← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

على عاتقيه شيء (١). ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به. • ونوقش من وجوه: الوجه الأول: لا يكون الشيء شرطًا بمجرد الأمر به؛ لأن كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا يثبت بمجرد الأمر به. فلم يَأْتِ من الشارع قوله: لا صلاة إلا بستر العاتقين، أو من لم يستر عاتقيه فلا صلاة له، أو لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا إذا ستر عاتقيه، كما قال في الطهارة من الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. الوجه الثاني: أن الأمر بستر العاتق جاء مقيدًا بما إذا صلى بالثوب الواحد، ولو كان ستر العاتق مقصودًا لذاته لجاء الأمر به مطلقًا، سواء أصلَّى في ثوب واحد أم أكثر، فلو صلى في إزار تحته سراويل لم يؤمر بوضع الثوب العاتق لمفهوم قوله ﷺ : لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء، وهذا قد صلى في ثوبين، فكان الأمر بستر العاتق حتى لا يسقط الثوب، فتنكشف العورة (٢). (ح-٧٠٤) ولذلك روى الحديث البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة عن أبي هريرة، بلفظ: من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه (٣). فالمراد من مخالفة طرفي الثوب من أجل شده؛ لئلا يسقط فتنكشف عورته، وليس من أجل تحقيق ستر المنكب، فالمنكب وسيلة لشد الثوب ليمنع سقوطه،

стр. 1857

وليس وضع الثوب على العاتق غاية بذاته، ولذلك لم يؤمر من كان إزاره ضيقًا فاتزر به أن يضع عمامته على عاتقيه. الوجه الثالث: أن المنكب ليس بعورة في النظر بالاتفاق حتى يطلب الشارع ستره. • وأجيب: بأن الرسول أمر بستر المنكبين ليس لأنهما عورة، ولكن من أجل اتخاذ الزينة المأمور بها في الصلاة. • ويرد على هذا الجواب من وجوه: الوجه الأول: قد ناقشت فيما سبق آية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ وبينت أن الخطاب فيها لبني آدم، والأمر فيها موجه للكفار، ممن كان يأتي المسجد فيلقي زينته إذا أراد الطواف، فيطوف عاريًا، ويقول: الله أمرنا بها. فقال سبحانه خذوا زينتكم إن الله لا يأمر بالفحشاء، ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ أي لا أحد حرم عليكم لباس زينتكم، ونفي التحريم لا يعني إلا الإباحة، ولم يَأْتِ أمر بأخذ الزينة ابتداء تشريع، وإنما جاء في هذه الآية مخاطبًا جماعة الكفار ممن ألقوا زينتهم، فقال: خذوها، والحديث في عورة النظر، ولا يُتَصَوَّرُ أن تكون الآية في شرط العبادة، والكفار ليسوا من أهلها، ولا يقال: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فهذا الكلام ينزل على مخاطبتهم في الصلاة، والصيام لا مخاطبتهم في الشروط داخل العبادة، كاستقبال القبلة، ونحو ذلك. الوجه الثاني: لو سلم لكم أن الشرع أمر بستر المنكب من أجل الزينة، فإن اتخاذ الزينة في الصلاة غايته أن يكون ذلك مستحبًّا، وليس واجبًا، أو شرطًا؛ لأن الواجب هو ستر العورة في الصلاة، وأما اتخاذ الزينة للصلاة على القول به فهو مستحب. الوجه الثالث: لو كان المقصود من وضع الثوب على العاتق كمال الزينة لأمر بستر كامل

стр. 1858

المنكب، ولجاء الأمر به بصفة الستر، ولم تَأْتِ لفظة (شيء) في قوله: (وليس على عاتقيه منه شيء) والتي يحصل فيها المراد بوضع أدنى شيء من الثوب. الوجه الرابع: لو كان الهدف الزينة لكان هناك ما هو أولى بالستر من المنكب كالبطن والصدر، فلو قدر أن الرجل أخذ طرفًا من إزاره على هيئة حبل، فوضعه على عاتقيه مخالفًا بين طرفيه صحت صلاته مع أنه قد كشف أكثر بطنه وصدره فهل هذا قد أخذ زينته للصلاة؟ الدليل الثاني: (ح-٧٠٥) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا (١). ورواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان به، وقال: من ضيق الأزر (٢). وجه الاستدلال: قال ابن تيمية في شرح العمدة: «ولولا أن ستر المنكب واجب لم يكونوا يحافظون عليه مع ضيق الأزر، وخوف بُدُوِّ العورة، ولوجب تكميل ستر العورة حتى يؤمن النظر إليها» (٣). • ويناقش: لا أتصور أن فعل الصحابة هذا كان من أجل ستر المنكب لسببين: الأول: يبعد أن يحرص الصحابة على ستر المنكب على حساب ستر الفخذ، وقد تكلم الفقهاء بإجماع أنه لو كان معه ثوب لا يكفي إلا عورته، ستر عورته، وكشف منكبيه.

стр. 1859

الثاني: أن الصحابة كانوا يعقدون هذا الإزار على أعناقهم، وليس على مناكبهم، فكان الغاية من عقده حتى لا يسقط، فلم يَأْتِ ذكر للمنكب في الحديث البتة، ولا يلزم من عقد الإزار على العنق أن يكون قد ستر المنكب، خاصة مع ضيق الإزار، والله أعلم. • دليل من قال: المطلوب ستر أحد المنكبين: (ح-٧٠٦) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء (١). فأخذ الحنابلة في رواية أنه يكفي ستر أحد العاتقين، وهو المشهور من المذهب. • ويجاب: بأن العاتق مفرد مضاف، فيعم العاتقين، كيف وقد تأيد هذا التفسير برواية الصحيحين عن أبي الأعرج حيث رواه البخاري من طريق مالك، ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن الأعرج بلفظ: (ليس على عاتقيه شيء) (٢). إلا أن سفيان بن عيينة قد اختلف عليه. فرواه بعض أصحابه بلفظ: (عاتقيه)، وهي رواية مسلم كما علمت. ورواه جمع من أصحابه بلغ من وقفت عليه منهم: أحد عشر راويًا، بلفظ (عاتقه) بالإفراد. ورواه بعض أصحابه باللفظين: كما هي رواية الحميدي، وأحمد، -وهما من أخص أصحابه- والشافعي، وأبي خيثمة زهير بن حرب، فتعين حمل رواية الإفراد على رواية التثنية (٣).

стр. 1860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1861

• دليل من قال: ستر العاتق شرطٌ في الفرض سنةٌ في النفل: ما حمل الحنابلة في التفريق بين الفرض والنفل: هو تعارض حديث عائشة أن النبي ﷺ صلى في مرطها، عليه بعضه، وعليها بعضه. رواه مسلم، وسبق تخريجه. وقول النبي ﷺ في حديث جابر: وإن كان ضيقًا فاتزر به. رواه البخاري، وسبق تخريجه. وحديث أبي هريرة ﵁: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء)، فحملوا الجواز على صلاة النافلة، وحملوا النهي على صلاة الفريضة، جمعًا بين هذه الأحاديث. • ويجاب عن هذا: ليس حملكم هذا بأولى ممن حمل أحاديث النهي على الكراهة، وحديث الإذن على الجواز، خاصة أن النهي عن الصلاة في حديث أبي هريرة مطلق، وقوله: (لا يصلي أحدكم) نهي عن الصلاة، وعمومه يشمل النفل والفرض. وأمره بالاتزار في الإزار الضيق، ولم يفرق بين نفل وفرض، والقاعدة تقول: إن ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل صريح على اختصاص ذلك في النفل، ولهذا لما كانت صلاة النافلة تصح على الدابة، ولا يصح ذلك في الفرض جاء التصريح بالتفريق لبيان ذلك. (ح-٧٠٧) فقد روى البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته، حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل، إلا الفرائض ويوتر على راحلته (١). ورواه مسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر

стр. 1862

عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (١). فلولا قوله: (لا يصلي عليها المكتوبة) لكان فعل النافلة دليلًا على صحة الفريضة، والله أعلم. • الراجح: أن النبي أمر بوضع الثوب على العاتق، لا من أجل ستر العاتق، ولكن من أجل مصلحة الساتر، والله أعلم. قال شيخنا ابن عثيمين: «ستر العاتقين سنة، وليس بواجب، لا فرق بين الفرض والنفل؛ لحديث: وإن كان ضيقًا فاتزر به، وهذا القول هو الراجح، وهو مذهب الجمهور، وكونه لا بد أن يكون على العاتقين شيء من الثوب ليس من أجل أن العاتقين عورة، بل من أجل تمام اللباس، وشد الإزار؛ لأنه إذا لم تشده على عاتقيك ربما ينسلخ ويسقط، فيكون ستر العاتقين هنا مرادًا لغيره، لا مرادًا لذاته» (٢).

стр. 1863

الفصل الثالث في كشف العورة بالخلوة من غير حاجة المدخل إلى المسألة: • تحريم كشف العورة من باب تحريم الوسائل حتى لا يكون كشفها وسيلة إلى الوقوع في الحرام، وهو مُنْتَفٍ في نظر المرء إلى عورة نفسه. • قوله: (الله أحق أن يستحيا منه) ليست صريحة في الوجوب؛ فأفعل التفضيل يدل على عدم استواء الأمرين، وأما الوجوب وعدمه فيؤخذ من أدلة أخرى، كما قال في قضاء دين الميت: (اقضوا الله، فهو أحق بالقضاء)، ولا يجب قضاء دين الميت من غير ماله. • لو كان كشف الإنسان عورته خاليًا مما يقدح في المروءات لصان الله أنبياءه عنه. • عورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه. • إذا جاز نظر المرأة إلى عورة زوجها ولو بلا حاجة، جاز نظر الرجل إلى عورة نفسه، فليس نظر زوجته بأولى من نظره لنفسه. [م-٢٤١] يجب حفظ العورة عن النظر إجماعًا. ويجوز كشف العورة للحاجة بالاتفاق، كما لو كشفها للاغتسال والختان، والتداوي، ونحوها (١). [م-٢٤٢] واختلفوا في كشفها في الخلوة من غير المصلي بلا حاجة:

стр. 1864

فقيل: يكره، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣). وقيل: يحرم، وهو الأصح في مذهب الحنفية (٤)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦). وعلى القول بالكراهة فإنها ترتفع مع الحاجة، بل قال بعض الشافعية: يجوز كشفها لأدنى غرض، ومن ذلك كشفها للتبرد، وصيانة الثوب من الغبار عند كنس البيت وغيره (٧). • دليل من قال بالتحريم: الدليل الأول: (ح-٧٠٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وإسماعيل بن إبراهيم، عن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي،

стр. 1865

عن جدي قال: قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها؟ وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك. قال، قلت: يا رسول الله فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يرينها. قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه. حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن بهز فذكر مثله، قال: فالله أحق أن يستحيا منه، ووضع يده على فرجه (١). [حسن] (٢). وجه الاستدلال: قال ابن حجر: «ظاهر حديث بهز يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز مطلقًا» (٣). اه. قلت: لأن وجوب ستر العورة عن الناس لا ينازع فيه أحد، فإذا كان الله أحق أن يستحيا منه من الناس، كان ستر العورة خاليًا أولى بالمنع هذا ما يفيده قوله: (فالله أحق) كما استُدِلَّ به على الوجوب في قوله: (اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء). (ح-٧٠٩) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أتى رجل النبي ﷺ ، فقال له: إن أختي قد نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ : لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء (٤). • ويمكن أن يُجاب: بأن قوله: (فالله أحق بالقضاء) هذا التعبير لا يدل على الوجوب، فالحج

стр. 1866

عن الميت، وكذا الصيام عنه، ووفاء نذره لا يجب على غير الميت، ولكن القضاء عنه من الوفاء له، والبر به، لأن الأصل في العبادة أنها واجبة على الإنسان نفسه، لكن إن تطوع أحد من الورثة كان محسنًا، فلا يدل تعبير (فالله أحق) على وجوب قضاء العبادة عن الميت، وبالتالي لا يدل على هذا اللفظ على وجوب ستر العورة، والإنسان خالٍ، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٧١٠) ما رواه الترمذي من طريق ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والتعري؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم. قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. [إسناده ضعيف] (١). الدليل الثالث: استدل بعضهم بأن الأصل في كشف العورة التحريم مطلقًا. قال الشوكاني: «أصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة، كما يكون عند خروج الحاجة، فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج، لا حال كونه قائمًا، ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة» (٢). • ويناقش: بأن تحريم كشف العورة من باب تحريم الوسائل، حتى لا يكون وسيلة إلى الوقوع في المحرم، وهذا منتفٍ في نظره إلى عورته، وإنما يستحب الستر

стр. 1867

لقوله ﷺ : (فالله أحق أن يستحيا منه)، فلا يسلم القول بأن الأصل فيه التحريم المطلق. • دليل من قال: يكره، ولا يحرم: الدليل الأول: (ح-٧١١) ما رواه البخاري من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: بينما أيوب يغتسل عريانًا، خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك (١). الدليل الثاني: (ح-٧١٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى ﷺ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره، يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربًا (٢). وجه الاستدلال: أن موسى وأيوب قد اغتسلا عريانين، وقد أمرنا بالاقتداء بهما، بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. والهدى: يشمل الأحكام كما يشمل العقائد.

стр. 1868

• ونوقش الاستدلال بهذين الحديثين من وجهين: الوجه الأول: بأن هذا كان في شريعة موسى وأيوب، وقد جاء في شريعتنا ما يدل على وجوب ستر العورة خاليًا، وهو قوله في الحديث السابق: (الله أحق أن يستحيا منه). • ورد هذا الوجه: بأن لفظ: (الله أحق) ليست صريحة في الوجوب، لأن أفعل التفضيل قد يدل على عدم استواء الأمرين، وأما الوجوب وعدمه فيؤخذ من أدلة أخرى، ولو كان كشف الإنسان عورته خاليًا مما يقدح في المروءات لصان الله أنبياءه عنه. الوجه الثاني: على التنزل فإن كشف العورة للاغتسال من باب كشف العورة للحاجة، خاصة مع قلة الثياب في الزمن الماضي، حيث يحتاج المغتسل إلى لبسه بعد الفراغ منه، فلا دلالة فيهما على الجواز مطلقًا، فيبقى القول بالكراهة سالمًا من المعارضة. وقد يقال: سلمنا الحاجة لكشف العورة حال الاغتسال فما حاجة أيوب إلى جمع الجراد، وهو عريان؟ إلا أن يقال: إن الحديث ليس صريحًا أنه أخذ بجمعه قبل ستر عورته، فقد يكون أخد يجمعه بثوبه بعد لبسه، والله أعلم. الدليل الثالث: عورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه، فكما أنه يباح له النظر إلى عورة زوجته، وما ملكت يمينه، فعورته أولى بالجواز، وإنما قيل بالكراهة لحديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده المتقدم، والله أعلم. • الراجح: القول بكراهة كشف العورة إذا كان الإنسان خاليًا أقوى من حيث النظر، والله أعلم.

стр. 1869

الفصل الرابع حكم ستر العورة في الصلاة المدخل إلى المسألة: • الأصل عدم الشرطية إلا بدليل. • القول بالشرطية قدر زائد على القول بالوجوب. • كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا يثبت بمجرد الأمر به. • ستر العورة متردد بين كونه من المأمورات فلا يسقط بالنسيان وبين كون كشف العورة من المحظورات؛ فيسقط بالنسيان، والثاني أقرب. • الستر لو كان من المأمورات لاشترط له النية كغالب المأمورات. • انكشاف اليسير من العورة مطلقًا وكذا الكثير في الزمن اليسير لا يؤثر في صحة الصلاة، ولو كان ستر العورة شرطًا للزم من عدمه العدم من غير فرق بين اليسير والكثير. [م-٢٤٣] تنازع العلماء في حكم ستر العورة في الصلاة: فقيل: ستر العورة شرط للصلاة، ولو كان خاليًا، أو في ظلمة، وهو مذهب الجمهور، وقول في مذهب المالكية، على خلاف: فقيل: شرط مطلقًا حتى مع العجز، فيصلي عاريًا، ويعيد، وهو قول في مقابل الأصح في مذهب الشافعية، وقال به بعض الحنابلة، وبه قال الحنفية إذا كان المنع من العباد، كما لو غُصِبَ ثَوْبَهُ (١).

стр. 1870

وقيل: شرط مع القدرة، فيسقط بالعجز، ولا يسقط بالنسيان، وهو قول في مذهب المالكية، والمذهب عند الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).

стр. 1871

وقيل: شرط مع التذكر والقدرة، وهو قول في مذهب المالكية، فلو صلى ناسيًا صحت صلاته، وأعاد في الوقت (١). وقيل: ستر العورة ليس من شروط الصلاة على خلاف: فقيل: واجب، فلو صلى عاريًا صحت صلاته مع الإثم، وأعاد في الوقت للتفريق بين الشرط والواجب (٢). قال ابن جزي في القوانين: «وأما الصلاة فالصحيح من المذهب وجوبها» (٣). وقيل: ستر العورة سنة، وتستحب الإعادة في الوقت، وهو قول قديم في مذهب مالك وقد نسب القول به لابن القاسم راوية مالك في الفقه، ومدون المذهب، واختيار القاضي إسماعيل وابن بكير والأبهري من المالكية، ونسبه ابن محرز لأكثر المالكية. وقال ابن رشد الحفيد: «إن القول بالسنية هو ظاهر مذهب مالك» (٤).

стр. 1872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1873

قال ابن رشد الجد في المقدمات: «وقد اختلف في ستر العورة، فقيل: إنها من فرائض الصلاة، وقيل: إنها ليست من فروض الصلاة وإنما هي فرض في الجملة، وسنة في الصلاة. فمن رآها من فروض الصلاة أوجب الإعادة أبدًا على من صلى مكشوف العورة وهو قادر على سترها، ومن لم يرها من فروض الصلاة لم يوجب عليه الإعادة إلا في الوقت» (١). فتلخص ثلاثة أقوال في ستر العورة: قيل: شرط للصلاة، إما مطلقًا، أو مع القدرة، أو بشرط القدرة والتذكر. وقيل: واجب للصلاة، لا تبطل الصلاة بتركه. وقيل: الستر سنة من سنن الصلاة. وهذا القول من مفردات المذهب المالكي، والله أعلم. • دليل من قال: ستر العورة ملحق بالشروط لا بالواجبات ولا بالسنن: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. وجه الاستدلال: أمر الله تعالى بأخذ الزينة عند كل مسجد، فإن حمل لفظ (الزينة) على الحقيقة أي اتخاذ الحسن من اللباس ونحوه، دخل ستر العورة في جملتها، وأقل الزينة لباس يواري السوءة. وإن حمل اللفظ على المجاز، وأن المقصود بالزينة ستر العورة؛ لأنه

стр. 1874

المقصود من اللباس، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] كانت الآية حجة على وجوب ستر العورة. والمراد: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فالمسجد: المراد به السجود، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. • وأجيب عن الآية بعدة أجوبة: الجواب الأول: (ث-١٨٤) أن سبب نزول الآية ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافًا؟ تجعله على فرجها، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … فما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وتفسير الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول كان له حكم الرفع. • ورد هذا: بأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وأن قوله: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ عام فلا يختص بالمسجد الحرام. • وأجيب عن هذا الرد: بأن الآية نزلت في عورة النظر، لا في عورة العبادة؛ لأن الكفار ليسوا من أهل العبادة، ولذلك صَدَّرَ الله سبحانه الآية بقوله (يا بني آدم) فدخل فيها المسلم والكافر، ولو كان خطابًا للمسلمين لقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ كما هو معلوم من خطاب القرآن الكريم. وإنما جعلت الآية في عورة النظر؛ لأن الكافر لا يصح منه الطواف إجماعًا فضلًا أن يؤمر بأحكامه من ستر العورة والطهارة ونحو ذلك. وإذا كانت الآية في عورة النظر فإن كشفها محرم إجماعًا، والكافر مخاطب في المنهيات من فروع الشريعة، كما يخاطب بأن لا يزني ولا يسرق، ولا يشرب الخمر

стр. 1875

في أسواق المسلمين، ونحو ذلك، وإذا فعل ذلك أخذ به وعوقب، ولا يحتج علينا بأنه كافر، لم لايلتزم بأحكام الشريعة، ووجوب ستر العورة عن النظر لا يصح الاستدلال به على اشتراط ستر العورة في الصلاة، فإن الأول لا نزاع فيه بخلاف الثاني. وأما قول المخالف: إن المراد بالمسجد السجود، فهذا من باب التأويل، وسبب نزول الآية لا يساعد عليه، بل حمْلُهُ على السجود يلغي سبب نزول الآية، والذي يعتبر دخوله في الآية قطعيًّا عند جمهور الأصوليين (١)، ومتى كان القول بالعموم يلغي سبب النزول لم يعتبر العموم، وإنما يعتبر العموم إذا كان السبب داخلًا في جملة العموم، فيقال: لا يقصر الحكم على سببه فإذا فسرنا المسجد بالصلاة لم يدخل الطواف، وإذا فسرنا المسجد بمكان العبادة دخل لبس الزينة عند المسجد الحرام للطواف، ودخل غيره إما نصًّا في قوله (كل مسجد) أو بالعموم. فإن قيل: قوله ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، يلغي الطواف؛ لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد. فالجواب: أن هذا يؤكد ما قلناه: من أن الآية قصد بها عورة النظر، لا عورة العبادة، فلم تكن الآية تشريعًا للكفار في ستر العورة من أجل الطواف، وإنما قصد به ستر العورة عن نظر الناس في أماكن العبادة، ومنه المسجد الحرام، فهو من أجل النظر، لا من أجل الطواف نفسه؛ لأنهم ليسوا من أهل العبادة. الجواب الثاني: لم يَأْتِ أمر مطلق باتخاذ الزينة بالصلاة حتى يستدل بها على وجوب ستر العورة، وإنما الأمر بالآية جاء في حق أقوام يلقون زينتهم عند المسجد ويطوفون عراة، ويحرمون بعض الطيبات، ويدَّعُون أن الله أمرهم بذلك، فقيل: لهم: خذوا زينتكم إن الله لا يأمر بالفحشاء، وأمر الله رسوله أن يقول لهم: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ ونفي التحريم يعني الإباحة، ولا يعني استحباب أخذ الزينة، واستحباب الأكل من الطيبات، كما لو ألقى رجل سراويله،

стр. 1876

فقلت: له خذ سراويلك، لا تمش عاريًا، لا يكون الأمر متوجهًا للسراويل، بل لكل ما يستر العورة، ولذلك لا يمكن أن نفهم آية (خذوا زينتكم) حتى نربطها بالآية التي قبلها، والآية التي بعدها. قال تعالى في الآية التي قبلها: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. فقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الفاحشة بالآية: هي إلقاء زينتهم عند باب المسجد للطواف تعبدًا. فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ لا يأمركم بإلقاء زينتكم. ثم أمرهم بخلاف ما ادَّعَوْهُ فقال: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ﴾ والمقصود بهم الكفار. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وهذا كله كان دفعًا لما كانوا يفترونه على الله، وليس أمرًا ابتداءً حتى يفهم منه التشريع المطلق، كشف عن ذلك الآية التي بعدها، وهي في نفي التحريم، ونفي التحريم لا يعني إلا الإباحة، لا يعني الاستحباب فكيف بالوجوب أو الشرطية. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ولو كان الشأن في ستر العورة للصلاة لم يقرن ذلك بالأمر بالأكل والشرب، فالآية تتحدث عن قوم يحرمون الزينة وبعض الطيبات من الطعام افتراءً على الله. الجواب الثالث: أن الفقهاء تارة يستدلون بالآية على استحباب أخذ عموم الزينة للصلاة، وتارة يستدلون بها على اشتراط ستر العورة، ومنهم من قال: إن الآية تدل على وجوب ستر العورة، وعلى استحباب حسن الهيئة في الصلاة (١). والآية لا تحتمل كل هذا، فإما أن تكون دليلًا على الوجوب أو دليلًا على الاستحباب، أما أن تكون آية واحدة لها دلالتان: دلالة على الشرطية في محل،

стр. 1877

وعلى الاستحباب في محل آخر، فهذا فيه نظر، فإن اللفظ يعطي دلالة واحدة، لا دلالات والله أعلم. ولذلك قال أبو الفرج عمرو بن محمد المالكي: يجب ستر جميع البدن (١)، لأنه فهم أن الأمر بالزينة أمر باللباس، والأمر يقتضي الوجوب، ولا أعلم أحدًا قال بهذا القول قبله. وفسر مالك الزينة باتخاذ الأردية في الصلاة، فكره الصلاة بغير أردية في مساجد الجماعات (٢). قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «نزع بها مالك -يعني آية خذوا زينتكم- في كراهة الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية» (٣). وهو يدل على أن مالكًا حمل اللفظ على حقيقته، وهو اتخاذ الزينة، واستدلاله بالآية على الكراهة دليل على أنه لا يرى أن الآية تفيد الوجوب فضلًا عن الشرطية؛ لأنه قصر الحكم على مساجد الجماعات فهو يرى الزينة من أجل الجماعة، لا من أجل الصلاة نفسها أخذًا بظاهر قوله: (عند كل مسجد). والذي انتهيت إليه في الآية: أن الآية لا دليل فيها على وجوب ستر العورة في الصلاة، ولا على استحباب أخذ مطلق الزينة لها، وإنما تدل على ستر العورة عن النظر في أماكن العبادة، والمسجد الحرام يدخل دخولًا أوليًّا لتعلقه بسبب النزول، وأن الآية سيقت لدفع افتراء الكفار بأن الله يأمر بكشف العورة للطواف، وقد كان النبي ﷺ يصلي في مرط عائشة، عليه بعضه، وعليها بعضه، رواه مسلم، وليس هذا من ثياب الزينة، ولا لبسه بهذه الطريقة منها، وكان النبي ﷺ يتخذ أحسن ثيابه للجمعة والعيد، فعلم اختصاص الزينة بهاتين الصلاتين، ولم يعلم أنه كان يتقصد أن يأخذ أحسن ثيابه للصلوات الخمس، والمشروع من الزينة في الصلوات الخمس

стр. 1878

وكمالها وتمامها أن يصلي الرجل في ثوبين، وهذا القدر مجمع على استحبابه، ولو كان مِنْ خَلَقِ ثِيَاِبِه، لا أن يخصص ثيابًا للصلوات الخمس من أجلها، وهذا هو القول الصحيح في المسألة وإن كان خلاف ما عليه الفتوى استحسانًا منهم، وسوف تأتينا هذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى، ويكون هناك مناقشة لأدلة المسألة. الجواب الرابع: أن غاية ما تفيده الآية هو الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية. • ونوقش هذا الاستدلال: بأن كل واجب في العبادة إذا تركه الإنسان عمدًا فإنه يبطلها. • ونوقش: بأن هذه المسألة محل خلاف بين الحنفية والمالكية والحنابلة: فالحنفية والمالكية، ووجه في مذهب الحنابلة يرون أن ترك الواجب عمدًا لا يبطل الصلاة، وإنما يوجب النقصان (١). قال السرخسي: «وترك الواجب يوجب الكراهة والنقصان، ولا يفسد الصلاة» (٢). اه ويقصدون بالكراهة الكراهة التحريمية. وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: «ترك الواجب الذي ليس بشرط لا يوجب البطلان» (٣).

стр. 1879

وجاء في الشرح الكبير على المقنع: «فإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالمًا عمدًا فهل تبطل صلاته؟ على وجهين: … الثاني لا تبطل» (١). فعلى الوجه الثاني لم تبطل صلاته علمًا بأنه قد ترك فرض المتابعة عمدًا. وقال الشوكاني: «الواجبات لا يستلزم عدمها العدم كما يستلزم ذلك الشروط والأركان» (٢). وقال أيضًا: «الحق أن الفروض (الواجبات) لا توجب فساد الصلاة، بل يأثم تاركها وتجزئه صلاته؛ لأن الأدلة الدالة عليها إنما اقتضت وجوبها، ولم تقتض أن الصلاة تنعدم بانعدامها، ولو اقتضت ذلك لما كانت فروضًا بل تكون شروطًا» (٣). ويستدلون بأدلة منها: حديث رفاعة بن رافع أن رسول الله ﷺ قال للمسيء في صلاته: (وما انتقصت انتقصت من صلاتك). وجه الاستدلال: فدل على أن ما يورث النقصان لا يكون إلا في ترك ما هو واجب، وأن تركه لا يوجب البطلان ما لم يكن شرطًا أو ركنًا من أركان الصلاة. [حديث رفاعة حسن في الجملة إلا حروفًا لم تذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته مما اختلف في ذكرها في حديث رفاعة، ومنها هذا الحرف، والله أعلم] (٤).

стр. 1880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1881

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1882

ولأن الأصل عدم بطلان العبادة حتى يأتي دليل صحيح صريح يقضي ببطلانها. (ح-٧١٣) واستدلوا بما رواه أحمد من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ من فيه إلى فِيَّ، لا أقول حدثني فلان ولا فلان: خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن لقيه بهن لم يضيع منهن شيئًا لقيه، وله عنده عهد

стр. 1883

يدخله به الجنة، ومن لقيه وقد انتقص منهن شيئًا استخفافًا بحقهن لقيه، ولا عهد له، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. [حسن بمجموع طرقه] (١). فحملوا الانتقاص من الصلاة بالانتقاص من الحقوق الواجبة فيها مما لا تبطل الصلاة بتركه، فدل على أن هناك من الواجبات ما لا تبطل الصلاة بتركها، ولا يصح أن يحمل الانتقاص منها بترك بعض سننها؛ لأن ترك السنن لا يوجب العقوبة. ولأن العلماء لا يوجبون إعادة الصلاة بترك الواجب نسيانًا، فدل على أن العبادة لا تنعدم بانعدام الواجب، وإنما الفرق بين المتعمد والناسي هو استحقاق الإثم، بخلاف الركن والشرط فإن العبادة تنعدم بانعدامهما، بصرف النظر هل كان معذورًا أو غير معذور، فرقًا بين الواجب وبين الركن والشرط. ولا تلازم بين التحريم والبطلان، فقد تصح العبادة مع التحريم. فالزيادة على الثلاث في الوضوء، قال فيها ﷺ : من زاد فقد أساء وتعدى وظلم، فجمع ثلاثة أوصاف: الظلم، والتعدي، وإساءة الفعل، ومع ذلك لا يبطل الوضوء بتلك الزيادة، و لم يلزم من استحقاق الإثم بطلان الوضوء. كما أن الحنفية يرون قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة للإمام والمنفرد، ولو تعمد ترك الفاتحة وقرأ غيرها لم تبطل صلاته مع القول بوجوبها (٢). ويرون الطهارة واجبة للطواف، ولو طاف محدثًا صح، وجبر بدم (٣). والخشوع في الصلاة هو لب الصلاة، والغاية من إقامتها، وذلك بأن يقبل على صلاته بقلبه ونيته، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] حتى شرع له ترك الجماعة الواجبة من أجل تحصيل كمال الخشوع، ولا يترك الواجب إلا لتحصيل مثله أو أوجب. قال ﷺ لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان (٤).

стр. 1884

ولو تعمد ترك الخشوع لم تبطل صلاته على الصحيح. وإن كان الأكثر على أن الخشوع ليس بواجب للصلاة، حتى حكاه بعضهم إجماعًا، ولا يصح الإجماع (١). ومال ابن مفلح في الفروع في ترتيب الفوائت إلى أنه واجب، ولا يعتبر للصحة (٢)، إلا أن يقال: إنه واجب لها، لا فيها. • وحجة الحنابلة والشافعية على أن ترك الواجب يوجب البطلان: بأن ستر العورة مأمور به في الصلاة، وهذا بالاتفاق، والأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، والنهي يقتضي الفساد إما مطلقًا، أو في العبادات خاصة كما قرر في الأصول، ولحديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣). وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى ذكر المسألة بأدلتها في مسألة مستقلة، وإنما اقتضى الاعتراض على الاستدلال بالإشارة إلى الخلاف فيها، وأن الاعتراض بأن ترك الواجب عمدًا يفسد العبادة لا يلزم إلا من قال بهذا القول. الدليل الثاني: (ح-٧١٤) ما رواه البخاري من طريق يونس: قال ابن شهاب: حدثني حميد ابن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، أخبره أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحَجَّةِ التي أَمَّرَهُ عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس ألا لا يَحجُ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (٤). وجه الاستدلال: إذا منع التعري في الطواف فالصلاة من باب أولى؛ إذ يشترط فيها ما يشترط في الطواف وزيادة.

стр. 1885

• ويناقش: بأن الحديث تطبيق عملي للآية الكريمة، فكما أمر الله المشركين باتخاذ الزينة عند المسجد الحرام، نهاهم عن التعري للطواف. (ث-١٨٥) فقد روى مسلم من طريق هشام، عن أبيه، قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون عراة، إلا أن تعطيهم الحمس ثيابًا، فيعطي الرجالُ الرجالَ، والنساءُ النساءَ (١). فكان يقف العربي في باب المسجد، فيقول للحمس: من يعير معوزًا؟ فإن أعاره أحمسي ثوبه طاف به، وإلا ألقى ثيابه بباب المسجد، ثم طاف عريانًا، وكانوا يقولون: لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب (٢). ولهذا جمع الحديث بين نهي المشركين عن الحج بعد عامهم هذا بالنهي عن التعري للطواف؛ لأنهم هم المقصودون بالخطاب في الجملتين، وليس عموم المسلمين، وإذا كان الحال كذلك كان الجواب عن الحديث كالجواب عن الآية القرآنية الكريمة: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وسبق مناقشة الاستدلال بها، فالآية والحديث في عورة النظر، وليسا في بيان عورة العبادة، ولكن لما كان تعري المشركين من أجل الطواف ذكر الطواف في الحديث عرضًا، فهو في الحديث مفهوم لقب لا دلالة له، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٧١٥) ما رواه البخاري من طريق فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعَلَيَّ ثوب واحد، فاشتملت به وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: ما السرى يا جابر؟

стр. 1886

فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ قلت: كان ثوب -يعني ضاق- قال: فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به (١). وجه الاستدلال: أمر النبي ﷺ بالاتزار بالثوب إن كان ضيقًا، والالتحاف به إن كان واسعًا، والأصل في الأمر الوجوب، فدل على وجوب ستر العورة، قال العراقي: «إذا ثبت الأمر بستر العورة في حالة الصلاة كان كشفها في حالة الصلاة منهيًّا عنه تفريعًا على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وإذا كان الكشف في الصلاة منهيًّا عنه فالنهي يدل على الفساد، إما مطلقًا، أو في العبادات خاصة، كما قرر في الأصول، وهذا من النهي في العبادات فيكون دالًّا على الفساد. ومتى قام الدليل على فساد صلاة من صلى مكشوف العورة دل ذلك على أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة، وذلك هو المقصود بعد ثبوت هذه المقدمات» (٢). • وأجيب: بأن غاية ما يفيده الحديث هو الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية، وسبق الجواب عن دعوى بطلان العبادة بتعمد ترك الواجب فيها. الدليل الرابع: (ح-٧١٦) ما رواه أحمد من طريق حماد، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار (٣). وجه الاستدلال: والأصل في نفي القبول أنه دليل على نفي الصحة إلا بدليل، وما ثبت في حق المرأة ثبت في حق الرجل؛ لأن الاختصاص لا يثبت إلا بدليل، والاختلاف في حد

стр. 1887

العورة بين الرجل والمرأة لا يعني الاختلاف في حكم سترها. • وأجيب عن هذا الاستدلال: الجواب الأول: بأن الحديث قد اضطرب فيه قتادة، والراجح فيه ابن سيرين عن عائشة، وليس بالمتصل، وله شاهد من حديث أبي قتادة إلا أنه ضعيف (١).

стр. 1888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1889

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1890

الجواب الثاني: لا نسلم بأن نفي القبول يستلزم نفي الصحة، فالقبول أخص من الصحة، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. فمنطوق الآية الدال على الحصر يدل على أن الله لا يتقبل إلا من المتقين. ومفهوم المخالفة دليل على أن الفاسق لا يتقبل الله منه، إلا أن نفي القبول هنا لا يستلزم نفي الصحة بالإجماع. كما جاء في السنة نفي القبول عن صلاة من أتى عرافًا فسأله عن شيء. (ح-٧١٧) رواه مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع، عن صفية، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، قال: من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (١). كما جاءت السنة في نفي قبول صلاة العبد الآبق، وهي صحيحة بالإجماع.

стр. 1891

(ح-٧١٨) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: كان جرير بن عبد الله، يحدث عن النبي ﷺ قال: إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة (١). [اختلف في رفعه ووقفه والموقوف له حكم الرفع، كما اختلف في لفظه] (٢).

стр. 1892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1893

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1895

• ورد هذا الجواب بجوابين عام، وخاص: أما الجواب العام، فقيل: بأن نفي القبول تارة يراد به نفي الثواب، وتارة يراد به نفي القبول، والضابط للتفريق: بأن ينظر فيما نفي، فإن رتب نفي القبول على معصية قارنت الفعل كحديث (إذا أبق العبد … ) وحديث: (من أتى عرافًا … ) كان انتفاء القبول يعني انتفاء الثواب، والعمل صحيح لاستيفاء شروطه وأركانه، إلا أن إثم المعصية إذا ما قورن بأجر العمل كان الإثم أكبر، فكأن الإثم قد أحبط الثواب، وذهب بالأجر. وإن رتب نفي القبول على وصف يطلب فعله أو تركه، ولم يقارن الفعلَ معصيةٌ، كحديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور … )، وحديث (لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار) كان انتفاء القبول يعني انتفاء الصحة، ودل هذا على أن الوصف شرط أو ركن في العمل، ولزم عدم الشرط عدم المشروط (١). وأما الجواب الخاص عن كل دليل على حدة: فأجاب ابن عطية عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، أن المراد بالتقوى هنا تقوى الشرك، فمن اتقاه، وهو موحد، فأعماله مقبولة، وإن كان فاسقًا (٢). ويشكل عليه أنه لم يكن شرك في عصر قابيل وهابيل.
следующие страницы →