الشرط الثاني في اشتراط النية
المدخل إلى المسألة
• كل عمل يختص بأهل القربة لا يصح إلا بنية.
• آلات التسجيل حكاية لصوت المؤذن، وليس أذانًا.
• الأذان عبادة بدنية مقصودة بنفسها، ووسيلة إلى غيره، فاشترط له الإسلام، والنية كسائر العبادات.
• كل عبادة معقولة المعنى لا تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالطهارة من النجاسة، والعبادة المحضة غير المعللة تشترط لها النية قولًا واحدًا كالصلاة. والأذان فيه شبه من العبادتين.
• الأعمال كلها إما مطلوبة أو مباحة، والمباح لا يتقرب به إلى الله قصدًا، فلا معنى للنية فيه.
والمطلوب: إما نواهٍ، أو أوامر، والنواهي يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم يشعر بها، والنية فيها شرط للثواب، لا في الخروج من العهدة.
والأوامر على قسمين: منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، ورد الودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فهذه الأفعال يخرج المكلف بها من عهدتها، وإن لم يَنْوِها.
ومنها ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات، والصيام، فالمقصود منها تعظيمه بفعلها، والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله سبحانه، فإن
стр. 212
التعظيم بالفعل من دون قصد المعظم محال.
وقيل:
• الغاية من الأذان إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، وهذا لا يتوقف على النية، فإذا وقع النداء في الوقت حصل المقصود.
• كل عبادة لا تلتبس بالعادات، ولا بغيرها من العبادات لا تشترط لها النية، كقراءة القرآن، والأذكار المطلقة، ونحوها، والأذان ملحق بها.
[م-١٨] اختلف العلماء في اشترط النية للأذان.
فقيل: لا يحتاج إلى نية، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (١).
وقيل: الأذان يفتقر إلى نية لصحته، وهو قول في مقابل المشهور عند الحنفية، والأظهر من مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (٢).
стр. 213
• وجه من قال: لا يحتاج الأذان إلى نية:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل يدل على اشتراط النية في الأذان، والأصل عدم الاشتراط.
الدليل الثاني:
أن النية مشروعة لتمييز العبادات من العادات، ولتمييز العبادات بعضها من بعض، وأما العبادة التي لا تكون عادة، ولا تلتبس بغيرها؛ لكونها عبادة خالصة، لا تشترط فيها النية، وذلك كالإيمان بالله تعالى، ومعرفته، والخوف منه، والرجاء فيه، وقراءة القرآن، والأذكار؛ لأنها متميزة بصورتها؛ والأذان مثلها.
الدليل الثالث:
أن كل فعل تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فلا تشترط له النية، ومن ذلك الأذان فإن الإعلام به حاصل بمجرد فعله في الوقت، سواء أنوى المؤذن الأذان أم لم يَنْوِ، وإنما النية لتحصيل الثواب، لا لصحة الأذان.
• حجة من قال: تشترط النية في الأذان:
الدليل الأول:
الأذان من أعظم القرب، وشعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، الذي إذا تركها أهل بلد وجب قتالهم في أحد قولي أهل العلم، وهو العلامة الفارقة بين دار الإسلام ودار الكفر، ويتعلق بأعظم العبادات العملية في الإسلام، وإذا كانت عبادته بهذه المنزلة افتقر فعله إلى نية.
• ويناقش:
بأن ترتيب الثواب على النية لا نزاع فيه، ولكن النقاش بترتيب الصحة عليها،
стр. 214
فإذا لم يَنْوِ الأذان لم يحصل له أجره، ولكن حصول المقصود من الأذان، وهو العلم بدخول الوقت ليس متوقفًا على النية، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٨٧) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فليؤذن لكم أحدكم) دليل على أن الأذان لا يصح من كافر، ولو كان الأذان لا يحتاج إلى نية لصح ذلك من الكافر.
• ويناقش:
بأن اشتراط الإسلام ليس سببه افتقار الأذان إلى النية، وإنما لأن الأذان خبر، ومن شروط قبول الأخبار العدالة عند الجمهور، فإن أذن الفاسق تبعًا لغيره صح أذانه، وسوف يأتينا إن شاء الله مناقشة أذان الفاسق في مبحث مستقل.
• الراجح:
إذا أَذَّن المؤذن وقد وقع فعله في الوقت، ولم يَنْوِ به الأذان كما لو نوى أن يختبر مكبر الصوت، أو نوى تجريب صوته، أو حكاية الأذان، أو لم يَنْوِ شيئًا، لم يحصل له أجر الأذان، وهذا ينبغي ألا يكون محل خلاف؛ لأن ثواب الأعمال متوقف على النية: (وإنما لكل امرئٍ ما نوى).
وحصول المقصود منه، وهو الإعلام بدخول وقت الصلاة لا يتوقف على النية، ذلك أن الناس لا يعلمون عن نية المؤذن، هل نوى بأذانه إخبارهم، أو نوى به شيئًا آخر؟ فإذا وقع الأذان من المؤذن بالوقت حصلت هذه الفائدة للناس، نوى أو لم يَنْوِ.
ولأن الناس يعلمون بدخول وقت الصلاة من خلال الأجهزة الذكية التي
стр. 215
يحملونها، ومن خلال سماع المذياع، وقد يكون المؤذن ميتًا.
وهل يصح الاكتفاء بسماع الأذان من المذياع، أو من الهواتف الذكية؟
الذي يظهر لي أنه لا يصح الاكتفاء بمثل هذا عن الأذان، لأن هناك مقاصد شرعية من الأذان، منها:
الأول: إظهار شعيرة من شعائر الإسلام، وأن الدار دار إسلام، وهذا يدل على أنه عبادة بدنية مقصودة بنفسها، وإن كان وسيلة إلى غيره.
الثاني: التقرب إلى الله بتعظيمه بهذا الذكر، وارتباطه بهذه الأوقات المختلفة، ورتب الله على هذه العبادة أجرًا عظيمًا في الآخرة، حتى كان المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة، وحتى أخبر الرسول ﷺ بأن الناس لو يعلمون ما فيه من الأجر، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، وهذه الفائدة والتي قبلها لا تحصل من هذه الآلات، وهي تدل على أنه لابد من النية في الأذان.
الثالث: الإعلام بدخول وقت الصلاة بهذه الكيفية دون زيادة أو نقص؛ لأنه ذكر مقيد، ولا يغني أي شعار آخر عنه؛ لأن الإعلام بدخول وقت الصلاة يمكن تحصيله بالظل، أو عن طريق الساعة، وقد شرعت هذه الطريقة للإعلان، وقصد فيها مخالفة شعائر اليهود والنصارى، فتعينت.
الرابع: الدعوة إلى الاجتماع إلى فعل الصلاة ومكان صلاتها. والفائدة الثالثة والرابعة لا يتوقفان على النية، بل تكفي نية القائم على هذه الآلات.
وقد اختار شيخنا ابن عثيمين ﵀ بأن الأذان من التسجيل لا يصح، ولا يجزئ، قيدته من تعليقه على الكافي لابن قدامة.
وبذلك صدر قرار من المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي.
«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي المنعقد بدورته التاسعة في مكة المكرمة من يوم السبت ١٢/ ٧/ ١٤٠٦ هـ إلى يوم السبت ١٩/ ٧/ ١٤٠٦ هـ وبعد استعراض ما تقدم من بحوث وفتاوى والمداولة في ذلك، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي تبين له ما يلي:
стр. 216
١ - أن الأذان من شعائر الإسلام التعبدية الظاهرة، المعلومة من الدين بالضرورة بالنص، وإجماع المسلمين، ولهذا فإن الأذان من العلامات الفارقة بين بلاد المسلمين وبلاد الكفر، وقد حكي الاتفاق على أنه لو اتفق أهل بلد على تركه لقوتلوا.
٢ - التوارث بين المسلمين من تاريخ تشريعه في السنة الأولى من الهجرة وإلى الآن ينقل العمل المستمر بالأذان لكل صلاة من الصلوات الخمس في كل مسجد، وإن تعددت المساجد في البلد الواحد.
٣ - في حديث مالك بن الحويرث ﵁: أن النبي ﷺ قال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم. متفق عليه.
٤ - أن النية من شروط الأذان، ولهذا لا يصح من المجنون، ولا من السكران ونحوهما؛ لعدم وجود النية في أدائه، فكذلك في التسجيل المذكور.
٥ - أن الأذان عبادة بدنية، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني (١/ ٤٢٥) وليس للرجل أن يبني على أذان غيره؛ لأنه عبادة بدنية، فلا يصح من شخصين كالصلاة.
٦ - أن في توحيد الأذان للمساجد بواسطة مسجل الصوت على الوجه المذكور عدة محاذير ومخاطر، منها ما يلي:
أ - أنه يرتبط بمشروعية الأذان أن لكل صلاة في كل مسجد سننًا وآدابًا، ففي الأذان عن طريق التسجيل تفويت لها، وإماتة لنشرها، مع فوات شرط النية فيه.
بأنه يفتح باب التلاعب بالدين، ودخول البدع على المسلمين في عباداتهم وشعائرهم؛ لما يفضي إليه من ترك الأذان بالكلية، والاكتفاء بالتسجيل.
وَبِنَاءً على ما تقدم، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر ما يلي:
أن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل ونحوها لا يجزئ، ولا يجوز في أداء هذه العبادة، ولا يحصل به الأذان
стр. 217
المشروع، وأنه يجب على المسلمين مباشرة الأذان لكل وقت من أوقات الصلوات في كل مسجد على ما توارثه المسلمون من عهد نبينا ورسولنا محمد إلى الآن.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على سيدنا، ونبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين».
стр. 218
الشرط الثالث: في اشتراط العقل لصحة الأذان
المدخل إلى المسألة:
• كل ما يزيل العقل ولم يكن رفعه في وسع المكلف فإنه يمنع التكليف.
• السكران المختلط الذي لا يعلم ما يقول غير مكلف؛ لاستحالة توجيه الخطاب لمن لا يفهم الخطاب.
• لو جاز تكليف السكران لجاز تكليف المجنون والصبي.
• لزوم الضمان على السكران من قبيل ربط الأحكام بالأسباب.
• تسبب المكلف بالجنون لا يجعله مكلفًا، وإن كان آثمًا، فكذا التسبب بالسكر.
• علة رفع التكليف عن المجنون زوال العقل فالسكران مثله وعلة عقوبة السكران انتهاك الحرام فافترقا.
• مناط التكليف هو العقل فلو شرب الخمر ولم يذهب عقله لم يرتفع التكليف عنه.
• لا تختلف أحكام موانع التكليف بين أن يكون بسبب من جهته أو من جهة غيره فلو أنزلت المرأة الحيض بتعاطي الدواء امتنعت عن الصلاة، ولو رفعت الحيض بعد نزوله بدواء كُلِّفت، ولو كسر المكلف رجله سقط عنه فرض القيام.
يدخل في غير العاقل ثلاثة أشياء:
السكران، والمجنون، والصبي قبل التمييز.
وسوف أفصل مبحث السكران عن مبحث المجنون والصبي غير المميز؛ لأن العلماء مجمعون على أن المجنون والصبي لا تكليف عليهما.
[م-١٩] واختلفوا في تكليف السكران.
стр. 219
فنص الشافعي على أنه مكلف (١).
والصحيح أن السكران غير مكلف؛ لاستحالة توجيه الخطاب لمن لا يفهم الخطاب، وأما لزوم الضمان فهو من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، كوجوب الضمان ببعض أفعال البهائم (٢).
ولو جاز تكليف السكران لجاز تكليف المجنون والصبي، بل جواز تكليف الصبي أقوى من تكليف السكران؛ لأن الصبي له عقل وتمييز وإن لم يكمل كالبالغ.
[م-٢٠] وأما وجوب قضاء الصلاة على السكران إذا أفاق من سكره، ففيه خلاف:
فقيل: يقضي مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، وهل وجوب القضاء عليه؛ لأنه مكلف، أو أن القضاء وجب عليه بأمر جديد بعد إفاقته، ولم يكن مكلفًا حال السكر، كالنائم والناسي لا يكلفان حال النوم والنسيان، وإنما وجب القضاء عليهما بأمر جديد؟
وقيل: يقضي إن كان سكره بمحرم، ولا يقضي إن كان بمباح.
وقيل: لا يقضي مطلقًا، وهو اختيار أبي ثور من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة،
وسوف أبحث مسألة وجوب القضاء على السكران إن شاء الله تعالى في شروط الصلاة، وإنما اقتضى هذا التنبيه الكلام على الاعتداد بأذان السكران، والله أعلم.
стр. 220
المبحث الأول في أذان السكران
المدخل إلى المسألة
• فعل السكران مضمون، وأقواله لا يؤاخذ بها على الصحيح.
• السكر إذا غلب على العقل حتى لا يعلم ما يقول فهو في حكم المجنون؛ لأنه لا قصد له. وإن لم يتأثر عقله بالمسكر، فهو في حكم الصاحي المكلف. وإن تأثر به، ولم يغلب عليه، فيصيب ويخطئ فهو محل الخلاف، وهو أقرب إلى الصبي الذي معه نوع تمييز منه إلى البالغ المكلف.
• إقرار السكران الذي غلب عليه السكر، وطلاقه، وعقوده لغو على الصحيح فكذلك أذانه.
• إذا نهي السكران عن الصلاة بالنص نهي عن غيرها من العبادات بالقياس.
• الحكم ببطلان أقوال السكران معلل بتأثير السكر على عقله، فإذا لم يكن له تأثير لم تبطل أقواله؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
• السكران المختلط الذي لا يعلم ما يقول غير مكلف؛ لأنه يستحيل أن يُخَاطَب من لا يفهم الخطاب.
[م-٢١] السكران تارة يكون غير معذور في سكره، فيتعلق به وصفان، كونه سكران، وكونه فاسقًا بتعاطيه ذلك.
وسوف أناقش حكم أذان الفاسق، واشتراط العدالة في المؤذن في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
وإن كان معذورًا في سكره تعلق به وصف واحد، وهو حكم أذانه حال سكره.
والسكران على ثلاثة أقسام:
стр. 221
الأول: إذا لم يختلط عقله، ولم يتأثر بالسكر، فهذا لم يدخل في حد السكران، وإن كان فعله محرمًا، فإن أذن صح أذانه؛ لأنه لو صلى لصحت صلاته، فأذانه من باب أولى.
قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
فجعل غاية النهي أن يعلم ما يقول.
جاء في شرح التحرير: «إن ميز السكران بين الأعيان، فحكمه حكم سائر العقلاء، بلا نزاع؛ لأنه عاقل يفهم، مكلف، كغيره من العقلاء» (١).
وجاء في حواشي الشرواني: «يصح أذان سكران في أوائل نشوته؛ لانتظام قصده» (٢).
ولأن بطلان أقوال السكران معلل بتأثير السكر على عقله، فإذا لم يُغَطِّ عقلَه لم تبطل أقواله؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
الثاني: سكران لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فهذا لا اختلاف في أنه كالمجنون، لا عبرة بأقواله؛ لأنه لا يصح له قصد صحيح (٣).
جاء في مدارج السالكين: «قيل للإمام أحمد: بماذا يُعْلَمُ أنه سكران؟
فقال: إذا لم يعرف ثوبه من ثوب غيره، ونعله من نعل غيره.
ونقل عن الشافعي: إذا اختلط كلامه المنظوم، وأفشى سره المكتوم. قاله الشيخ محمد التيمي» (٤).
قال ابن تيمية: «صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا تجوز باتفاق» (٥).
стр. 222
فأبطل صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول، والأذان مقيس عليها، ولا فرق
الثالث: سكران معه بقية من التمييز إلا أنه ناقص، فيخطئ ويصيب، فهو ليس كالأول الذي لم يتأثر، وليس كالمختلط الذي لا يميز شيئًا، فيحصل له قدر من الإدراك والمعرفة إلا أنها مضطربة، فهذا قد اخْتُلِف في أذانه:
فقيل: يكره، وتستحب إعادته في ظاهر الرواية، وقيل: بل تجب. وهما قولان في مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا يصح أذانه، ولا يجزئ، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، واختاره بعض الحنفية (٢).
جاء في مواهب الجليل: «قال الفاكهاني: فلا يصح أذان المجنون، ولا السكران، ولا الصبي الذي لم يميز، ولا خلاف في ذلك» (٣).
• حجة من أبطل أَذَانَه:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
قال ابن تيمية: «صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا تجوز باتفاق» (٤).
وإذا كانت لا تجوز صلاته، فلا يصح أذانه، ولا يجزئ.
الدليل الثاني:
(ح-٨٨) ما رواه الإمام مسلم من طريق يحيى بن يعلى -وهو ابن الحارث المحاربي- عن غيلان -وهو ابن جامع المحاربي- عن علقمة بن مرثد، عن
стр. 223
سليمان بن بريدة،
عن أبيه، قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، طَهِّرني، فقال: ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال رسول الله ﷺ : ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله: فيم أطهرك؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول الله ﷺ : أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر .... الحديث.
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لم يأخذ بإقراره حتى علم أنه ليس بسكران، فلو كان سكران لم يصح إقراره، وإذا لم يصح إقراره علم أن أقواله كلها باطلة كأقوال المجنون.
الدليل الثالث:
التكليف منوط بالعقل، فإذا زال العقل بالسكر ارتفع التكليف، وألحق السكران بالمجنون.
الدليل الرابع:
أن الأذان ليس متوقفًا على جمل يرددها المؤذن، وإنما هو عبادة تشترط لها النية، وخبر مبني على العلم بالأوقات، والسكران المختلط لا قصد له صحيح؛ لاضطراب عقله، ولا يمكن الوثوق بخبره بدخول الوقت، فلا يقع به الإعلام.
• حجة الحنفية على صحة أذانه:
الدليل الأول:
لم يشترط الحنفية النية لصحة الأذان، ولهذا إذا أذن في الوقت على الكيفية المشروعة أجزأ، وحصل المقصود حتى ولو لم ينو السكران بأذانه الإعلام بدخول الوقت.
وقد بحثت اشتراط النية في فصل مستقل، انظره في الشرط الثاني من شروط الأذان.
стр. 224
الدليل الثاني:
استدل الحنفية بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
وجه الاستدلال:
استدل بها الحنفية على أن السكران مكلف، حيث خاطبهم الشارع، ونهاهم حال سكرهم (١).
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الحنفية لم يجعلوا التكليف شرطًا في صحة الأذان، فصححوا أذان المجنون إذا وقع منه على الكيفية المشروعة، وهو مجمع على رفع التكليف عنه، فما بالك بالسكران، والذي في تكليفه حال سكره خلاف بين الفقهاء.
جاء في الأصل «قلت: أرأيت رجلًا أذن، وأقام، وهو سكران لا يعقل، أو مجنون مغلوب لا يعقل، فصلى القوم بذلك الأذان؟ قال: يجزيهم .... » (٢).
الوجه الثاني:
لا يمكن أن يقال: إن الشرع خاطبهم حال اختلاط عقولهم بالسكر؛ لأن الذي لا يعلم ما يقول بنص الآية، لا يعلم ما يقال له من باب أولى، والعلم بالخطاب شرط من شروط التكليف، فالمقصود من الآية أنهم إن صلوا حال سكرهم لم تصح صلاتهم، ولم تجزئ، وطلب منهم الإعادة إذا أفاقوا من سكرهم، وإذا لم تصح الصلاة لم يصح الأذان.
والآية نزلت حين كان السكر مباحًا، فقد يكون فيها إشارة إلى نهيهم عن السكر قرب أوقات الصلوات باللازم؛ لأنهم مكلفون بالصلاة، وإذا سكروا في
стр. 225
أوقات الصلوات أدى ذلك إلى ترك الصلاة المفروضة، فإذا كان السكر سيؤدي إلى ترك الصلاة نهي عنه لا من أجله، ولكن من أجل الصلاة، والله أعلم.
• الراجح:
أن السكران المختلط ليس مكلفًا حال سكره، وأن جميع أقواله لغو، فلا تصح عقوده، ولا إقراره، وإذا أذن لم يصح، ولم يجزئ حتى يعلم ما يقول، والله أعلم.
стр. 226
المبحث الثاني في أذان المجنون والصبي الذي لا يعقل
الخلاف في أذان المجنون والصبي الذي لا يميز بين الحنفية والجمهور يرجع إلى الخلاف في مسألتين:
إحداهما: اشتراط التكليف في صحة الأذان:
فالحنفية لا يشترطون التكليف في صحة الأذان، لهذا قالوا: يكره أذان المجنون والصبي الذي لا يعقل، ويستحب إعادته، وإن صلوا بأذانيهما أجزأهم.
جاء في الأصل «قلت: أرأيت رجلًا أذن، وأقام، وهو سكران لا يعقل، أو مجنون مغلوب لا يعقل، فصلى القوم بذلك الأذان؟ قال: يجزيهم .... » (١).
وقد ناقشت مذهب الحنفية في أذان السكران المختلط، فالأدلة واحدة بين هذه المسألة وتلك بجامع زوال العقل.
المسألة الثانية: في اشتراط النية لصحة الأذان.
فالحنفية والأصح في مذهب الشافعية لا يشترطون النية لصحة الأذان، ولهذا صحح الحنفية أذان المجنون إذا وقع في الوقت على الكيفية المشروعة مع الكراهة.
جاء في غمز عيون البصائر نقلًا من فتح القدير: «وأما الأذان فالمشهور أنه لا يحتاج إلى نية» (٢).
واشترط المالكية والحنابلة النية لصحة الأذان، فالمجنون ليس له قصد صحيح، فلم يصح أذانه.
وقد بحثت مسألة اشتراط النية فيما سبق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
стр. 227
والراجح قول الجمهور، وأن أذان المجنون لا يصح، ولا يجزئ؛ لأن الأذان عبادة، وهو ليس من أهلها، وهو أيضًا إخبار بدخول أوقات العبادة من صلاة، وإمساك، والمجنون والصبي الذي لا يميز لا يمكن اعتماد خبرهما، والبناء عليه من إفطار، وإمساك، وصلاة.
стр. 228
الشرط الرابع في اشتراط العدالة لصحة الأذان
يدخل تحت اشتراط العدالة بحث مسألتين:
الأولى: في أذان الفاسق؛ فالفسق يخرج فاعله من اتصافه بالعدالة، وإذا وجب التبين من خبر الفاسق قبل قبوله دل على خلافه في العدل.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
والمسألة الثانية: في أذان المميز قبل البلوغ، فإنه لا يوصف بعدالة، ولا فسق، فالعدالة من صفات المكلف، استحقها بالامتثال بالطاعات، واجتناب المحرمات، وصيانة النفس عن خوارم المروءات.
والمعصية من الصبي قبل تكليفه لا توجب فسقه، لرفع القلم عنه، فلا مسؤولية عليه، لذا قال أهل الحديث: يشترط في العدالة الإسلام والبلوغ، وهما شرطان في أداء الأخبار، وإن اغتفر ذلك في التحمل؛ لأن التحمل لا أثر له، وإنما المعتبر في الأخبار روايتها، وقبولها منه، فيصح تحمل الكافر والصبي، وأما الأداء فلا يصح إلا بعد إسلامه وبلوغه لتتحقق عدالته.
جاء في المحيط البرهاني: «فأما الصبي فإنما يتوجه عليه الخطاب بعد البلوغ، ولا يعرف انزجاره عن محظورات دينه قبل ذلك ليستدل به على عدالته» (١).
وقال ابن راشد المالكي نقلًا من مواهب الجليل: «الخبر -يعني الأذان- وإن صح من واحد فلا بد من عدالته، والصبي غير محكوم له بالعدالة انتهى» (٢).
стр. 229
وسوف أفرد إن شاء الله تعالى بالبحث أذان الصبي المميز، وأذان الفاسق لنعرف وجاهة اشتراط مثل هذا الشرط، والله أعلم.
стр. 230
المبحث الأول في أذان وإقامة الصبي المميز للبالغين
المدخل إلى المسألة
• كل من صحَّت إمامته صح أذانه وإقامته؛ لأن الصلاة هي الغاية والمقصد، والأذان شرع من أجل الصلاة، وعناية الشارع بالغاية أكثر من عنايته بوسائلها ومكملاتها.
• من جاز أن يتحمل الضمان في الإمامة جاز أن يتحمل الأمانة في الأذان، فالإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، والضمان أعلى شأنًا من مجرد الأمانة.
• الأذان إن كان عبادة، فالصبي المميز تصح منه العبادة، وإن كان خبرًا، فالأخبار التي طريقها المشاهدة والحس يقبل فيها قول الصبي كالإخبار عن القبلة، ودلالة الأعمى، وعدم وجود الماء للمتيمم، وطلوع الفجر، وغياب الشمس، وأما الأخبار التي طريقها الاجتهاد والفهم كالإفتاء فلا يقبل فيها قول الصبي.
وقيل:
• الأذان خبر، ويشترط في المخبر أن يكون عدلًا، والصبي لا يوصف بعدالة ولا فسق؛ لعدم مسؤوليته.
• الأذان فرض كفاية على الصحيح، وأذان الصبي نفل، فهل يحصل الفرض بأذان الصبي؟ (١).
يمكن بحث أذان الصبي تحت اشتراط العدالة، باعتبار أن الصبي لا يحكم له بالعدالة قبل تكليفه.
ويمكن بحثه تحت اشتراط العلم بالوقت، فإن من شروط المؤذن أن يكون
стр. 231
عالمًا بالوقت، والصبي عند بعضهم لا يمكن الوثوق بعلمه بالوقت بحيث يبنى على علمه الصلاة، والصيام، والإفطار، فإن إدراكه ومعرفته فيها نقص عن البالغ.
[م-٢٢] لهذا إذا أذن الصبي لنفسه، أو لمثله من الصبيان فلا إشكال في صحة أذانه.
وهل خلاف الفقهاء في أذان الصبي إذا كان تبعًا لغيره، أو الخلاف في أذان الصبي إذا كان يُعْتَمد عليه في دخول الوقت، والإمساك والإفطار؟
قال ابن عابدين: «من حيث الإعلام بدخول الوقت، وقبول قوله لا بد من الإسلام، والعقل، والبلوغ والعدالة .... ومن حيث إقامة الشعار النافية للإثم عن أهل بلدة، فيصح أذان الكل يعني من الصبي والمرأة والفاسق سوى الصبي الذي لا يعقل» (١).
وهذا رأي لابن عابدين، وإلا فالحنفية كما قدمنا يصححون أذان المجنون والصبي الذي لا يعقل، إذا أمكن منه الأذان، وكان بالوقت، ويمكن الاعتداد به، كما سبق، ونقلت نصوصهم في مبحث مستقل في اشتراط العقل للمؤذن.
قال ابن راشد المالكي نقلًا من مواهب الجليل: «إن كان محل الخلاف في كونه واحدًا من المؤذنين فلا ينبغي أن يختلف في الجواز؛ لأنه ممن يخاطب بالسنة.
وإن كان محل الخلاف كونه موقتًا يعتمد على إخباره بدخول الوقت فلا ينبغي أن يختلف في المنع؛ لأن الخبر، وإن صح من واحد فلا بد من عدالته، والصبي غير محكوم له بالعدالة انتهى» (٢).
فقول ابن راشد: إن كان محل الخلاف كونه أحد المؤذنين … وإن كان محل الخلاف كونه مؤقتًا … يشعرك بأنه لم يجزم في تنزيل خلاف الفقهاء على أي المسألتين.
وقال ابن اللحام نقلًا عن ابن تيمية: «أما صحة أذانه في الجملة، وكونه جائزًا إذا أذن غيره، فلا خلاف في جوازه، قال: ومن الأصحاب من أطلق الخلاف … والأشبه أن الأذان الذي يسقط الفرض عن أهل القرية، ويعتمد في وقت الصلاة،
стр. 232
والصيام، لا يجوز أن يباشره صبي قولًا واحدًا، ولا يسقط الفرض، ولا يعتمد في مواقيت العبادات، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر، ونحو ذلك، فهذا فيه روايتان … » (١).
ففي الأذان تبعًا حكى الجواز بلا خلاف مستثنيًا بعض الأصحاب في كونهم يطلقون الخلاف، وإطلاق الخلاف ليس نصًّا في حكاية الخلاف، إذ يمكن حمل الكلام المطلق على المفصل، ثم رجع وحصر الخلاف في الأذان تبعًا، وجعل فيه عن الإمام روايتين نصًّا، وليس من باب إطلاق الخلاف المحتمل، فكلامه الأخير يرد كلامه السابق حسب فهمي، والله أعلم.
وابن تيمية جعل حكم الأذان على قسمين:
فرض كفاية: وهو الذي يسقط به الفرض عن القرية، ويعتمد عليه في الوقت والصيام، وهذا لا يؤذن به الصبي، ولا ينزل عليه خلاف الفقهاء في أذان الصبي.
وسنة مؤكدة: وهو الأذان الذي يكون في مساجد المصر، فإذا أذن الصبي في مثل هذه المساجد ففي أذانه روايتان.
والقائلون بأن الأذان فرض كفاية مختلفون: هل يسقط الفرض بالقيام بوظيفة الشعيرة، بحيث يكفي البلد أذان واحد مطلقًا، ولو لم يسمع في نواحي البلد؟
أو يسقط الفرض إذا كانوا في مكان يسمعون فيه الأذان، وأما نواحي البلد الذي لم يسمع فيها الأذان فلا يسقط الفرض عنهم؟
أويبقى الفرض على كل مسجد جماعة يدعى إليها المصلون، ولو سمعوا أذانًا من غيرهم؟
وسبق بحث هذه المسألة في حكم الأذان، والراجح فيه.
والذي أميل إليه: أن خلاف العلماء إنما هو في صحة أذان المميز إذا كان يعتمد على خبره في دخول الوقت، والإمساك والإفطار، وليس في أذانه إذا كان يعتمد على ثقة يخبره بدخول الوقت، أو كان يتبع في أذانه بالغًا، فإذا قلد الصبي ثقة كان بمنزلة الأعمى الذي لا علم له بالوقت، فإن أذانه صحيح إذا كان له ثقة يخبره بالوقت؛ لأن العلم بالوقت إذا صح أنه من شروط صحة الأذان فلا يعتبر فيه أن
стр. 233
يكون عالمًا بنفسه، بل يصح أن يكون عالمًا بالوقت عن طريق غيره ممن يخبره.
وقد نص الحنفية والشافعية بأن الصبي المميز كالبالغ في الأذان، وهذا يجعل الخلاف إنما هو في اعتماد خبره، وليس فقط في قيامه بسنة الأذان (١).
قال ابن نجيم: «وهو كالبالغ في نواقض الوضوء إلا القهقهة، ويصح أذانه مع الكراهة» (٢).
وقال القفال: «ويصح أذان الصبي الذي تصح صلاته، ويُعْتَدُّ به للرجال، وقال داود: لا يعتد بأذانه للبالغين» (٣).
وفي الهداية على مذهب الإمام أحمد: «ويجزئ أذان الصبي المميز للبالغين في إحدى الروايتين، ولا يجزئ في الأخرى» (٤).
فهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، وهم الذين صححوا أذان الصبي لا يشترطون في صحة أذانه أن يكون تبعًا لبالغ.
[م-٢٣] إذا علم هذا، نأتي لحكاية خلاف العلماء في صحة أذان الصبي المميز:
فقيل: يصح أذان المميز، وهو مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وراوية في مذهب الحنابلة، هي المشهور عندهم على خلاف بين هؤلاء في كراهته (٥).
стр. 234
وقيل: يصح من غير كراهة، وهو مذهب الحنابلة، وظاهر الرواية عند الحنفية.
وقيل: يكره، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، وحكاه ابن بشير قولًا في مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية (١).
جاء في حاشية الشلبي: «أذان الصبي العاقل صحيح من غير كراهة في ظاهر الرواية وأذان البالغ أفضل» (٢).
وقال الشافعي: «ولا أحب أن يؤذن أحد إلا بعد البلوغ، وإن أذن قبل البلوغ مؤذن أجزأ» (٣).
فأخذ الشافعية من قول إمامهم: ولا أحب أن يؤذن كراهَةَ أذانه.
قال السيوطي: «في صحة أذانه وجهان: الصحيح، وبه قطع الجمهور: صحته، لكن يكره» (٤).
وقيل: لا يؤذن الصبي ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء، أو بموضع لا يكون فيه غيره. اختاره أشهب من المالكية (٥).
стр. 235
وقيل: يصح أذان المراهق، وهو رواية عن أحمد (١).
وقيل: لا يؤذن مطلقًا، وهو مذهب المدونة، ووجه للشافعية، ورواية ثانية عند الحنابلة (٢).
وقيل: يصح إن كان يعتمد في الأذان أو في دخول الوقت على بالغ، اختاره اللخمي من المالكية وبعض الحنابلة (٣).
قال الدردير: «لا يصح من صبي مميز إلا أن يعتمد فيه، أو في دخول الوقت على بالغ» (٤).
وصحح بعض المالكية صحة أذان الصبي إذا كان يؤذن لنفسه، أو كان أذانه لصبيان مثله (٥).
стр. 236
جاء في الفواكه الدواني: «فلا يصح أذان الصبي المميز للبالغين … ويصح أذانه لصبيان مثله» (١).
وبعض هذه المسائل إنما صح فيها أذان الصبي؛ لأنه لم يعتمد عليه في دخول الوقت، فأكثر هذه التفريعات يرجع إلى اشتراط العدالة في الأذان المستلزم لاشتراط البلوغ في أذان من يعتمد عليه في دخول الوقت، ولا تعتبر أقوالًا مختلفة.
فتلخص من هذا أن الخلاف ينتهي إلى خمسة أقوال، أربعة منها في مذهب المالكية.
يصح أذان الصبي على خلاف بينهم في كراهته.
لا يصح أذانه مطلقًا، وهو ظاهر ما في المدونة.
يصح بشرط أن يعتمد في الأذان أو في دخول الوقت على بالغ، وهو اختيار اللخمي.
يصح بشرط ألا يوجد غيره، وهو اختيار أشهب.
يصح أذان الصبي إذا كان مراهقًا.
• دليل من قال: يصح أذان الصبي:
الدليل الأول:
(ح-٨٩) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم (٢).
يستدل بالحديث على صحة أذان الصبي من وجهين:
الوجه الأول:
قوله: (فليؤذن لكم أحدكم) فكلمة (أحدكم) مفرد مضاف إلى معرفة،
стр. 237
والمفرد المضاف يعم، فيشمل الصغير والكبير، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] فنعمة (كلمة مفردة) ومع ذلك قال: لا تحصوها.
الوجه الثاني:
أن الإمامة يعتبر فيها السن، فقال: وليؤمكم أكبركم، بخلاف الأذان حيث لم يعلقه على السن، فدل على صحة أذان الصبي.
الدليل الثاني:
ذكر ابن المنذر في الأوسط، قال: قال عبد الله بن أبي بكر: كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم، وأنا غلام لم أحتلم، وأنس شاهد فلم ينكر ذلك (١).
ذكره ابن المنذر معلقًا، ولم أقف له على إسناد.
الدليل الثالث:
الصبي من أهل العبادة، بدليل صحة إمامته على الصحيح، ومن صحت إمامته صح أذانه من باب أولى؛ لأن الصلاة مقصد، والأذان وسيلة، والعناية بالمقاصد أولى من العناية بالوسائل.
(ح-٩٠) فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن عمرو بن سلمة، قال: .... لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ستٍّ، أو سبع سنين .... (٢).
الدليل الرابع:
أن أذان الصبي يحصل به الإعلام، وهو المقصود من الأذان.
الدليل الخامس:
قال النووي في المجموع: «ولأنه يقبل خبره فيما طريقه المشاهدة، كما لو دل
стр. 238
أعمى على محراب يجوز أن يصلي» (١).
• دليل من قال: لا يصح أذان الصبي المميز:
الدليل الأول:
(ح-٩١) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (٢).
[ضعيف] (٣).
وجه الاستدلال:
أن الحديث وصف المؤذن بأنه مؤتمن، والأمانة من صفات العدل، والصبي لا يوصف بعدل ولا فسق؛ لأنه ليس مكلفًا.
الدليل الثاني:
(ح-٩٢) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الحميد بن سليمان، أخو فليح، قال: حدثنا أبو حازم، قال:
كان سهل بن سعد الساعدي يقدِّم فتيان قومه، يصلون بهم، فقيل له: تفعل، ولك من القدم ما لك! قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء، يعني، فعليه، ولا عليهم (٤).
[ضعيف] (٥).
стр. 239
الدليل الثالث:
(ح-٩٣) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني حسين -يعني ابن واقد- حدثني أبو غالب،
أنه سمع أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن (١).
[ضعيف، والمعروف وقفه] (٢).
стр. 240
الدليل الرابع:
الصبي غير موثوق بخبره، فقد يؤذن قبل الوقت فيتعدى خلله هذا إلى الصلاة أعظم أركان الإسلام العملية، وقد يتطرق الخلل إلى الصيام، وهو ركن من أركان الإسلام، لهذا احتاج المؤذن إلى اشتراط العدالة؛ للوثوق بخبره، والصبي غير محكوم له بالعدالة، فلا يسقط به الفرض، ولا يعتد به في مواقيت العبادات.
• ويناقش:
القائلون بالجواز يشترطون علم الصبي بالوقت، وهو علمٌ يدرك بالحس، فغياب الشمس، وزوالها، وطلوع الفجر يدرك بالحس، وكذا سائر الأوقات، وإدراك هذه العلامات اليوم تعتمد على الساعات، فلم يكن هناك فرق بين كبير وصغير، وإذا وثق بالصبي في موضع الإمامة، وهي أعلى شأنًا من مجرد الأذان، وثق بخبره من باب أولى، والله أعلم.
الدليل الخامس:
أن الأذان فرض كفاية على الصحيح، وفعل الصبي نفل، ولا يقوم النفل مقام الفرض عند بعض الفقهاء.
• ويناقش:
إذا توضأ الصبي قبل البلوغ، ثم بلغ بالوقت لم يعد الوضوء بعد بلوغه، وهو نفل قام مقام الفرض، والوضوء قبل دخول وقت الصلاة لا يجب، وإذا توضأ قبل دخول الوقت فقد قام نفل مقام الفرض، فالقول بأنه لا يقوم النفل مقام الفرض ليس دليلًا، ولا يُسلَّم، والله أعلم.
الدليل السادس:
أن الأذان ولاية، والصبي ليس من أهل الولايات.
• ويناقش:
لا نُسَلِّم أن الأذان ولاية، ولهذا يصح أن يتولاه العبد، وهو ليس من أهل
стр. 241
الولايات، ولو سلم جدلًا فإن الولايات تتفاوت، فالإمامة أعظم ولاية من الأذان، وكان يتولاها خليفة المسلمين وخيارهم، ومع هذا صح في الشرع تولي الإمامة من الصبي المميز.
• الراجح:
أن أذان الصبي المميز يصح إذا اختبر وتأكدنا أنه عالم بالأوقات. والله أعلم.
стр. 242
المبحث الثاني في أذان الفاسق
المدخل إلى المسألة
• شروط العبادة كالعبادة، لا يثبتان إلا بدليل صحيح، ولا يوجد دليل على بطلان أذان الفاسق.
• لو كانت العدالة شرطًا في صحة الأذان لما صح الأذان من مستور الحال، فإن المستور لم تتحقق عدالته، ولا جرحه، وهو والفاسق معهما مطلق العدالة.
• كل من صحت إمامته صح أذانه، والفاسق تصح إمامته على الصحيح.
• الأذان قربة، والفاسق من أهلها.
• قال ﷺ : ليؤذن لكم أحدكم. والفاسق واحد من جملة المسلمين.
• إذا صح أذان الصبي المميز وإمامته صح أذان الفاسق وإمامته بجامع أن كلًّا منهما غير محكوم له بالعدالة، بل إن الفاسق أولى لكونه مكلفًا بخلاف الصبي.
• الفاسق مؤتمن بالقيام بشروط الصلاة من طهارة، ونحوها، ودخول الوقت شرط من سائر هذه الشروط.
• إذا كان الفسق لا يحمله على التهاون في أداء الصلاة لم يحمله فسقه على التهاون في شروطها، ومن ذلك تحري دخول الوقت.
• كل من صحت إقامته صح أذانه، فالإقامة أحد الأذانين، وجملهما واحدة.
وقيل:
• الأذان له وظيفتان: الأولى: القيام بالشعيرة. والثانية: الإخبار بدخول الوقت، فالأولى تحصل بأذان الفاسق، والثانية: لابد من العدالة.
• خبر الفاسق لا يقبل حتى نتبين صدقه من كذبه بنص القرآن، ومن كان هذا حكمه لم يمكن الاعتماد عليه في قبول الأخبار.
стр. 243
الناس يقلدون المؤذن في دخول وقت الصلاة، وفي الإمساك والإفطار، ويقبلون قوله فَيُهْرَعُون إلى الصلاة بمجرد سماع الأذان، ودون الرجوع إلى الظل، ومن هنا تكلم الفقهاء في اشتراط العدالة في المؤذن، وهل يصح تقليد الفاسق، وقبول خبره في دخول وقت الصلاة؟
وللجواب على ذلك نقول، قبل الدخول في الخلاف ننبه على ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أن المقصود بالعدالة عدم العلم بالمُفَسِّق، وليس المراد ثبوت العدالة، فيصح أذان مستور الحال، والذي لم يثبت جرحه، ولم تعلم عدالته، فافترق الإخبار بالأذان عن الإخبار بالرواية، والتي يشترط فيها ثبوت العدالة الباطنة على الصحيح.
قال ابن قدامة: «ولا خلاف في الاعتداد بأذان من هو مستور الحال، وإنما الخلاف فيمن هو ظاهر الفسق» (١).
المسألة الثانية: أنه لا يجوز أن يُوَلَّى الأذانَ رجلٌ فاسق، وإنما الخلاف فيما لو أذن الرجل الفاسق، أيُعْتَدُّ بأذانه، أم لا؟
جاء في تحفة المحتاج: «ولا يصح نصب راتب مميز، أو فاسق مطلقًا» (٢).
وفي حاشية الجمل: «يجوز أذان الفاسق وإمامته، ولا يجوز نصبه لهما» (٣).
وقال ابن تيمية «وفي أذان الفاسق روايتان أي في الإجزاء، فأما ترتيب الفاسق مؤذنًا فلا ينبغي أن يجوز قولًا واحدًا كما قيل في نفوذ حكم الفاسق إذا حكم بالحق وجهان، وإن لم تجز توليته قولًا واحدًا» (٤).
المسألة الثالثة: كثير من الفقهاء حمل الخلاف في أذان الفاسق إذا لم يعتمد عليه في دخول الوقت.
قال ابن نجيم: «ينبغي ألا يصح أذان الفاسق بالنسبة إلى قبول خبره، والاعتماد
стр. 244
عليه لما قدمناه من أنه لا يقبل قوله في الأمور الدينية» (١).
ونبه ابن عابدين إلى أن الأذان له وظيفتان:
الأولى: القيام بالشعيرة. والثانية: الإخبار بدخول الوقت، فالأولى تحصل بأذان الفاسق، والثانية: لابد من العدالة.
قال ابن عابدين في التوفيق بين القول بصحة أذان الفاسق، والقول بأنه لا يصح في المذهب عندهم.
قال: «والذي يظهر لي في التوفيق هو أن المقصود الأصلي من الأذان في الشرع الإعلام بدخول أوقات الصلاة، ثم صار من شعار الإسلام في كل بلدة أو ناحية من البلاد الواسعة … فمن حيث الإعلام بدخول الوقت، وقبول قوله لا بد من الإسلام، والعقل، والبلوغ والعدالة .... ومن حيث إقامة الشعار النافية للإثم عن أهل بلدة، فيصح أذان الكل يعني من الصبي والمرأة والفاسق سوى الصبي الذي لا يعقل» (٢).
وقال ابن عرفة نقلًا من مواهب الجليل: «ويجب كونه عدلًا عالمًا بالوقت إن اقتدي به» (٣).
وقال النووي في المجموع: «قال أصحابنا: وإنما يصح أذانه في تحصيل وظيفة الأذان، ولا يجوز تقليد خبره في دخول الوقت؛ لأن خبره غير مقبول» (٤).
وجاء في أسنى المطالب: «ويكره أذان صبي كفاسق … لأنه لا يؤمن أن يؤذن في غير الوقت، ولا أن ينظر إلى العورات، لكن يحصل بأذانه السنة، وإن لم يقبل خبره في الوقت» (٥).
وأما الحنابلة فذكروا في الاعتداد بأذان الفاسق روايتين، وظاهر إطلاق
стр. 245
الخلاف في الاعتداد بأذانه أنه يعتد به حتى ولو كان يعتمد عليه في الوقت، خاصة أنهم استدلوا بصحة أذانه على صحة صلاته.
قال ابن قدامة: «وهل يشترط العدالة والبلوغ للاعتداد به؟ على روايتين في الصبي، ووجهين في الفاسق .... الثانية: يعتد بأذانه» (١).
وفي الإنصاف: «وهل يعتد بأذان الفاسق والأذان الملحن؟ على وجهين» (٢).
وقال ابن قدامة: «ويستحب أن يكون المؤذن عدلًا أمينًا بالغًا؛ لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة والصيام، فلا يؤمن أن يغرهم بأذانه إذا لم يكن كذلك» (٣).
فعبر باستحباب كون المؤذن عدلًا، وعلل الاستحباب من أجل ألا يغرر بأذانه، ولو كان قصدهم بأذان الفاسق تبعًا لغيره لم يحصل التغرير بأذانه.
[م-٢٤] إذا وقفت على هذا نأتي للخلاف في أذان الفاسق، فأقول:
اختلف العلماء في هذا:
فقيل: يصح أذان الفاسق، ولا يعاد، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، وقول في مقابل الراجح في مذهب الحنابلة، إلا أن الحنفية كرهوا أذانه (٤).
جاء في الفتاوى الهندية: «ويكره أذان الفاسق، ولا يعاد» (٥).
стр. 246
واعتبر الحنفية الإسلام شرط صحة، والعدالة والطهارة شرط كمال (١).
وقيل: تشترط العدالة في المؤذن، وهو مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٢).
جاء في حاشية الصاوي: «المؤذن مخبر، فلا بد من عدالته؛ لأجل أن يقبل قوله» (٣).
• حجة من قال: يصح أذان الفاسق:
الدليل الأول:
(ح-٩٤) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (٤).
وجه الاستدلال:
قوله: (فليؤذن لكم أحدكم) فكلمة (أحدكم) مفرد مضاف إلى معرفة، والمفرد المضاف يعم، فيشمل الفاسق وغيره، فلم يشترط الشارع في الأذان إلا أن يكون أحدنا، ولا شك أن الفاسق واحد من المسلمين.
الدليل الثاني:
شروط العبادة كالعبادة، فإذا كانت العبادة لا تثبت إلا بدليل، فكذلك شروطها لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الشروط أوصاف فيها، ولا يوجد نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﷺ ، ولا من إجماع الصحابة ينهى عن أذان الفاسق.
стр. 247
الدليل الثالث:
(ح-٩٥) ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم (١).
وجه الاستدلال:
أن كل من صحت إمامته صح أذانه، بل إن الصلاة أعلى شأنًا من الأذان، ذلك أن الناس قد يدركون الخلل إذا تطرق إلى الأذان، كما لو أذن قبل الوقت، ولا يدركون الخلل إذا تطرق إلى شروط الصلاة، فمن كان مؤتمنًا على شروط الصلاة، ومنه تحري وقتها، كان مؤتمنًا على تحري دخول الوقت في الأذان.
فإن قيل: هذا في أئمة الجور، وأهل السنة والجماعة على صحة الصلاة خلفهم.
قيل: الصحيح من أقوال أهل العلم أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، ولو كانت الصلاة خلف الفاسق معصية لم تصح خلف أئمة الجور، ولا جازت طاعتهم بالصلاة خلفهم، كما لا تجوز طاعتهم في سائر المعاصي مما هو أقل شأنًا من الصلاة، فإن الطاعة بالمعروف، ولا طاعة في معصية، وإن كان ترك الصلاة خلف الفاسق من باب السياسة الشرعية لحمله على ترك الفسق فهذا باب آخر، لكن لا يجعل شرطًا لصحة العبادة.
الدليل الرابع:
(ح-٩٦) روى البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن عمرو بن سلمة، قال: .... لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر
стр. 248
قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين .... (١).
وجه الاستدلال:
إذا صحت إمامة الصبي مع أنه غير محكوم له بعدالة ولا فسق، صحت إمامة الفاسق من باب أولى، ذلك أن الصبي لا إثم عليه لو وقع منه خطأ، بخلاف الفاسق فإنه من جملة المكلفين.
• حجة من قال: لا يصح أذان الفاسق:
الدليل الأول:
(ح-٩٧) ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (٢).
[ضعيف] (٣).
وجه الاستدلال:
إذا كان المؤذن مؤتمنًا، فالفاسق لا يوصف بذلك.
• ويناقش:
بأن الحديث ضعيف، ولو صح لم يكن صريح الدلالة على اشتراط العدالة، فهذا الصبي تصح إمامته على الصحيح، وهو لا يوصف بعدالة ولا فسق، مع قوله في الحديث (الإمام ضامن) وهو لا ذمة له لإمكان ضمانه، ولو سلمت دلالة الحديث فيكفي في ذلك مطلق الأمانة، لا الأمانة المطلقة، فالفاسق فيه مطلق الأمانة، ففيه قدر من التقوى جعله من جملة المسلمين، ولهذا يؤتمن على قيامه بشروط الصلاة، من طهارة ونحوها، ويؤتمن على كثير من أحكام بقاء الزوجية، وتصح إمامته على
стр. 249
الصحيح، وولايته على أولاده إذا لم يؤثِّر فسقه على ولايته، ويصح أذان مستور الحال، وليس معه إلا مطلق العدالة؛ حيث لم تثبت عدالته، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٩٨) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق يحيى الحماني، حدثنا إبراهيم بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده،
عن أبي محذورة، قال: قال رسول الله ﷺ : المؤذنون أمناء المسلمين على فطرهم وسحورهم (١).
ورواه البيهقي من طريق يحيى بن عبد الحميد حدثني إبراهيم بن عبد العزيز ابن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده،
عن أبي محذورة قال: قال رسول الله ﷺ : أمناء المسلمين على صلاتهم وسحورهم المؤذنون.
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٩٩) ما رواه أبو يعلى الموصلي من طريق حسين بن عيسى الحنفي، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : ليؤذنْ خيارُكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ قراؤكم (٣).
стр. 250
[ضعيف] (١).
• حجة من قال: يكره أذان الفاسق:
أدلة القائلين بالكراهة هي أدلة القائلين بالمنع، إلا أنهم حملوا هذه الأدلة على الكراهة، لهذا تجدهم يعللون بالكراهة بأن المؤذن إذا كان فاسقًا لم يكن أمينًا على المواقيت، فقد يؤذن قبل الوقت، وقد يؤذن في موضعٍ عالٍ فيطلع على العورات، ولا يؤمن أن ينظر إلى عورات الناس (٢).
• الراجح:
أرى أن أذان الفاسق إن كان تبعًا لغيره فأذانه صحيح.