وقيل: تبطل مطلقًا، ولا تصح نفلًا، وهو ظاهر قول مالك في المدونة، واختيار محمد بن الحسن من الحنفية.
وقيل: يتمها نافلة بشرط أن يكون قد صلى ركعة كاملة، اختاره خليل في مختصره. هذه هي الأقوال في المسألة، وملخصها:
إذا ذكر الإمام والمنفرد فائتة، وهو في الفريضة:
فقيل: لا تبطل الفريضة التي هو فيها مطلقًا.
وقيل: تبطل مطلقًا على خلاف بينهم في الإمام أيستخلف أم لا؟
والخلاف مترتب على مسألة أخرى: هل تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام؟ وهي مسألة أخرى سيأتي بحثها إن شاء الله تعالى.
وقيل: هي موقوفة، فإن تأخر في قضاء الفائتة حتى صلى بعدها خمس صلوات، سقط الترتيب، وصحت الصلوات التي صلاها بعد الفائتة؛ لأن الترتيب يسقط بست فوائت فأكثر.
وإن بادر في قضاء الفائتة قبل أن يصلي بعدها خمس صلوات بطلت الفريضة، وبطلت الصلوات التي صلاها بعدها لوجوب الترتيب في الصلوات اليسيرة. وهذا مذهب الحنفية.
هذه أقوال السادة الفقهاء في المسألة، وننتقل إلى عرض حججهم، وما يرد عليها من مناقشة.
• دليل من قال: إذا تذكر الإمام فائتة، وهو يصلي لم تبطل صلاته:
هؤلاء بنوا قولهم على أن ترتيب الفوائت ليس بواجب، وقد ذكرنا أدلتهم في حكم ترتيب الفوائت، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
• دليل من قال: تفسد الفريضة مطلقًا، ولا تنقلب نفلًا:
الدليل الأول:
القول بالبطلان مبني على وجوب ترتيب الفوائت بالنسبة للمنفرد، وعلى بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه.
والمسألة الأولى سبق بحثها وذكر أدلتها، والثانية سأخصص لها بحول الله وقوته مبحثًا خاصًّا باعتبارها مسألة مستقلة.
стр. 1647
ولم لم تنقلب الفريضة إلى نافلة؟
قالوا: لأن التحريمة عقدت للفرض؛ لقوله: (إنما الأعمال بالنيات) فإذا بطلت الفريضة بطلت التحريمة أصلًا، فلم تنعقد نفلًا.
• ونوقش:
بأن التحريمة عقدت لأصل الصلاة بوصف الفرضية، فلم يكن من ضرورة بطلان الوصف ببطلان الأصل (١).
ومعنى هذا القول أن صلاته تضمنت نيتين:
الأولى: نية الصلاة، والثانية: كونها فرضًا، وبطلان الثانية لا يعود بالبطلان على النية الأولى.
الدليل الثاني:
(ح-٦٢٤) استدلوا بما رواه الإمام مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، أن رسول الله حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال. فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله، وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (فليصلها إذا ذكرها) فالظرف (إذا ذكرها) عام في الوقت، يشمل
стр. 1648
ما إذا ذكرها، وهو خارج الصلاة، أو ذكرها وهو يصلي الفريضة، لهذا كان عليه أن يخرج من صلاته إذا تذكر فائتة امتثالًا لهذا الأمر، ولقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وكان منهيًّا لا محالة عن فعل صلاة الوقت في تلك الحال، فأوجب ذلك فساد صلاة الوقت إن قدمها على الفائتة؛ لأن النهي يقتضي الفساد حتى تقوم الدلالة على غيره، مثله كمثل رجل يصلي بالتيمم، فحضر الماء في أثناء الصلاة، فتبطل صلاته التي هو فيها، بخلاف ما لو وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة فقد صحت صلاته.
• ويناقش:
بأن حديث (فليصلها إذا ذكرها) غايته يفيد وجوب القضاء وقت التذكر، والقول بأنه يدل على فساد الوقتية إذا تذكر الفائتة في صلاته، وأنه يجب عليه أن يخرج منها، ولو أدى ذلك إلى إبطال الفريضة لا دليل عليه من الحديث، وشروعه في الفرض أيوجب عليه إتمامه، أم أنه يجوز الخروج من الفرض إذا كان ذلك يعود لمصلحة الصلاة؟ فيه تأمل، ولكل قول مرجح:
فالقول بوجوب إتمام الفريضة:
يرجحه أن الوقت بالمؤداة أخص بها من الفائتة، ذلك أنه وقت للفريضة بنص الكتاب، وأما الفائتة فقد فات وقتها الخاص، وبقي لا خصوص لوقتها إلا ما تعلق بمقدار فعلها، ومن القواعد: تقديم الأخص على غيره، وليس مراعاة الترتيب والذي هو مجرد وصف خارج عن ماهية الصلاة بأولى من المحافظة على ذات الفريضة، بعد أن شرع فيها. وإذا كانت الحاضرة تقدم على الفائتة إذا ضاق وقتها، فإن الشروع في الحاضرة مثله، ذلك أن الحاضرة وقتها موسع، فإذا ضاق الوقت أو شرع فيها فقد تعين الوقت للفريضة، فالوقت يتعين للفريضة إما بضيق الوقت، أو بتعيين المكلف بالشروع فيها، والمصلي قد دخل بالصلاة على وجه مأذون له شرعًا فيه فلم يؤمر بإبطاله لمجرد تذكر الفائتة، فالترتيب إنما يجب عند سعة الوقت على وجه لا يلزم منه إفساد الحاضرة بعد الشروع فيها.
стр. 1649
والقول بوجوب الترتيب:
يرجحه: أن قضاء الفائتة على الفور إلا أن فيه نزاعًا قويًّا بين الفقهاء، وقد ناقشت ذلك في مبحث خاص، ولله الحمد.
وترجيح الخروج من الصلاة:
أن هذا الخروج ليس إفسادًا مطلقًا للصلاة، وإنما يقلبها نافلة من أجل مصلحة تعود للصلاة، وإذا كان بعض الفقهاء يجوِّز للمنفرد أن يقلب فريضته نافلة ليخرج منها، ويلحق بجماعة قامت؛ ليؤديها على صفة أكمل، فهذا مثله أو أولى، والله أعلم.
• دليل من قال: تبطل الفريضة، وتنقلب نافلة:
أما بطلان الفريضة فقد علمت أدلته فيما سبق.
وأما انقلابها نفلًا؛ فلأن الإحرام بالصلاة يشتمل على نيتين: الأولى: نية الصلاة، والثانية: كونها فريضة، فإذا فسدت نية الفرض؛ لوجوب الترتيب بقيت نية مطلق الصلاة، فلهذا انقلبت نفلًا.
• دليل من قال: إن كان صلى ركعة كاملة شفعها بأخرى، وصارت نافلة، وإن تمادى صحت فرضًا:
علمنا الأدلة فيما سبق على وجوب قطع الصلاة، وهو كون الترتيب واجبًا.
•وأما دليلهم على أنه لو تمادى فيها حتى فرغ صحت فرضًا:
فهذا القول مبني على أن الترتيب واجب، وليس بشرط، والمالكية يذهبون إلى أن تعمد ترك الواجب يوجب الإثم، ولا يبطل العبادة فرقًا بينه وبين الشرط.
يقول الخرشي: «وجب مع الذكر ترتيب الفوائت كثرت أو قلت متماثلة أو مختلفة في أنفسها لكن ليس بشرط فلا يلزم من عدمه العدم فلا يعيدها أصلًا لو خالف ونكس لو عامدًا إذ بالفراغ منها خرج وقتها» (١).
• وأما دليلهم على صحتها نفلًا إن صلى ركعة كاملة:
اشترط خليل بأن يكون قد صلى ركعة كاملة بسجدتيها قبل تذكر الفائتة، وذلك لحديث: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). متفق عليه.
стр. 1650
فمنطوق الحديث: أن الصلاة تدرك بإدراك ركعة كاملة.
ومفهومه: أن من صلى أقل من ركعة لم يدرك هذه الصلاة، فإذا تذكر الفائتة وقد أدرك ركعة كاملة فقد أدرك هذه النافلة، لهذا استحب له أن يشفعها بأخرى، ويتمها نافلة، وإن أدرك أقل من ركعة لم يدركها، فكان عليه قطعها.
• دليل الحنفية على وقوف صحة الفريضة على تأخر قضاء الفريضة حتى كثرت الصلوات التي صلاها بعدها:
قد ذكرنا تعليلهم مقرونًا بقولهم، فأغنى ذلك عن إعادته في الأدلة.
• الراجح:
أضعف الأقوال قول الحنفية، وتبقى المسألة دائرة بين بطلان الفريضة وانقلابها نفلًا مراعاة لوجوب الترتيب على إتمام الفريضة، وبين مراعاة الفريضة وعدم إبطالها وقد شرع فيها على وجه مأذون فيه شرعًا.
ونفسي تميل إلى عدم إبطال الفريضة، وأرى أن الترتيب يفوت بمجرد أن أحرم بالفريضة؛ لأن الأدلة على وجوب الترتيب ليس فيها إلا أثر ابن عمر ﵄، وقد قلت لك ما يحوك في نفسي منه، خوفًا أن يكون الباعث عليه عند ابن عمر هو نزعة الاحتياط.
стр. 1651
المسألة الثانية إذا تذكر فائتة وهو مأموم
المدخل إلى المسألة:
• القول ببطلان الحاضرة إذا تذكر فائتة وهو فيها مبني على أمرين: أحدهما: وجوب الترتيب، والثاني: فساد الحاضرة إذا تذكر فائتةً قبل فراغه منها، وإذا لم يثبت الأول لم يثبت الثاني.
• على القول بوجوب الترتيب، فهو واجب للعبادة وليس واجبًا فيها، فتركه ولو عمدًا لا يبطل العبادة، كما لو ترك الإقامة على القول بوجوبها ..
• لا يوجد من الشارع أمر يوجب ترتيب الفوائت، والأصل عدم الوجوب.
• ما ورد في حديث أبي سعيد من القضاء مرتبًا في معركة الأحزاب فهو مجرد فعل، والأفعال المجردة لا تقتضي الوجوب.
• كل فرض أصل بنفسه، ليس تبعًا لفرض آخر، ولا تتوقف صحته على صحة الفرض الذي قبله.
[م-٢٢٣] إذا تذكر فائتة وهو مأموم
فقيل: يتم الفريضة، وهذا مذهب الشافعي، ونص عليه مالك في المدونة إلا أنه قال: يعيدها في الوقت استحبابًا (١).
стр. 1652
وقيل: تفسد الفريضة، وهو قول الجمهور على خلاف بينهم، هل هو فساد بَاتٌ، أو موقوف؟ وهل يتمها نافلة، أو يقطعها؟
فقيل: فساد الفريضة موقوف، فإن قضى الفائتة قبل أن يصلي بعدها خمس صلواتٍ، فسدت الوقتية وكل صلاة صلاها بعدها؛ لوجوب ترتيب الفوائت اليسيرة.
وإن لم يقْضِ الفائتة حتى خرج وقت الخامسة، فقد صارت الفوائت ستًّا، فقال أبو حنيفة: يسقط الترتيب، وتنقلب الصلوات الخمس الفاسدة إلى صحيحة؛ لكثرة الفوائت، بشرط أن يكون قد صلاها كلها، وهو يذكر الفائتة، لأن النسيان وحده يسقط وجوب الترتيب.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يسقط الترتيب لكثرة الفوائت، ولا تنقلب الفوائت السابقة إلى صحيحة بل يجب إعادة الصلوات الخمس التي صلاها قبل سقوط الترتيب؛ لأن ما حكم بفساده لمراعاة الترتيب لا ينقلب صحيحًا إذا سقط الترتيب، وهذا أقيس من قول إمامهما (١).
واستثنى أبو يوسف ومحمد بن الحسن فيما لو تَذَكَّرَ الفائتة بعد أن قعد قدر
стр. 1653
التشهد الأخير فإنها تصح فرضًا، وإلا بطلت، إلا أنهما اختلفا فقال أبو يوسف: يتمها نفلًا، وقال محمد بن الحسن: يقطعها (١).
والنزاع بين أبي حنيفة وصاحبيه مبني على أصلٍ متنازعٍ عليه عندهم: وهو أن الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه ليس بفرض، فإذا حصل مفسد للصلاة بعد أن قعد قدر التشهد الأخير فسدت صلاته عند أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه (٢).
وقيل: تفسد الفريضة فسادًا باتًّا، ويتمها نافلةً إن كان في الوقت متسع، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
واستثنى بعض المالكية إذا تذكر صلاة بقي وقتها، كما لو تذكر الظهر في صلاة العصر، فإنه يقطع ما هو فيه، كان على شفع منها أو على وتر؛ لأن الصلاة التي هو فيها مع الإمام نافلة له، والمبادرة إلى فعل الفريضة في وقتها أولى من اشتغاله بالنافلة.
وقيل: تفسد الفريضة، ولا تنقلب نفلًا، اختاره بعض المالكية، وبه قال
стр. 1654
محمد بن الحسن من الحنفية (١).
وقال بعض المالكية: تفسد الفريضة، فإن تذكرها، وهو في صلاة المغرب قطعها؛ لئلا يكون متنفلًا قبل صلاة المغرب، وإن كان في غيرها قطعها إلا أن يكون قد صلى منها ركعةً كاملةً فيشفعها بأخرى ويتمها بنية النفل، ويعيد ما هو فيه في الوقت وبعده (٢).
فصارت الأقوال في المسألة:
يتم الفريضة مطلقًا.
تفسد الفريضة مطلقًا.
وقيل: فساد الفريضة موقوف على وقت قضاء الفائتة فإن قضى الفائتة بعد أن صلى بعدها خمس صلواتٍ صحت الفريضة وكل صلاة صلاها بعدها لسقوط الترتيب؛ لكثرة الفوائت، وإن بادر بقضاء الفائتة بطلت الفريضة وكل صلاة صلاها بعدها.
والقائلون بفساد الفريضة اختلفوا في انقلابها نفلًا:
فقيل: تنقلب نفلًا مطلقًا.
وقيل: لا تنقلب نفلًا مطلقًا.
وقيل: تنقلب نفلًا بشرط أن تكون الصلاة غير المغرب، وأن يكون قد صلى منها ركعة كاملة بسجدتيها.
هذه ملخص الأقوال، وأكثر أدلة هذه المسألة مذكور في أدلة المسألة السابقة، خلا بعض التفصيلات للمالكية ولأبي يوسف ومحمد بن الحسن، فما ذكرناه لا يستحسن أن نعيده، وما لم يذكر فسوف أناقشه إن شاء الله تعالى.
• دليل من قال: تذكر الفائتة يبطل الحاضرة مطلقًا:
هذا القول مبني على أمرين: أحدهما: وجوب الترتيب، والثاني: أن تَذَكُّرَ الفائتة قبل فراغه من الحاضرة مفسدٌ للحاضرة؛ لحديث: (فليصلها إذا ذكرها) وقد ذكرت هذا الدليل وناقشته في المسألة السابقة.
стр. 1655
• دليل من قال: يتمها فريضة مطلقًا، من غير فرق بين المغرب وغيره:
هذا القول مبني على أن الترتيب بين الفوائت سنة، ليس بشرط، ولا واجب.
وقد استحب مالك أن يعيدها ما دام في الوقت؛ بناءً على أصل في مذهبهم وهو استحباب إعادة الصلاة التي حكم بصحتها إذا ترك ما ليس شرطًا فيها حتى ولو تعمد الترك.
والقول بالإعادة ضعيف؛ لأن الصلاة إن صحت فلا وجه لإعادتها، وإن بطلت فلا وجه للمضي فيها، وتجب عليه إعادتها مطلقًا في الوقت وخارجه.
• دليل من قال: إن كان في المغرب قطعها مطلقًا، وإن كان في غيرها فإن صلى ركعة شفعها بأخرى، وأتمها بنية النافلة وإلا قطعها:
أما وجه قطع المغرب:
حتى لا يكون متنفلًا قبل المغرب، ولأنه يكون متنفلًا بثلاث ركعاتٍ وذلك خارج عن جنس أعداد النفل.
فيجاب عنه: بأن التنفل قبل المغرب لا حرج فيه على الصحيح، وفيه نَصٌّ، وسوف يأتينا بحث هذه المسالة إن شاء الله تعالى، ولا يلزم منه أن يتنفل بثلاث ركعات؛ لأنه يمكنه إذا قام الإمام إلى الثالثة لم يتابعه، ويكتفي بركعتين، وإن كان مسبوقًا بركعة أو أكثر صلى مقدار ركعتين.
•وأما وجه إتمامه إن صلى ركعة كاملة بسجدتيها:
فلحديث: (من أ درك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فمفهوم الحديث: أنه إن صلى أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، فكان عليه أن يخرج منها، وإن صلى ركعة كاملة فقد أدركها حال انقلابها نافلة فكان له إتمامها.
• دليل من قال: إذا تذكر الفائتة وقد قعد قدر التشهد فقد تمت صلاته:
الدليل الأول:
(ح-٦٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن الحر، قال: حدثني القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة، بيدي وحدثني،
أن عبد الله بن مسعود، أخذ بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله، فعلمه التشهد في الصلاة، قال: قل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام
стр. 1656
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - قال زهير: حفظت عنه -إن شاء الله -أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد (١).
[المحفوظ أن قوله: (فإذا قضيت هذا فقد قضيت صلاتك … إلخ) من كلام ابن مسعود، أدرجه زهير في الحديث] (٢).
• ويجاب عن حديث ابن مسعود بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن قوله: (فقد تمت صلاته فإن شئت فقم … إلخ)، من كلام ابن مسعود، موقوف عليه، وقد جلى ذلك تخريج الحديث، وقد ذهب إلى ذلك خبير العلل في الحديث الإمام الدارقطني، ووافقه على ذلك البيهقي وابن حبان والحاكم والخطيب والنووي، وابن حجر، وغيرهم.
فإن قيل: أليس الموقوف حجة، خاصة إذا كان الموقوف قد خرج من صحابي معروف بالفقه كابن مسعود ﵁؟
فالجواب: بلى، لو كان هذا لم يعارض المرفوع، أما وقد عارض المرفوع فلا حجة في الموقوف.
(ح-٦٢٦) فقد روى أحمد وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق وأبو داود، والترمذي وابن ماجه وغيرهم من طريق الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه (علي بن أبي طالب) مرفوعًا: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١).
وهو حديث حسن، وابن عقيل مخَتَلفٌ فيه، والأكثر على ضعفه، وهذا الحديث من أحاديثه المقبولة، حيث يشهد له عمومات أخر، كحديث لا تُقْبَلُ صلاة بغير طهور ونحوها، وللإجماع على أن التحريمة تحرِّم على المصلي ما كان مباحًا له قبلها، وأن من سلَّم من صلاته فقد خرج منها.
الجواب الثاني:
قد صح عن ابن مسعود أنه قال: تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (٢).
стр. 1659
فإن كان هناك ترجيح بين قولي ابن مسعود، فلا شك أن قوله الموافق للمرفوع مقدم على ما خالفه، وإلا تعين حمل كلام ابن مسعود على معنى (قد فرغ من صلاته) أي فلم يَبْقَ له إلا أن ينصرف منها بالتسليم ليكون متسقًا مع قوله: (وانقضاؤها بالتسليم).
الجواب الثالث:
قال ابن حزم: «هذه الزيادة انفرد بها القاسم بن مخيمرة، ولعلها من رأيه وكلامه، أو من كلام علقمة، أو من كلام عبد الله، وقد روى هذا الحديثَ عن علقمةَ: إبراهيمُ النخعي، وهو أضبط من القاسم فلم يذكر هذه الزيادة».
وقد أبان تخريج الحديث أن العهدة ليست على القاسم، وإنما الحمل على زهير بن معاوية، حيث أدرج الموقوف في المرفوع، وقد تبين أن زهيرًا لم يضبط الحديث.
الدليل الثاني:
(ح-٦٢٧) ما رواه أبو داود من طريق زهير، حدثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة،
عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم، فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة.
أما ضعف إسناده فقد علمت ما فيه من خلال تخريج الحديث، وأما اضطراب متنه، فرواه البيهقي بلفظ: (ثم أحدث قبل أن يتشهد فقد تمت صلاته).
ورواه الطحاوي بلفظ: (وقضى تشهده ثم أحدث).
ورواه عبد الرزاق بلفظ: إذا أحدث الإمام في آخر صلاته حين يستوي قاعدًا فقد تمت صلاته. ولم يذكر التشهد.
ورواه الدارقطني بلفظ: إذا جلس الإمام في آخر ركعة، ثم أحدث رجل من خلفه قبل أن يسلم الإمام.
فجعله في حدث المأموم.
قال الخطابي في معالم السنن: «هذا الحديث ضعيف … وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهره؛ لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته قد تمت بنفس القعود حتى يكون
стр. 1662
ذاك بقدر التشهد على ما رووا عن ابن مسعود» (١).
الدليل الثالث:
(ث-١٧١) ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة، حدثنا أبو عاصم، عن الحكم، عن عاصم بن ضمرة،
عن علي ﵁، قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته (٢).
[موقوف، ولا يصح عن علي] (٣).
ولا حجة فيه للحنفية حيث يقولون يشترط لصحة الصلاة أن يكون قد قعد قدر التشهد.
• الراجح:
أن الشروع في الصلاة مسقط للترتيب، لأن الترتيب إنما وجب للصلاة، وليس واجبًا فيها، فإذا شرع في العبادة لم يكن له أن يبطل العبادة من أجل مراعاة واجب لها، كالإقامة على القول بوجوبها إذا شرع في الصلاة ناسيًا الإقامة، ثم تذكر لم يكن له أن يبطل العبادة لفوات الإقامة، والله أعلم.
стр. 1665
الفرع الثالث إذا أقيمت الصلاة وعليه فائتة
المدخل إلى المسألة:
• المصلي مأمور بالصلاة مع الإمام إذا أقيمت الصلاة، ولو كان قد صلى الحاضرة.
• لا مانع على الصحيح أن يقتدي من يصلي فرضًا بمن يصلي فرضًا آخر، وَلِكُلٍّ نيته، فيصلي بنية الفائتة خلف من يصلي الحاضرة.
• النصوص بإيجاب الجماعة آكد من النصوص الموجبة للترتيب.
[م-٢٢٤] إذا أقيمت الصلاة وعليه فائتة:
فقيل: يسقط الترتيب لخشية فوات الجماعة، وهو رواية عن أحمد، ورجحها بعض المتأخرين من أصحابه، وبه قال بعض الحنفية في حال كان الترتيب ليس واجبًا كما لو زادت الفوائت عن خمس صلوات (١).
وقيل: تقدم الفائتة، ولو فاتت الجماعة، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب الحنفية، واختاره ابن عبد الحكم من المالكية (٢).
وقيل: إن خشي فوات ركعة مع الإمام قطعها، وإن لم يَخْشَ فإن كان صلى
стр. 1666
ركعة شفعها، ودخل مع الإمام. وظاهر كلامه: أنه إن لم يصل ركعة قطعها، وهذا قول ابن القاسم (١).
وقيل: يتمادى مطلقًا عقد ركعة أم لا، إلا أن يخاف فوات ركعة، وهذا القول رواه أشهب عن مالك (٢).
وقيل: إن كان يطمع أن يتم صلاته ويدرك الصلاة مع الإمام فليتمها، وإلا قطع، ودخل مع الإمام، ثم يستأنف الصلاتين جميعًا.
وظاهره أنه يتمها وإن فاته شيء من صلاة الإمام ما لم يَخْشَ فوات الصلاة كلها، لكن حمله ابن يونس وابن رشد وغيرهما على أن هذه الرواية وِفَاقٌ لما رواه أشهب، وأنه يتمها إذا لم يَخَفْ فوات ركعة.
قال ابن رشد الجد: «هذا ما لا اختلاف فيه» (٣).
وقيل: يصلي مع الإمام الحاضرة، ثم يقضي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة، قال ابن رجب: هذا هو المنصوص عن أحمد (٤).
وقيل: إذا ظن أن الوقت لا يتسع لقضاء جميع ما عليه من الفوائت قدم الجماعة، وإلا قدم الفائتة، اختاره بعض الحنابلة (٥).
وقال أحمد «في رواية أبي داود في من عليه صلوات فائتة، فأدركته الظهر،
стр. 1667
ولم يفرغ من الصلوات يصلي مع الإمام الظهر، ويحسبها من الفوائت، ويصلي الظهر في آخر الوقت» (١).
قال ابن رجب: «من أجاز أن يقتدي من يصلي فرضًا خلف من يصلي فرضًا آخر، أجاز أن يقتدي بالإمام في الفائتة، ثم يصلي الحاضرة بعدها، وأمر بذلك عطاء بن أبي رباح» (٢).
كيف ترتب الخلاف؟
من قال: لا يجب الترتيب بين الفائتة والحاضرة فإنه يرى أن يصلي مع الإمام فريضة الوقت، ثم يقضي الفائتة بعده. وقد ذكرنا أدلتهم على عدم وجوب الترتيب في مسألة مستقلة.
وأما من قال بوجوب الترتيب، فإن كان يرى الجماعة سنة، فسوف يراعي الترتيب، خاصة إذا كان قد شرع في الفائتة قبل إقامة الصلاة.
ومن يرى أن الجماعة والترتيب واجبان، فاختلفوا:
فمن قال يسقط الترتيب لفوات الجماعة رأى أن النصوص بإيجاب الجماعة آكد من النصوص الموجبة للترتيب، وحتى لا يكون مصليًا بعد إقامة الصلاة غير الصلاة التي أقيمت. وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى حكم صلاة الجماعة في مسألة مستقلة.
ومن قال: يقدم ترتيب الفوائت على الجماعة، عكس المسألة.
ومنهم من حاول أن يجمع بين الواجبين، فقال: إن رجا أن يدرك مع الإمام شيئًا من الصلاة، فالأولى أن يشتغل بقضاء الفائتة، ثم يصلي الحاضرة مع الإمام ويقضي ما سبقه به، ويكون بهذا قد قام بواجب الترتيب، وأدرك أجر الجماعة.
ومنهم من قال: إن خشي أن تفوته ركعة مع الإمام قطعها، وإلا أتمها نافلة، إما مطلقًا، وإما بشرط أن يكون صلى منها ركعة، وقد وقفت على دليله في المسألة السابقة، وهذا القول يرجع إلى القول بوجوب تقديم الجماعة على الفائتة.
стр. 1668
• والراجح:
أن المصلي إذا أقيمت الصلاة، وعليه فائتة، فإن أقيمت قبل أن يتلبس بالفائتة فإنه يصلي مع الإمام بنية الفائتة، ولا مانع على الصحيح أن يقتدي من يصلي فرضًا بمن يصلي فرضًا آخر، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة.
وإن أقيمت الصلاة، وقد شرع في قضاء الفائتة، فإنه يتمها فريضة إن كان يمكنه أن يتمها ولم يَخْشَ فواتَ ركعةٍ منها، وإن خشي فوات ركعة قطعها، ودخل معهم بنية الفائتة؛ لأن المصلي مأمور بالصلاة مع الإمام إذا أقيمت الصلاة، حتى ولو كان قد صلى فرضه، فكيف بمن عليه فوائت، والذي لا شك فيه عندي أن النصوص الموجبة للجماعة آكد من النصوص الموجبة للترتيب، حيث لا يوجد نص مرفوع يوجب الترتيب إلا ما روي من فعل رسول الله ﷺ ، وهو يقضي بالاستحباب، وإلا ما روي من قول ابن عمر في إعادة الصلاة لفوات الترتيب، وهو أثر موقوف عليه ﵁، وهو حجة عند من يرى الاحتجاج بفعل الصحابي، وهو الحق، إلا أنني أحتاط من نزعة الاحتياط عند الصحابي ابن عمر ﵄، والله أعلم.
стр. 1669
المبحث الرابع إذا تذكر الفائتة وخشي فوات الجمعة
المدخل إلى المسألة:
• إذا أمكن أن يصلي الجمعة لم يكن له أن ينتقل إلى بدلها.
• أدلة وجوب الجمعة آكد من أدلة وجوب الترتيب على القول بوجوبه.
• ما كان واجبًا في العبادة مقدَّمٌ على ما كان واجبًا لها.
• ترتيب الفوائت على القول بوجوبه واجبًا للعبادة؛ لأنه ليس من ماهية الصلاة.
[م-٢٢٥] وجوب الجمعة آكد من وجوب الجماعة، فمن قال: يسقط الترتيب إذا خشي فوات الجماعة فسوف يقول بسقوطه إذا خشي فوات الجمعة من باب أولى، والأقوال في المسألة كالتالي:
قيل: تقدم الحاضرة، ولو خشي فوات الجمعة، ولا فرق بين الإمام والمأموم، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف (١).
وقيل: يصلي الجمعة، ثم يصلي الفائتة، من غير فرق بين الإمام والمأموم، وهذا قول محمد بن الحسن، وزفر من الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
وفرق المالكية بين الإمام والمأموم:
فقالوا في المأموم: يتمها جمعة، فإذا فرغ صلى الفائتة، واستحب له إعادة
стр. 1670
الجمعة ظهرًا قبل خروج وقتها، وهذا هو المشهور عندهم.
وإن كان إمامًا قطعها مطلقًا، ويسري البطلان إلى صلاة المأموم، ولا يستخلف، وهذا نص مالك (١).
وقال أشهب: إن كان إمامًا قطعها، واستخلف ولا يسري البطلان إلى صلاة المأموم، وإن كان مأمومًا، وعلم أنه يدرك ركعةً منها قطعها وصلى الفائتة، وإلا أتمها، وسقط الترتيب، ولا يجب عليه إعادتها ظهرًا.
وقيل: إن تذكر الفائتة قبل عقد ركعة بسجدتيها وجب القطع، وقيل: يندب، فلو تمادى على الأول صحت جمعة، وإن عقد ركعة بسجدتيها شفعها بأخرى وكانت نفلًا، ويتبع المأموم إمامه في ذلك، وإن تذكرها بعد ركعتين أتمها فريضة، وندب له إعادتها ظهرًا في الوقت. وهذا قول ثالث في مذهب المالكية (٢).
وقيل: إن ذكر قبل أن يركع قطع وقطعوا، وإن ذكر بعد أن ركع تمادى بهم، وأجزأتهم، وأعاد هو الصلاة، اختاره ابن كنانة من المالكية (٣).
هذا مجمل الأقوال، والسؤال: كيف ترتب الخلاف؟
فمن قال: يقدم الترتيب مطلقًا، ولو خشي فوات الجمعة:
هذا القول بناه على وجوب الترتيب، وأن الجمعة لها بدل عند العذر، ومن الأعذار عندهم مراعاة وجوب ترتيب الفوائت. وقد وقفت فيما سبق على أدلة القائلين بوجوب الترتيب، ومناقشتها.
стр. 1671
وأما من قال: تقدم الجمعة مطلقًا:
فهذا القول بناه على أن الجمعة تفوت، وإذا أمكن أن يصلي الجمعة لم يكن له أن ينتقل إلى بدلها، وأدلة وجوب الجمعة آكد من أدلة وجوب الترتيب.
وأما التفريق بين الإمام والمأموم، فيقطعها الإمام، ويتمادى المأموم:
فهذا مبني على اختيار المالكية في شروط صحة الاقتداء بين المأموم والإمام،
فالإمام حين تذكر أن عليه فائتة، وهو في الصلاة، كانت الفائتة أحق بالوقت من الحاضرة، فإن قلب الحاضرة نافلة لم تصح؛ لأنهم يشترطون مساواة الإمام مع مأمومه في ذات الصلاة، كظهر خلف ظهر، فلا يصح عندهم خلف عصر مثلًا، بل لا يصح عندهم ظهر يوم السبت خلف ظهر يوم الأحد، ولا عكسه.
كما يشترطون المساواة في صفتها، فلا يصح أداء خلف قضاء، ولا عكسه.
ويستثنون صحة صلاة نفل خلف فرض، لهذا قالوا: يتمادى المأموم؛ لأن انقلاب الصلاة إلى نفل في حقه لا يفسد عليه صلاته بخلاف الإمام، وستأتينا إن شاء الله تعالى مسائل هذا الباب في أحكام الإمامة.
وأما الاختلاف بين المالكية وأشهب في الاستخلاف فهو راجع إلى اختلافهم في صلاة المأموم، هل هي مرتبطة بصلاة إمامه فيسري البطلان إلى صلاة المأموم، أو ليست مرتبطة بها، فيصح الاستخلاف؟ وهي مسألة خلافية، سيأتي بحثها إن شاء الله تعالى في أحكام الإمامة.
وأما من قال: يقطعها إلا أن يكون قد صلى ركعة بسجدتيها:
فهذا القول قد ذكرت دليله في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وأما قولهم: يجب أن يقطعها فإن تمادى، ولم يقطعها، صحت منه الجمعة،
فهذا القول يمشي على قواعد المالكية القائلين بأن الترتيب واجب، وليس بشرط، وأن ترك الواجب في العبادة لا يبطلها، فرقًا بينه وبين ترك الشرط، وهذا خلاف قول الجمهور القائلين بأن تعمد ترك الواجب في العبادة يبطلها في الجملة (١).
стр. 1672
وأما من قال: يقطعها إلا أن يكون قد ركع:
فحمل إدراك الركعة بقوله: (من أدرك ركعة من الصلاة) على إدراك الركوع.
• الراجح في المسألة:
واضح أن المسألة ليس فيها نص يفصل القول يمكن للباحث أن يعتمد عليه، فكان الاجتهاد فيها تحكمه اختلافات المذاهب في تزاحم الواجبات على القول بوجوب الترتيب، وأيهما أولى بالتقديم، وجوب الترتيب، أو وجوب الجمعة، كما تحكمه اختلافاتهم في شروط صحة الاقتداء بين المأموم والإمام، والذي أميل إليه أن من عليه فوائت، وخشي فوات الجمعة، فإنه يقدم الجمعة؛ لأن النصوص في وجوب الجمعة لا نزاع فيها، فهي آكد من النصوص في وجوب الترتيب، وتكون هذه المسألة من المسائل التي يعذر فيها المصلي بفوات الترتيب على القول بوجوبه، والله أعلم.
стр. 1673
المبحث الخامس في الجهل بالفوائت
الفرع الأول إذا جهل قدر الفوائت
المدخل إلى المسألة:
• الشك الذي لا يستند لعلامة لغو؛ لأنه وسوسة (١).
• كل من شك في شيء أَفَعَلَهُ أم لا؟ فالأصل أنه لم يَفْعَلْهُ.
• غالب الظن بمنزلة اليقين.
• أكثر أحكام الشريعة قائمة على الظن إما لخفاء الدليل، أو لخفاء الدلالة، ولو اشترط اليقين لتعطلت الأحكام.
• الظن الشرعي: هو تغليب أحد الجانبين لأصل أو مرجح.
• قوله ﷺ : (إنما أقضي على نحو ما أسمع) أصل بالعمل بالظن.
• الأصل العمل بالظن إلا أن يقوم دليل على إلغاء الظن؛ كما لو ظَنَّ الحدث وتيقن الطهارة، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
[م-٢٢٦] إذا تيقن المصلي أو غلب على ظنه أن عليه فوائت وجب عليه القضاء، واختلفوا في وجوب القضاء بالشك.
فقال القفال من الشافعية: ما تيقن تركه فعليه قضاؤه، وما شك في تركه فلا يلزمه، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢).
стр. 1674
• وجه هذا القول:
الأصل عدم التكليف وبراءة الذمة إلا بيقين، فما تيقنت وجوبه في ذمتك فعليك قضاؤه، وما شككت في وجوبه فلا، لأن الأصل عدم الوجوب، فإذا شك في أصل الوجوب فالأصل عدم الوجوب، بخلاف ما لو شك في أداء فرض الوقت يلزمه فعله؛ لأن الأصل وجوبه في الذمة، ووقع الشك في سقوطه عن ذمته، والأصل عدم السقوط.
• ونوقش:
بأن هناك فرقًا بين الشك في أصل الوجوب، وبين الشك في أداء الفعل بعد وجوبه، فإذا ترك المصلي عددًا من الصلوات لم يعلم قدرها، وشك هل كان بالغًا وقت الترك لم يلزمه الفعل؛ لأنه شك في أصل الوجوب، أما إذا ترك البالغ عددًا من الصلوات، وجهل قدرها لزمه أن يصلي؛ لأن الشك ليس في وجوبه، وإنما في مقداره، فيخرج من العهدة بيقين.
جاء في شرح منتهى الإرادات: «ومن شك في قدر ما عليه من فوائت، وتيقن سبق الوجوب، بأن علم أنه بلغ من سنة كذا، وصلى البعض منها، وترك البعض منها، أبرأ ذمته أي قضى ما تبرأ به ذمته يقينًا؛ لأن ذمته اشتغلت بيقين، فلا تبرأ إلا بمثله، وإلا بأن لم يتيقن وقت الوجوب، بأن لم يَدْرِ متى بلغ، ولا ما صلى بعد بلوغه، فيلزمه أن يقضي حتى يعلم أن ذمته برئت مما تيقن وجوبه أي من الفرض الذي تيقن وجوبه، فيقضي منذ تيقن أنه بلغ، لا ما زاد عليه» (١).
وقيل: يلزمه قضاء ما زاد على ما تيقن فعله، وهو قول القاضي حسين من الشافعية، وهذا يعني وجوب القضاء بالشك، وبه قال الحنابلة (٢).
стр. 1675
• وجه هذا القول:
أنه إذا شك هل فعل أو لم يفعل، فالأصل عدم الفعل، فيقال: كم تيقنت من فرائض هذه السنة قد أديتها؟ فالذي تيقنت سقط عنك، والباقي في ذمتك؛ لأن الأصل اشتغال ذمتك بالفريضة، فلا يسقط إلا ما تحققه.
وقيل: إن كان من عادته الصلاة، ويندر تركه لها لم يلزمه إلا ما تيقن تركه، وإن كان يصلي في وقت، ويترك في وقت، ولم تغلب منه الصلاة، لزمه قضاء ما زاد على ما تيقن فعله، اختاره النووي من الشافعية (١).
• توجيه قول النووي:
أنه قد تعارض الأصل والظاهر، فالأصل فيما شك في فعله أنه لم يفعله،، ترك هذا الأصل عملًا بالظاهر لمن كان يندر منه ترك الصلاة، فلا يلزمه قضاء إلا ما تيقن بخلاف من غلب عليه ترك الصلوات، فإن الظاهر في جانبه ضعيف لكثرة الترك، فقدمنا الأصل في حقه.
وتوسط المالكية، فقالوا: الشك المعتبر ما كان عليه علامة، فلا يقضي إلا بغالب ظن، أو شك مؤثر في النفس (٢).
ويقصدون بالشك المؤثر في النفس: ما كان له علامة، فإن خلا من علامة فهو مجرد وَهْمٍ ووسوسة (٣).
قال زروق في شرحه: «الشك الذي لا يستند لعلامة لغو؛ لأنه وسوسة، فلا قضاء إلا لشك عليه دليل … » (٤).
وهذا قول وسط بين الأقوال.
стр. 1676
• والراجح:
أنه متى شك في شيء أَفَعَلَهُ أم لم يفعله، فالأصل أنه لم يفعله، ويجب عليه فعله، مع الأخذ باعتبار أن كثير الشكوك لا يلتفت إليه.
[م-٢٢٧] فإذا وجب عليه قضاء ما فات، فكيف يقضي ما جهل قدره من الفوائت، أيكفي أن يصلي حتى يغلب على ظنه أنه قد أنجز ما عليه، أم لا بد من اليقين؟
فقيل: يتحرى، فإن لم يمكنه التحري قضى حتى يتيقن أنه لم يَبْقَ عليه شيء. وهذا مذهب الحنفية (١).
وهو معنى قول بعض المالكية: إذا غلب على ظنه براءته كفى.
قال في شرح الإرشاد: «حتى يغلب على ظنه براءته؛ لأن غالب الظن كاليقين، فالمدار أن يتحقق براءة ذمته، ولو بغلبة الظن» (٢).
وقيل: لا يتحرى، بل يصلي حتى يتيقن أنه قد أبرأ ذمته، وخرج من العهدة بيقين، وهذا مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (٣).
• دليل من قال: يتحرى قدر الفوائت ويصلي:
الدليل الأول:
الأصل العمل بالظن إلا أن يقوم دليل على إلغاء الظن؛ كما لو ظَنَّ الحدث
стр. 1677
وتيقن الطهارة، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
الدليل الثاني:
أكثر أحكام الشريعة قائمة على الظن إما لخفاء الدليل، أو لخفاء الدلالة، ولو اشترط اليقين لتعطلت الأحكام.
الدليل الثالث:
(ح-٦٢٨) روى البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة،
قال: قال عبد الله صلى النبي ﷺ -قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- وفيه: إذا شك أحدكم في صلاته، فَلْيَتَحَرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (١).
وإذا جاز التحري في أركان الصلاة جاز التحري في الصلاة نفسها؛ لأن حقيقة الصلاة هي مجموع أركانها.
الدليل الرابع:
إذا جاز الإمساك والإفطار بغلبة الظن، وهو أحد أركان الإسلام جازت الصلاة بالتحري قياسًا عليه.
(ح-٦٢٩) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة،
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس (٢).
وجه الاستدلال:
حيث أفطر الصحابة في يوم غيم ثم طلعت الشمس، ولو كان الفطر لا يجوز إلا بيقين لما وقع.
• وجه القول بوجوب اليقين:
الدليل الأول:
ذكرنا أدلتهم في مسألة: في اشتراط اليقين في دخول الوقت، ومنزلة الظن في الأحكام الشرعية، والعمل به فقد ذكرت أدلتهم هناك، وناقشتها، فارجع إليها غير
стр. 1678
مأمور، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن الصلاة واجبة في الذمة بيقين، فلا تبرأ الذمة منها إلا بيقين، ولا يكتفي بغلبة الظن (١).
فمتى لزمه شيء، وشك هل فعله أو لا؟ لزمه فعله، لتيقن شغل الذمة به، فلا تبرأ ذمته إلا بتيقن فعله.
• ويناقش:
بأن وجوب الصلاة بيقين هذا لا نزاع فيه، وأما كون الذمة لا تبرأ منه إلا بيقين فغير مسلم، فإذا كنا في حال السهو في الصلاة مأمورين بالتحري، وتبرأ الذمة من الصلاة بغلبة الظن على الصحيح، فكذلك هنا.
والقول بأنه إذا لزمه شيء، وشك في فعله، لزمه فعله، فهذا على التسليم به، فهو في مسألة وجوب القضاء بالشك، أما كيفية القضاء، فإذا صلى حتى غلب على ظنه أنه قد فعل ما يجب عليه فعله كفاه ذلك.
• الراجح:
هذه المسألة فرد من مسائل كثيرة، هل يكفي العمل بغلبة الظن مطلقًا، أو لا يكفي الظن مطلقًا؟ بل لا بد من اليقين في براءة الذمة، أو يكفي الظن إذا تعذر اليقين، حيث التكليف باليقين مع تعذره من باب التكليف بما لا يطاق.
وعلى القول بأنه لا بد من اليقين، هل يلزمه صلاة ما تيقن تركه دون ما شك فيه؟ أو يجب عليه أن يصلي من الصلوات ما شك في فعله حتى يتيقن؟
والفقهاء ليست لهم قاعدة مطردة في هذا الباب، فهناك من المسائل ما يكفي فيها غلبة الظن كالاجتهاد في القبلة.
وهناك من المسائل ما قدم فيه اليقين وطرح الشك والظن، كما لو شك أو ظن خروج الحدث في صلاته، فإنه مأمور ألا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
ومثل هذه المسائل ما لو تعارض الأصل والظاهر، فالأصل هو المتيقن،
стр. 1679
والظاهر: ملحق بالظن، فهل يقدم الأصل أو العكس؟ وليس في المسألة ضابط مطرد، بل كل مسألة لها حكم خاص، فيقدم الأقوى من الأصل أو الظاهر (١).
وأرى أن قول من قال: يصلي حتى يغلب على ظنه أنه قد أبرأ ذمته أقوى من غيره من الأقوال؛ لأن الظن معمول به في الشرع، بل إن أكثر مسائل العلم العملية قائمة على الظن، فسوق الاجتهاد في مسائل العلم قائم على الظن، ولو استبعد الظن لسقط كثير من الأحاديث، ولتعطل كثير من الأحكام، ولأغلق باب القضاء، بل أطلق الله العلم على الظن في كتابه العزيز، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ٠١].
فالمقصود بالعلم هنا هو الظن؛ لأنه لا سبيل العلم بما في القلوب، والله أعلم.
стр. 1680
الفرع الثاني إذا علم العدد وجهل التعيين
المدخل إلى المسألة:
• إذا تعذر الجزم بالنية عذر للضرورة (١).
• ما شك في وجوبه عليه فالأصل عدم الوجوب، وما ثبت وجوبه وشك في أدائه وجب الخروج من العهدة، إما بيقين، أو غلبة ظن، ويحتاط لتحصيل الواجب.
• إذا تعذر اليقين انتقل إلى الظن الغالب، فإن تعذر انتقل إلى مطلق التحري، وهو ميل القلب إلى ترجيح أحد الأمرين.
• تعيين الصلاة بعينها أهو فرض، أم أن نية الفرض تغني عن تعيينه؟ فعلى الأول إذا نسي فائتة وجهل عينها وجب أن يصلي خمسًا، وعلى الثاني يكفي أن يصلي ثلاثًا، الصبح والمغرب بالتعيين، ويصلي رباعية بنية مطلق الفرض بلا تعيين.
•نية الفرض ونية عدد الركعات تغني عن تعيين الصلاة مطلقًا على الصحيح، ففي حال الاشتباه من باب أولى (٢).
وقيل:
• لا يمتنع أن يكون الشك سببًا في إيجاب خمس صلوات كما كان الشك سببًا لإيجاب سجود السهو (٣).
[م-٢٢٨] إذا نسي فائتة، وجهل عينها:
فقيل: يجب عليه التحري، فإن لم يستقر قلبه على شيء صلى خمسًا بنية
стр. 1681
الفرض، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا يتحرى، بل يصلي خمسًا بنية الفرض، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، زاد المالكية: يبدأ بالظهر، ويختم بالصبح (٢).
وهذان القولان قد عرفنا منزع الاجتهاد فيهما في المسألة السابقة: هل يحكم الظن مطلقًا، أو لابد من اليقين في إبراء الذمة، ولا يكتفي بغلبة الظن؟
واستشكل بعضهم وجوب الصلوات الخمس بأن النية لا بد أن تكون جازمة، وهنا لا جزم، لأنه ليس على يقين أن إحداها هي التي فاتته.
وقد علل العز بن عبد السلام مذهب القائلين بالصحة: أن الأصل وجوب كل واحدة من الصلوات في ذمته، فصحت لذلك نيته، ولظنه بقاء كل صلاة في ذمته.
ويشكل عليه بأن الله قد فرض على هذا الرجل صلاة واحدة، فإيجاب خمس صلوات عليه تكليف له بما لم يأمر الله به.
• وعلل القرافي وجوب الخمس:
بأن الشك في عين الصلاة نصبه الشارع سببًا لإيجاب خمس صلوات، فإذا صلى الخمس فهو جازم بوجوب الخمس عليه لوجود سببها الذي هو الشك، لا متردد في نيته حتى يقال: إن هذه المسألة مستثناة من قاعدة أن النية لا تصح في التردد» (٣).
وقوله بأنه جازم بوجوب الخمس عليه أي وجوب بدل، وإلا فالواجب عليه صلاة واحدة لا بعينها.
стр. 1682
وكما أن التردد ليس في قصد الصلاة، فالمؤدي يقصدها بلا تردد، وإنما التردد في الاعتقاد، أهي الصلاة الفائتة أم لا؟
وقوله: الشك هو سبب الوجوب، يقصد به وجوب الخمس عليه، وإلا فوجوب القضاء ثابت في الذمة جزمًا بلا شك.
وقيل: يقضي ثلاث صلوات: الفجر، والمغرب، ورباعية واحدة ينوي بها ما فاتته، وهو رواية عن أحمد، وبه قال محمد بن بشر (١).
أما صلاة المغرب والفجر فالأمر بصلاتهما خشية أن تكون الفائتة إحداهما، وأما الصلاة الرباعية فخشية أن تكون الفائتة إما صلاة الظهر أو العصر، أو العشاء، وهذا القول بناه مجتهده على أنه لا يجب في النية تعيين نوع الفريضة، بل يكفي أن ينوي صلاة رباعية بلا تعيين، وإنما ينوي أربعًا بنية الواجب الذي عليه، ويغني ذلك عن نية تعيين الفرض من ظهر، أو عصر، أو عشاء.
وهذه مسألة خلافية، والجمهور على وجوب تعيين نوع الصلاة، من ظهر، أو عصر، أو عشاء، وستأتينا هذه المسألة إن شاء الله تعالى في بحث مستقل.
وقال الثوري والمزني: «يلزمه أن يصلي أربع ركعات ينوي الفائتة التي عليه، ويجلس ويتشهد في ركعتين، ثم يجلس في الثالثة، ثم يجلس في الرابعة، زاد المزني: ويسجد للسهو ويسلم؛ لجواز أن يكون قد زاد في صلاته» (٢).
وقال الأوزاعي وابن حزم نحو هذا القول حيث قالا: يصلي أربع ركعات، يجلس في الثانية والرابعة، ثم يسجد للسهو، فأسقطا الجلوس في الثالثة.
• وجه وجوب هذه الصلاة بهذه الصفة:
أن الله فرض عليه بيقين مقطوع لا شك فيه صلاة واحدة، وهي التي فاتته، فمن أمره بخمس صلواتٍ، أو أكثر فقد أمره يقينًا بما لم يأمره الله تعالى به ولا رسوله ﷺ وفرضوا عليه صلواتٍ ليست عليه، وهذا باطل بيقين، فلا يجوز أن
стр. 1683
يكلَّفَ إلا صلاةً واحدةً كما هي عليه، ولا مزيد.
وكونه لا يدري أي صلاة هي، فلا يقدر البتة على نية لها بعينها، ولا بد له من نية مشكوك فيها: فينوي أنه يؤدي الصلاة التي فاتته ويعلمها الله، فيصلي ركعتين، ثم يجلس، ويتشهد، فإذا أتم تشهده فقد شك، أتمت صلاته أم صلى بعضها، وبهذا الشك دخل في جملة من أمره النبي ﷺ إذا لم يَدْرِ كَمْ صلى أن يصلي حتى يكون على يقين من التمام، وعلى شك من الزيادة، فيقوم إلى ركعة ثالثة، ولا بد إذا رفع رأسه من السجدة الثانية منها فقد شك: هل أتم صلاته التي عليه إن كانت هي المغرب، فيقعد حينئذٍ؟ أم بقيت عليه ركعة إن كانت هي الظهر، أو العصر، أو العشاء، فإذا صار في هذه الحال فقد دخل في جملة من أمره النبي ﷺ إذا لم يدر كم صلى، بأن يصلي حتى يكون على يقين من التمام، وعلى شك من الزيادة، فعليه أن يقوم إلى رابعة، فإذا أتمها وجلس في آخرها، وتشهد، فقد أيقن بالتمام، وحصل في شك من الزيادة، فَلْيُسَلِّمْ حينئذٍ، وليسجد للسهو كما أمره الله (١).
وهذا أضعف الأقوال؛ لأن هذه الصلاة لا مثيل لها في الصلوات المفروضة، ودخل بالصلاة دون أن ينوي بفعله هذا صلاة بعينها، لأنه يتنقل بها من ثنائية إلى ثلاثية إلى رباعية، وفي كل مرة يزيد ركعة ينوي بها الصلاة التي فاتته، ونيته فيها غير جازمة، والله أعلم (٢).
• الراجح:
أن المقدم في مثل هذا هو التحري إن أمكن، وهو إعمال الاجتهاد في تعيين الفائتة، والخطأ في الاجتهاد معذور فيه صاحبه، والظن سبيل كل من تعذر للوصول إلى اليقين، وإن لم يمكن التحري والاجتهاد فإنه يصلي ثلاث صلوات، الفجر، والمغرب، ورباعية ينوي بها الواجب الذي في ذمته؛ ليخرج من العهدة بيقين، والله أعلم.
стр. 1684
الفرع الثالث إذا علم العدد وجهل الترتيب
المسألة الأولى فيمن نسي ظهرًا وعصرًا من يومين وجهل السابق
المدخل إلى المسألة:
• فوات الترتيب لا يؤدي إلى فوات العبادة، وهي الغاية المقصودة.
• الجهل بالترتيب أخف من الجهل بالفوائت.
•الفوائت لا تسقط بالعجز عن واجباتها، ويسقط الترتيب بالعجز كسائر واجبات العبادة على القول بوجوبه.
• إذا سقط الترتيب بالنسيان عند القائلين بوجوبه، سقط بالعجز من باب أولى.
• الترتيب إن كان واجبًا للعبادة لم يؤثر تركه ولو تعمَّد كما لو ترك الأذان والجماعة، وإن كان واجبًا فيها فيسقط بالعجز كسائر الواجبات.
[م-٢٢٩] إذا نسي الرجل ظهرًا وعصرًا من يومين وجهل السابق:
فقيل: يصلي ثلاث صلوات، ظهرًا بين عصرين، أو عصرًا بين ظهرين، وأي صلاة بدأ بها ختم بها، سواء أكان اليومان معلومين كالسبت والأحد، أم كانا مجهولين، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة، وذهب إليه أبو حنيفة بشرط أن يتعذر التحري (١).
стр. 1685
• وجه القول بوجوب ثلاث صلوات:
أن الترتيب بين الفوائت واجب، ولا يمكن تحصيله في هذه الصورة بيقين إلا بأن يصلي ثلاث صلوات؛ لأن الظهر لو كانت هي التي فاتت أولًا فقد وقعت موقعها وجازت، وتحسب إعادة الظهر بعد العصر نافلة له، ولو كانت العصر هي المتروكة أولًا، حسبت الظهر التي أداها قبل العصر نافلة له، فإذا أدى العصر بعدها فقد وقعت موقعها وجازت، ثم إذا أدى الظهر بعدها وقعت موقعها وجازت، فحصل له الترتيب، وخرج من العهدة بيقين.
وقيل: إن علم اليومين كالسبت والأحد فإنه يصلي ظهرًا للسبت، وعصرًا للأحد، ثم عصرًا للسبت، ثم ظهرًا للأحد، وهو قول في مقابل المشهور في مذهب المالكية (١).
وقيل: يتحرى، فيبني على غالب ظنه، فإن استوى الأمران عنده بدأ بما شاء منهما، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، أخذ بها المتأخرون من أصحابه (٢).
• وجه القول بأن فرضه التحري:
هذا القول يرى بأن التحري أولى من اليقين؛ ذلك أن هذا الرجل قد ترك صلاتين، وكوننا نأمره أن يصلي ثلاثًا خلاف ما افترضه الله عليه، لهذا سقط تكليفه