيقدم عليه العام الذي لم يدخله تخصيص. • وأجاب الحنفية: بأن هناك فرقًا بين طلوع الشمس في الفجر، وبين غروبها في العصر: فالشمس إذا طلعت في الفجر يبقى وقت النهي عن الصلاة قائمًا حتى ترتفع الشمس، وما وقع من الصلاة بعد طلوع الشمس يعتبر قضاء عندنا، ولا يصح القضاء في وقت النهي. بخلاف العصر فإنها بمجرد غروب الشمس ينقضي وقت النهي عن الصلاة، فلا يعتبر من القضاء في وقت النهي. وأما التفريق بين عصر يومه وعصر أمسه فيرجع إلى الأصل نفسه وهو أن

стр. 1585

الصلاة لا تقضى في وقت النهي. فالصلاة قبل الغروب إذا كانت أداء يكون مخاطبًا بالدخول بها لبقاء الوقت؛ لأن الوقت الذي هو سبب وجوب الصلاة ما زال قائمًا، لحديث: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، وما وقع بعد غروب الشمس وإن كان قضاء فلم يصادف وقت النهي حتى تبطل كالفجر وأما عصر أمسه فلا يصح دخوله في الصلاة قبل الغروب؛ لوقوع القضاء في وقت النهي، فليست أداء حتى يغتفر دخوله فيها، والقضاء في وقت النهي لا يصح عندنا. فصار مذهب الحنفية يرجع إلى مسألتين هما محلا نزاع: المسألة الأولى: أن ما يقع من الصلاة بعد طلوع الشمس يكون قضاء؛ لوقوعه خارج الوقت. والمسألة الثانية: أن الفوائت لا تقضى في أوقات النهي (١).

стр. 1586

• ويجاب عنهم بجوابين: الجواب الأول: أن القول بأن ما يقع بعد طلوع الشمس يكون قضاء مخالف للحديث لقوله ﷺ : (فقد أدركها) يعني أدرك وقتها، ولو كانت فائتة لم يكن إدراك ركعة إدراكًا لها، والشارع جعل الركعة دركًا للوقت وللجمعة، وللجماعة على الصحيح. وأما قولهم: الفوائت لا تقضى في وقت النهي، فهذا استدلال في محل النزاع. الجواب الثاني: (ح-٦١٢) أن البخاري روى من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (١). وهذا نص في موضع النزاع، فيجب المصير إليه، فأمر بإتمام الصلاة، لا فرق في ذلك بين الفجر والعصر، ولا بين القضاء والأداء. وروى ابن حبان من طريق زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وبسر بن سعيد، وعبد الرحمن بن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، ومن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس لم تفُتْه الصلاة (٢). فقوله: (لم تفته) ظاهر أن الصلاة أداء، وليست قضاء. • دليل من قال: تبطل مطلقًا، ولا تنقلب نفلًا: بأن المصلي نوى الفرض ولم ينوِ النفل فإذا بطل الفرض بطلوع الشمس بطلت الصلاة، ولم تصح نفلًا؛ لأن النفل لم يَنْوِهِ، وقد قال ﷺ : إنما الأعمال بالنيات.

стр. 1587

ولأن التحريمة انعقدت للفريضة، فإذا فسدت الفريضة بطلوع الشمس لم تبق تحريمةً لفساد ما انعقدت عليه، فبطلت الصلاة ضرورة. •ونوقش محمد بن الحسن من قبل صاحبيه: بأن النية مشتملة على أمرين: نية الصلاة، وصفة الفرضية، ولا يلزم من بطلان وصف الفرضية بطلان الأصل؛ لأنه يُتَصَوَّرُ من دونها. • دليل من قال: تصح الفجر بطلوع الشمس بشرط المكث حتى ارتفاع الشمس: إذا صحح أبو حنيفة وكذلك أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه انقلاب الفجر نفلًا بشرط المكوث قليلًا حتى ترتفع الشمس، فليكن ذلك العمل في الفريضة، فما لم يبطل النفل لا يبطل الفرض، وصلاة الفجر قبل طلوع الشمس صحيحة، ومن طلوعها إلى ارتفاعها وقت نهي، فإذا مكث قليلًا إلى حين ارتفاع الشمس كان له أن يتم صلاته كما كان له أن يتمها نفلًا، ولأن القول بفساد الفجر لمن طلعت عليه الشمس يؤدي إلى فعل جميع الصلاة خارج الوقت، وأداء بعض الصلاة في الوقت أولى من أداء الكل خارج الوقت. • ويناقش: هذا من غريب الفقه، فإذا كان الواجب عليه أن يمكث قليلًا، أَخَرَجَ من الصلاة بهذا المكث، أم بقي في الصلاة ساكنًا بلا فعل؟ فإن كان قد خرج من الصلاة فلا يصح العود إليها ليبني عليها، وإن كان لم يخرج من الصلاة فقد صدق عليه أنه صلى في وقت النهي، ولا يصح أن يقول إنه حال مكثه لا مصليًا، ولا تاركًا للصلاة. • دليل الجمهور على صحة الصلاة لمن طلعت عليه الشمس: الدليل الأول: استدل الجمهور بحديث: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها) فهذا الحديث خاص بالصلوات المفروضة، عام في الأوقات لقوله: (إذا ذكرها). فأخذوا بالخاص من حديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها) وهي صلاة الفريضة، وخصصوا به مطلق النهي عن الصلوات في حديث عقبة، بحديث عقبة ابن عامر: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل

стр. 1588

الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب. • وسبب ترجيح الجمهور نص وتعليل: (ح-٦١٣) أما النص فلما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (١). وهذا نص في موضع النزاع، فيجب المصير إليه. ورواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وبسر بن سعيد، وعبد الرحمن بن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس لم تفته الصلاة، ومن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس لم تفته الصلاة (٢). وأما التعليل: فلأن فيه احتياطًا لأداء الواجبات، وبراءة للذمة، وقد سبق اعتراض الحنفية ومناقشته في أدلة الحنفية. الدليل الثاني: ما رواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل إدراك الركعة إدراكًا للصلاة كلها، فدل على أن الإدراك في

стр. 1589

الحديث محمول على إدراك الوقت. • ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أن المقصودَ من الحديث إدراكُ الجمعة، (ح-٦١٤) فقد روى النسائي من طريق بقية، عن يونس، قال: حدثني الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت صلاته (١). [معلٌّ، وَهِمَ فيه بقيةُ بإسناده ولفظه] (٢).

стр. 1590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1595

• ويجاب: بأن من ذكر الجمعة في الحديث فإنما أدرجها من كلام الزهري، والله أعلم. الوجه الثاني: أن المراد في الحديث فقد أدرك الجماعة. (ح-٦١٥) لما رواه مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة (١). • ورد هذا الجواب: بأن قوله: (مع الإمام) انفرد فيها يونس بن يزيد، على اختلاف عليها في ذكرها،

стр. 1596

وقد أشار مسلم إلى إعلالها (١). والحديث: يقول: (من أدرك ركعة) ومفهوم المخالفة: أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك، إلا أن الحنفية لا يقولون بمفهوم المخالفة خلافًا للجمهور، ويقولون: إن أدراك أي جزء من الوقت مهما يَقِلَّ يعتبر إدراكًا للوجوب، وقد ناقشت المسألة في مسألة مستقلة، والحمد لله. الجواب الثالث: إذا سلمنا أن الحديث ليس في إدراك الجماعة، ولا الجمعة، فالمقصود منه إدراك الوجوب، وليس إدراك الوقت، فمن صار أهلًا لوجوبها كالحائض تطهر، والكافر يسلم، والصبي يبلغ وقد أدرك هذا المقدار من الوقت أو أقل منه فقد وجبت الصلاة عليه، وليس المقصود منه إدراك الوقت، فإن ما يقع من الصلاة خارج الوقت لا يقع إلا قضاء، وكيف يكون أداء، وهو خارج الوقت. • ورد هذا الجواب بأمرين: الأمر الأول: أن إدراك الوجوب فرع عن إدراك الوقت، فلو خرج الوقت قبل

стр. 1597

أن يصير أهلًا لوجوبها لم تجب عليه؛ لفوات وقتها. الأمر الثاني: بأن الحديث قد جاء فيه التصريح بأن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس لم تفته الصلاة. وهذا صريح بأن الإدراك متوجه للوقت، وليس للوجوب. (ح-٦١٦) فرواه زهير بن محمد، وحفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وبسر بن سعيد، وعبد الرحمن بن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: من صلى من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس لم تفته الصلاة، ومن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس لم تفته الصلاة (١).

стр. 1598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1601

لنَخْلُص من هذا التخريج: أن حديث أبي هريرة رواه بعض أصحابه على النحو التالي: رواه الزهري، ويحيى بن أبي كثير، كلاهما عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: إلا أن الزهري رواه بلفظ: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، وهو عام في كل الصلوات، وهو محمول على إدراك الوقت. ورواه يحيى بن أبي كثير: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته) (١). فقصر اللفظ على صلاة العصر وصلاة الصبح، ويكون دخول بقية الصلوات من باب القياس، لا من باب النص عليها. والأمر بإتمام الصلاة يختلف عن الخبر بإدراك الصلاة، فلا يلزم من الأمر بإتمام الصلاة أن يكون مدركًا لها. فإن اعتبرناهما حديثين؛ لأن الزهري إمام واسع الرواية، جليل القدر، فلا يستغرب أن يكون أبو سلمة روى حديثين مختلفين، أحدهما: عام في كل الصلوات، فمن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، وهذا حفظه عنه الإمام الزهري. وروى أبو سلمة حديثًا آخر خاصًّا بصلاتي الصبح والعصر، وهذا نقله يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. وتابع أبا سلمة من رواية يحيى بن أبي كثير عنه كل من عطاء بن يسار، والأعرج، وبسر بن سعيد وأبي صالح السمان.

стр. 1602

وهاتان الجملتان في النص على الصبح والعصر تعتبران موافقتين في العموم لحديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)؛ لأن ذكر فرد من أفراد العموم، يوافق العام في حكمه، لا يقتضي تخصيصًا، كل ما هناك أن الزهري رواه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة على سبيل العموم. ورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به بالتنصيص على العصر والصبح بما يوافق العموم، وهما حديثان: أحدهما عام في الصلوات، والآخر خاص في العصر والصبح. وإن اعتبرنا ذلك اختلافًا على أبي سلمة بين الزهري ويحيى بن أبي كثير، وكان لا بد من الترجيح بينهما، فقد كان شعبة يقدم يحيى على الزهري، وقال أحمد: «إذا خالف الزهري يحيى فالقول قول يحيى» (١). ويترجح يحيى بأمر خارج، فقد رواه مالك، عن عطاء بن يسار، وبسر بن سعيد، والأعرج عن أبي هريرة بالتنصيص على الصبح والعصر، بلفظ: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر. وهذه متابعة لأبي سلمة من رواية يحيى بن أبي كثير عنه. وأما ما روي من ألفاظ كقولهم: (فليتم صلاته) أو (لم تفته) أو نحوهما كقوله: (فليصل إليها أخرى) فلعله روي على المعنى، وهو جائز عند عامة العلماء بشرطه، فإن مقتضى كونها (لم تفته) أن يتمها بعد خروج الوقت، إلا أن لفظ لم تفته إن كان من قبيل الرواية بالمعنى ففيها نقاش؛ لأن فيها معنىً زائدًا على قوله: (فليتم صلاته) لأن إتمام الصلاة أعم من كونها أداء أو قضاء، بخلاف لفظ: (لم تفته) فإنها تفيد معنى الأداء. قال ابن رجب في شرح البخاري: «وفي هذه النصوص كلها دليل صريح على أن من صلى ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس ثم طلعت الشمس أنه يتم صلاته وتجزئه، وكذلك كل من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الفجر فإنه يتم صلاته وتجزئه، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم» (٢).

стр. 1603

الدليل الثاني: (ث- ١٦٥) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس أن أبا بكر قرأ في صلاة الصبح بالبقرة، فقال له عمر حين فرغ: كربت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين (١). وجه الاستدلال: أن طلوع الشمس لم يكن مبطلًا للصلاة مع تعمد الإمام إطالة الصلاة حتى خرجت الشمس. الدليل الثالث: (ث-١٦٦) روى الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: سمعت السائب بن يزيد، قال: صليت خلف عمر الصبح، فقرأ فيها بالبقرة، فلما انصرفوا استشرفوا الشمس، فقالوا: طلعت، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين (٢). ورواه عبد الرزاق في المصنف عن معمر، والبيهقي في السنن الكبرى، من طريق أبي معاوية، كلاهما عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، قال: صلى بنا عمر صلاة الغداة، فما انصرف حتى عرف كل ذي بال أن الشمس قد طلعت، قال: فقيل: له: ما فرغت حتى كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت: لألفتنا غير غافلين. هذا لفظ معمر (٣). وقال البيهقي: فما سلَّم حتى ظن الرجال ذوو العقول أن الشمس قد طلعت … وذكر الأثر. [صحيح] (٤).

стр. 1604

فهذان الشيخان أبو بكر وعمر لا يريان بطلان الصلاة بطلوع الشمس وهو فيها. الدليل الرابع: لو كانت مراعاة أوقات النهي مقدمة على مراعاة الفرائض لما صحت العصر الحاضرة وقت اصفرار الشمس؛ لدخول وقت النهي، والحنفية يصححون الصلاة في هذا الوقت، فدل على أن مراعاة الفرائض مقدم على مراعاة أوقات النهي، من غير فرق بين أداء وقضاء (١). • الراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء، والله أعلم.

стр. 1605

الباب الرابع [¬*] في قضاء الفوائت الفصل الأول في وجوب القضاء المبحث الأول في وجوب القضاء على المعذور المدخل إلى المسألة: • النصوص المطلقة يجب العمل بها على إطلاقها. • إذا شغلت الذمة بالقضاء فلا يسقط القضاء عن المكلَّف إلا بأداء أو إبراء. • النائم سقط عنه الأداء وقت النوم، ووجب عليه القضاء إذا استيقظ دون فرق بين قليل النوم وكثيره. [م-٢١٥] يجب القضاء على النائم والناسي، وهو قول العامة، وحكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك. وقيل: النائم إذا نام أكثر من يوم وليلة: أي أكثر من خمس صلوات فلا قضاء عليه، وهو رواية محمد بن رستم، عن محمد بن الحسن (١). • وجه قول محمد بن الحسن: إلحاق النوم الطويل بالإغماء، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده إذا زاد عن يوم وليلة، فيكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد، وهو ما تفوت فيه صلاة أو

стр. 1606

صلاتان، وأما إذا أطبق حتى نام أكثر من يوم وليلة فهذا ملحق بالمرض. قال ابن عبد البر: «لا أعلم أحدًا قال هذا القول من الفقهاء غير محمد بن الحسن في هذه الرواية عنه، والمشهور عنه في كتبه غير ذلك كسائر العلماء، ورواية ابن رستم عنه خلاف السنة فيمن نام أو نسي أنه يقضي، وقد أجمعوا أنه من نام خمس صلواتٍ فدون أن يقضي فكذلك في القياس ما زاد على الخمس» (١). ولأن النصوص المطلقة يجب العمل بها على إطلاقها، فأمر النبي ﷺ النائم بقضاء ما نام عنه من الصلوات، ولم يَحُدَّ في ذلك حدًّا، ولا يجوز تقييد نصوص الشارع إلا بنص منه أو إجماع.

стр. 1607

المبحث الثاني في وجوب القضاء على غير المعذور المدخل إلى المسألة: • العبادة لا تسقط عن المكلف بفوات شرطها. • العبادة غاية، والشروط وسائل إليها، فلا تسقط الغاية بفوات الوسيلة. • ما وجب من الفرائض بإجماع، لا يسقط إلا بإجماع مثله، أو سنة ثابتة لا تنازع في ثبوتها ودلالتها. • إذا أمر الشارع بالفعل في وقت معين، فخرج الوقت، ولم يفعل، أيجب القضاء بأمر جديد ابتداءً، أم يجب بالأمر السابق؟ بمعنى أنه يستلزمه، لا أنه عينه، قولان، أصحهما الثاني. • أمر الشارع بالصلاة في وقت معين يقتضي الأمر بشيئين: بالصلاة، وأن يكون فعلها في ذلك الوقت، وفوات أحدهما لا يكون فواتًا للآخر. • إذا نذر الرجل أن يتصدق هذا اليوم، لا يسقط النذر عنه بفوات اليوم فكذلك الصلاة. • كل صلاة لا تصح إلا في وقتها لا تقضى خارج وقتها مطلقًا، من غير فرق بين المعذور وغيره، كالحج والرمي، والأضحية. • كل صلاة صح إيقاعها خارج وقتها من المعذور يصح قضاؤها من غير المعذور. • إذا كثر المتروك، سقط اعتبارًا بالحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولو كان مناط الحكم في ترك القضاء كونها معذورة لسقط الصيام. [م-٢١٦] من أخر الصلاة بلا عذر حتى خرج وقتها، فقد ارتكب جرمًا عظيمًا، واختلفوا في وجوب القضاء عليه، وهل يصح منه لو فعل؟ على قولين:

стр. 1608

فقيل: يجب عليه القضاء، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). وقيل: لا يجب عليه القضاء، وبه قال الحسن البصري، وأبو بكر الحميدي، والعز بن عبد السلام من الشافعية، وابن تيمية وابن رجب من الحنابلة، وبه قال ابن حزم من الظاهرية (٢)، ونسب هذا القول رواية عن مالك، وعن ابن حبيب من المالكية، ولا يصح من هذا شيء (٣).

стр. 1609

والاختلاف في هذه المسألة يرجع إلى الخلاف في مسألة أصولية، وهي: إذا أمر الشارع بالفعل في وقت معين، فخرج الوقت، ولم يفعل، أيجب القضاء بأمر جديد ابتداء، أم يجب بالأمر السابق؟ بمعنى أنه يستلزمه، لا أنه عينه؟ قولان (١). وعلى القول بأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، أفي المسألة نصوص توجب القضاء، أو لا؟ وقد سبق بحث هذه المسألة في المجلد الثالث، ولله الحمد.

стр. 1610

المبحث الثالث في وجوب القضاء على الفور المدخل إلى المسألة: • صيغة الأمر تدل على الطلب ومطلقه على الفور، ولا يحمل على التراخي إلا بدليل؛ لأن تأخير الفعل لا إلى غاية معينة يتضمن جواز الترك، وذلك ينافي القول بوجوبه. • إذا دلت القرينة على أن الأمر على الفور أو على التراخي عمل بها. • أخر النبي ﷺ قضاء الصلاة حين نام عنها حتى خرج من الوادي، وهذا دليل على أن القضاء على التراخي. • استدعاء الجيش للرحيل بعد أن حط رحاله ونام يستدعي وقتًا ليس باليسير. • لا يجب على النائم الخروج من المكان الذي حضره الشيطان أو أصابته فيه غفلة، ولو كانت الفورية واجبة لم يترك الواجب لتحصيل مستحب. • لو كانت الفورية واجبة لأمكنهم الصلاة بالانقلاب عن مكان النوم إلى ما جاوره، ولم يستدعِ ذلك شَدَّ الرحال عن جميع الوادي إلى مكان آخر. • وقت القضاء أوسع من الأداء عادة. [م-٢١٧] قضاء الصلاة الفائتة واجب على الفور مطلقًا سواء أكان ذلك بعذر أم بغير عذر، إلا أن تكثر كثرة يشق قضاؤها على الفور متوالية فيباح التأخير بقدر زوال المشقة، أو تحصيل ما هو ضروري لعيشه أو بدنه، وألحق بعضهم تحصيل العلم الواجب عينيًّا. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية، وبه قال أبو يوسف من الحنفية (١).

стр. 1611

وقال محمد بن الحسن: القضاء على التراخي مطلقًا، واختاره العراقيون من الشافعية (١). وقال الشافعية في الأصح: إن كان بغير عذر فالقضاء على الفور، وإن كان بعذر فهو على التراخي (٢). وهذه المسألة ترجع إلى مسألة مقررة في الأصول: في اختلافهم في الأمر المجرد عن القرائن، أيقتضي الفور، أم هو على التراخي؟ وفي قضاء الصلاة أَلَهُ وقت معين أم المطلوب هو الامتثال في أي وقت؟ • حجة الجمهور على أن القضاء على الفور: (ح-٦١٧) استدلوا بما رواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قُدِّرَ له، ونام رسول الله وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال. فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله، وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٣).

стр. 1612

وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (فليصلها إذا ذكرها): قال في إحكام الأحكام: «اللفظ يقتضي توجه الأمر بقضائها عند ذكرها؛ لأنه جعل الذكر ظرفًا للمأمور به، فيتعلق الأمر بالفعل فيه» (١). • حجة الشافعية على أن القضاء على التراخي: الدليل الأول: في دليل الجمهور السابق ما يدل على أن القضاء على التراخي حيث أخر النبي ﷺ القضاء حتى خرج من الوادي. • وأجيب: بأنه تأخير يسير لمصلحة الصلاة. • ورد هذا بوجهين: الوجه الأول: القول بأن الزمن يسير لا يُتَصَوَّرُ، فلو أن عشرة رجالٍ قد حطوا رحالهم في مكان حتى ناموا واستيقظوا، ثم قيل لهم: ارتحلوا لتطلب تجهيز رواحلهم وشد متاعهم وقتًا ليس باليسير، فكيف بالجيش المكون من مئات بل آلاف الرجال، (ح-٦١٨) وقد روى مسلم قصة نومه من مسند عمران بن حصين، وفيه: (استيقظ رسول الله ﷺ فلما رفع رأسه، ورأى الشمس قد بزغت، قال: ارتحلوا، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة) (٢). وقد كان الرسول شديد المسارعة في غير الصلاة، فكيف بالصلاة: (ح-٦١٩) فقد خرج البخاري من طريق ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث ﵁، قال: صليت مع النبي ﷺ العصر، فلما سلَّم قام سريعًا دخل على بعض نسائه، ثم خرج، ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته، فقال: ذكرت وأنا في الصلاة تبرًا عندنا، فكرهت أن

стр. 1613

يمسي أو يبيت عندنا فأمرت بقسمته (١). الوجه الثاني: أن الخروج من المكان الذي نام فيه الإنسان قد اختلف العلماء في حكمه، وفي تعليله، والراجح في حكمه أنه للاستحباب (٢)، ولو كانت الفورية واجبةً لم يترك الواجب لتحصيل مستحب. وقد قيل في علة الفعل أقوال كثيرة، منها: أنه فعل ذلك ليستيقظ من كان نائمًا، وينشط من كان كسلانًا، وقيل: تحرزًا من العدو، وقيل: انتظارًا لما ينزل عليه من الوحي، وأصحها ما جاء صريحًا في الحديث، أنه من أجل أنه مكان حضره الشيطان، وأصابتهم فيه غفلة خلافًا للحنفية (٣). وإذا كان هذا هو الراجح في تعليل الحكم، فإن العلة لا توجب مفارقة المكان لحضور الشيطان، بل تلحقه بالآداب، خاصة أن المصلي لا ينفك عن وسوسة الشيطان. (ح-٦٢٠) فقد أخرج الشيخان من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان، وله

стр. 1614

ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظلَّ الرجل لا يدري كم صلى (١). وقد يكون إضافة التسبب إلى الشيطان كما هو عادة العرب في نسبة الشر والمكروه إلى الشيطان، ونسبة الخير إلى الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقول النبي ﷺ التثاؤب من الشيطان. وقال موسى حين قتل عدوه: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ مع قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٥، ١٦] فلم يكن هناك منافاة بين كون القتل من كسبه، وبين كونه من عمل الشيطان. ويؤيد ذلك أن الرسول ﷺ قال: تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة. • وتعقب هذا الرد: بأننا لا نسلم أن هذا من الآداب، بل مكان الشيطان ليس محلًّا للعبادة؛ إلا أن العلم بحضور الشيطان لا يعلم إلا بوحي. الوجه الثالث: قد كان يمكنهم الصلاة بالانقلاب عن مكان النوم إلى ما جاوره، ولم يستدع ذلك شَدَّ الرحال عن جميع الوادي إلى مكان آخر. • ويجاب: وجه الحنفية أن المانع من القضاء على الفور كونه وقع وقت طلوع الشمس، وهو وقت نهي، لكونها تطلع بين قرني شيطان. • ويجاب من ثلاثة وجوه: أولها: لا نسلم أن قضاء الفرض وقت النهي ممنوع، وقد ناقشت المسألة في بحث مستقل، ولله الحمد. الثاني: لا حاجة إلى استنباط العلة مع النص عليها، فالعلة طلب مكان للصلاة

стр. 1615

غير المكان الذي حضر فيه الشيطان، وأصابتهم فيه غفلة. • ورد الحنفية هذا الجواب: إذا أخر القضاء بسبب مكان الشيطان، كان هذا دليلًا على تأخير الصلاة لزمان الشيطان، فقد روي أن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فمن فَرَّ من مكان الشيطان فر من زمانه أيضًا. • وتعقب رد على الحنفية: بأن النبي ﷺ ذكر أن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان، كما في حديث عمرو بن عبسة السلمي في مسلم (١). وفي حديث عقبة: نهى عن الصلاة حين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب (٢). ولم يمنع ذلك من صحة صلاة العصر عند الحنفية، لو غربت الشمس، وهو يصلي. فكذلك صلاة الصبح. الوجه الثالث: أن في الحديث ما يرد هذا التأويل، حيث قال: (فما أيقظنا إلا حرُّ الشمسِ)، وفي حديث آخر: (فضربتنا الشمس)، وهذا كله لا يكون إلا بعد ارتفاعها، وزوال وقت النهي. الدليل الثاني: أن ارتباط القضاء بالوقت أوسع من ارتبط الأداء به عادة، فأداء رمضان مضيق، وقضاؤه موسع، وأداء الصلاة موسع، فمن باب أولى أن يكون القضاء موسعًا. • وأما الجواب عن قوله: (فليصلها إذا ذكرها) فهذا دليل على استحباب الفورية، ذلك أن القضاء لا وقت له معين، بحيث يقال: إذا لم تفعل فيه فقد خرج وقت القضاء بخلاف الأداء، كما أن الوقت في الأداء هو سبب وجوب الصلاة، وليس في مقدور المكلف، ولا من كسبه، فالزوال سبب لوجوب الظهر، والوقت بالنسبة للقضاء ليس هو سبب الوجوب، وإنما سبب
следующие страницы →