← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1822

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1825

خرج الوجه من العورة للإجماع على أنه ليس بعورة في الصلاة، وبقي ما عداه. • ونوقش هذا بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن الراجح في الأثر أنه موقوف على ابن مسعود، كما تبين ذلك من خلال التخريج، والحجة في المرفوع. • ورد هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الأثر قد صححه بعض علماء الحديث مرفوعًا، كالترمذي، وابن حبان، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وإن كان قد أعل رواية قتادة المرفوعة. الوجه الثاني: أن الأثر وإن كان موقوفًا، فإن وقفه لا يسقط الاحتجاج به، ذلك أن قول

стр. 1826

الصحابي إذا لم يعارض نصًّا، ولم يعارضه قول صحابي آخر، فهو حجة أيضًا، وإن لم يكن بمنزلة النص، فالصحابي أقدر على فهم أحكام الشرع، لأخذه من الرسول ﷺ مباشرة، فقد عاش في مجتمع لم تعرف البشرية أنقى ولا أتقى منه، فَلَإِنْ كان رسولنا ﵊ خير الرسل فإن صحابته خير الناس بعد الرسل، فهم خير القرون، وقد رباهم رسول الله ﷺ بحكمته، خاصة إذا كان هذا القول قد جاء من مثل ابن مسعود ﵁، وهو صاحب حظوة من الرسول ﷺ ، حتى عُدَّ من أهل بيته ﷺ ، وكان ابن مسعود قد تأثر بفقه عمر ﵁، وبفقه غيره من كبار فقهاء الصحابة، وهو صاحب مدرسة فقهية تأثر به كبار فقهاء أهل العراق، كالثوري وأبي حنفية. • ويجاب على هذا الرد من وجهين أيضًا: أحدهما: بأن قول الصحابي عند من يرى الاحتجاج به مشروط ألا يخالف نصًّا، ولا يخالف قول صحابي آخر، وقد خالفه قول ابن عباس وابن عمر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، قالوا: الوجه والكفان، وسبق تخريج الأثر عنهما. الثاني: أن الحديث ظاهره أن المرأة كلها عورة، وهذا لا يمكن حمله على عورة الصلاة؛ للإجماع على أن وجه المرأة ليس بعورة في الصلاة. ولا يمكن حمله على عورة النظر؛ لأنه يجوز للمرأة أن تظهر للمرأة ولمحارمها ما يظهر منها غالبًا كالوجه واليدين والقدمين، وإلى مواضع الوضوء منها حيث كان الرجال المحارم والنساء يتوضؤون جميعًا. فكان إطلاق الأثر ليس صحيحًا؛ ولو كان صادرًا من المعصوم لما وجدت فيه هذا الاختلاف. • ورد هذا: بأن العموم قد يطلق ويراد به الخصوص، فالأثر يتكلم عن عورة المرأة في خروجها من بيتها، وليس في عورة المرأة في صلاتها، ولا في عورتها في بيتها عند محارمها، لهذا لا أرى استدلال الحنابلة بعموم هذا الأثر على عورة كفي المرأة

стр. 1827

وقدميها في الصلاة، بصرف النظر هل ثبت مرفوعًا أو موقوفًا؟ الدليل الثاني للحنابلة: قياس الكفين على القدمين بكونهما عورة؛ ولأن الحاجة لا تدعو إلى كشف الكفين كما تدعو إلى كشف الوجه. • ويجاب: بأن عورة القدم من المرأة في الصلاة مختلف فيه، ولم يثبت دليل على اعتباره عورة في الصلاة، وكونه عورة في النظر هل يكفي لتعميم ذلك في الصلاة؟ فالحنفية لا يرون أن قدم المرأة عورة في الصلاة، وهذا ذهاب منهم إلى التفريق بين عورة النظر وعورة الصلاة، وسنذكر أدلتهم إن شاء الله تعالى. وأما من يبني عورة الصلاة على عورة النظر فسيذهب إلى أن ما قام الدليل على اعتباره عورة في النظر فهو صالح للاحتجاج به على كونه عورة في الصلاة، والله أعلم. • دليل من قال: قدم المرأة ليست بعورة: الدليل الأول: لا يوجد دليل على وجوب تغطية القدمين في الصلاة، والأصل عدم الوجوب، ولو كان واجبًا لجاء الأمر به كما أُمِرَتْ بالخمار، فإذا ثبت أن المرأة في بيتها تكشف يديها، ووجهها، وقدميها، فالأصل جواز كشف ذلك في الصلاة إلا بنص أو إجماع على وجوب تغطيته في الصلاة. ولم يطلب من المرأة أن تصلي إلا بقميص سابغ (درع) بأن يكون الدرع إلى قدميها، وتكون أكمامه إلى الرسغ، ولم تؤمر مع القميص إلا بخمار يغطي شعرها، ولم تؤمر بما يغطي رجليها، لا خف، ولا جورب، ولا بما يغطي يديها، لا بقفازين ولا بغير ذلك، فدل على أنه لا يجب عليها في الصلاة ستر ذلك إذا لم يكن عندها رجال أجانب، ودعوى أن القميص يغطي يديها وقدميها في بيتها لا دليل عليه، فكانت تعجن وتطحن وتخبز وتقوم في مهنة بيتها في هذا القميص، ولم يكن لغالب النساء ثوبان، حتى كانت المرأة منهن إذا أصاب دم الحيض ثوبها غسلته، وصلت فيه، وإيجاب ستر القدمين فيه حرج عظيم لا يكلف فيه النساء إلا بدليل صحيح، وصريح الدلالة، وهو ما لا يتوفر هنا.

стр. 1828

قال ابن تيمية: «النساء على عهد النبي ﷺ إنما كان لهن قمص، وكن يصنعن الصنائع، والقمص عليهن، فتبدي المرأة يديها إذا عجنت، وطحنت، وخبزت، ولو كان ستر اليدين في الصلاة واجبًا لبينه النبي ﷺ . كذلك القدمان، وإنما أمرن بالخمار فقط مع القميص، فكن يصلين بقمصهن وخمرهن، وأما الثوب الذي كانت المرأة ترخيه وسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: شبرًا فقلن: إذن تبدو سوقهن فقال: ذراعًا لا يزدن عليه … فهذا كان إذا خرجن من البيوت» (١). ولقد أدركت أمهاتنا وأنا فتى يلبسن القميص في البيت إلى القدمين، فإذا أرادت الخروج لبست فوقه ثوبًا أسود فضفاضًا له أكمام منسدلة واسعة، يجلل بدنها كاملًا حتى تسحبه على الأرض، قد أرخته أكثر من الشبر في الأرض، وكل من كان في مثل عمري يعرف هذا من أمهاته، وهو ثوب لا تلبسه أمهاتنا في البيوت، بل هو مخصص للخروج من البيت، وهذا ما قصده ابن تيمية عليه رحمة الله. • ويناقش: بأن الإمام أبا حنيفة لا يرى القدمين عورة، لا في النظر، ولا في الصلاة، وهو أحد القولين في المذهب (٢). وقيل: القدمان عورة في النظر، فيجب سترهما عن الأجنبي، وليسا بعورة في الصلاة، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، واختيار ابن تيمية (٣). وإذا قام الدليل على اعتبار القدمين عورة في النظر فهذا كَافٍ في اعتبار ذلك عورة في الصلاة إلا أن يقوم دليل صريح على استثناء ذلك. وأما الاستدلال بجواز كشف القدم للمحارم على جواز كشفه في الصلاة فلا أره صوابًا، فقد تكون الإباحة لا تعني أنه ليس بعورة في الأصل، وإنما رفع الحكم عن

стр. 1829

المحارم تخفيفًا لمشقة ستر القدم مع كثرة دخول الرجل على أهله ومحارمه، كما جاز كشف ذلك للمملوك، وإن كان أجنبيًّا عن سيدته لكثرة تطوافه على مواليه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]، فكانت العلة في رفع الجناح عن المملوك البالغ في غير ثلاثة الأوقات كثرة تطواف بعضهم على بعض، وليس لانتفاء العورة من الأصل، والله أعلم. الدليل الثاني: (ث-١٨٢) ما رواه أبو حاتم في تفسيره من طريق يحيى بن يمان، عن حماد ابن سلمة، عن أم شبيب، عن عائشة: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قالت: الفتخ: حلق من فضة يكون في أصابع الرجلين (١). [حسن إن كان حفظه يحيى بن يمان] (٢).

стр. 1830

قال ابن تيمية: «هذا دليل على أن النساء كن يُظْهِرْنَ أقدامهن أولًا كما يُظْهِرْنَ الوجه واليدين .... وبالجملة: قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها وإنما ذلك إذا خرجت. وحينئذٍ فتصلي في بيتها، وإن رئي وجهها ويداها وقدماها كما كن يمشين أولًا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردًا ولا عكسًا … » (١). وقال أيضًا: «أمرت المرأة أن تختمر في الصلاة، وأما وجهها ويداها، وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب، لم تُنْهَ عن إبدائه للنساء، ولا لذوي المحارم فعلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة التي نهي عنها؛ لأجل الفحش وقبح كشف العورة. بل هذا من مقدمات الفاحشة فكان النهي عن إبدائها نهيًا عن مقدمات الفاحشة، كما قال في الآية: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ وقال في آية الحجاب: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فنهى عن هذا سدًّا للذريعة؛ لا أنه عورة مطلقة لا في الصلاة ولا غيرها فهذا هذا» (٢). وبعض هذا الكلام قد يكون مكررًا، إلا أن تكراره قد يجليه لبعض الطلبة. وواضح من كلام الحنفية وابن تيمية أنهم يفرقون بين عورة النظر وعورة الصلاة، وأنه لا تَلَازُمَ بينهما. • الراجح من الخلاف: أن الخلاف في القدم أقوى من الخلاف في الكف، فأرى أن الاحتياط للصلاة أن تستر المرأة قدميها في الصلاة خاصة ظهورهما، والله أعلم.

стр. 1831

المبحث الثالث في عورة الصغير والصغيرة المدخل إلى المسألة: • الكلام في عورة الصغير قبل التمييز من حيث النظر إليها لا غير، حيث لا يؤمر بالصلاة. • الأصل عدم تحريم النظر إلى عورة الصغير الذي لا يَشْتَهَى مثله. • لا يوجد أمر من الشارع بحفظ عورة الصغير عن النظر إليها قبل التمييز. • يشترط لصحة صلاة الصغير المميِّز ما يشترط لصحة صلاة الكبير إلا في ستر العورة. • لا يجب على الصغيرة تخمير رأسها في الصلاة، لمفهوم قوله: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار. • المراهق كالبالغ في العورة؛ لأن ما قارب الشيء يُعْطَى حُكْمَهُ. [م-٢٣٩] لا يؤمر الصغير بالصلاة قبل سن التمييز، فيكون الكلام في عورته من حيث النظر إليها، لا غير (١). فقال الجمهور: لا عورة للصغير والصغيرة جدًّا، وهو أحد الأقوال في مذهب الشافعية، وجزم به القاضي حسين منهم، ورجحه الماوردي في الحاوي، وانتقده ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج (٢). وقال الشافعية في المعتمد: إلا الفرج، القبل والدبر، فإنه عورة من الصغير والصغيرة، نص عليه الغزالي في الوسيط، وجزم به الرافعي، وحكى صاحب العدة

стр. 1832

الاتفاق عليه، وأقر النووي القول بالتحريم، ولم يَرُدَّ الحكم كما فهمه ابن المقرئ، وإنما رد في الروضة حكاية الجزم والاتفاق بكون القاضي حسين جوزه جزمًا، وجوز المتولي النظر إلى فرج الصغير. واستثنى ابن القطان الأم، ومن في حكمها زمن الإرضاع والتربية ونظافة الطفل؛ للضرورة (١). وقيل: التفريق بين الصغير والصغيرة، فيجوز النظر إلى فرج الصبي إلى بلوغه سن التمييز، ولا يجوز النظر إلى فرج الصغيرة؛ لأنه أفحش. قطع به المروذي، وصححه المتولي، وتبعه ابن السبكي عملًا بالعرف (٢). واختلف الجمهور في حد الصغر: فقال الحنفية: إذا لم يبلغ الصغير والصغيرة حد الشهوة يغسلهما الرجال والنساء: وقدره بعض الحنفية: بالأربع فما دونها. وقدره في الأصل: بأن يكون قبل أن يتكلم. وهذا غير منضبط، فمن الأطفال من يتكلم في السنة الأولى، ومنهم من يتأخر إلى أربع سنوات (٣).

стр. 1833

وقال القاضي حسين من الشافعية: يجوز النظر إلى فرج الصغير والصغيرة التي لا تُشْتَهَى دون أن يقدر ذلك بسن معين، وأرى أن هذا ضابط لا يمكن تقديره بالسن، وإنما يقدر بالمظهر؛ لاختلاف الخلقة بين الصغار. وقال الحنابلة لا عورة لهما ما لم يبلغا سبع سنين (١). وقال المالكية: الصغير ابن ثماني سنين لا عورة له، فيجوز النظر إلى جميع بدنه، ولمسه، ويجوز للمرأة أن تتولى تغسيله إذا مات، ولا تكلف ستر عورته؛ لأنه يجوز لها النظر إلى عورته. وابن تسع سنوات إلى اثنتي عشرة يجوز النظر دون اللمس، فلا يجوز أن تتولى تغسيله امرأة؛ لما فيه من المس باليد، وإن جاز لها النظر إلى عورته للمراهقة. وابن ثلاث عشرة سنة عورته كالبالغ؛ لأنه مناهز، والمناهز كالكبير (٢). وهذا توسع في عورة الصبي، لا دليل عليه من الأثر، ولم يُبْنَ على نظر. وأما عورة الصغيرة عند المالكية: فالرضيعة يجوز النظر إلى عورتها اتفاقًا، ويجوز اللمس كأن يقوم الرجال بتغسيلها إذا ماتت، والرضيعة إلى سنتين، وثمانية أشهر باعتبار ما قرب من زمن الرضاعة أعطي حكمه.

стр. 1834

وإذا كانت الصبية مطيقة للوطء كبنت ست سنوات، لم يجز للرجال النظر ولا اللمس اتفاقًا. واختلف فيما بينهم كبنت ثلاث سنين وأربع، فلا يجوز له تغسيلها، وإن جاز النظر إليها، وهذا مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: يغسلها. ومذهب المدونة المنع (١). هذا فيما يتعلق بعورة الصغير والصغيرة من حيث النظر (٢). وإذا بلغ الطفل سبع سنوات، وكان مميزًا أمر بالصلاة، وعورته لها حكمان: في النظر، وفي الصلاة. وعند الجمهور لا يختلف الحكم فيهما خلافًا للمالكية. فقال الحنفية: عورة الصبي والصبية القبل والدبر ما داما لم يشتهيا، ثم تغلظ

стр. 1835

عورته بأن يلحق بهما ما حولهما إلى عشر سنين، ثم يكون كعورة البالغين (١). وقال الحنابلة: عورة الصبي إذا بلغ سبع سنين إلى عشر سنين الفرجان فإذا بلغ عشر سنين فهو كالبالغ، وهذا قريب من مذهب الحنفية في الصبي. وأما عورة المميزة والمراهقة فمن السرة إلى الركبة، فإذا بلغت تسع سنين كانت عورتها كالبالغ. وقال المالكية: يندب للصغير والصغيرة ستر عورتهما في الصلاة كالبالغ، فإن صليا مكشوفي العورة أعادا في الوقت (٢). وأما عورتهما في النظر فقد سبق تفصيلها. هذه مجمل الأقوال في عورة الصغير. • دليل من قال: لا عورة للصغير والصغيرة جدًّا من حيث النظر: الدليل الأول: أن الذي أُمِرَ بحفظ الفرج هو الكبير، ولذلك خاطبه القرآن بهذا التكليف، ولم يخاطب الصغير بحفظ فرجه، ولم يؤمر وليه بذلك. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١]. الدليل الثاني: الأصل عدم تحريم النظر إلى عورة الصغير الذي لا يشتهى عادة، ولا عبرة بالشاذ، ومن ادعى التحريم فعليه الدليل. • ونوقش: بأن النظر إلى العورة لا يتعلق بالشهوة، ولذلك لا يجوز النظر إلى عورة البالغ، ولو كان من شخص لا شهوة له بخلاف سائر البدن، فهو الذي يقيد بالشهوة. • ورد هذا: الأصل في تحريم النظر إلى العورة بأنه من باب تحريم الوسائل، ولذلك

стр. 1836

أباحته الحاجة، وإذا كان ذلك كذلك فالنظر إلى الكبير الأصل فيه الشهوة، ونظر من لا شهوة له حالة نادرة، فلم تُعْطَ حكمًا، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٦٩٠) ما رواه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة. منطوق الحديث: تحريم نظر البالغ إلى عورة البالغ، وكذا المرأة؛ لأنه لا يقال: رجل وامرأة إلا في حق من كان بالغًا. ومفهومه: أن النظر إلى عورة الصغير أو الصغيرة لا يدخل في النهي، إلا أنه لما كان الناس يتفاوتون في البلوغ، أعطي ما قارب البلوغ حكم البالغ. الدليل الرابع: (ح-٦٩١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفَيْنِ عورَتَهُمَا يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك (٢). [ضعيف] (٣). وجه الاستدلال: الاستدلال بالمفهوم حيث خص المقت بخروج الرجلين، فلو كان هذا الحكم

стр. 1837

يشمل النظر لعورة الصبي والصبية لجاء اللفظ عامًّا. • ويناقش الدليلان: بأن دلالة مفهوم المخالفة فيها خلاف، والحنفية لا يرون الاستدلال بمفهوم المخالفة. وعلى التسليم فإن الأصل في الصغير إذا كان له أدنى تمييز أنه ينهى عما ينهى عنه الكبير، تأديبًا وتعليمًا، (ح-٦٩٢) ولذلك روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة نهى النبي ﷺ الحسن أن يأكل من تمر الصدقة، وقال له: كخ كخ ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة (١). ورواه عبد الرزاق، وعنه أحمد عن معمر، ورواه أحمد، وإسحاق بن راهويه أخبرنا عفان بن مسلم، ورواه أحمد حدثنا عبد الرحمن، كلاهما (عفان وعبد الرحمن بن مهدي) عن حماد بن سلمة، كلاهما (معمر وحماد) عن محمد بن زياد به، وفيه: كنا عند رسول الله ﷺ ، وهو يقسم تمرًا من الصدقة، والحسن بن علي في حجره، فلما فرغ حمله النبي ﷺ على عاتقه، فسال لعابه على خد النبي ﷺ ، فرفع إليه النبي ﷺ بصره، فإذا تمرة في فيه، فأدخل النبي ﷺ يده، فانتزعها منه، ثم قال له: أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد (٢). [صحيح]. فخطاب النبي للحسن بلفظ: (كخ كخ) وكونه في حجر النبي ﷺ وحمل النبي ﷺ له كل ذلك يشعرك بأن الحسن كان صغيرًا جدًّا، ومع ذلك منعه النبي ﷺ من أكل تمرة من تمر الصدقة، وأخرجها من فيه، علمًا أن هذه التمرة قد لا تكون

стр. 1838

صالحة بعد أن لاكها الحسن بفيه وسال منها لعابه، والله أعلم .. الدليل الخامس: (ح-٦٩٣) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق خالد بن يزيد البصري، حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ فرج ما بين فخذي الحسين وقبل زبيبته (١). [ضعيف] (٢).

стр. 1839

وله شاهد من حديث أنس ﵁: (ح-٦٩٤) رواه تمام في فوائده من طريق اليمان بن سعيد، حدثنا الحارث بن عطية، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله ﷺ يفرج بين رجلي الحسن ويقبل ذكره (١). [ضعيف] (٢).

стр. 1840

• دليل من فرق بين عورة البالغ وغير البالغ: الدليل الأول: أن الصبي إذا بلغ سبع سنين أُمِرَ بالصلاة، (ح-٦٩٥) لما رواه أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (١). [منكر، تفرد به سوار، على خلاف فيه في لفظه، وله شواهد ضعيفة جدًّا، وأمثل حديث في الباب حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف] (٢). وكشف العورة إن كان من المنهيات فالصبي إذا ميز فإنه ينهى عما ينهى عنه الكبير، كما نهى النبي ﷺ الحسن من الأكل من مال الصدقة، رواه الشيخان من حديث أبي هريرة، وسبق تخريجه.

стр. 1841

وإن كان ستر العورة من المأمورات، فالصبي ذو سبع السنوات مأمور بالصلاة، وإذا أمر بها أمر بسائر شروطها، وإذا ستر عورته في الصلاة سترها عن النظر. وإنما لم تجعل عورته كعورة البالغ لحديث عائشة ﵂. (ح-٦٩٦) لما رواه أحمد من طريق حماد، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار (١). [اضطرب فيه قتادة، والراجح فيه ابن سيرين عن عائشة، وليس بالمتصل، وله شاهد من حديث أبي قتادة إلا أنه ضعيف] (٢). وفهم منه صحة صلاة من لم تبلغ المحيض بلا خمار، وهو دليل على أنه لا يشترط لصحة صلاة الصغير ما يشترط لصحة صلاة الكبير في ستر العورة، والله أعلم. • ونوقش: بأن عورة الصلاة وعورة النظر لا تتفقان طردًا، ولا عكسًا. • ورد هذا النقاش: بأن من الفقهاء من يرى أن ما كان عورة في النظر في حق الأجنبي فهو عورة في حق الصلاة، وجواز كشف الوجه والكف في الصلاة مرده عنده إلى أنهما ليسا بعورة في النظر، فلهذا جاز كشفهما في الصلاة. ومن الفقهاء من يسلم بهذه القاعدة، وهو أن ما كان عورة في النظر في حق الأجنبي فهو عورة في الصلاة من باب أولى، كشعر المرأة وقدميها، إلا أن يستثني ذلك نصٌ أو إجماعٌ، فالوجه من المرأة كان يمكن أن يكون عورة في الصلاة كالنظر إلا أنه خرج عن ذلك بالإجماع على أنه ليس بعورة في الصلاة، فالأصل في العورتين أنهما متفقتان إلا لدليل. فهذان القولان يتفقان على أن الوجه ليس بعورة في الصلاة، ويختلفان في تخريج ذلك، فالأول يرى أنه ليس بعورة في الصلاة لكونه ليس بعورة في النظر،

стр. 1842

والثاني يرى أن خروج الوجه من حد العورة في الصلاة لقيام الإجماع، ولولاه لكان عورة في الصلاة، كما كان عورة في النظر، والله أعلم. الدليل الثاني: أن الصبي إذا بلغ سبع سنين أمر بالصلاة لحديث عبد الله بن عمرو السابق، وفهم أنه قبل سبع سنين لا عورة له؛ لأن حكم الطفولية مُنْجَرٌ عليه إلى التمييز. فإذا بلغ سبع سنين، كان في العورة يحتمل أن يلحق بمن دون سبع سنين؛ لأنه في معناه. ويحتمل أن لا يلحق به؛ لأنه يفارقه في أمره بالصلاة، وقربه من المراهقة، فلهذا قيل: عورته الفرجان، وجعلت عورته مخففة، فلم يُعْطَ حكم البالغ، ولم يُعْطَ حكم الصغير قبل التمييز. أما إذا بلغ عشر سنين فقد أعطي حكم البالغ؛ لأنه يضرب على ترك الصلاة، ويفرق بينه وبين النساء في المضاجع، فدل على أن ما قرب من الشيء يأخذ حكمه. ولأن البلوغ أمارته خفية، وهو يختلف من شخص لآخر، فكان الاحتياط في إعطاء ابن عشر سنين حكم البالغ، وفي إعطاء بنت تسع سنين حكم المرأة. (ث-١٨٣) فقد روى الترمذي (١)، والبيهقي (٢)، كلاهما تعليقًا: قال البيهقي: وروينا عن عائشة ﵂ قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. قال البيهقي: تعني -والله أعلم- فحاضت فهي امرأة. [ضعيف لتعليقه، ومع كونه معلقًا فهو موقوف على عائشة] (٣). • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أنه قد تقدم لنا أن الفخذ ليس بعورة، لا في النظر، ولا في الصلاة في حق الرجل

стр. 1843

البالغ، فلا يظهر فرق على الصحيح بين البالغ وبين الصبي في عورة الصلاة. الوجه الثاني: على القول بأن الفخذ عورة في حق الكبير كما هو قول الجمهور، والاستدلال على التخفيف فيها في حق الصغير قياسًا على جواز كشف رأس الجارية في الصلاة بناء على صحة حديث عائشة المتقدم وقد علمت ما فيه، فإن التخفيف لو صح لا يتجاوز به محل الرخصة، وهو الرأس وحده، وأما التخفيف في عورة غير الرأس قياسًا على الرأس فلا يظهر لي قوته؛ لوجود الفارق بين عورة الشعر، وعورة الفخذ على القول بأنه عورة. فالشعر لا يجب على الصغيرة ستره عن النظر قبل البلوغ، وما لم يكن عورة في النظر لم يكن عورة في الصلاة، بخلاف الفخذ على القول بأنه عورة، فإنه يجب على ولي الصغير والصغيرة أن يستر ذلك عن النظر، لهذا وجب ستره في الصلاة. • دليل من قال: لا ينظر إلى فرج الصغير والصغيرة: الدليل الأول: (ح-٦٩٧) ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق أحمد بن محمد بن ياسين، حدثنا محمد بن حبيب السماك، حدثنا عبد الله بن زياد الثوباني، من ولد ثوبان، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ليث، مولى محمد بن عياض الزهري، عن محمد بن عياض قال: رُفِعْتُ إلى رسول الله ﷺ في صغري وعَلَيَّ خرقة وقد كُشِفَتْ عورتي، فقال: غطوا حرمة عورته، فإن حرمة عورة الصغير كحرمة عورة الكبير، ولا ينظر الله إلى كاشف عورة (١). [موضوع] (٢).

стр. 1844

الدليل الثاني: جاء في نهاية المطلب لإمام الحرمين: «لما قطع الأئمة بانتقاض الوضوء بمس فرج الصغير، وإن كان ابنَ يومهِ، فهمت منه تحريم النظر إليه من غير حاجةٍ، ورأيت أن أحمل ما روي عن النبي ﵇: أنه كان يُقَبِّلُ زبيبة الحسن والحسين على جريان ذلك وراء ثوبٍ» (١). • ويناقش: بأن نقض الوضوء من مس الفرج فيه خلاف، والحكم فيه تعبدي، لا تعقل علته، ومن شروط تعدية الحكم علة جامعة. • دليل من فرق بين النظر إلى فرج الصبي والصبية: الدليل الأول: بنى حكمه هذا على أن النظر إلى فرج الصبية أفحش من النظر إلى فرج الصبي، هكذا ذكره بعض الشافعية. • ويناقش: بأن الفحش لا يتعلق بالمحل الذي وقع عليه النظر، وإنما يتعلق بالناظر، فنظر الرجل إلى فرج الصبي ونظر المرأة إلى فرج الصبية في الحكم سواء، وإنما الفحش قد يقال في نظر المرأة إلى فرج الصبي، أو الرجل إلى فرج الصبية، والله أعلم. الدليل الثاني: تسامح الناس في ذلك، وجريان العرف به بحيث تبقى الإباحة إلى أن يصير

стр. 1845

الصبي في عمر يمكنه أن يستر عورته عن الناس، وهو سن التمييز. • دليل من قال: لا عورة للصغير في النظر قبل ثلاث عشرة سنة: يمكن الاستدلال للمالكية بأن حفظ العورة عن نظر الغير من الأحكام التكليفية؛ لهذا أُمِرَ الرجلُ بأن يحفظ عورته إلا من زوج أو ملك يمين كما في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده (١). [حديث حسن] (٢). ومفهوم الرجل أن الصبي ليس داخلًا في الأمر. ولو كان حفظ عورة الصبي عن النظر من أحكام الشريعة لَأُمِرَبه الصبيُّ استحبابًا كما في أصول المالكية، أو أمر الولي وجوبًا بأن يأمر الصبي بحفظ عورته كما هي أصول الشافعية والحنابلة (٣). فلما لم يَأْتِ أمر من الشارع بأمر الصبي بستر عورته علم أن ذلك ليس من التكليف. خالفنا ذلك في الصلاة؛ لأن الصغير حين أمر الشارع أن نأمره بالصلاة كان ذلك أمرًا بشروطها وواجباتها، فكان مأمورًا بشروط الصلاة كما يؤمر بها الكبير، وإن كان الفرق بينهما من حيث التكليف، فالكبير يقوم بها وجوبًا لتبرأ ذمته، ويسقط

стр. 1846

عنه طلب الفعل. والصغير يقوم بها استحبابًا؛ تبعًا للعبادة في الحكم، وإن كانت شرطًا لصحة صلاته؛ فلو لم يفعل لم تصح صلاته، ولم تجب عليه إعادة العبادة؛ لأن العبادة ليست واجبة عليه بخلاف الكبير. • الراجح: أن المسألة وسط بين توسع المالكية وبين تشدد الشافعية؛ لهذا أجد أن قول الحنابلة والحنفية أقرب إلى الصواب. فالصغير والصغيرة قبل التمييز لا حكم لعورتهما. وبعد التمييز، فالصبي عورته الفرجان وما قرب منهما، ولا يجب على الصبية أن تغطي رأسها في الصلاة كما تفعل البالغة، والله أعلم.

стр. 1847

المبحث الرابع في اشتراط ستر العاتق المدخل إلى المسألة: • عورة النظر معقولة المعنى، وعورة الصلاة كذلك على الصحيح. • العاتق ليس بعورة في الصلاة، ووضع الثوب على العاتق في الصلاة لم نؤمر به من أجل ستره، ولم يَأْتِ الأمر به بصفة الستر. • لا يشترط أن يكون الثوب ساترًا لجميع العاتق على الصحيح، ولا أن يستر لون البشرة حتى قال بعضهم: يجزئه وضع حبل أو خيط من الثوب، كما تدل عليه كلمة (شيء) في قوله: (وليس على عاتقيه منه شيء) والتي يحصل فيها المراد بوضع أدنى شيء من الثوب. • أمرنا بوضع طرفي الثوب على العاتقين إذا صلينا في الثوب الواحد من أجل تأمينه من السقوط خوفًا من انكشاف العورة، لا من أجل ستر العاتق، يفسره قوله في الرواية الأخرى: (وليخالف بين طرفيه). • إذا كان تحت إزاره سراويل لم يؤمر بوضع الثوب على العاتق؛ لمفهوم قوله ﷺ لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء، وهذا قد صلى في ثوبين. [م-٢٤٠] اختلف العلماء في اشتراط ستر العاتق: اختلف العلماء في حكم ستر العاتق في الصلاة: فقال الحنفية: يكره تنزيهًا أن يصلي الرجل وليس على عاتقيه شيء من ثوبه (١).

стр. 1848

واستحب الشافعية ستر المنكبين في الصلاة، وهو رواية عن أحمد، واستحبه المالكية في صلاة الجماعة خاصة (١) فقيل: ستر المنكبين سنة مطلقًا، في الفرض والنفل، وهو قول الجمهور، ورواية عن أحمد (٢). وقيل: سترهما لازم على خلاف بينهم: فقيل: شرط مطلقًا في الفرض والنفل، وهو رواية عن أحمد، وجزم به الخرقي، وبه قال أبو جعفر محمد بن علي (٣). وقيل: سترهما واجب، وليس بشرط، فلو صلى ولم يسترهما صحت مع الإثم (٤).

стр. 1849

وقيل: ستر جميع أحد العاتقين شرط في الفرض، ومستحب في النفل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره القاضي أبو يعلى (١). والصحيح من مذهب الحنابلة: أنه يجب ستر جميع العاتق، وقال بعض الحنابلة: يجزئ ولو بحبل أو خيط، ونسبه بعضهم إلى أكثر الأصحاب (٢). • سبب الخلاف: (ح-٦٩٨) اختلافهم في العلة من نهي النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الشيخان من طريق أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقيه منه شيء (٣). فقيل: ستر العاتق ستر لأعلى البدن، وهو ليس بعورة في النظر بالاتفاق فكان الأمر بستره من الزينة التي أُمِرَ بها المصلي عند الجمهور، وعند مالك أُمِرَ بها مطلقًا في الصلاة وغيرها إذا خرج لجماعة الناس. ومن علل بهذا لا يرى وجوب ستر العاتق فضلًا أن يكون شرطًا في صحة الصلاة؛ ذلك أن اتخاذ الزينة للناس أو للصلاة في غير ستر العورة غاية ما يبلغ الحكم فيه هو الاستحباب هذا إن سلم القول بمشروعية اتخاذ الزينة للصلوات الخمس. وقيل: أُمِرَ بذلك حتى لا ينظر المصلي إلى عورته. قال ابن بطال في شرح البخاري: «إنما أمر الرسول ﷺ من صلى في ثوب واحد أن يجعله على عاتقيه إذا لم يكن متزرًا؛ لأنه إذا لم يكن متزرًا لم يأمن أن ينظر من عورة نفسه في صلاته، فإذا جعله على عاتقيه وخالف بين طرفيه أمن من ذلك، واستترت عورته» (٤).

стр. 1850

وقيل: أمر بذلك لئلا يسقط ثوبه عنه، فإن أمسكه بيده شغله ذلك عن سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى، ووضع اليدين على الركبتين ونحوها، وهذا مذهب الشافعية، وبه قال المازري من المالكية (١). وهذا التعليل أقوى كما سيتضح ذلك من خلال ذكر الأدلة. وقيل: ستر العاتق شرط؛ لأن ما يجب ستره للصلاة ليس مبنيًّا على ما يجب ستره عن النظر، وهذا ما بني عليه مذهب الحنابلة. • دليل الجمهور على أن ستر العاتقين سنة: الدليل الأول: (ح-٦٩٩) ما رواه مسلم من طريق طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: سمعته عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعَلَيَّ مرط، وعليه بعضه إلى جنبه (٢). وله شاهد من حديث ميمونة عند أحمد وأبي داود (٣).

стр. 1851

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1852

وآخر من حديث حذيفة عند أحمد (١).

стр. 1853

وجه الاستدلال: صلى النبي ﷺ في ثوب واحد، طرفه عليه، وطرفه الآخر على زوجه، وهو بهذه الصفة لا يمكن أن يخالف بين طرفيه، فلم يَبْقَ إلا الاتزار به. قال الشافعي في الأم: «دل ذلك على أنه صلى فيما صلى فيه من ثوبها مؤتزرًا به؛ لأنه لا يستره أبدًا إلا مؤتزرًا به إذا كان بعضه على غيره» (١) . فدل على أن الأمر بوضع طرفي الثوب على عاتقيه، والمخالفة بين طرفي الثوب أن ذلك من باب الاستحباب، والله أعلم. وقال الشافعي في اختلاف الحديث: «نهي رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء والله أعلم اختيار لا فرض؛ بالدلالة عنه ﷺ بحديث جابر، وأنه صلى في مرط ميمونة بعضه عليه، وبعضه على ميمونة؛ لأن بعض مرطها إذا كان عليها فأقل ما عليها منه ما يسترها مضطجعة، ويصلي النبي ﵇ في بعضه قائمًا، ويتعطل بعضه بينه وبينها، أو يسترها قاعدة فيكون يحيط بها جالسة، ويتعطل بعضه بينه وبينها، فلا يمكن أن يستره أبدًا، إلا أن يأتزر به ائتزارًا، وليس على عاتق المؤتزرين في هذه الحال من الإزار شيء، ولا يمكن في ثوب في دهرنا أن يأتزر به، ثم يرده على عاتقيه أو أحدهما، ثم يسترها، وقلما يمكن هذا في ثوب في الدنيا اليوم» (٢). الدليل الثاني: (ح-٧٠٠) ما رواه البخاري من طريق فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعلي ثوب واحد، فاشتملت به وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: ما السرى يا جابر؟ فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت، قلت: كان ثوب - يعني ضاق - قال: فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن

стр. 1854

كان ضيقًا فاتزر به (١). وجه الاستدلال: أرشد النبي ﷺ إلى طريقة الصلاة بالثوب الواحد الواسع منه والضيق، فإن كان واسعًا فأرشد إلى الالتحاف به، والالتحاف ليس واجبًا؛ لأنه قدر زائد على ستر العورة والمنكب، وإن كان ضيقًا أمر بالاتزار به، ولم يشترط للاتزار بالضيق ألا يوجد غيره، فلو كان الاتزار لا يجوز إلا في حال الضرورة، لقال: فإن لم تجد إلا ضيقًا فاتزر به، فدل الحديث على جواز الصلاة بالثوب الواحد مع تعرية المنكبين. • ونوقش هذا: بأن بعض الفقهاء حمل حديث جابر على أحد أمرين: إما أن يكون ذلك في حال العجز، والنهي عن تعرية المنكبين في حديث أبي هريرة للقادر على سترهما. أو أن حديث جابر خاص في صلاة النافلة، وحديث أبي هريرة في صلاة الفريضة. ولا يظهر لي أن حديث جابر اشترط فيه العجز، بل هو مطلق في الصلاة في الثوب الواحد، فإن كان واسعًا التحف به، وإن كان غير ذلك اتزر به، ولا يوجد نهي عن الصلاة في الإزار الضيق مع وجود غيره حتى يشترط في الصلاة به العجز عن غيره. وقد فهم جابر من قول النبي ﷺ الرخصة في الصلاة في الثوب الواحد واسعًا كان أو ضيقًا، (ح-٧٠١) فقد روى أحمد حديث البخاري، قال: حدثنا أبو عامر، حدثنا فليح به، بلفظ: دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد، ملتحفًا به، ورداؤه قريب لو تناوله بلغه، فلما سلم، سألناه عن ذلك، فقال: إنما أفعل هذا ليراني الحمقى أمثالكم، فيفشوا على جابر رخصة رخصها رسول الله ﷺ ، ثم قال جابر: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فجئته ليلة، وهو يصلي في ثوب واحد، وعلي ثوب واحد، فاشتملت به، ثم قمت إلى جنبه، قال: يا جابر، ما هذا

стр. 1855

الاشتمال؟ إذا صليت، وعليك ثوب واحد، فإن كان واسعًا فالْتَحِفْ به، وإن كان ضيقًا فاتَّزِرْ به (١). وقد فهم الشافعي ﵀ من قوله: وإن كان ضيقًا فليتزر به، الإجازة بالصلاة وليس على عاتقه منه شيء؛ لأنه يقدر بالمدينة على ثوب امرأته، وعلى العمامة والشيء يطرحه على عاتقه (٢). وأما حمل حديث جابر على النافلة فهو قول ضعيف أيضًا، وسوف تأتي مناقشته عند ذكر دليل هذا القول إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: (ح-٧٠٢) ما رواه عبد بن حميد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا يزيد بن عياض، عن زيد بن حسن، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: إن رسول الله ﷺ صلى في ثوب واحد، متزرًا به (٣). [ضعيف جدًّا] (٤). • دليل من قال: ستر المنكبين شرط أو واجب: الدليل الأول: (ح-٧٠٣) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس

стр. 1856

على عاتقيه شيء (١). ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به. • ونوقش من وجوه: الوجه الأول: لا يكون الشيء شرطًا بمجرد الأمر به؛ لأن كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا يثبت بمجرد الأمر به. فلم يَأْتِ من الشارع قوله: لا صلاة إلا بستر العاتقين، أو من لم يستر عاتقيه فلا صلاة له، أو لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا إذا ستر عاتقيه، كما قال في الطهارة من الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. الوجه الثاني: أن الأمر بستر العاتق جاء مقيدًا بما إذا صلى بالثوب الواحد، ولو كان ستر العاتق مقصودًا لذاته لجاء الأمر به مطلقًا، سواء أصلَّى في ثوب واحد أم أكثر، فلو صلى في إزار تحته سراويل لم يؤمر بوضع الثوب العاتق لمفهوم قوله ﷺ : لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء، وهذا قد صلى في ثوبين، فكان الأمر بستر العاتق حتى لا يسقط الثوب، فتنكشف العورة (٢). (ح-٧٠٤) ولذلك روى الحديث البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة عن أبي هريرة، بلفظ: من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه (٣). فالمراد من مخالفة طرفي الثوب من أجل شده؛ لئلا يسقط فتنكشف عورته، وليس من أجل تحقيق ستر المنكب، فالمنكب وسيلة لشد الثوب ليمنع سقوطه،

стр. 1857

وليس وضع الثوب على العاتق غاية بذاته، ولذلك لم يؤمر من كان إزاره ضيقًا فاتزر به أن يضع عمامته على عاتقيه. الوجه الثالث: أن المنكب ليس بعورة في النظر بالاتفاق حتى يطلب الشارع ستره. • وأجيب: بأن الرسول أمر بستر المنكبين ليس لأنهما عورة، ولكن من أجل اتخاذ الزينة المأمور بها في الصلاة. • ويرد على هذا الجواب من وجوه: الوجه الأول: قد ناقشت فيما سبق آية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ وبينت أن الخطاب فيها لبني آدم، والأمر فيها موجه للكفار، ممن كان يأتي المسجد فيلقي زينته إذا أراد الطواف، فيطوف عاريًا، ويقول: الله أمرنا بها. فقال سبحانه خذوا زينتكم إن الله لا يأمر بالفحشاء، ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ أي لا أحد حرم عليكم لباس زينتكم، ونفي التحريم لا يعني إلا الإباحة، ولم يَأْتِ أمر بأخذ الزينة ابتداء تشريع، وإنما جاء في هذه الآية مخاطبًا جماعة الكفار ممن ألقوا زينتهم، فقال: خذوها، والحديث في عورة النظر، ولا يُتَصَوَّرُ أن تكون الآية في شرط العبادة، والكفار ليسوا من أهلها، ولا يقال: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فهذا الكلام ينزل على مخاطبتهم في الصلاة، والصيام لا مخاطبتهم في الشروط داخل العبادة، كاستقبال القبلة، ونحو ذلك. الوجه الثاني: لو سلم لكم أن الشرع أمر بستر المنكب من أجل الزينة، فإن اتخاذ الزينة في الصلاة غايته أن يكون ذلك مستحبًّا، وليس واجبًا، أو شرطًا؛ لأن الواجب هو ستر العورة في الصلاة، وأما اتخاذ الزينة للصلاة على القول به فهو مستحب. الوجه الثالث: لو كان المقصود من وضع الثوب على العاتق كمال الزينة لأمر بستر كامل

стр. 1858

المنكب، ولجاء الأمر به بصفة الستر، ولم تَأْتِ لفظة (شيء) في قوله: (وليس على عاتقيه منه شيء) والتي يحصل فيها المراد بوضع أدنى شيء من الثوب. الوجه الرابع: لو كان الهدف الزينة لكان هناك ما هو أولى بالستر من المنكب كالبطن والصدر، فلو قدر أن الرجل أخذ طرفًا من إزاره على هيئة حبل، فوضعه على عاتقيه مخالفًا بين طرفيه صحت صلاته مع أنه قد كشف أكثر بطنه وصدره فهل هذا قد أخذ زينته للصلاة؟ الدليل الثاني: (ح-٧٠٥) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا (١). ورواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان به، وقال: من ضيق الأزر (٢). وجه الاستدلال: قال ابن تيمية في شرح العمدة: «ولولا أن ستر المنكب واجب لم يكونوا يحافظون عليه مع ضيق الأزر، وخوف بُدُوِّ العورة، ولوجب تكميل ستر العورة حتى يؤمن النظر إليها» (٣). • ويناقش: لا أتصور أن فعل الصحابة هذا كان من أجل ستر المنكب لسببين: الأول: يبعد أن يحرص الصحابة على ستر المنكب على حساب ستر الفخذ، وقد تكلم الفقهاء بإجماع أنه لو كان معه ثوب لا يكفي إلا عورته، ستر عورته، وكشف منكبيه.

стр. 1859

الثاني: أن الصحابة كانوا يعقدون هذا الإزار على أعناقهم، وليس على مناكبهم، فكان الغاية من عقده حتى لا يسقط، فلم يَأْتِ ذكر للمنكب في الحديث البتة، ولا يلزم من عقد الإزار على العنق أن يكون قد ستر المنكب، خاصة مع ضيق الإزار، والله أعلم. • دليل من قال: المطلوب ستر أحد المنكبين: (ح-٧٠٦) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء (١). فأخذ الحنابلة في رواية أنه يكفي ستر أحد العاتقين، وهو المشهور من المذهب. • ويجاب: بأن العاتق مفرد مضاف، فيعم العاتقين، كيف وقد تأيد هذا التفسير برواية الصحيحين عن أبي الأعرج حيث رواه البخاري من طريق مالك، ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن الأعرج بلفظ: (ليس على عاتقيه شيء) (٢). إلا أن سفيان بن عيينة قد اختلف عليه. فرواه بعض أصحابه بلفظ: (عاتقيه)، وهي رواية مسلم كما علمت. ورواه جمع من أصحابه بلغ من وقفت عليه منهم: أحد عشر راويًا، بلفظ (عاتقه) بالإفراد. ورواه بعض أصحابه باللفظين: كما هي رواية الحميدي، وأحمد، -وهما من أخص أصحابه- والشافعي، وأبي خيثمة زهير بن حرب، فتعين حمل رواية الإفراد على رواية التثنية (٣).

стр. 1860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →