← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وقال محمد بن الحسن: القضاء على التراخي مطلقًا، واختاره العراقيون من الشافعية (١). وقال الشافعية في الأصح: إن كان بغير عذر فالقضاء على الفور، وإن كان بعذر فهو على التراخي (٢). وهذه المسألة ترجع إلى مسألة مقررة في الأصول: في اختلافهم في الأمر المجرد عن القرائن، أيقتضي الفور، أم هو على التراخي؟ وفي قضاء الصلاة أَلَهُ وقت معين أم المطلوب هو الامتثال في أي وقت؟ • حجة الجمهور على أن القضاء على الفور: (ح-٦١٧) استدلوا بما رواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قُدِّرَ له، ونام رسول الله وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال. فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله، وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٣).

стр. 1612

وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (فليصلها إذا ذكرها): قال في إحكام الأحكام: «اللفظ يقتضي توجه الأمر بقضائها عند ذكرها؛ لأنه جعل الذكر ظرفًا للمأمور به، فيتعلق الأمر بالفعل فيه» (١). • حجة الشافعية على أن القضاء على التراخي: الدليل الأول: في دليل الجمهور السابق ما يدل على أن القضاء على التراخي حيث أخر النبي ﷺ القضاء حتى خرج من الوادي. • وأجيب: بأنه تأخير يسير لمصلحة الصلاة. • ورد هذا بوجهين: الوجه الأول: القول بأن الزمن يسير لا يُتَصَوَّرُ، فلو أن عشرة رجالٍ قد حطوا رحالهم في مكان حتى ناموا واستيقظوا، ثم قيل لهم: ارتحلوا لتطلب تجهيز رواحلهم وشد متاعهم وقتًا ليس باليسير، فكيف بالجيش المكون من مئات بل آلاف الرجال، (ح-٦١٨) وقد روى مسلم قصة نومه من مسند عمران بن حصين، وفيه: (استيقظ رسول الله ﷺ فلما رفع رأسه، ورأى الشمس قد بزغت، قال: ارتحلوا، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة) (٢). وقد كان الرسول شديد المسارعة في غير الصلاة، فكيف بالصلاة: (ح-٦١٩) فقد خرج البخاري من طريق ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث ﵁، قال: صليت مع النبي ﷺ العصر، فلما سلَّم قام سريعًا دخل على بعض نسائه، ثم خرج، ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته، فقال: ذكرت وأنا في الصلاة تبرًا عندنا، فكرهت أن

стр. 1613

يمسي أو يبيت عندنا فأمرت بقسمته (١). الوجه الثاني: أن الخروج من المكان الذي نام فيه الإنسان قد اختلف العلماء في حكمه، وفي تعليله، والراجح في حكمه أنه للاستحباب (٢)، ولو كانت الفورية واجبةً لم يترك الواجب لتحصيل مستحب. وقد قيل في علة الفعل أقوال كثيرة، منها: أنه فعل ذلك ليستيقظ من كان نائمًا، وينشط من كان كسلانًا، وقيل: تحرزًا من العدو، وقيل: انتظارًا لما ينزل عليه من الوحي، وأصحها ما جاء صريحًا في الحديث، أنه من أجل أنه مكان حضره الشيطان، وأصابتهم فيه غفلة خلافًا للحنفية (٣). وإذا كان هذا هو الراجح في تعليل الحكم، فإن العلة لا توجب مفارقة المكان لحضور الشيطان، بل تلحقه بالآداب، خاصة أن المصلي لا ينفك عن وسوسة الشيطان. (ح-٦٢٠) فقد أخرج الشيخان من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان، وله

стр. 1614

ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظلَّ الرجل لا يدري كم صلى (١). وقد يكون إضافة التسبب إلى الشيطان كما هو عادة العرب في نسبة الشر والمكروه إلى الشيطان، ونسبة الخير إلى الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقول النبي ﷺ التثاؤب من الشيطان. وقال موسى حين قتل عدوه: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ مع قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٥، ١٦] فلم يكن هناك منافاة بين كون القتل من كسبه، وبين كونه من عمل الشيطان. ويؤيد ذلك أن الرسول ﷺ قال: تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة. • وتعقب هذا الرد: بأننا لا نسلم أن هذا من الآداب، بل مكان الشيطان ليس محلًّا للعبادة؛ إلا أن العلم بحضور الشيطان لا يعلم إلا بوحي. الوجه الثالث: قد كان يمكنهم الصلاة بالانقلاب عن مكان النوم إلى ما جاوره، ولم يستدع ذلك شَدَّ الرحال عن جميع الوادي إلى مكان آخر. • ويجاب: وجه الحنفية أن المانع من القضاء على الفور كونه وقع وقت طلوع الشمس، وهو وقت نهي، لكونها تطلع بين قرني شيطان. • ويجاب من ثلاثة وجوه: أولها: لا نسلم أن قضاء الفرض وقت النهي ممنوع، وقد ناقشت المسألة في بحث مستقل، ولله الحمد. الثاني: لا حاجة إلى استنباط العلة مع النص عليها، فالعلة طلب مكان للصلاة

стр. 1615

غير المكان الذي حضر فيه الشيطان، وأصابتهم فيه غفلة. • ورد الحنفية هذا الجواب: إذا أخر القضاء بسبب مكان الشيطان، كان هذا دليلًا على تأخير الصلاة لزمان الشيطان، فقد روي أن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فمن فَرَّ من مكان الشيطان فر من زمانه أيضًا. • وتعقب رد على الحنفية: بأن النبي ﷺ ذكر أن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان، كما في حديث عمرو بن عبسة السلمي في مسلم (١). وفي حديث عقبة: نهى عن الصلاة حين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب (٢). ولم يمنع ذلك من صحة صلاة العصر عند الحنفية، لو غربت الشمس، وهو يصلي. فكذلك صلاة الصبح. الوجه الثالث: أن في الحديث ما يرد هذا التأويل، حيث قال: (فما أيقظنا إلا حرُّ الشمسِ)، وفي حديث آخر: (فضربتنا الشمس)، وهذا كله لا يكون إلا بعد ارتفاعها، وزوال وقت النهي. الدليل الثاني: أن ارتباط القضاء بالوقت أوسع من ارتبط الأداء به عادة، فأداء رمضان مضيق، وقضاؤه موسع، وأداء الصلاة موسع، فمن باب أولى أن يكون القضاء موسعًا. • وأما الجواب عن قوله: (فليصلها إذا ذكرها) فهذا دليل على استحباب الفورية، ذلك أن القضاء لا وقت له معين، بحيث يقال: إذا لم تفعل فيه فقد خرج وقت القضاء بخلاف الأداء، كما أن الوقت في الأداء هو سبب وجوب الصلاة، وليس في مقدور المكلف، ولا من كسبه، فالزوال سبب لوجوب الظهر، والوقت بالنسبة للقضاء ليس هو سبب الوجوب، وإنما سبب

стр. 1616

الوجوب التذكر في حق الناسي، والاستيقاظ في حق النائم، وهو وقت غير معين، فإذا تذكر الناسي الصلاة شغلت ذمته بالقضاء، ومسألة التراخي والفورية في القضاء ترجع إلى نزاع أصولي في الأمر المجرد عن القرائن أيقتضي الفور، أم هو على التراخي؟ وأما الجواب عن قوله: (لا كفارة لها إلا ذلك) فليس فيه دليل على الفورية، فلا يصح أن يقال كما قال بعض أهل العلم: إن الشارع جعل قضاء الصلاة فورًا كفارةً عن نسيانها أو النوم عنها؛ لأن النائم والناسي لا يأثم بتأخيره الصلاة حال النوم والنسيان بالإجماع، حتى قال بعض الفقهاء: إن فعل الصلاة في حقهما أداء، وليس قضاء؛ لأن هذا هو وقت الصلاة بالنسبة إليهما، فتعين حمل قوله: (لا كفارة) على أحد معنيين: أحدهما: أن معنى لا كفارة لها إلا ذلك: اسم الإشارة (ذلك) يعود إلى القضاء، أي لا كفارة لها إلا بالقضاء، فلا بديل عن القضاء، وهذا لا نزاع فيه. المعنى الثاني: أن نفي الكفارة يعني أنه لا يلزمه في الترك غرم أو كفارة من صدقة ونحوها (١). ولا مانع من كون اللفظ يحتمل كلا المعنيين، بحيث يحمل معنى (لا كفارة لها) بمعنى لا غرامة على التأخير، ولا بديل عن القضاء، فعليه أن يصلي ما فاته.

стр. 1617

الفصل الثاني في ترتيب الفوائت المبحث الأول في حكم الترتيب الفرع الأول في ترتيب الفوائت بعضها مع بعض المدخل إلى المسألة: • لا يوجد من الشارع أمر يوجب ترتيب الفوائت، والأصل عدم الوجوب، • ما ورد في حديث أبي سعيد من القضاء مرتبًا في معركة الأحزاب فهو مجرد فعل، والأفعال المجردة لا تقتضي الوجوب. • كل فرض أصل بنفسه، ليس تبعًا لفرض آخر، ولا تتوقف صحته على صحة الفرض الذي قبله. • إذا قال الفقهاء في المأمورات الواجبة: تسقط بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، بخلاف المنهيات، فإنها تسقط بالنسيان. [م-٢١٨] إذا أطلق الترتيب قصد به: ترتيب الفوائت بعضها مع بعض، وترتيبها مع الصلاة الحاضرة. وأما ترتيبها في أنفسها فاختلفوا في حكمه: فقيل: يستحب ترتيب قضاء الفوائت، وهو قول في مذهب المالكية، والمذهب عند الشافعية، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن حزم (١).

стр. 1618

وقيل: الترتيب واجب مع الذكر، وهو قول الجمهور على خلاف بينهم: فقيل: الترتيب شرط كما هو رواية ابن الماجشون عن مالك، والمذهب عند الحنابلة، وصرح به بعض الحنفية (١). وقيل: الترتيب واجب مطلقًا، قَلَّت الفوائت أو كثرت، كالمشهور من مذهب المالكية، ومال إليه ابن مفلح من الحنابلة (٢). قال خليل: «وتظهر ثمرة الخلاف: لو ذكر صلاةً في صلاةٍ، ولم يقطع، فعلى المشهور تصح؛ لأنه إنما خالف واجبًا ليس بشرط، وعلى الشرطية لا تصح» (٣). وقيل: الترتيب واجب إلا أن تزيد الفوائت عن ست صلوات، فإن زادت سقط الوجوب، وهذا مذهب الحنفية (٤).

стр. 1619

وإذا قال الفقهاء في المأمورات الواجبة: تسقط بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، بخلاف المنهيات، فإنها تسقط بالنسيان. قال القرافي في الذخيرة: «أسقط مالك فيها الوجوب مع النسيان .... لضعف دليل الوجوب» (١). واختار ابن القصار من المالكية سقوط الترتيب بين المتماثلات كالظهرين (٢). كيف تَرَتَّبَ الخلاف بين الفقهاء؟ لم يحفظ في الشرع نص مرفوع بترتيب الفوائت، لهذا لم يحسم الخلاف، وكان الوارد في الباب إما أمرًا ليس بصريح، كحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها). وإما صريحًا ليس بحاسم؛ لكونه مجرد فعل، كحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ شغل يوم الأحزاب حتى فاتته بعض الصلوات فقضاها مرتبة. واختلفوا في دلالة هذا الفعل على الوجوب: فقال الشافعية: الفعل يدل على الاستحباب: وقال غيرهم: هو بيان للمجمل في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠]، وحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وسيأتي تخريجه إن شاء الله. وأصرح دليل قول ابن عمر ﵄ بإعادة الصلاة؛ لفوات الترتيب، وهو حجة عند من يرى الاحتجاج بقول الصحابي، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى عند ذكر الأدلة. وأما بناء الشرطية، فبناه بعضهم على أن الترتيب فعلٌ وَجَب للصلاة، تبطل الصلاة بتعمد تركه، فكان ذلك دليلًا على شرطيته. إذا علم هذا نأتي لاستيفاء الأدلة، وبيان الراجح:

стр. 1620

• دليل من قال: الترتيب واجب أو شرط: الدليل الأول: (ح-٦٢١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد ابن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هويًّا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كفينا القتال، وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أمر النبي ﷺ بلالًا فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كما يصليها في وقتها (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: هذا الحديث صريح بأن النبي ﷺ رتب الفوائت في القضاء: الأولى فالأولى، حتى قدمه على المغرب التي يكره تأخيرها، وقيل: يحرم تأخيرها على القول بأنها وقت واحد، كما هو مذهب المالكية والشافعية، فلو كان الترتيب مستحبًّا لترك من

стр. 1621

أجل المغرب. •واعترض على هذا الاستدلال: أن هذا فعل مجرد، والأفعال المجردة لا تقتضي الوجوب فضلًا عن الشرطية. • وأجيب: هذا الفعل المجرد يقتضي الوجوب لوقوعه بيانًا للمجمل في قول : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي (١). • ويرد على هذا: القول بأن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا لصارف وقرينة يصرفها عن الوجوب، لقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله ما قالوه في الحج أخذًا من قوله ﷺ (خذوا عني مناسككم) قول ضعيف جدًّا. وإلا لقائل أن يقول: كل أفعال الرسول ﷺ الأصل فيها الوجوب أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. قال ابن القيم تعليقًا على قوله: (خذوا عني مناسككم): «أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب، فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جدًّا لم يوجبها أحد من الفقهاء» (٢). ولا شك أن الاستدلال بالأوامر العامة المشتملة على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يصح الاستدلال على وجوبها بهذا النص المطلق، فقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) قاله النبي ﷺ لمالك بن الحويرث وقد شاهد الرسول ﷺ يصلي بالمسلمين عشرين يومًا، ولا شك أن ما فعله في صلاته ﵊، منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، فأفعال النبي في صلاته دليل على المشروعية، وأما دلالته على الوجوب فيحتاج إلى دليل خاص،

стр. 1622

كما أن دلالته على الشرطية أو الركنية يحتاج إلى دليل أخص، فإذا كان ورود الأمر الخاص فيه نزاع في دلالته على الوجوب كما هو معلوم في أصول الفقه، فما بالك بحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أو حديث: (خذوا عني مناسككم) واللذان يحيطان بجميع أفعال الصلاة وأفعال المناسك. الدليل الثاني: (ح-٦٢٢) روى أحمد، قال: حدثنا موسى بن داود، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن يزيد، أن عبد الله بن عوف حدثه، أن أبا جمعة حبيب بن سباع -وكان قد أدرك النبي ﷺ - أن النبي ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: يا رسول الله ما صليتها، فأمر المؤذن، فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب (١). [ضعيف] (٢). ولو صح لكان الحديث دليلًا على عدم سقوط الترتيب بالنسيان، والقائلون بوجوب الترتيب لا يقولون بموجبه. الدليل الثالث: (ث-١٦٧) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع، عن ابن عمر كان يقول: من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليصل الصلاة التي نسي، ثم ليصل بعدها الأخرى (٣).

стр. 1623

[صحيح، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (١). فدل أثر ابن عمر على أن الترتيب شرط، وإلا لما أعاد الصلاة بفواته. وقد يقال: ليس في الأثر ما يدل على الشرطية؛ لأنه يحتمل أنه إنما أعاد؛ لأنه تذكر الفائتة، وهو في الصلاة، وربما لو تذكر بعد تمام صلاته لم يُعِد الفائتة. الدليل الرابع: الترتيب بين الصلاتين المجموعتين شرط لصحتها، فلا يصح تقديم الأخيرة منها على الأولى في الأداء (٢)، وإذا كان الترتيب شرطًا في الأداء فالقضاء مقيس عليه؛ لأن القضاء يحكي الأداء، ومن فرق فعليه الدليل.

стр. 1624

• وأجيب: بأن الثانية لم يدخل وقت وجوبها، وإنما جوز فعلها تبعًا للأولى، بخلاف الفوائت فليست إحداها تبعًا لغيرها، ولأنه إذا لم يسقط الترتيب بين المجموعتين مع النسيان لم يسقط مع العمد، بخلاف الترتيب بين الفوائت فإن عامة العلماء يسقطونه بالنسيان، وهذا تفريق منهم بين المسألتين. الدليل الخامس: (ث-١٦٨) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن كثير بن أفلح، قال: انتهيت إلى المدينة، وهم يصلون العصر، ولم أكن صليت الظهر، قال: فصليت معهم، وأنا أحسب أنها الظهر، قال: فلما فرغت علمت أنها العصر، قال: فصليت الظهر، ثم صليت العصر، ثم سألت بالمدينة فكلهم أمرني بالذي فعلت، قال ابن سيرين: وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذٍ بها (١). [ضعيف] (٢). • دليل المالكية على أنه لو ترك الترتيب عمدًا أثم وصحت الصلاة: استدل المالكية على أن الترتيب واجب، وليس بشرط بالأدلة السابقة، وإذا كان واجبًا لم تجب الإعادة بتركه، ولو عمدًا. ولأن المالكية يرون أن وقت الفائتة ليس موسعًا، وبالفراغ منها يخرج وقتها، والإعادة لترك الواجب عند المالكية مما ليس بشرط إنما هو في الوقت (٣).

стр. 1625

• دليل من قال: الترتيب مستحب: الدليل الأول: لا يوجد من الشارع أمر يوجب ترتيب الفوائت، والأصل عدم الوجوب، وما ورد في حديث أبي سعيد من القضاء مرتبًا في معركة الأحزاب فهو مجرد فعل، والأفعال المجردة لا تقتضي الوجوب. الدليل الثاني: كل فرض أصل بنفسه، ليس تبعًا لفرض آخر، ولا تتوقف صحته على صحة الفرض الذي قبله، ولهذا لو صلى الظهر بلا وضوء ناسيًا، ثم صلى العصر بوضوء، ثم تذكر أنه صلى الظهر محدثًا لم يجب عليه إعادة العصر لفوات الترتيب، ولو كان الترتيب واجبًا أو شرطًا لكانت الصلوات التي وقعت بعد الظهر، ولو كثرت يجب إعادتها؛ لفوات الترتيب. الدليل الثالث: لو كان الترتيب واجبًا أو شرطًا لما سقط بالنسيان، قال الماوردي: «ترتيب لا يستحق مع النسيان فوجب ألا يستحق مع الذكر» (١). فسقوطه بالنسيان دليل على عدم وجوبه، ذلك أن القواعد تقول: إن المأمورات لا تسقط بالنسيان، بخلاف المنهيات فتسقط بنسيانها. ولهذا ذكر بعض العلماء أن كل واجب من المأمورات قال الفقهاء بسقوطه بالنسيان فإنه دليل على ضعف مأخذ الوجوب، كوجوب التسمية في الوضوء مع الذكر. الدليل الرابع: ولأنه إذا سقط الترتيب بين الصلاة الفائتة وبين الصلاة الحاضرة إذا ضاق وقتها، فوجب إذا ثبتا في الذمة أن يسقط الترتيب بينهما، وقياسًا على الصيام. • الراجح: أن الترتيب ليس بشرط، ويعكر على هذا القول ما ذهب إليه ابن عمر من إعادة

стр. 1626

الصلاة لفوات الترتيب، إلا أن قوة أدلة الشافعية تجعلني أتحوط من الاستدلال بفعل ابن عمر، فأخشى أن قد يكون نزعه إلى ذلك حرصه على الاحتياط، وليس لقوة الدلالة على وجوب الترتيب، ولو أخذت بقول ابن عمر فسيكون مقصورًا على الرجل إذا تذكر الفائتة، وهو في الصلاة، وليس بعد الفراغ منها، والله أعلم.

стр. 1627

الفرع الثاني في ترتيب الفوائت مع الصلاة الحاضرة المدخل إلى المسألة: • الحاضرة متعلقة بالوقت والفوائت بالذمة، وما تعلق بالوقت مقدم على ما تعلق بالذمة عند التزاحم. • الفائتة سبب وجوبها تذكرها، وهو لا يختص بوقت معين، والحاضرة سبب وجوبها دخول وقتها، فكان تعلقها بالوقت آكد. • إخراج وقت الحاضرة مراعاة للترتيب يحول المؤداة بنفسها إلى فائتة، فتتسع المفسدة. • إخراج وقت الحاضرة مراعاة للترتيب إخراج للصلاة عن وقتها عمدًا، وهو من الكبائر، بخلاف الفوائت فإنه يفترض العذر في فواتها؛ لأن المسلم لا يتعمد ترك الصلاة. [م-٢١٩] إذا كان على الرجل فوائت، وقد دخل وقت الحاضرة، فهل يجب الترتيب بين الفوائت وبين الحاضرة؟ •وللجواب على ذلك نقول: إن كان الوقت متسعًا لا يخشى خروج وقت الحاضرة، فقيل: يستحب الترتيب بينها وبين الحاضرة، وهو قول في مذهب المالكية، ومذهب الشافعية (١). وقيل: الترتيب شرط، قلَّت الفوائت أو كثرت، وهو مذهب الحنابلة (٢).

стр. 1628

وقيل: يجب الترتيب بين الفوائت والحاضرة، وهو اختيار ابن حزم (١). وقيل: يجب الترتيب مع الحاضرة في القليل دون الكثير، فيجب الترتيب في خمس صلوات فما دون، فإن زادت الصلوات الفائتة لم يجب الترتيب بينها وبين الحاضرة، وهذا مذهب الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد على خلاف بينهم في المستحب: فقال الحنفية: يستحب الترتيب بين الفوائت الكثيرة وبين الحاضرة. وقال المالكية: يستحب البداءة بالحاضرة إذا كانت الفوائت كثيرة (٢). هذه أقوال المسألة، وأما كيف ترتب الخلاف؟ فمن قال: يستحب الترتيب مطلقًا، أو قال يجب مطلقًا بين الفائتة والصلاة الحاضرة فيرجع الخلاف بينهم إلى الاختلاف في حكم الترتيب نفسه، وقد تقدمت أدلته في المسألة السابقة. وأما من فرق بين القليل والكثير، كالمالكية والحنفية، فاختلفوا في موجب التفريق: فالموجب للتفريق عند الحنفية: كون الفوائت إذا بلغت ستًّا دخلت في حد التكرار، والتكرار موجب للسقوط دفعًا للحرج، وهم يطردون هذا في مسائل كثيرة، ومنها سقوط القضاء في المغمى عليه إذا كانت الصلوات أكثر من يوم وليلة، للعلة نفسها (٣). وأما الحامل على التفريق عند المالكية: فليس الدخول في حد التكرار الموجب للتخفيف كما قال الحنفية، وإنما لقوله ﷺ : (فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك) فقوله: (إذا ذكرها) عام في الوقت فيجب عليه أن يصلي الفائتة مطلقًا،

стр. 1629

ولو خشي خروج وقت الحاضرة، امتثالًا لهذا الأمر، خص منه بالإجماع الصلوات الكثيرة، وبقي الحديث مستعملًا في الصلوات اليسيرة. و لأنه لو وجب في أكثر من ذلك لوجب في سنين كثيرة، وذلك ما لا يطاق عليه؛ لأنه لا سبيل إلى أن يقضي صلاة سنة أو أكثر في يومين ولا ثلاثة ولو تكلف ذلك أحد لترك أيام القضاء بغير صلوات، وهذا جهل من قائله، فلم يكن بُدٌّ من حَدٍّ بين القليل والكثير في ذلك، (١). • ويناقش: بأن الواجب أمران: الترتيب، وأداء الصلاة الحاضرة في وقتها للقدرة عليه، فإن أمكن القيام بالواجبين تعينا على المكلف، وإن تزاحما قدمت الحاضرة؛ لأن ما تعلق بالوقت مقدم على ما تعلق بالذمة. وهناك فرق بين وجوب التتابع في قضاء الفوائت، فهذا يسقط مع المشقة، والحاجات الضرورية لمعاشه، ولمن يعول، فهذا هو الذي حُكِيَ الإجماعُ على سقوطه، وبين وجوب الترتيب في الفوائت نفسها، ولو كثرت، ولذلك الحنابلة يوجبونه في القليل والكثير، ما لم يُخْشَ فوات الحاضرة. وإن ضاق وقت الحاضرة: فقيل: يسقط الترتيب، ويجب تقديم الحاضرة مطلقًا، قلت الفوائت أو كثرت، وهو مذهب الجمهور، واختاره ابن وهب من المالكية، وابن حزم (٢). وقيل: لا يسقط مطلقًا قلت أو كثرت، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلال، وأنكر القاضي هذه الرواية، وحكي عن أحمد ما يدل على رجوعه عنها (٣).

стр. 1630

وقال المالكية يجب الترتيب مع الفوائت اليسيرة وإن خرج وقت الحاضرة، فإن خالف، صحت الصلاة، وأثم إن تعمد، وإن كانت الفوائت كثيرة وجب تقديم الحاضرة إذا خشي خروج وقتها (١). وقال ابن مسلمة من المالكية: تقدم الفوائت مطلقًا قلت أو كثرت إن أتى بها دفعة واحدة (٢). وقال أشهب: يخير بينهما (٣). فصارت الأقوال في حكم الترتيب إذا خشي فوات الحاضرة: يسقط الترتيب مطلقًا، لا يسقط مطلقًا. وهذان قولان متقابلان. يسقط إن كانت الفوائت كثيرة. تقدم الفوائت بشرط أن يأتي بها دفعة واحدة. يخير بينهما. وأما كيف ترتب الخلاف؟ فالصلاة الحاضرة متعلقة بالوقت، وهو ما زال قائمًا، والفائتة متعلقة بالذمة، فما دام وقت الحاضرة واسعًا فيجب الترتيب بينها وبين الحاضرة؛ لأنه لا يوجد سبب يرفع وجوب الترتيب بين الصلوات بما فيها الصلاة الحاضرة، فإذا ضاق

стр. 1631

وقت الحاضرة ارتفع وجوب الترتيب بوجوب آكد منه؛ لأن ما تعلق بالوقت مقدم على ما تعلق بالذمة، فالفائتة سبب وجوبها تذكرها، وهو لا يختص بوقت معين، والحاضرة سبب وجوبها دخول وقتها، فكان تعلقها بالوقت آكد، وحتى لا تتحول المؤداة بنفسها إلى فائتة، فتتسع المفسدة. ولأن إخراج وقت الحاضرة مراعاة للترتيب إخراج للصلاة عن وقتها عمدًا، فيكون فعله تعمدًا للحرام، بخلاف الفوائت فإنه يفترض أنها كانت فائتة لعذر؛ لأن المسلم لا يتعمد ترك الصلاة. وعَلَّلَ الحنفيةُ الحكمَ: بأن الوقت وقت للمكتوبة في الكتاب، ووقت للمقضية بخبر الواحد: يعني (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) والكتاب مقدم على خبر الواحد. لهذا التعليل رأى الجمهور سقوط الترتيب إذا خشي خروج الوقت. وأما وجه قول ابن مسلمة: فهو بنى قوله الفقهي على أن المنسيات إذا وفى بجميعها دفعة واحدة راعى الترتيب، ولو فاتت الحاضرة؛ لوجوب الترتيب، وتقديم الأسبق، والبداءة بما بدأ الله به، فإذا كان لا يوفي بجميعها دفعة واحدة، فلا فائدة في تأخير الحاضرة عن وقتها؛ لأنه إذا لم يقدم جميع المنسيات فلا بد أن يصلي الحاضرة، فترك صلاتها من غير اشتغال بالقضاء لا يصح كما لا يصح تعمد تركها لمن لا صلاة عليه. وأما تفريق المالكية بين القليل والكثير فقد وقفت على موجبه، ومناقشته. • الراجح: أن وجوب الترتيب لا يقدم على وجوب فعل الحاضرة في وقتها؛ لأن الخلاف في وجوب الحاضرة في وقتها أقوى من الخلاف في وجوب الترتيب، وإذا تنازع واجبان كان مراعاة الأقوى هو السبيل للترجيح، والله أعلم.

стр. 1632

المبحث الثاني في سقوط الترتيب بالجهل بحكمه المدخل إلى المسألة: • النسيان مسقط للإثم مطلقًا وكذا الجهل ما لم يفرط في تحصيل العلم. • كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لم يكلف الإعادة؛ لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها. • المنهيات تسقط بالجهل والنسيان، فمن صلى وثوبه نجس ناسيًا أو جاهلًا صحت صلاته. • المأمورات تسقط بالجهل، ولا تسقط بالنسيان، فالمستحاضة التي تركت الصلاة جهلًا منها لم تؤمر بالإعادة، ولو ترك المكلف الصلاة أو الطهارة نسيانًا لم تسقط عنه الصلاة. [م-٢٢٠] هذه المسألة لا تأتي على مذهب الشافعية القائلين بأن الترتيب سنة، وأما القائلون بأنه واجب، وهم الجمهور، فهل يسقط وجوب الترتيب بالجهل بحكمه؟ فقيل: الجهل بوجوب الترتيب لا يسقطه. وهو ظاهر مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، والأصح في مذهب الحنابلة (١). وقيل: يسقط الترتيب بالجهل، وهو قول الحسن بن زياد، وزفر من الحنفية، وقول جماعة من أئمة بلخ، وقال قاضي خان: كثير من المشايخ أخذوا به، وهو

стр. 1633

رواية عن أحمد، وبه قال المالكية في الأصح إلا أنهم استحبوا لمن ترك الترتيب جاهلًا أو متعمدًا إعادة الحاضرة بعد إتيانه بيسير الفوائت بالوقت، فإن خرج وقت الحاضرة فلا يعيدها (١). كيف ترتب الخلاف؟ هذه المسألة فرد من مسائل كثيرة تنازع الفقهاء فيها، ويرجع الخلف لاختلافهم في اعتبار الجهل عذرًا تسقط به الأحكام: فمنهم من يعتبر الجهل عذرًا مطلقًا، وبهذا يأخذ ابن تيمية: وقد نقل ابن مفلح في الفروع عن شيخه ابن تيمية: أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأن كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لم يكلف الإعادة، ومثل له بمن ترك التيمم لعدم الماء؛ لظنه عدم الصحة به، أو أكل حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود؛ لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة ونحوه، قال: والأصح لا قضاء، ولا إثم؛ للعفو عن الخطأ والنسيان، ومعناه: ولم يقصر، وإلا أثم، وكذا لو عامل بربًى، أو أنكح فاسدًا، ثم تبين له التحريم ونحوه (٢). ومنهم من يرى الجهل ليس بعذر مطلقًا كالحنابلة بخلاف النسيان؛ فالنسيان لا ينفك عنه البشر حتى الأنبياء، وأما الجهل فهو متسبب به؛ يلام عليه، وقد كان عليه أن يتعلم، فلم يفعل.

стр. 1634

ولو أنهم عكسوا لكان أولى لهم ذلك أن التكليف يناط بالعلم، ومع الجهل لا تكليف، وأما الناسي فهو وإن اعتبر عذرًا حال النسيان إلا أنه لا يرفع أهلية التكليف كالنوم، ولذلك لو أتت الصلاة على الناسي والنائم من دخول الوقت إلى خروجه لم تسقط عنه الصلاة بحجة النوم والنسيان، ويجب عليه الصلاة إذا تذكر أو استيقظ، وهذا دليل على أهلية تكليفه. فالمنهيات تسقط بالجهل والنسيان، كمن صلى وثوبه نجس ناسيًا أو جاهلًا صحت صلاته. والمأمورات تسقط بالجهل، ولا تسقط بالنسيان، فالمستحاضة التي تركت الصلاة جهلًا منها لم تؤمر بالإعادة، ولو ترك المكلف الصلاة نسيانًا لم تسقط عنه الصلاة فثبت الفرق بين الجهل والنسيان. ومنهم من يفرق بين من يمكنه التعلم، فيفرط في طلبه فيكلف الإعادة لأن مثله ليس محلًّا للتخفيف فلا يعذر، وبين من لا يمكنه العلم، كحديث عهد بالإسلام، وكذا من نشأ في دار حرب، أو في بادية بعيدة عن أهل العلم. وأما المالكية فاعتبروا أن التعمد في ترك الواجب، ولو في الصلاة لا يبطلها، فرقًا بينه وبين الشرط، والجمهور على الفرق بين ترك واجب لها، وبين ترك واجب فيها، فالأول لا تبطل الصلاة بتعمد تركه بخلاف الثاني. وإذا كان هذا قول المالكية فيمن تعمد ترك الواجب، فمن باب أولى من تركه وهو جاهل ألا تبطل صلاته. والأصل أن الجهل يرفع الإثم، وإنما وقع النزاع في رفع الحكم المترتب على الجهل. قال السيوطي: «اعلم أن قاعدة الفقه أن النسيان والجهل مُسْقِطٌ للإثم مطلقًا … » (١). • دليل من قال: يسقط الترتيب بالجهل: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. [الإسراء: ١٥].

стр. 1635

دلت الآية أن الله لا يعذب أحدًا من خلقه حتى يبعث إليهم من يقيم الحجة عليهم. الدليل الثاني: أحاديث كثيرة في الشرع تبين أن التكليف يناط بالعلم، من ذلك: حديث المسيء صلاته وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، حيث لم يطلب منه إعادة تلك الصلوات. ومثله المستحاضة حيث كانت تتوهم أن دمها دم حيض، فجاءت إلى الرسول ﷺ ، وهي تشكو له بأنها حبستها عن الصلاة والصيام، ولم يطلب منها الرسول ﷺ فعل الصلوات التي تركتها. ومنها صلاة عمار حين أجنب، مع أنه لم يأتِ بالصفة المشروعة في التيمم، وإنما تمرغ كما تتمرغ الدابة، ومنها صاحب العقالين عندما أكل متوهمًا أنهما الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يؤمر بالقضاء، ومنها لما أفطر الصحابة في يوم غيم ظنًّا منهم أن الشمس قد غربت، ثم طلعت الشمس، وعمل لم يصل مع عمار، ولم يأمر النبي ﷺ عمر بالصلاة، وكل هذه الأحاديث مخرجة في الصحيح، ولم ينقل أنهم قضوا، فقصر الحكم على هذه النصوص فقط نزعة ظاهرية، وتحكم يأباه العقل والنقل، وتوهم أنهم ربما أمروا بالقضاء ولم ينقل بعيد جدًّا، إذ لو أمروا لنقل إلينا؛ لأن الشريعة محفوظة بحفظ الشارع لها (١). الدليل الثالث: حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي أمر بنيه إذا مات أن يحرَّق في النار، ثم يطحن، ثم يذرى في الريح، وفيه قال: فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فُعِلَ به ذلك، فأمر الله به الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له (٢). قال ابن تيمية: «هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفرٌ يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله

стр. 1636

وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله، وبرسوله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالًا من الرجل فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق .. » (١). وقال ابن عبد البر: «هذا رجل جهل بعض صفات الله ، وهي القدرة … ولم يكن بجهله بعض صفات الله كافرًا، قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق، لا من جَهِلَهُ، وهذا قول بعض المتقدمين من العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين … » (٢). الدليل الرابع: حديث يعلى بن أمية في الصحيحين في قصة الرجل الذي أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب، فقال له النبي ﷺ : انزع عنك هذه الثياب واغسل عنك هذا الخلوق (٣)، ولم يأمره بالفدية لجهله. الدليل الخامس: (ح-٦٢٣) ما رواه بن ماجه من طريق أبي معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ : يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة، لا إله إلا الله، فنحن نقولها، فقال له صلة: ما تغني عنهم: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في

стр. 1637

الثالثة، فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثًا. [صحيح]. • دليل من قال: لا يسقط الترتيب بالجهل: الدليل الأول: القياس على الترتيب بين الصلاتين المجموعتين. قال في الشرح الكبير على المقنع: «ولنا أنه ترتيب واجب في الصلاة فلم يسقط بالجهل كالمجموعتين» (١). • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم الحكم في الأصل حتى نسلم الحكم في الفرع، فإذا كانت الصلاة، والتي هي الغاية تسقط بالجهل، كما في حديث المسيء صلاته، حيث لم يؤمر بإعادة صلواته السابقة مع قوله ﷺ : إنك لم تُصَلِّ، حيث نفى عنه صحة صلاته، ولم تؤمر المستحاضة التي تركت الصلاة بأن ترجع وتصلي ما تركت؛ لعذرها بالجهل فمن باب أولى سقوط الترتيب بالجهل. الوجه الثاني: لو سلمنا أن الترتيب في الصلاتين المجموعتين لا يسقط بالجهل، فالقياس عليه لا يصح أيضًا؛ لأن الترتيب في المؤداة شرط بخلاف الترتيب في الفوائت فإنه يدور بين القول بالاستحباب وبين القول بالوجوب، فلا يقاس الأخف على الأغلظ. الدليل الثاني: قال ابن قدامة: «لأن الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقطها كالجهل بتحريم الأكل في الصوم» (٢). • ويناقش: بأن القول بأن الجهل بأحكام الشرع لا يسقطها هذا استدلال بمحل النزاع،

стр. 1638

وليس دليلًا، فأين الدليل على أن الجهل بأحكام الشرع لا يسقطها؟ وقد سقت أدلة كثيرة على سقوط أحكام الشريعة بالجهل. الدليل الثالث: علل ابن مفلح في المبدع عدم سقوط الترتيب بالجهل بأنه عذر نادر؛ ولأنه اعتقاد على خلاف الأصل. • ويناقش: بأن الوجوب محل نزاع بين الفقهاء، والجهل به هو الأصل، واعتقاد وجوبه يتوقف إما على اجتهاد إن كان من أهله، أو على تقليد، فكيف يُدَّعَى بأنه عذر نادر؟ والقول بأنه اعتقاد على خلاف الأصل هذا شأن كل من جهل حكمًا من أحكام الشرع المتفق عليه، فكيف بحكم مختلف في وجوبه بين أهل الشأن، وتبقى هذه التعليلات إنما هي التماسات من قائلها، لا تصمد أمام الأدلة الكثيرة المتكاثرة التي سقناها في أدلة القول السابق من العذر بالجهل، كقصة المستحاضة، والمسيء صلاته، وقصة عمار في اجتهاده في صفة التيمم، وقصة عدي بن حاتم مع عقاليه، وفطر الصحابة في يوم غيم قبل غروب الشمس، ومثلها كثير. • الراجح: أن العذر بالجهل عذر مطلقًا، وأما الإثم فإن كان مقصرًا كان مستحقًّا للإثم، وإلا لم يأثم، والله أعلم.

стр. 1639

المبحث الثالث في سقوط الترتيب بالنسيان الفرع الأول إذا تذكر بعد فراغه من الصلاة الحاضرة المدخل إلى المسألة: • لا يوجد من الشارع أمر يوجب ترتيب الفوائت، والأصل عدم الوجوب، • كل فرض أصل بنفسه، ليس تبعًا لفرض آخر، ولا تتوقف صحته على صحة الفرض الذي قبله. • إذا قال الفقهاء في المأمورات الواجبة: تسقط بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، بخلاف المنهيات، فإنها تسقط بالنسيان. • الترتيب الواجب للصلاة ما كان بين الصلاتين المجموعتين أداء، وقياس ترتيب الفوائت عليها لا يصح. [م-٢٢١] إذا ذكر الفائتة بعد فراغه من الصلاة الحاضرة سقط الترتيب بين الفوائت، وهو مذهب الأئمة الأربعة. واستحب المالكية إعادة الحاضرة ولو في وقت الاضطرار ما لم يخرج الوقت (١). وقيل: لا يسقط الترتيب بالنسيان، ويعيد أبدًا في الوقت وغيره.

стр. 1640

رواه مطرف وابن الماجشون عن مالك، وهو قول ضعيف في مذهب الحنابلة (١). وسبب الخلاف اختلافهم في الترتيب، أهو شرط، أم واجب، أم سنة؟ فمن قال: إنه شرط لم يسقطه مطلقًا سواء أترك الترتيب بعذر أم بغير عذر. ومن قال: إنه مسنون أسقطه مطلقًا، ولو تعمد تركه. ومن قال: إنه واجب أسقطه بالنسيان، ولم يسقطه بتعمد تركه، وسبق ذكر أدلتهم في حكم الترتيب، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. وذهب المالكية إلى القول بأن ترك الواجبات لا يبطل العبادة ولو تعمد ذلك فضلًا أن تبطل بالنسيان فرقًا بينها وبين ترك الشروط والتي تبطل العبادة بتركها مطلقًا (٢). والمذاهب الفقهية عدا المالكية لا يطردون في حكم نسيان الواجب: فتارةً يذهبون إلى إبطال العبادة إذا نسي واجبًا من واجباتها. وتارةً يُسقطون الواجب بالنسيان، ويصححون العبادة. وتارةً يفرقون بين نسيان المأمورات، وبين نسيان المنهيات، فالمنهيات تسقط بالنسيان، بخلاف المأمورات. والملاحظ أن الفقهاء إذا قالوا عن شيء من المأمورات بأنه يجب بالتذكر، ويسقط بالنسيان، كان هذا دليلًا على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، ولذلك لما كان الترتيب واجبًا بين الصلاتين المجموعتين لم يسقط الترتيب بينهما بالنسيان. قال أبو حفص الحنبلي في كتابه اللباب في علوم الكتاب: «لو كان الترتيب واجبًا في الفوائت لما سقط بالنسيان، ألا ترى أنه إذا صلى الظهر والعصر بعرفة في يوم غيْمٍ، ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال والعصر بعد الزوال فإنه يعيدهما

стр. 1641

جميعًا، ولم يسقط الترتيب بالنسيان … » (١). وإذا أتينا إلى أدلة مسألتنا: أعني نسيان الترتيب، وهل يسقط بالنسيان نجد أن المسألة ليس فيها أثر مرفوع عن النبي ﷺ يمكن أن يحسم الخلاف، ويكون له الرد عند الخلاف، فكان الرد في هذه المسألة إلى القواعد في نسيان الواجبات. وفي المسألة أثر موقوف عن ابن عمر، وإن كنت أهاب نزعة ابن عمر ﵄ إلى الاحتياط، فهل يكون فعله دليلًا على الوجوب، أو دليلًا على الاستحباب والاحتياط؟ (ث-١٦٩) فقد روى مالك في الموطأ، عن نافع، عن ابن عمر كان يقول: من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فلْيُصَلِّ الصلاة التي نسي، ثم لِيُصَلِّ بعدها الأخرى (٢). [صحيح، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (٣). فحكم ابن عمر ﵄ في تذكر الترتيب قبل فراغه من الصلاة، وهي مسألة أخرى، فهل يختلف الحكم لو تذكر بعد تمام صلاته؟ فالأئمة الأربعة يقولون بسقوط الترتيب إذا لم يتذكر إلا بعد فراغه من الصلاة، وهناك أثر آخر يدل على وجوب الإعادة حتى ولو لم يتذكر إلا بعد تمام صلاته. (ث-١٧٠) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن كثير بن أفلح، قال: انتهيت إلى المدينة، وهم يصلون العصر، ولم أكن صليت الظهر، قال: فصليت معهم، وأنا أحسب أنها الظهر، قال: فلما فرغت علمت أنها العصر، قال: فصليت الظهر، ثم صليت العصر، ثم سألت بالمدينة فكلهم أمرني بالذي فعلت، قال ابن سيرين: وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذٍ بها (٤).

стр. 1642

[ضعيف، وقد يتقوى بفعل ابن عمر ﵄]. وليس صريحًا بأن الإعادة من أجل فوات الترتيب، فقد يُدَّعَى أن سبب الإعادة اختلاف نية المأموم عن نية إمامه. وإذا انتقلنا من الآثار إلى القواعد: نجد أن المأمورات الواجبة لا تسقط بالنسيان، وإنما النسيان يسقط الإثم. فإن رجحنا وجوب الترتيب فإنه يجب مطلقًا، سواء أتذكر قبل فراغه من الصلاة الأولى أم بعد فراغه منها، وكل استثناء يدل إما على ضعف مأخذ الوجوب، أو على مراعاة الخلاف لقوته، وهذه هي النزعة التي حملت كثيرًا من الفقهاء على إسقاط الترتيب بالنسيان، ويدخل فيه لو صلى مُحْدِثًا، ولم يتذكر حتى صلى بعدها صلوات كثيرة أو قليلة لا يجب أن يعيد إلا الصلاة التي تطرق لها الخلل مع فوات الترتيب فيها، والله أعلم. وإن رجحنا استحباب الترتيب، فالشأن خفيف، والله أعلم.

стр. 1643

الفرع الثاني إذا تذكر الفائتة وهو يصلي الحاضرة المسألة الأولى أن يتذكر الإمام والمنفرد المدخل إلى المسألة: • ليس مراعاة الترتيب والذي هو مجرد وصف خارج عن ماهية الصلاة بأولى من المحافظة على ذات الفريضة، فلا يفسدها بعد أن شرع فيها. • إذا دخل المصلي بالصلاة على وجهٍ مأذونٍ له شرعًا فيه لم يؤمر بإبطاله لمجرد تذكر الفائتة. •يتعين الوقت للفريضة إذا ضاق الوقت عن فعلها، أو تعين بتعيين المكلف بأن شرع فيها. • إذا كانت الحاضرة تقدم على الفائتة إذا ضاق وقتها، فكذلك تقدم الحاضرة إذا تعين الوقت لها بالشروع فيها. • القول ببطلان الصلاة إذا تذكر فائتة، وهو يصلي مبني على وجوب ترتيب الفوائت بالنسبة للمنفرد، وعلى بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه، والراجح خلافه في المسألتين. [م-٢٢٢] إذا تذكر الإمام أو المنفرد فائتة يجب ترتيبها (١)، وهو يصلي الفريضة:

стр. 1644

فقيل: لا تفسد الفريضة بذلك مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة، واختيار ابن حزم (١). وقيل: تفسد الفريضة، وهو قول أكثر أهل العلم، على خلاف بينهم في الفساد أهو بَاتٌّ أم موقوف على وقت قضاء الفائتة؟ وهل يقطعها أم يتمها نافلة؟ فقيل: يقطعها مطلقًا، وإن كان إمامًا لم يستخلف، وهذا قول مالك في المدونة (٢)، وبه قال الحنابلة في المشهور بشرط أن يكون في الوقت سعة (٣). وقيل: يقطعها المنفرد، ويستخلف إن كان إمامًا، وهذا اختيار أشهب المالكي. وذهب خليل في مختصره: إلى أنه إن ركع منها ركعة كاملة بسجدتيها، شفعها بأخرى وأتمها نافلة، وخرج منها، والمأموم تبع لإمامه. وإن لم يكن أدرك منها ركعة قطعها، وقطع مأمومه تبعًا، فإن خالف، ولم يقطعها، ولم يشفعها، وتمادى صحت لهم فرضًا. هذا ما مشى عليه خليل في مختصره، وتبعه شراحه (٤).

стр. 1645

واستشكله ابن عبد السلام: بأن الترتيب إما أن يكون واجبًا فيلزم القطع، أو مستحبًّا فيلزم التمادي. وقيل: تبقى فريضته موقوفة، فإن صلى بعدها خمس صلوات، وهو يذكر الفائتة، صحت فريضته، وسقط الترتيب، وانقلبت الصلوات الخمس التي صلاها من فاسدة إلى صحيحة؛ لكثرة الفوائت، واشترطنا أن يصلي، وهو يتذكر الفائتة، لأن النسيان وحده يسقط وجوب الترتيب. وإن صلى الفائتة قبل أن يصلي بعدها خمس صلوات بطلت الحاضرة، وبطلت الصلوات التي صلاها بعدها؛ لوجوب الترتيب، وهذا قول أبي حنيفة، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن إلا أنهما قالا: لا تنقلب الفوائت السابقة إلى صحيحة، بل يجب إعادة الصلوات الخمس التي صلاها قبل سقوط الترتيب؛ لأن ما حكم بفساده لمراعاة الترتيب لا ينقلب صحيحًا إذا سقط الترتيب، وهذا أقيس من قول إمامهما (١). وإذا بطلت الفريضة، فهل يتمها نافلة؟ فقيل: يتمها نافلة مطلقًا. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).

стр. 1646

وقيل: تبطل مطلقًا، ولا تصح نفلًا، وهو ظاهر قول مالك في المدونة، واختيار محمد بن الحسن من الحنفية. وقيل: يتمها نافلة بشرط أن يكون قد صلى ركعة كاملة، اختاره خليل في مختصره. هذه هي الأقوال في المسألة، وملخصها: إذا ذكر الإمام والمنفرد فائتة، وهو في الفريضة: فقيل: لا تبطل الفريضة التي هو فيها مطلقًا. وقيل: تبطل مطلقًا على خلاف بينهم في الإمام أيستخلف أم لا؟ والخلاف مترتب على مسألة أخرى: هل تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام؟ وهي مسألة أخرى سيأتي بحثها إن شاء الله تعالى. وقيل: هي موقوفة، فإن تأخر في قضاء الفائتة حتى صلى بعدها خمس صلوات، سقط الترتيب، وصحت الصلوات التي صلاها بعد الفائتة؛ لأن الترتيب يسقط بست فوائت فأكثر. وإن بادر في قضاء الفائتة قبل أن يصلي بعدها خمس صلوات بطلت الفريضة، وبطلت الصلوات التي صلاها بعدها لوجوب الترتيب في الصلوات اليسيرة. وهذا مذهب الحنفية. هذه أقوال السادة الفقهاء في المسألة، وننتقل إلى عرض حججهم، وما يرد عليها من مناقشة. • دليل من قال: إذا تذكر الإمام فائتة، وهو يصلي لم تبطل صلاته: هؤلاء بنوا قولهم على أن ترتيب الفوائت ليس بواجب، وقد ذكرنا أدلتهم في حكم ترتيب الفوائت، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. • دليل من قال: تفسد الفريضة مطلقًا، ولا تنقلب نفلًا: الدليل الأول: القول بالبطلان مبني على وجوب ترتيب الفوائت بالنسبة للمنفرد، وعلى بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه. والمسألة الأولى سبق بحثها وذكر أدلتها، والثانية سأخصص لها بحول الله وقوته مبحثًا خاصًّا باعتبارها مسألة مستقلة.

стр. 1647

ولم لم تنقلب الفريضة إلى نافلة؟ قالوا: لأن التحريمة عقدت للفرض؛ لقوله: (إنما الأعمال بالنيات) فإذا بطلت الفريضة بطلت التحريمة أصلًا، فلم تنعقد نفلًا. • ونوقش: بأن التحريمة عقدت لأصل الصلاة بوصف الفرضية، فلم يكن من ضرورة بطلان الوصف ببطلان الأصل (١). ومعنى هذا القول أن صلاته تضمنت نيتين: الأولى: نية الصلاة، والثانية: كونها فرضًا، وبطلان الثانية لا يعود بالبطلان على النية الأولى. الدليل الثاني: (ح-٦٢٤) استدلوا بما رواه الإمام مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال. فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله، وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (فليصلها إذا ذكرها) فالظرف (إذا ذكرها) عام في الوقت، يشمل

стр. 1648

ما إذا ذكرها، وهو خارج الصلاة، أو ذكرها وهو يصلي الفريضة، لهذا كان عليه أن يخرج من صلاته إذا تذكر فائتة امتثالًا لهذا الأمر، ولقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وكان منهيًّا لا محالة عن فعل صلاة الوقت في تلك الحال، فأوجب ذلك فساد صلاة الوقت إن قدمها على الفائتة؛ لأن النهي يقتضي الفساد حتى تقوم الدلالة على غيره، مثله كمثل رجل يصلي بالتيمم، فحضر الماء في أثناء الصلاة، فتبطل صلاته التي هو فيها، بخلاف ما لو وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة فقد صحت صلاته. • ويناقش: بأن حديث (فليصلها إذا ذكرها) غايته يفيد وجوب القضاء وقت التذكر، والقول بأنه يدل على فساد الوقتية إذا تذكر الفائتة في صلاته، وأنه يجب عليه أن يخرج منها، ولو أدى ذلك إلى إبطال الفريضة لا دليل عليه من الحديث، وشروعه في الفرض أيوجب عليه إتمامه، أم أنه يجوز الخروج من الفرض إذا كان ذلك يعود لمصلحة الصلاة؟ فيه تأمل، ولكل قول مرجح: فالقول بوجوب إتمام الفريضة: يرجحه أن الوقت بالمؤداة أخص بها من الفائتة، ذلك أنه وقت للفريضة بنص الكتاب، وأما الفائتة فقد فات وقتها الخاص، وبقي لا خصوص لوقتها إلا ما تعلق بمقدار فعلها، ومن القواعد: تقديم الأخص على غيره، وليس مراعاة الترتيب والذي هو مجرد وصف خارج عن ماهية الصلاة بأولى من المحافظة على ذات الفريضة، بعد أن شرع فيها. وإذا كانت الحاضرة تقدم على الفائتة إذا ضاق وقتها، فإن الشروع في الحاضرة مثله، ذلك أن الحاضرة وقتها موسع، فإذا ضاق الوقت أو شرع فيها فقد تعين الوقت للفريضة، فالوقت يتعين للفريضة إما بضيق الوقت، أو بتعيين المكلف بالشروع فيها، والمصلي قد دخل بالصلاة على وجه مأذون له شرعًا فيه فلم يؤمر بإبطاله لمجرد تذكر الفائتة، فالترتيب إنما يجب عند سعة الوقت على وجه لا يلزم منه إفساد الحاضرة بعد الشروع فيها.

стр. 1649

والقول بوجوب الترتيب: يرجحه: أن قضاء الفائتة على الفور إلا أن فيه نزاعًا قويًّا بين الفقهاء، وقد ناقشت ذلك في مبحث خاص، ولله الحمد. وترجيح الخروج من الصلاة: أن هذا الخروج ليس إفسادًا مطلقًا للصلاة، وإنما يقلبها نافلة من أجل مصلحة تعود للصلاة، وإذا كان بعض الفقهاء يجوِّز للمنفرد أن يقلب فريضته نافلة ليخرج منها، ويلحق بجماعة قامت؛ ليؤديها على صفة أكمل، فهذا مثله أو أولى، والله أعلم. • دليل من قال: تبطل الفريضة، وتنقلب نافلة: أما بطلان الفريضة فقد علمت أدلته فيما سبق. وأما انقلابها نفلًا؛ فلأن الإحرام بالصلاة يشتمل على نيتين: الأولى: نية الصلاة، والثانية: كونها فريضة، فإذا فسدت نية الفرض؛ لوجوب الترتيب بقيت نية مطلق الصلاة، فلهذا انقلبت نفلًا. • دليل من قال: إن كان صلى ركعة كاملة شفعها بأخرى، وصارت نافلة، وإن تمادى صحت فرضًا: علمنا الأدلة فيما سبق على وجوب قطع الصلاة، وهو كون الترتيب واجبًا. •وأما دليلهم على أنه لو تمادى فيها حتى فرغ صحت فرضًا: فهذا القول مبني على أن الترتيب واجب، وليس بشرط، والمالكية يذهبون إلى أن تعمد ترك الواجب يوجب الإثم، ولا يبطل العبادة فرقًا بينه وبين الشرط. يقول الخرشي: «وجب مع الذكر ترتيب الفوائت كثرت أو قلت متماثلة أو مختلفة في أنفسها لكن ليس بشرط فلا يلزم من عدمه العدم فلا يعيدها أصلًا لو خالف ونكس لو عامدًا إذ بالفراغ منها خرج وقتها» (١). • وأما دليلهم على صحتها نفلًا إن صلى ركعة كاملة: اشترط خليل بأن يكون قد صلى ركعة كاملة بسجدتيها قبل تذكر الفائتة، وذلك لحديث: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). متفق عليه.

стр. 1650

فمنطوق الحديث: أن الصلاة تدرك بإدراك ركعة كاملة. ومفهومه: أن من صلى أقل من ركعة لم يدرك هذه الصلاة، فإذا تذكر الفائتة وقد أدرك ركعة كاملة فقد أدرك هذه النافلة، لهذا استحب له أن يشفعها بأخرى، ويتمها نافلة، وإن أدرك أقل من ركعة لم يدركها، فكان عليه قطعها. • دليل الحنفية على وقوف صحة الفريضة على تأخر قضاء الفريضة حتى كثرت الصلوات التي صلاها بعدها: قد ذكرنا تعليلهم مقرونًا بقولهم، فأغنى ذلك عن إعادته في الأدلة. • الراجح: أضعف الأقوال قول الحنفية، وتبقى المسألة دائرة بين بطلان الفريضة وانقلابها نفلًا مراعاة لوجوب الترتيب على إتمام الفريضة، وبين مراعاة الفريضة وعدم إبطالها وقد شرع فيها على وجه مأذون فيه شرعًا. ونفسي تميل إلى عدم إبطال الفريضة، وأرى أن الترتيب يفوت بمجرد أن أحرم بالفريضة؛ لأن الأدلة على وجوب الترتيب ليس فيها إلا أثر ابن عمر ﵄، وقد قلت لك ما يحوك في نفسي منه، خوفًا أن يكون الباعث عليه عند ابن عمر هو نزعة الاحتياط.
следующие страницы →