← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

هذا التفريق، فإن الوتر من صلاة الليل بالاتفاق، وليس من صلاة النهار، والليل ينتهي بطلوع الصبح، وما فعل خارج وقته لا فرق فيه بين فعله قبل صلاة الصبح أو بعد طلوع الشمس، فالكل يصدق عليه أنه قضاء. الجواب الثالث: هذه الآثار تدل على قضاء صلاة الوتر قبل صلاة الصبح، ولا دلالة فيها على المنع من القضاء بعد صلاة الصبح، فهي فرد من أفراد العموم في حديث أبي سعيد المرفوع: من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره، فهذه الآثار تجري على قول الأصوليين إن ذكر فرد من أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي تخصيصًا. فقولكم بتخصيص القضاء فقط قبل صلاة الصبح لا دليل عليه من هذه الآثار، وأما بيان كيف يصليه إذا نام عنه فقد بينت السنة أن ذلك يكون بالتعويض عنه بأن يصليه شفعًا، والمبين مقدم على المجمل، وعلى فرض التعارض فالمرفوع مقدم على الموقوف. الجواب الرابع: قول عائشة في صحيح مسلم: كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة (١). قوله: (كان -الدالة على التكرار- إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار) عمومه يشمل ما إذا كان قد أدرك الصبح في وقته، أو نام حتى فات الصبح؛ لأن الحديث لم يفرق بين الحالين، بل إن مفهوم الشرط يدل على أن ذلك الوجع أو النوم لم يكن يغلبه عن صلاة الصبح، فكان النبي ﷺ يقضي الوتر في النهار شفعًا، أدرك الصبح، أو لم يدركه، هذه هي السنة المرفوعة، فكانت أولى بالعمل والتقديم. • دليل من قال: إذا تعمد تركه لم يقضه: الدليل الأول: (ح-٦٦٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عوف، أخبرنا عثمان بن سعيد، عن أبي غسان محمد بن مطرف المدني، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره.

стр. 1752

[صحيح] (١). وجه الاستدلال: خص قضاء الوتر بمن نام عن وتره أو نسيه، فكان خاصًّا بالمعذور، فمن ترك الوتر بلا عذر فلا يشمله الحديث، فلا يشرع له القضاء؛ لأنها عبادة مؤقتة، فتفوت إذا فات وقتها. • ويناقش: إذا صح وقوع العبادة خارج وقتها من المعذور صح وقوع العبادة من غير المعذور، فالعبادات التي لا تصح أن تقع خارج وقتها لا تصح مطلقًا من غير فرق فيها بين المعذور وغيره، كالحج، والوقوف بعرفة، ونحو ذلك، فإذا صحت الصلاة خارج وقتها، كان المصلي مأمورًا بفعلها مطلقًا. فإن قيل: لِمَ خَصَّ الشارع النوم والنسيان؟ فالجواب أن الشارع خصهما بالذكر -والله أعلم- لبيان أنهما وإن رفعا أهلية الأداء فإنهما لا يرفعان أهلية القضاء، بخلاف ما لو كان العبد يتعرض لجنون متقطع، فإنه لو مر عليه وقت العبادة، وهو مجنون لم يطلب منه القضاء؛ فبين الشارع أن النائم والناسي، وإن كانا غير مكلفين وقت النوم إلا أنهما يختلفان عن المجنون، فمن نام أو نسي كان مأمورًا إذا استيقظ أو تذكر بقضاء العبادة وجوبًا في الواجبات، واستحبابًا في المندوبات، ولا يدل على أن غيرهما لا يقضي، وقد بينت ذلك مع مزيد إيضاح في الخلاف في قضاء من ترك الصلاة عمدًا، فارجع إليه إن شئت. الدليل الثاني: (ح-٦٦١) ما رواه ابن خزيمة من طريق أبي داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدركه الصبح ولم يوتر، فلا وتر له (٢). [رجاله ثقات]

стр. 1753

وجه الاستدلال: أن قوله ﷺ : (من أدركه الصبح إلى قوله: فلا وتر له) عام يشمل المعذور وغير المعذور، خص منه المعذور في حديث أبي سعيد مرفوعًا: من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره. وسبق الجواب عن حديث أبي سعيد: بأن يحيى بن أبي كثير قد رواه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فخالف فيه قتادة في لفظه، حيث رواه بلفظ: أوتروا قبل أن تصبحوا، فأمر بالوتر قبل الصبح، ولم يَنْفِ الوتر عمن أصبح. قال البيهقي: رواية يحيى بن أبي كثير كأنها أشبه. وأن نفي الوتر بقوله: (فلا وتر له) أي لا يمكنه أن يقضيه على صفته وترًا، وإن كان يمكنه أن يصليه شفعًا بزيادة ركعة .. والمرء إذا ترك قيام الليل كسلًا مع قدرته، ثم بدا له أن يتدارك ذلك، ويصلي من النهار شفعًا تعويضًا لما فاته، لا يقال له: لا تفعل؛ لأن ذلك داخل في النفل المطلق، وهو من عمل الخير الذي يحسب للعبد، ويحمله ذلك على فعل الوتر في وقته مستقبلًا، والله أعلم. • الراجح: أن الوتر يفوت بطلوع الصبح، وأن الأولى إذا فات أن يعوض ذلك بالصلاة من النهار شفعًا، بأن يصلي مقدار ما كان يصلي من الليل ويزيد ركعة، هذا ما تدل عليه السنة المرفوعة، وسواء أترك ذلك لعذر أم لغير عذرٍ، والله أعلم.

стр. 1754

الفرع الرابع في الاشتغال بالنوافل المطلقة قبل الفائتة المدخل إلى المسألة: • صح تأخير الفائتة لصالح الراتبة القبلية. • الأصل أن التقرب بالفرائض أحب إلى الله وأعظم أجرًا من الانشغال عنها بالنفل المطلق. • إذا كان الانشغال بالسنن الراتبة لا ينافي الفورية فهل يقاس النفل المطلق على الراتبة؟ • إذا رجحنا أن قضاء الفوائت على التراخي جاز التنفل المطلق قبله وإن كان خلاف الأولى. [م-٢٣٤] الانشغال بالنوافل المطلقة عن قضاء الفوائت يرجع إلى مسألة سبق بحثها في قضاء الفوائت أهو على الفور، أم هو على التراخي؟ قال ابن رجب في القواعد: من عليه فرض، هل له أن يتنفل قبل أدائه بجنسه، أم لا؟ هذا نوعان: أحدهما: العبادات المحضة، فإن كانت موسعة جاز التنفل قبل أدائها كالصلاة بالاتفاق، وقبل قضائها أيضًا كقضاء رمضان على الأصح، وإن كانت مضيقة لم تصح على الصحيح … (١). وقد ذكرنا أن الجمهور يرون أن قضاء الفوائت على الفور مطلقًا، معذورًا كان أو غير معذور. وقال الشافعية في الأصح إن كان معذورًا فهو على التراخي، وإن كان غير

стр. 1755

معذور فهو على الفور. [م-٢٣٥] إذا علم ذلك نأتي إلى مسألتنا، فقد اختلف العلماء في التنفل لمن عليه فوائت: فقيل: لا يجوز الانشغال بالنوافل عن قضاء الفائتة. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة (١). على خلاف بينهم في الصحة: فقال المالكية والحنفية: يصح مع الإثم (٢). وذهب الحنابلة في الأصح إلى أنه لا ينعقد، لأنه بمنزلة النفل إذا أقيمت الصلاة، والنفل في أوقات النهي (٣). وقيل: له أن يتنفل مطلقًا، وهو وجه في مذهب الشافعية، والحنابلة (٤). وقال

стр. 1756

ابن العربي: له التنفل، ولا يبخس نفسه من الفضيلة (١). وقال الشافعية: إن كان معذورًا فله أن يتنفل، لأن القضاء ليس على الفور، وإن كان غير معذور فليس له أن يتنفل؛ لأن القضاء يجب فورًا، والتنفل يشغله عن ذلك (٢). وقال القوري من المالكية: إن كان يترك النفل لقضاء الفرض فلا يتنفل، وإن كان للبطالة فتنفله أولى. قال زروق: ولم أعرف من أين أتى به (٣). ولعل زروقًا يقصد بالنسبة للمذهب، وإلا فواضح وجهه من الفقه، ولا يُعتبر قولًا جديدًا، فهو يرجع إلى قول ابن العربي. • دليل من قال: لا يتنفل قبل الفائتة: الدليل الأول: (ح-٦٦٢) روى البخاري من طريق همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. (ح-٦٦٣) ورواه مسلم من طريق سعيد والمثنى، عن قتادة، به بلفظ: من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. قال المثنى: أو غفل عنها بدلًا من نسي. وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (فليصلها إذا ذكرها): فالحديث يأمر بأن يصلي الفائتة وقت ذكرها، فيتعين وقتها بالذكر، وهو مقدار ما تفعل فيه، فلا يجوز أن يفعل غيرها فيه؛ إذ بذكرها صار الوقت لها مضيقًا، فاشتغاله بالنافلة يتضمن تأخير الفائتة. • ويناقش: بأن حديث أبي هريرة في مسلم في قصة تعريس النبي ﷺ وأصحابه في الوادي

стр. 1757

حتى طلعت الشمس، حيث سار النبي ﷺ ساعة ثم نزل، فصلى سنة الصبح، ثم صلى الصبح (١). ولو كان مأمورًا بأن يصليها وقت تذكرها لم يصح التنفل قبلها، ولما صح أن يسير ساعة قبل أن يصليها، ومن المعلوم أن انتقال الجيش بعد نومه بالوادي، وتحركه من مكان إلى آخر يستدعي وقتًا ليس باليسير، وكونه كُرِه المكان لأنه أصابتهم فيه غفلة، أو حضرهم فيه شيطان لا يجعل الصلاة مكروهة بجميع الوادي، ولا يترك الواجب إلا لمحرم، وليست الصلاة بالوادي محرمة على الصحيح، وقياس مكان الوادي على الحش (مكان الشياطين) قياس مع الفارق، فالوادي ليس مكانًا للشيطان، وإلا لما نام فيه الرسول ﷺ ، بل حضوره فيه عرض كحضور الشيطان عند إقبال العبد على الصلاة يذكِّره: اذكر كذا، اذكر كذا، يذكره ما كان ناسيه حتى لا يدري كم صلى، فدل على أن القضاء ليس على الفور، وأن التنفل قبل الفائتة مباح. الدليل الثاني: (ح-٦٦٤) ما رواه أحمد من طريق سعيد بن أبي سعيد -يعني المقبري صاحب أبي هريرة- عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هويًا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كُفِينَا القتال، وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أمر النبي بلالًا فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب، فصلاها كما يصليها في وقتها (٢). [صحيح] (٣). (ح-٦٦٥) وروى أحمد عن هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن

стр. 1758

أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، أن المشركين شغلوا النبي يوم الخندق عن أربع صلواتٍ، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، قال: فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء (١). [رجاله ثقات، وأكثر العلماء على أن رواية أبي عبيدة من أبيه في حكم المتصل] (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يُصَلِّ الرواتب مع الفوائت، فالنفل المطلق أولى أن يترك من الرواتب. •وقد يناقش: بأن الحديث دليل على أن الفوائت إذا كثرت لا تقضى سننها معها، فكان هذا من باب التخفيف، ولذلك قضى راتبة الفجر مع الفريضة حين فاتت، وقضى راتبة الظهر البعدية بعد العصر وحدها، وعلى التسليم فإن مجرد الترك لا يدل على تحريم الفعل فضلًا أن يدل على بطلان النافلة. الدليل الثالث: النفل والفرض عبادتان من جنس واحد، إلا أن النفل المطلق لا وقت له، ويمكن للعبد أن يتقرب به إلى الله بعد الفريضة، والفريضة أحب إلى الله من النافلة: ما تقرَّبَ إِلَيَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، فلم يكن له أن يشتغل بالمفضول عن الفاضل، وبالنفل عن الواجب، وفيما لا وقت له بما له وقت فرضه الشارع أن يصليه إذا ذكره، فكان مقتضى فقه الأولويات أن يقدم قضاء الفائتة على جميع شأنه، وليس على التنفل فحسب. • ويناقش: هذا الدليل مسلم، لكنه يدل على أن الاشتغال بالفرض أولى من الاشتغال بالنافلة، ولا يدل على التحريم فضلًا أن يدل على بطلان النافلة، وكيف الجواب عن تقديم راتبة الفجر على صلاة الغداة، مع أنه يصدق عليه أنه اشتغال بنافلة عن

стр. 1759

فريضة، لهذا كان المالكية يرون تقديم الصبح على سنتها في القضاء كما مر معنا، وهو خلاف السنة المنقولة. • دليل من قال: إن كان معذورًا له أن يتنفل: الدليل الأول: (ح-٦٦٦) روى مسلم من طريق يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، حدثنا أبو حازم، عن أبي هريرة قال: عرسنا مع نبي الله ﷺ ، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة (١). وجه الاستدلال: إذا صح التنفل بركعتي الفجر قبل الفائتة، وهي صلاة ليست واجبة صح التنفل المطلق قبلها؛ لأن النفل جنس واحد، وكون بعضه أفضل من بعض ليس هذا مناط الحكم، وإنما مناطه: أنه اشتغال بصلاة ليست واجبة وتقديمها على الفريضة. كما أن في الحديث دلالة أخرى: وهو إذا صح تأخير الفائتة عن وقت تذكرها صح التنفل قبلها؛ لأن النافلة لم تزاحم الفائتة في وقتها، وسبق إيضاح الاستدلال بهذا الحديث في أثناء مناقشة القول السابق بما يغني عن إعادته. وقصرنا الجواز على المعذور؛ لأن هذا الدليل إنما ورد في حق النائم، فلا يُعدَّى الحكم إلى غيره؛ لعدم المساواة. الدليل الثاني: يمكن أن يستدل بأن الاستماع لخطبة الجمعة واجب، ومع ذلك فالرجل إذا دخل المسجد يوم الجمعة، والإمام يخطب كان مأمورًا بأن يصلي ركعتين، وهما نافلة في حقه على الصحيح، فإذا صح في الشريعة الاشتغال بالنافلة عن الواجب وقت الشروع بالواجب فلأن يصح الاشتغال بالنافلة عن قضاء الفائتة قبل الشروع

стр. 1760

في الفرض من باب أولى. • ويناقش: لا نسلم أن الإنصات كان واجبًا على الداخل لصلاة الجمعة قبل صلاته تحية المسجد، فالأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يَبْقَ واجبًا. بيان ذلك أَنْ نسأل: متى يجب على المصلي سماع الخطبة؟ أيجب بمجرد الاستماع، ولو كان خارج المسجد، أم يجب الاستماع بمجرد دخوله المسجد قبل أن يجلس، أم لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد؟ فحديث جابر في قصة سليك الغطفاني يبين أنه لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد، وبالتالي لا يصح القول بأنه انشغل بالنافلة عن واجب؛ لأن ذلك مقيد بما إذا شُرِعا في محل واحد، ونظير هذا الرجل يدرك الإمام قائمًا في الصلاة، ويغلب على ظنه أن القيام الباقي قد لا يسع إلا مقدار الفاتحة، ومع ذلك له أن يستفتح قبل الفاتحة، والاشتغال بالاستفتاح اشتغال بسنة عن ركن أو واجب، ولا تثريب عليه إذا فاتت الفاتحة في أحد قولي أهل العلم؛ لأن هذا هو الترتيب المأمور به في الصلاة، مع أنه لو ترك الاستفتاح متعمدًا لم تبطل صلاته في أصح قولي أهل العلم، والله أعلم. • دليل من قال: يصح التنفل مطلقًا للمعذور وغيره: استدلوا بأدلة من قال: إذا كان معذورًا له أن يتنفل؛ ويرون أن وصف العذر ليس له أثر في صحة النافلة، وإنما أثره في رفع الإثم في ترك الفريضة حتى فاتت، فالجهة منفكة. • دليل من قال: النافلة تصح مع الإثم: إذا تنفل قبل الفريضة أُجِرَ من حيث كون الفعل قربة، وأثم من حيث إنه تأخير للفائتة؛ لأننا إذا صححنا النافلة مع الإثم فالصحة لا تعني إلا الثواب عليها. • دليل من قال: النافلة باطلة: قياس التنفل قبل الفائتة على النافلة إذا أقيمت الصلاة، والنافلة في أوقات النهي.

стр. 1761

• ويجاب: بأن النهي عن الصلاة في أوقات النهي عائد إلى ذات العبادة، فلم تصح، وكذلك النهي عن النافلة إذا أقيمت الصلاة بأن الوقت قد تعين للفريضة، ومع ذلك لا تبطل النافلة بمجرد إقامة الصلاة، وإنما تبطل إذا كان يخشى أن تفوته الركعة الأولى على قول، وقيل: إذا كان يخشى ألا يدرك الجماعة، بخلاف النافلة قبل الشروع في الفريضة، فقد صح قضاء راتبة الفجر قبل قضاء فريضتها، فبطل القياس، والله أعلم. • الراجح: حكم المسألة راجع إلى مسألة قضاء الفائتة أهو على الفور، أم على التراخي؟ وإذا كان على الفور، أيعتبر قضاء راتبة الفجر قبل الفريضة ينافي الفورية، أم أن راتبة الصلاة القبلية داخلة فيها؟ فإذا كانت الفورية لا تمنع من انتظار استكمال الرفقة طهارتهم ليصلوا جماعة لم تمنع من صلاة راتبة الوقت قبلها، والذي يشكل على وجوب الفورية هو انتقال النبي ﷺ وخروجه بالجيش من الوادي، فالقائلون بالفورية يرونه وقتًا يسيرًا، والشافعية يرونه وقتًا طويلًا، لهذا الدليل أرى أن القول بالفورية قوي وإن كان فيه ما يشوش على مأخذه، ولا شك أن الأولى أن يشتغل بالفائتة خاصة أن النفل المطلق وقته مفتوح، وللخروج من الخلاف، فإن فعل لم يبطل عبادته، والله أعلم.

стр. 1762

الشرط السادس [¬*] ستر العورة تمهيد في تعريف العورة تعريف العورة: العورة في الاصطلاح (١): القبل والدبر وكل ما يستحيا منه إذا ظهر. وسميت بذلك لأن انكشافها يسوء صاحبها، ولذلك سميت سوءة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢]. والمكلفون صنفان: رجال ونساء ولكل منهما عورة تخصه وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. والعورة التي هي محل عناية الفقهاء هي العورة الظاهرة. وأما أهل السلوك فيعتنون بالعورة الباطنة، قال الغزالي: «أما ستر العورة: فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق، فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق، فما بالك في عورات باطنك، وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك فأحضرْ تلك الفضائح ببالك وطالبْ نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يستر

стр. 1763

عن عين الله -سبحانه -ساتر، وإنما يكفرها الندم والحياء والخوف، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث وجود الخوف والحياء من مكانها فتذل به نفسك، ويستكن تحت الخجلة قلبك، وتقوم بين يدي الله قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسًا رأسه من الحياء والخوف» (١).

стр. 1764

الفصل الأول ستر العورة لا يختص بالصلاة المدخل إلى المسألة: • عورة النظر معقولة المعنى، وعورة الصلاة كذلك على الصحيح. • لا فرق بين عورة النظر وعورة الصلاة في حق الرجل. • وضع الثوب على العاتق في الصلاة لم نؤمر به من أجل ستره، ولم يَأْتِ الأمر بصفة الستر. • لم نؤمر بوضع طرفي الثوب على العاتقين إلا إذا صلينا في الثوب الواحد من أجل تأمينه من السقوط، لا من أجل ستر العاتق، يفسره قوله في الرواية الأخرى: (وليخالف بين طرفيه). • هناك فرق بين عورة النظر وعورة الصلاة في حق المرأة، فالشعر يجب ستره في الصلاة، ويجوز النظر إليه من المحارم. • شعر المرأة، أيكون الأصل فيه أنه عورة وإنما جاز كشفه للمحارم مراعاةً للمشقة، فوجب تغطيته للصلاة وعن الأجانب اعتبارًا بالأصل، أم أن الأصل فيه كونه ليس بعورة في حق المحارم، وإن كان عورة في حق غيرهم، فيكون هناك فرق بين عورة النظر وعورة الصلاة؟ فيه تأمل. [م-٢٣٦] ذهب الجمهور إلى أن ستر العورة فرض للصلاة من أجلها، وبه قال ابن حزم (١).

стр. 1765

وقال المالكية في المشهور: ستر العورة لا يختص بالصلاة، بل هو فرض في نفسه من أجل النظر (١). قال ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة: «لما اتفقنا على أن ستر العورة عن أعين الناس واجب على كل حال دل على أنها ليست من شروط الصلاة» (٢). قال ابن العربي: «وأما مالك فالمشهور من قوله أنها فرض إسلامي لا تختص بالصلاة؛ وهو أشهر أقوالنا» (٣). وقال ابن رشد في المقدمات عن الخلاف في ستر العورة، فقال: «قيل: إنه فرض من فرائض الصلاة مع القدرة عليه، وقيل: إنه فرض قائم بنفسه في الجملة، وسنة في الصلاة … » (٤). وقال ابن رشد: «اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا، أهو شرط من شروط صحة الصلاة، أم لا؟» (٥).

стр. 1766

• وسبب الخلاف: ستر العورة عن النظر إليها لا يختص بالصلاة، وهو مطلوب في الصلاة، فهل كان مطلوبًا للصلاة من أجلها، أو من أجل النظر؟ فمن قال: إن ستر العورة مطلوب للصلاة من أجلها، أوجب الستر للصلاة حال الخلوة، وفي الظلمة، وحتى عن نفسه، حتى جعل بعضهم عورة الصلاة تختلف عن عورة النظر، فالحرة يجب ستر شعر رأسها من أجل الصلاة، ولا يجب ستره عن المحارم، وأوجب بعضهم ستر أحد المنكبين للرجل في الصلاة، ولا يجب ستره من أجل النظر، وعليه تكون عورة الصلاة تعبدية، وعورة النظر معقولة المعنى. ومن قال: إن ستر العورة مطلوب في الصلاة لا من أجلها، بل من أجل النظر لا يرى وجوب ستر العورة في الخلوة، والظلمة، ولا سترها عن نفسه، وهو يصلي، ويرى أن كل عورة خارج الصلاة فهي عورة في الصلاة، والعكس صحيح، وهي مسائل سوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في هذا الباب، وذكر أدلتها. «وليس الاستتار لأجل الاستخفاء من الله تعالى؛ إذ هو سبحانه بصير لا تخفى عليه خافية، وإنما ذلك ظن الذين كفروا، والذين أَخْبَرَ الله عنهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]، ولكن يعني الاستحياء منه مبلغ الجهد» (١). وفرق بين نظر الله للعبد حين يرى منه المكشوف تاركًا للأدب، أو يرى المستور متأدبًا. وعلى القول بأن ستر العورة لا يختص بالصلاة لا يمتنع أن يكون عاصيًا به داخل الصلاة، مبطلًا للصلاة بفعله (٢). والذي أميل إليه استواء عورة النظر وعورة الصلاة في حق الرجل، وأما ستر المنكب فلم يَأْتِ أمر به من الشارع مطلقًا، وإنما أمر به إذا صلى في ثوب واحد، وكان الغرض منه شد الثوب حتى لا تنكشف عورته، ولهذا قال: وليخالف بين

стр. 1767

طرفيه، فهو مطلوب لغيره. وأما التفريق في حق المرأة بين عورة النظر وعورة الصلاة فهو محل اجتهاد، ويرجع التفريق بين العورتين في الموقف من شعر المرأة: فشعر المرأة يجب ستره عن الأجانب وفي الصلاة، ولا يحرم النظر إليه من المحارم، فهل هذا التفريق مرده إلى اختلاف العورة بين النظر والصلاة؟ أو يقال: شعر المرأة الأصل فيه أنه عورة وإنما جاز كشفه للمحارم مراعاة للمشقة، فوجب تغطيته عن الأجنبي لانتفاء المشقة، ووجب تغطيته في الصلاة كما يجب تغطيته عن الأجنبي لكونه عورة في النظر، فلا يكون هناك فرق بين عورة النظر وعورة الصلاة. ومع كون الشعر من المرأة عورة بالاتفاق إلا أن هناك خلافًا في بطلان الصلاة بكشفه، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في بحث مستقل، والله أعلم. والحنفية الذين يذهبون إلى تحريم كشف العورة خاليًا من غير حاجة لا يحرم بعضهم كشف ما فوق السرة ودون الركبة من المرأة في الخلوة، وإن كان من كشف العورة، وهذا تفريق منهم في المسألة بين عورة النظر وغيرها (١).

стр. 1768

الفصل الثاني في حد العورة المبحث الأول حد عورة الرجل المدخل إلى المسألة: • العورة السوءتان، والفخذ حريم لهما. • لم يصح حديث في أن الفخذ عورة، والإجماع على عورة السوءتين. • تقصَّد أنس النظر إلى فخذ النبي ﷺ ونقل للأمة صفة فخذه الشريفة حين انحسر الإزار عن فخذه. • لو كان الفخذ عورة لحفظ الله عورة نبيه من الانكشاف، ولامتنع أنس من النظر إليه، فدل على أن الفخذ ليس بعورة في النظر. • عقد بعض الصحابة أُزُرَهَمْ على أعناقهم، كهيئة الصبيان، وقيل للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا، ولو كان الفخذ عورة في الصلاة لما فضلوا تغطية البطن والصدر على حساب كشف الفخذ. • لو اقتصروا على الائتزار به فقط لكان سابغًا إلى الكعب، وما ضرهم كشف البطن والصدر في الصلاة. [م-٢٣٧] اتفق الحنفية وجمهور المالكية، والشافعية، والحنابلة على أن ما بين السرة والركبة عورة، واختلفوا في السرة والركبة: فقال الجمهور: لا يدخلان في حد العورة (١).

стр. 1769

وقال الحنفية: الركبة وحدها من العورة، وهو قول في مذهب المالكية، ووجه عند الشافعية، وبه قال عطاء (١). وقيل: السرة وحدها من العورة، وهو قول لبعض الحنفية، ووجه عند الشافعية (٢). وقيل: كلتاهما من العورة، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقول عند المالكية، ووجه عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (٣). وقيل: العورة الفرجان فقط، وهو قول عند المالكية رجحه ابن العربي، ورواية عن أحمد، اختارها صاحب المحرر، وصاحب مجمع البحرين، ومال إليها صاحب النظم، وأبو البركات، وقال ابن مفلح في الفروع وابن رزين في شرحه: وهي أظهر، وحكي عن الإصطخريِّ من الشافعية، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال محمد بن جرير الطبري، وابن أبي ذئب (٤).

стр. 1770

وقال سند: «مقتضى النظر أن العورة السوءتان، وأن الفخذ حريم لهما» (١). ومال شيخنا ابن عثيمين إلى أن الفخذ ليس بعورة في النظر، وإن كان عورة في الصلاة لكون ستره من زينة الصلاة، وإذا رجع حكمه إلى الزينة رجع ستره إلى الاستحباب على التسليم باستحباب الزينة. وروى أبو الفرج عن مالك ما ظاهره أن ستر جميع بدن الرجل واجب الصلاة. وهو أضعف الأقوال (٢). قال خليل: «أي ستر كل ما يستره القميص، وليس مراده الرأس ونحوه، ولا يريد هذا القائل أن جميع البدن عورة» (٣). هذه أقوال المسألة، وحيث وفق الله للوقوف عليها، فقد حان عرض الحجج التي قامت عليها لنلتمس أقواها وأقربها للحق، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. • دليل من قال: العورة الفرجان: الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]. وجه الاستدلال: قال الخليل: «والسوءة: فرج الرجل والمرأة، قال الله . ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا

стр. 1771

سَوْآَتُهُمَا﴾ [طه: ١٢٢]» (١). الدليل الثاني: (ح-٦٦٧) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا (٢). ورواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان به، وقال: من ضِيقِ الأُزُرِ (٣). وجه الاستدلال: فاحتاط النبي ﷺ لعورة النظر من قبل النساء خاصة، فأمرهن بتأخير المتابعة المستحبة احتياطًا للنظر، ولم يأمر الرجال بالاتِّزَار فقط بدلًا من جعل الثوب مع ضيقه يقوم مقام الإزار والرداء، ويغطي قدرًا من البطن والصدر لا يضر المصلي كشفه، مع أنه ﷺ أرشد جابرًا ﵁ بقوله: (وإن كان ضيقًا فَاتَّزِرْ به) رواه البخاري. فدل الحديث على أحد احتمالين: إما أن يكون ما ينكشف ليس بعورة، وهو دليل على أن الفخذ ليس بعورة في حق الصلاة، وإن كان عورة في النظر، وإما أن يدل على أن تعمد كشف العورة في الصلاة لا يبطلها. الدليل الثالث: (ح-٦٦٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: إسماعيل بن علية، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة

стр. 1772

بغلس، فركب نبي الله ﷺ وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ ، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ (١). وفي الحديث ثلاث دلالات على أن الفخذ ليس بعورة: الأولى: قوله: (انحسار الإزار عن فخذه الشريفة). الثانية: قوله: (وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ ). الثالثة: قوله: (حتى إني أنظر إلى بياض فخذ النبي ﷺ ) • ونوقش هذا: أما الجواب عن الدلالة الأولى، فقيل: بأن الحديث رواه أحمد عن إسماعيل بن علية به، فقال: (وانحسر الإزارُ عن فخذ نبي الله ﷺ ). ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم، عن إسماعيل به، فقال: (فانكشف فخذه). كما رواه أبو عوانة في مستخرجه من طريق عبد الوارث، قال: حدثنا عبد العزيز ابن صهيب، وقد انحسر الإزار عن فخذ نبي الله ﷺ . قال البيهقي: «في قوله: (انحسر) أو (انكشف) دليل على أن ذلك لم يكن بقصده ﷺ ، وقد تنكشف عورة الإنسان بريح أو سقطة أو غيرهما فلا يكون منسوبًا إلى الكشف» (٢). وقال بعض الحنفية: إن الفعل (حسر) لازم، فعلى هذا يجوز أن يكون الإزار فاعلًا له. ويجوز أن يكون حسر الإزارَ بمعنى وسعه، لئلا يلزق بفخذه (٣). وأما الجواب عن الدلالة الثانية: فقالوا: يحتمل أن تكون ركبة أنس مست فخذ النبي ﷺ من غير اختياره، بل للزحمة (٤). وقد روى الحديث البخاري من طريق حميد.

стр. 1773

ورواه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، كلاهما (حميد وثابت) عن أنس ﵁ في قصة غزوة خيبر، وفيه: وإن قدمي لتمس قدم النبي ﷺ (١). وأما الجواب عن الدلالة الثالثة: فقيل: إن نظر أنس لفخذ النبي ﷺ يحتمل أن يكون قد وقع إليه فجأة، لا تعمدًا (٢). ويحتمل أن كشف الفخذ كان سائغًا ثم نُهِيَ عنه؛ لأن النهي ناقل عن البراءة الأصلية، فيقدم. ويحتمل أن يكون جرى ذلك لبيان التشريع بجواز وقوع ذلك لغير المختار. • ورد هذا بأجوبة منها: الجواب الأول: قال ابن حجر: «لا فرق في نظري بين الروايتين من جهة أنه ﷺ لا يقر على ذلك لو كان حرامًا، فاستوى الحال بين أن يكون حسره باختياره، أو انحسر بغير اختياره والله أعلم» (٣). وقال القاضي عياض: «لو كانت عورة لم يصح انكشافها من النبي ﷺ ، فإن كان عن قصد فذلك آكد في الدلالة، وإن كان عن غير قصد؛ فلأنه منزه عن انكشافها» (٤). وإذا كان الله قد عصم نبيه ﵊ من كشف العورة في حال الصبا وقبل النبوة، فَلأَنْ يعصمَهُ الله من كشفها بعد النبوة أولى وأحرى، فحين وقع له قدرًا انكشاف فخذه ﵇ دل شرعًا على أنه ليس بعورة. (ح-٦٦٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يحدث أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة

стр. 1774

للكعبة، وعليه إزاره، فقال له العباس عمُّه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة قال: فحله وجعله على منكبه؛ فسقط مغشيًّا عليه، فما رُئِيَ بعد ذلك اليوم عريانًا (١). الجواب الثاني: أن أنسًا تعمد النظر إلى فخذ النبي ﷺ ، لقوله: (حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ ) فالفاعل في الفعل المضارع (أنظر) هو أنس ﵁، وعبر بالمضارع الدال على تجدد الحدوث، ولو كان نظر أنس وقع عليه فجأة، لا تعمدًا، لم ينسب النظر إلى فعله، ولقال ﵁: فوقع نظري على ذلك، براءةً له من تعمد النظر إلى ما لا يحل، ولاستحيا أنس ﵁ من نقل ذلك، إذ كيف ينقل أنس ﵁ إلى الأمة أنه ينظر إلى عورة النبي ﷺ ، ولو نقله لحرص أنس أن ينقل معه أنه صرف نظره مباشرة حتى لا يوهم أنه تعمد مثل هذا، ولو فرض الجهل من أنس في حكم النظر إلى العورة -وما أظن مثل هذا الحكم يجهله أحد- لعلمه الرسول ﷺ وبين له ما يحل وما يحرم، والله أعلم. الجواب الثالث: أن أنسًا ﵁ نقل لنا: أن ركبته كانت تمس فخذ النبي ﷺ ، والمَسِيسُ لا يطلق إلا إذا كان بلا حائل، ولا يجوز لمس عورة غيره بأي موضع من بدنه، قال ابن حجر: وهذا بالاتفاق (٢). وظاهر حديث البخاري أنه يدل على استمرار المسيس طيلة جريانه في زقاق خيبر، ولفظها: فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ … الحديث (٣). وعبر بالمضارع الدال على الاستمرار، وأكده بعاملين: (إن) ودخول اللام على الفعل المضارع، ولو عبر بالماضي لقيل: ربما حدث ذلك مرة واحدة من غير

стр. 1775

اختيار أنس ﵁. ولو كان جرى هذا من أجل بيان التشريع لجواز وقوع مثل ذلك من غير المختار لكان وقع البيان عقبه، كما في قضية السهو في الصلاة (١). ومعارضة رواية عبد العزيز برواية ثابت وحميد الطويل، وكلتاهما في الصحيح ليس بجيد، وذلك أن عبد العزيز وثابتًا كليهما من الطبقة الأولى من أصحاب أنس ﵁، ورواية حميد ليست مرجحة؛ لأن أكثر ما رواه عن أنس إنما أخذه من ثابت ﵁، ودلسه. قال ابن حجر في طبقات المدلسين: «حميد الطويل صاحب أنس مشهور كثير التدليس عنه حتى قيل: إن معظم حديثه عنه بواسطة ثابت» (٢). ولا يمنع أن يكون اللفظان محفوظين، ومن مس قدم النبي ﷺ ؛ لم يمنع أن تمس ركبته فخذه مع ضيق الزقاق، وليس ثبوت أحدهما نافيًا للآخر، وقد نقل لنا أنس أنه كان ينظر إلى بياض فخذه ﷺ . الدليل الرابع: (ح-٦٧٠) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق بديل، عن أبي العالية، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ -وضرب فخذي- كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: ما تأمر؟ قال: صَلِّ الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فَصَلِّ. ورواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن أبي العالية البراء، قال: أَخَّرَ الصلاة ابن زياد يومًا فجاءني عبد الله بن الصامت، فألقيت له كرسيًّا، فجلس عليه، فذكرت له صنيع ابن زياد، فعض على شفته، وضرب فخذي، وقال: إني سألت أبا ذَرِّ كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فضرب فخذي كما

стр. 1776

ضربت فخذك، وقال: صَلِّ الصلاة لوقتها … وذكر الحديث (١). [رواه أبو العالية، عن عبد الله بن الصامت فحفظ فيه ضَرْب الفخذ، ورواه أبو عمران الجوني، وأبو نعامة عن عبد الله بن الصامت، ولم يذكرا فيه ضَرْب الفخذ، والله أعلم] (٢).

стр. 1777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1778

وجه الاستدلال: جاء في التوضيح شرح الجامع الصحيح: «لو كانت الفخذ عورة لما مسها الشارع من أبي ذر ولا الباقي؛ إذ لا يحل لمسلم أن يضرب بيده على ذكر إنسان على الثياب ولا حلقة دبره على الثياب، وعلى بدن امرأة أجنبية على الثياب البتة، وقد منع الشارع القود من الكسعة، وهو ضرب بين الإليتين على الثياب بباطن القدم، وقال: دعوها فإنها منتنة» (١). • وأجيب: (ح-٦٧١) بأنه قد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي العالية، قال:

стр. 1779

سألت عبد الله بن الصامت، وهو ابن أخي أبي ذر عن الأمراء إذا أخروا الصلاة؟ فضرب ركبتي، فقال: سألت أبا ذر عن ذلك، ففعل كما فعلت بك، وضرب ركبتي، وحدثني أنه سأل رسول الله ﷺ ففعل به كما فعل بي، وضرب ركبته كما ضرب ركبتي، فقال: صل الصلاة لوقتها … وذكر الحديث (١). فذكر بدلًا من ضرب الفخذ ضرب الركبة، ومع الاختلاف في النقل لا يمكن الاعتماد على دلالته في جواز ضرب العورة. • ويجاب: بأنه قد اختلف على عبد الرزاق في روايته عنه، فرواه في مصنفه هكذا، ورواه الحسين بن مهدي عن عبد الرزاق كما في مسند البزار كرواية الجماعة. الدليل الخامس: (ح-٦٧٢) ما رواه البخاري من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي، أنه قال: رأيت مروان بن الحكم جالسًا في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا، أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله ﷺ أملى عليه: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله [النساء: ٩٥]، قال: فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يملها علي، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت -وكان رجلًا أعمى- فأنزل الله ﵎ على رسوله ﷺ ، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سُرِّيَ عنه، فأنزل الله : غير أولي الضرر [النساء: ٩٥] (٢). وجه الاستدلال: أن الفخذ لو كان عورة لما وضع النبي ﷺ فخذه على فخذ زيد، مع شدة حياء النبي ﷺ . • وأجيب: بأن وضع الأعضاء بعضها على بعض مراتب، فأهل العرف لا يبالون بوضع

стр. 1780

الفخذ على الفخذ إذا كانت مستورة بثوب، بخلاف الأعضاء الغليظة، فهم يراعون هذه الأشياء من عند أنفسهم. • ورد على هذا الجواب: بأن هذا التفريق هو الذي أوجب عند قوم أن يقولوا: إن الفخذ ليس بعورة، وأوجب عند آخرين القول: إن الفخذ عورة مخففة، وقال الأوزاعي: الفخذ عورة، وليست بعورة في الحمام، قال ابن بطال: «فدل على أنها لا تقوى عندهم قوة العورة، وإن كانوا يؤمرون بسترها» (١). وإذ لم يصح فيه حديث بأنه عورة كان القول بأنه ليس بعورة أقوى، والله أعلم. الدليل السادس: (ح-٦٧٣) ما رواه ابن حبان من طريق الوليد بن شجاع السكوني، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء، وسليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ ، وسوى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج، قالت عائشة: يا رسول الله، دخل أبو بكر، فلم تهشَّ له، ولم تبالِ به، ثم دخل عمر، فلم تهشَّ له، ولم تبالِ به، ثم دخل عثمان، فجلست، فسويت ثيابك فقال النبي ﷺ : ألا أستحْيي من رجل تستحْيي منه الملائكة. [انفرد به محمد بن أبي حرملة عن شيوخه الثلاثة، وقد جمعهم في لفظ واحد، ولم يَرْوِهِ أحد عنه إلا إسماعيل بن جعفر، وهو مكثر عنه، وقد اضطرب فيه إسماعيل أو شيخه ابن أبي حرملة فمرة قال: (كاشفًا عن فخذيه)، ومرة قال: (كاشفًا عن ساقيه)، وثالثة رواه بالشك: (كاشفًا عن فخذيه أو عن ساقيه)، وهي رواية مسلم، وقد رواه الزهري من مسند عائشة، وليس فيه ذكرٌ لموضع الشاهد، والزهري لا يقارن بغيره] (٢).

стр. 1781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1782

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1783

الدليل السابع: من الآثار: (ث-١٧٨) ما رواه البخاري من طريق ابن عون، عن موسى بن أنس، قال: -وذكر يوم اليمامة- قال: أتى أنس ثابت بن قيس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط، فقال: يا عم، ما يحبسك أن لا تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي، وجعل يتحنط -يعني من الحنوط- ثم جاء، فجلس، فذكر في الحديث، انكشافًا من الناس، فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ ، بئس ما عودتم أقرانكم.

стр. 1784

قال البخاري: ورواه حماد، عن ثابت، عن أنس (١). الشاهد منه: قوله: (وقد حسر عن فخذيه) ولو كان عورة لتوارى بفعله. (ث-١٧٩) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر، سمع سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، يخبر عن جبير بن الحويرث سمعت أبا بكر وهو واقف على قزح وهو يقول: يا أيها الناس أصبحوا أصبحوا، ثم دفع فكأني أنظر إلى فخذه قد انكشفت مما يحرش بعيره بمحجنه (٢). [ضعيف] (٣). • دليل من قال: ما بين السرة والركبة عورة: الدليل الأول: (ح-٦٧٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال: أما علمت أن الفخذ عورة؟ (٤). [أعله البخاري وابن عبد البر وابن حجر وابن القطان الفاسي بالاضطراب] (٥).

стр. 1785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1790

الدليل الثاني: (ح-٦٧٥) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند، حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثني يزيد أبو خالد البيسري القرشي، حدثنا ابن جريج، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت (١). [ضعيف، قال أبو داود: فيه نكارة] (٢).
следующие страницы →