стр. 1891
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 30064
موسوعة أحكام الصلوات الخمس
دبيان الدبيان
Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1895
• ورد هذا الجواب بجوابين عام، وخاص:
أما الجواب العام، فقيل: بأن نفي القبول تارة يراد به نفي الثواب، وتارة يراد به نفي القبول، والضابط للتفريق: بأن ينظر فيما نفي، فإن رتب نفي القبول على معصية قارنت الفعل كحديث (إذا أبق العبد … ) وحديث: (من أتى عرافًا … ) كان انتفاء القبول يعني انتفاء الثواب، والعمل صحيح لاستيفاء شروطه وأركانه، إلا أن إثم المعصية إذا ما قورن بأجر العمل كان الإثم أكبر، فكأن الإثم قد أحبط الثواب، وذهب بالأجر.
وإن رتب نفي القبول على وصف يطلب فعله أو تركه، ولم يقارن الفعلَ معصيةٌ، كحديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور … )، وحديث (لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار) كان انتفاء القبول يعني انتفاء الصحة، ودل هذا على أن الوصف شرط أو ركن في العمل، ولزم عدم الشرط عدم المشروط (١).
وأما الجواب الخاص عن كل دليل على حدة:
فأجاب ابن عطية عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، أن المراد بالتقوى هنا تقوى الشرك، فمن اتقاه، وهو موحد، فأعماله مقبولة، وإن كان فاسقًا (٢).
ويشكل عليه أنه لم يكن شرك في عصر قابيل وهابيل.
стр. 1896
وقال بعض المفسرين: إنما يتقبل الله من المتقين أي ممن اتقى الله في فعله الخاص، وذلك أن أحد الأخوين قَرَّبَ طيبًا، والآخر رديئًا، فقبل الله الطيب؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولم يقبل من الآخر، فحسده، فهدده بالقتل، فقال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ إشارة إلى أن سوء الفعل بتقديم الرديء حرمه من القبول.
وأما الجواب عن حديث: (إذا أبق العبد … ) فأرى أن الحديث فيه اضطراب، فتارة يروى بلفظ: إذا أبق العبد … وهو مطلق.
وتارة يروى مقيدًا ب (إذا أبق العبد إلى العدو) وفي بعضها (إلى أرض الشرك)، فإن حمل المطلق على المقيد كما يقتضيه قواعد أصول الفقه كان الشأن أعظم من كون الفعل مجرد معصية تتعلق بحق السيد.
كما أن العقوبة تارة تكون بنفي القبول عن الصلاة، ويفهم من تخصيص الصلاة بأن غيرها من الأعمال لا يُنْفَى عنه القبول.
وتارة باستحلال دمه، وبراءة الذمة منه، ولو حمل نفي القبول عن الصلاة على هذه الألفاظ لكان دليلًا على نفي الصحة عن الصلاة وعن سائر أعماله، فإن استحلال الدم وبطلان العهد لا يرتب على مجرد معصية الإباق.
وفي بعض الروايات جاء فيها: (وإن مات مات كافرًا)، ولو صحت هذه الزيادة لم يكن هناك فائدة من تخصيص الصلاة بنفي القبول إلا أن يُؤَوَّلَ الكفر بأنه كفر دون كفر.
وقد اختلف العلماء في تفسير الكفر في الحديث:
فبعضهم حمله على الكفر الأصغر:
فقد أورده ابن بطة ضمن أحاديث تحت عنوان: باب ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج عن الملة.
وقال منصور راوي الحديث عن الشعبي: أكره أن يروى عنى هذا بالبصرة، رواه مسلم.
وذلك أنه لما كان قد فشا فيها الاعتزال، والقول بإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين وسلب اسم الإيمان عن المذنبين والقول بتخليدهم في النار كره الراوي
стр. 1897
أن يروى ذلك عنه خوفًا من أن يتمسك هؤلاء بظاهر هذا الحديث (١). وهو يدل على أنه يراه في الكفر الأصغر.
وفسر القاضي عياض معنى (فقد كفر): أي كفر بسيده، وليس بالله، بأن جحد حق سيده وغطَّاه، وهذا أصل معنى الكفر في اللغة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، ولهذا أطلق على الزُّرَّاعِ لفظ الكُفَّار؛ لأنهم يغطون البذر بالأرض، وسمي البستان: بالكَفْرِ.
وقال الرسول ﷺ عن النساء: يكفرن العشير (٢).
وبعضهم حمل كفر الآبق على الكفر الأكبر:
إما مقيدًا بأن يفعل ذلك مستحلًّا لفعله (٣)، وهذا يعني أنه لا يكفر بمجرد الإباق حتى يستحل ذلك.
وإما مطلقًا مستدلين بالألفاظ الأخرى للحديث، فقد ورد في عقوبته: فقد برئت منه الذمة: بمعنى فلا عهد له، وهذا خلاف اللفظ الأول: لم تقبل له صلاة.
وتارة يروي (فقد حل دمه). وهذا يعني أنه فارق دينه.
قال الجصاص عن قوله: (فقد حل دمه)، قال: «هذا محمول عندنا على أنه قد لحق بهم مرتدًّا عن الإسلام؛ لأن إباق العبد لا يبيح دمه، واللحاق بدار الحرب كدخول التاجر إليها بأمان، فلا يبيح دمه» (٤).
وأورده أبو داود تحت عنوان: باب الحكم فيمن ارتد.
وترجم له النسائي في السنن: باب العبد يأبق إلى أرض الشرك ....
وترجم له البيهقي في السنن الكبرى: باب العبد يرتد.
وهذا الاختلاف في لفظ الحديث، وفي عقوبة الإباق، يدل على اضطراب في لفظ الحديث، والله أعلم.
стр. 1898
الدليل الخامس:
من الإجماع، قال ابن عبد البر في التمهيد: «استدل من جعل ستر العورة من فرائض الصلاة بالإجماع على إفساد من ترك ثوبه، وهو قادر على الاستتار به، وصلى عريانًا» (١).
وقال في الاستذكار: «أجمع العلماء على أن ستر العورة فرض واجب بالجملة على الآدميين، وأنه لا يجوز لأحد أن يصلي عريانًا، وهو قادر على ما يستر به عورته من الثياب، وإن لم يستر عورته وكان قادرًا على سترها لم تجزه صلاته» (٢).
• ونوقش هذا:
بأن الإجماع لا يكون حجة بمجرد حكايته، بل لا بد من سلامته من الخرق، والخلاف في المذهب المالكي في صحة صلاة من ترك ستر عورته عامدًا محفوظ، وللمالكية ثلاثة أقوال في حكم ستر العورة: شرط، وواجب ليس بشرط، وسنة، وعلى القولين الأخيرين فإن تركه عمدًا لا يوجب البطلان عندهم.
قال الدسوقي في حاشيته: «ترك الواجب الذي ليس بشرط لا يوجب البطلان» (٣).
ومن باب أولى لا يوجب البطلان إذا كان الستر سنة من سنن الصلاة.
قال خليل في التوضيح: «ذكر عبد الوهاب أن أبا إسحاق، وابن بكير، والشيخ أبا بكر الأبهري ذهبوا إلى أن السترة من سنن الصلاة، وهذا يعضد ما حكاه اللخمي ويحققه … وقال صاحب القبس: المشهور أنه ليس من شروط الصلاة» (٤).
وقال القاضي عبد الوهاب البغدادي في الإشراف: «اختلف أصحابنا في ستر العورة في الصلاة، فمنهم من يقول: إنها من شرط صحتها مع الذكر والقدرة .... فإن صلى مكشوف العورة عالمًا بأن له ما يسترها، قادرًا على ذلك، فإن صلاته باطلة.
ومنهم من يقول: إنها واجبة مفترضة، وليست من شرط الصحة، فإن صلى
стр. 1899
مكشوف العورة عالمًا عامدًا كان عاصيًا آثمًا، إلا أن الفرض قد سقط عنه» (١).
وقال ابن ناجي: «ستر العورة عن أعين الناس لا خلاف في وجوبه، وفي الخلوة قولان: المشهور أنه مستحب، وقيل: إنه واجب ....
وعلى الأول: فقيل: إنه واجب في الصلاة شرط. وقيل: ليس بشرط. وقيل: سنة» (٢).
وفي التنبيه على مبادئ التوجيه: «وإذا أوجبنا ستر العورة فصلى باديها مع القدرة، هل يعيد أبدًا، أو في الوقت؟ قولان» (٣).
وقال النفرواي: «اعلم أنه جرى خلاف في ستر العورة في الصلاة، فقيل: واجب شرط مع الذكر والقدرة.
وقيل: واجب غير شرط مع الذكر والقدرة أيضًا. وينبني عليهما لو صلى مكشوف العورة عامدًا قادرًا على الستر، فعلى الشرطية: يعيد الفرض؛ لبطلانه، وعلى نفي الشرطية: يعيد في الوقت مع القدرة والعلم، لكن يأثم مع القدرة والعلم دون العجز والنسيان» (٤).
الدليل السادس:
(ح-٧١٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن موسى بن إبراهيم،
عن سلمة بن الأكوع، أنه قال: قلت: يا رسول الله، إني أَتَصَيَّد، فأصلي في القميص الواحد، قال: نعم، وزره ولو بشوكة.
[ضعيف] (٥).
стр. 1900
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1905
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1906
• دليل من قال: السترة شرط لا تسقط بالعجز، فيصلي عاريًا ويعيد:
الدليل الأول:
القياس على قولهم في فاقد الطهورين: الماء والتراب، فيجب عليه أن يصلي في الحال.
(ح-٧٢٠) لما رواه البخاري في صحيحه من طريق أبي أسامة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء،
стр. 1907
فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم … الحديث، والحديث رواه الإمام مسلم (١).
وإذا قدر على إحدى الطهارتين وجب عليه أن يعيد الصلاة
(ح-٧٢١) لما رواه مسلم في صحيحه من طريق سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر، وفيه:
قال عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تُقْبَلُ صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول (٢).
فمن صلى بغير وضوء ولا تيمم فقد صلى بغير طهور، فلا تكون صلاته تغنيه عن الإعادة؛ لأن الطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، كالحائض لا تجب عليها الصلاة لفقد شرط الأهلية: وهو الطهارة، فلا تجب الصلاة إلا بطهور من ماء أو تيمم.
فقاسوا على فاقد الطهورين من صلى ولم يستر عورته، حيث لم يقم بشرط العبادة.
• ونوقش هذا:
أما استدلالكم على وجوب الصلاة عليه في الحال، فهو دليل صحيح، غير مدفوع.
والاعتراض إنما هو على وجوب الإعادة، فإذا كانت هذه الصلاة لم تسقط عنه الطلب، ولم تبرأ ذمته بهذا الفعل، فما المصلحة من فعل صلاة لم يُعْتَدَّ بها؟
فأوجبتم عليه الصلاة الواحدة مرتين، وإنما أوجب الله عليه الفريضة مرة واحدة.
وأما استدلالكم على وجوب الإعادة بحديث (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)، فهلا قلتم: إن الصلاة غير المقبولة لاغية، وليست صحيحة، ولا يطلب من المكلف فعل عبادة لا يقبلها الله؟
ولكن الجواب عن حديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور): أي مع القدرة عليه، مثله مثل حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، أي: مع
стр. 1908
القدرة عليه، فإن عجز تيمم، فإن عجز صلى على حسب حاله. والله أعلم.
الدليل الثاني:
يمكن الاستدلال له بالقياس على عدم سقوط الكفارة بالعجز:
(ح-٧٢٢) فقد روى البخاري من طريق الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: هلكت، فقال: وما ذاك؟، قال: وقعت بأهلي في رمضان، قال: تجد رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟، قال: لا، قال: فتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: فجاء رجل من الأنصار بعرق، والعرق المكتل فيه تمر، فقال: اذهب بهذا فتصدق به، قال: على أحوج منا يا رسول الله؟ والذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، قال: اذهب فأطعمه أهلك. ورواه مسلم أيضًا (١).
وجه الاستدلال:
هذا الرجل أخبر الرسول ﷺ أنه عاجز عن الكفارة، فلا يجد رقبة، ولا يستطيع الكفارة بالصيام، ولا يستطيع الإطعام، فلو كانت الواجبات تسقط بالعجز لسقطت عنه الكفارة؛ لتحقق عجزه حين وجوب الكفارة عليه، وحين جاء رجل من الأنصار بعرق تمر، قال له النبي ﷺ : اذهب بهذا فتصدق به … مما يدل على أن عجزه لم يسقط الكفارة عنه؛ لأن الساقط لا يُؤَدَّى، خاصة أن قدرته جاءت بعد تحقق عجزه، مما يدل على بقاء الوجوب في ذمته (٢).
• ويجاب:
بأن القياس على الكفارات فيه نظر؛ لأن وجوب الكفارات ومقاديرها توقيفي، غير معقول المعنى، ووجوب ستر العورة معقول المعنى، فلا يصح القياس، فلا يصح قياس ما كان معللًا على أمر تعبدي.
стр. 1909
بل كان الأولى قياس ستر العورة على القول بأنها شرط من شروط الصلاة على فروض الصلاة، فإذا كانت أركان الصلاة تسقط بالعجز، ويصلي على حسب الاستطاعة فكذلك ستر العورة يسقط بالعجز.
وقد يقال: إن الحديث لا يدل على عدم سقوط الكفارة بالعجز، ولذلك قال: النبي ﷺ : أطعمه أهلك، ولم يقل له: إذا قدرت فكفر، ولا يمكن أن يكون إطعامه أهله مصرفًا لكفارته؛ لأن أهله ليسوا ستين مسكينًا، وإنما في الحديث دليل على عدم سقوطها بالعجز إما مطلقًا وهو اختيار ابن حزم، أو بشرط أن يعطيه الإمام بالحال ما يُكَفَّرُ به، وهناك فرق بين الإمام وغيره من الناس، فالإمام يدفع له كفارته من بيت المال، وبيت المال له حق مشاع فيه بخلاف غيره، فإن لم يُعْطِهِ في الحال فإنها تسقط كغيرها من الواجبات.
قال ابن حزم: «من كان عاجزًا عن ذلك كله ففرضه الإطعام، وهو بَاقٍ عليه، فإن وجد طعامًا، وهو إليه محتاج أكله هو وأهله، وبقي الإطعام دينًا عليه؛ لأن رسول الله ﷺ أمره بالإطعام، فأخبره أنه لا يقدر عليه، فأتاه بالتمر فأعطاه إياه، وأمره بأن يطعمه عن كفارته، فصح أن الإطعام بَاقٍ عليه، وإن كان لا يقدر عليه، وأمره ﵇ بأكله إذ أخبره أنه محتاج إلى أكله، ولم يسقط عنه ما قد ألزمه إياه من الإطعام، ولا يجوز سقوط ما افترضه ﵇ إلا بإخبار منه ﵇ بأنه قد أسقطه» (١).
• دليل من قال: السترة شرط يسقط بالعجز:
أما الأدلة على كون السترة شرطًا فسبق ذكرها.
وأما أدلتهم على سقوط الشرط بالعجز، فمنهما:
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
فلو أَنَّا كُلِّفْنَا بما نعجز عنه من الشروط والواجبات والأركان لكان في ذلك
стр. 1910
حرج وتكليف بما لا يطاق، وقد نفى الله الحرج عن هذه الملة.
الدليل الثاني:
(ح-٧٢٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فدل على أن من شروط التكليف بالفعل أن يكون مقدورًا عليه، فإذا عجز الإنسان عن بعض الشروط أو بعض الفروض لم يكن واجبًا في حقه، فالشروط والأركان تسقط بالعجز.
وقد ساق بعض الفقهاء لمثل هذا قاعدة فقهية تقول: لا واجبَ مع عجزٍ، ولا مُحُرَّمَ مع ضرورةٍ.
وأما الدليل على أن العبادة لا تسقط بالعجز عن بعض شروطها، فيصلي بحسب قدرته، فأدلة منها:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الدليل الثاني:
(ح-٧٢٤) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني
стр. 1911
الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (١).
[تفرد به إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، وقد رواه أكثر من أحد عشر راويًا عن حسين المعلم، في الجلوس في صلاة النفل] (٢).
فتجب الصلاة بحسب الإمكان، وما عجز عنه من الشروط والفروض يسقط عنه.
• دليل من قال: السترة شرط يسقط بالنسيان:
هذا الأمر يرجع إلى الاختلاف في توصيف شرط ستر العورة، أهو من باب فعل المأمور، أم هو من باب ترك المحظور؟
فمن رأى أنه من باب فعل المأمور لم يسقطه بالنسيان:
يقول ابن تيمية: «ولا تسقط السترة بجهل وجوبها ولا نسيان لها كما تسقط بالعجز، فلو نسي الاستتار، وصلى، أو جهل وجوبه، أو أُعْتِقَت الأَمَةُ في أثناء الصلاة ولم تعلم حتى فرغت لزمتهم الإعادة، قاله أصحابنا؛ لأن الزينة من باب المأمور به فلا تسقط بالجهل والنسيان كطهارة الحدث، وهذا لأن الناسي والجاهل يجعل وجود ما فعله كعدمه؛ لأنه مَعْفُوٌّ عنه، فإذا كان قد فعل محظورًا كان كأنه لم يفعله، فلا إثم عليه، ولا تلحقه أحكام الإثم، وإذا ترك واجبًا ناسيًا، أو جاهلًا، فلا إثم عليه بالترك لكنه لم يفعله، فيبقى في عهدة الأمر حتى يفعله إذا كان الفعل ممكنًا وبهذا يظهر الفرق بين الزينة واجتناب النجاسة، ولأن التزين هو الأمر المعتاد الغالب فتركه مع القدرة لا يكون إلا نادرًا فلم يفرد بحكم» (٣).
ومن أسقط ستر العورة بالنسيان فله منزعان:
الأول: أن كل مأمور قال الفقهاء بسقوطه بالنسيان، فإن هذا دليل على ضعف
стр. 1912
مأخذ الوجوب عندهم، فهم يحتاطون من الناحيتين فيقولون بوجوبه قبل الفعل ويسقطونه بالنسيان لعدم الجزم بالوجوب، وذلك كقول الحنابلة عن التسمية في الوضوء: تجب بالذكر، وتسقط بالنسيان.
وكقول الأئمة الأربعة عن سقوط الترتيب بين الفوائت بالنسيان، فإنه من باب المأمورات، ومع ذلك أسقطوه بالنسيان.
ومثل ذلك التسمية على الذبيحة، فإن المالكية والحنابلة وبعض الفقهاء أسقطوا التسمية بالنسيان مع قولهم بوجوبها، وهي من المأمورات.
ومثله اشتراط ستر العورة، فإن اعتبر من باب المأمورات، فقد أسقطه بعض المالكية بالنسيان لضعف مأخذ الوجوب عندهم، وقد نقلت كلام الفقهاء في هذه المسألة عند الكلام على سقوط ترتيب الفوائت بالنسيان فارجع إليه.
وأما إن اعتبرنا أن كشف العورة محظور، فسقوطه بالنسيان جَارٍ على القواعد
والدليل على ترجيح أنه من باب ترك المحظور:
أن ما كان من باب فعل المأمور تجب له النية كالصلاة، وما كان من باب ترك المحظور لم تجب له النية كالتخلي عن النجاسات، وترك الزنا، وستر العورة لا تجب له النية، فكان إلحاقه بالمحظورات أولى من إلحاقه بالمأمورات.
والدليل على التفريق بين المأمورات والمحظورات:
أن طهارة الحدث وطهارة الخبث كل منهما شرط في صحة الصلاة، والأولى لا تسقط بالنسيان، فلو صلى دون طهارة ناسيًا لم تصح منه الصلاة بالإجماع، لأنها من باب فعل المأمور، والثانية لو صلى، وثوبه نجس صحت صلاته على الصحيح؛ لأنها من باب ترك المحظور.
(ح-٧٢٥) فقد رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني
стр. 1913
فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم لِيُصَلِّ فيهما (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على أن من صلى، وفي ثوبه نجاسة، ولم يكن عالمًا بها فصلاته صحيحة، بدليل أن الرسول ﷺ بنى على صلاته رغم أنه كان متلبسًا بالنجاسة.
ويشكل عليه أن بعض المأمورات لا تجب له النية، وهو ملحق بالمأمورات، كاستقبال القبلة، والله أعلم.
فعلى كل حال إن اعتبرنا ستر العورة من باب فعل المأمور فقد علمتَ مأخذ سقوطه بالنسيان.
وإن اعتبرنا كشف العورة من باب ترك المحظور، فقد وقفت على وجه سقوطه بالنسيان، والله أعلم.
• دليل من قال: ستر العورة واجب، وليس بشرط:
استدلوا بنفس أدلة القائلين بأن ستر العورة شرط:
كقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقوله ﷺ : إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به، رواه البخاري، وسبق تخريجه.
وحديث سلمة بن الأكوع: الأمر بزر القميص ولو بشوكة، وهو حديث ضعيف، وسبق تخريجه.
فهذه الأدلة غاية ما يستفاد منها الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية؛ لأن كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة
стр. 1914
لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا يثبت بمجرد الأمر به.
فلم يَأْتِ من الشارع قوله: لا صلاة إلا بستر العورة، أو من لم يستر عورته فلا صلاة له. أو لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا إذا ستر عورته، كما قال في الطهارة من الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (١).
وما دام أنه لم يَأْتِ ما يفيد الشرطية فلا يصح القول بالشرطية؛ لأن القول بالشرطية قدر زائد على الوجوب.
• دليل من قال: ستر العورة في الصلاة سنة إذا لم يكن ناظرٌ:
الدليل الأول:
(ح-٧٢٦) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم،
عن سهل بن سعد، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا (٢).
ورواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان به، وقال: من ضيق الأزر (٣).
وجه الاستدلال:
أن النساء أُمِرْنَ بتأخير المتابعة حتى لا يقع بصر المرأة على عورة الرجل.
• ورد هذا:
بأن هذا حكم الضرورة، وحالهم أول الإسلام لضيق الحال (٤).
• وأجيب على هذا الرد:
بأن حال المصلي في الصلاة بالثوب الواحد ثلاث أحوال:
الحال الأولى: أن يكون الثوب واسعًا، وهذا مأمور أن يلتحف به،
стр. 1915
ويخالف بين طرفيه.
والحال الثانية: أن يكون الثوب ضيقًا، وهذا مأمور أن يتزر به؛ لحديث جابر ﵁ في البخاري، وفيه قال الرسول ﷺ : إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به (١).
والحال الثالثة: أن يكون الثوب لا واسعًا فليتحف به، ولا ضيقًا فيتزر به، وهذا هو ما دل عليه حديث سهل بن سعد، فكانوا يصلون في ثوب وسط بين الضيِّق والواسع، فكانوا يعقدون إزارهم على قفاهم، حيث يجعلون الثوب بمنزلة الإزار والرداء مع كون الإزار ليس من السعة بحيث يخالف بين طرفيه، فيعقده على قفاه، فإذا عرفت صفة الإزار في حديث سهل، فإنه يكشف لك أن ستر العورة لو كان واجبًا في الصلاة، لما ستروا ما فوق السرة إلى المنكب مع قيام الخوف من بُدُوِّ العورة لمن خلفهم حين السجود والنهوض منه، فكان يمكن إرشادهم إلى الاتزار به فقط كحال الإزار إذا كان ضيقًا؛ ليكون الإزار سابغًا على العورة، فإن القدر الذي كان يستر به بطنه وصدره إلى عنقه لو اتزر به فقط لستر به كل ساقه، فلا يخشى من بُدُوِّ العورة لمن خلفهم عند السجود والنهوض، ولكان أمر الرجال بهذا أسهل من أمر النساء أن يتأخرن عن متابعة الإمام مع استحبابها من أجل ألا يقع النظر منهن على عورات الرجال، فلما احتاط النبي ﷺ لعورة النظر، ولم يحتط لعورة الصلاة عُلِمَ أن انكشاف العورة في الصلاة لا يفسد الصلاة؛ لأن هؤلاء كان بإمكانهم أن يدفعوه بالاقتصار على الاتزار فقط، ولم يفعلوا، ولم يؤمروا بدفعه، وإنما أمر النساء بتأخير المتابعة من أجل النظر، كل هذا دليل على أنه ليس بمفسد أصلًا؛ لأن المصلي مأمور بقطع كل ما يخشى منه إفساد صلاته.
والقول بأنهم كانوا يفعلون ذلك من أجل ستر المنكب بعيد جدًّا، فالمنكب على الصحيح ليس بعورة بالإجماع ويبعد أن يحرص الصحابة على ستر المنكب
стр. 1916
على حساب ستر الفخذ، وقد تكلم الفقهاء بإجماع أنه لو كان معه ثوب لا يكفي إلا عورته، ستر عورته، وكشف منكبيه، ولأن الصحابة كانوا يعقدون هذا الإزار على أعناقهم، وليس على مناكبهم، فكان الغاية من عقده حتى لا يسقط، فلم يَأْتِ ذكر للمنكب في الحديث البتة، ولا يلزم من عقد الإزار على العنق أن يكون قد ستر المنكب، خاصة مع ضيق الإزار، والله أعلم.
وعلى التنزل أن يكون ستره من الزينة، وأن ستره واجب فإنه لا يزاحم ستر العورة، ولذلك أنكر النبي ﷺ اشتمال جابر بإزار ضيق، وقال له: إن كان ضيقًا فاتزر به، والحديث في البخاري.
كما أن القول بأن الحديث دليل على أن ستر العورة من الأسفل ليس واجبًا أيضًا لا يتجه؛ لأن موقع النساء لم يكن أسفل من الرجال، بل كُنَّ خلفهم، وإنما بُدُوُّ عورات الرجال جاء من تقلص الإزار بسبب رفعه إلى المنكب وعقده على العنق مع ضيقه، كل هذا دليل على أن كشف العورة في الصلاة لا يبطلها، والله أعلم.
• ورد هذا الجواب باعتراضين:
الاعتراض الأول:
أن الأمر للنساء لم يكن مرفوعًا، وإنما نصه: (ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا). والحجة إنما هو في المرفوع.
• ورد هذا الاعتراض:
بأن عدم التصريح برفعه لا يضر، فإن له حكم الرفع، لأنه من فعل الصحابة خلف النبي ﷺ ، وهذا يعني علمه به ﷺ ، ولأنه لا يتصور أن يأمر بعض الصحابة النساء بتأخير المتابعة للإمام حتى يرفع الرجال دون أن يكون هذا بتوقيف من رسول ﷺ ، صاحب الأمر والنهي، خاصة أن هذا الأمر يتعلق بأعظم العبادات، وهي الصلاة. ولهذا قال ابن رجب في شرح البخاري: «حديث سهل من فعل الصحابة خلف النبي ﷺ ، وهو شبيه بالمرفوع» (١).
стр. 1917
стр. 1918
الاعتراض الثاني:
أن انكشاف العورة ليس صريحًا في الحديث؛ لأنه لم يذكر فيه كشف العورة حقيقة؛ وإنما فيه خشية ذلك (١).
وقال ابن بطال: «لا خلاف بين العلماء أن المصلي إذا تقلص مئزره، أو كشفت الريح ثوبه، فظهرت عورته، ثم رجع الثوب في حينه وفوره أنه لا يضر ذلك المصلي شيئًا، وكذلك المأموم إذا رأى من العورة مثل ذلك لا تنتقض صلاته؛ لأنه إنما يحرم النظر مع العمد ولا يحرم النظر فجأة» (٢).
• ويرد هذا:
بأنه لا خلاف بأن هذا انكشاف للعورة وليس كشفًا للعورة، ولا يُظَنُّ بالصحابة أنهم يكشفون عوراتهم، وحاشاهم عن ذلك، إلا أن تقلص المئزر كان سببه عقده على القفا مع ضيقه، ولو اتزروا به فقط لم يتقلص، ولكان سابغًا على الساقين، فكان الانكشاف للعورة وليس الكشف سببه من فعل المصلي، ولم يبطل صلاته، فدل
стр. 1919
على أن الستر ليس شرطًا في الصلاة، كما أن هذا الانكشاف ليس عارضًا بسبب ريح ونحوه، بل كان متوقعًا، ولو لم يكن كذلك لما أمر النساء بتأخير المتابعة من أجل مفسدة محتملة (١).
الدليل الثاني:
(ح-٧٢٧) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته، فسألته (٢)، فقال:
كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري … وفيه: فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (٣).
وجه الاستدلال:
أن عمرو بن سلمة كان يصلي بقومه، وكانت تنكشف عورته، ولم تبطل صلاته. ولا يصح أن يدفع هذا بأنه عاجز عن ستر العورة لفقره؛ لأن كسوة العاري كإطعام الجائع هو فرض كفائي على المجتمع، لكن لما كان انكشاف العورة ليس بسبب عجزه عن الستر المطلق، وإنما كان بسبب تقلص البردة عنه إذا سجد في
стр. 1920
الصلاة لم يكن ستر ذلك واجبًا على المجتمع، ومن المتيقن أنه إذا شاهد مثل هذا من يقف في صف النساء مع تأخره، فمن باب أولى أن يشاهد مثل ذلك من يقف في الصف الأقرب من الرجال، ولو كان واجبًا للصلاة لم ينتظر الرجال في ستر عورة إمامهم إلى أن تدعوهم إحدى النساء، وتحضهم على ستر عورته، وعلى التنزل بأن هذا العجز يسقط ستر العورة عن الصبي، فإن في الناس من يكون قادرًا على القيام بهذا لو كان شرطًا، فيكون أحق منه بالإمامة؛ لأن تقديم أكثرهم قرآنًا إنما هو على سبيل الاستحباب، بخلاف ستر العورة على القول بأنه شرط أو واجب، فلما قدم هذا الصبي مع عجزه عن ستر عورته دل على أن انكشاف العورة في الصلاة لا يبطلها، وإذا لم يبطل الصلاة لم يكن شرطًا ولا واجبًا فيها، والله أعلم.
فإن قيل: هذا صبي لم يلتزم ستر العورة.
قيل: لا فرق بين الصبي والكبير في مفسدات الصلاة وواجباتها، فكما تبطل الطهارة من الصبي بالبول والريح، وتفسد الصلاة منه بالكلام، فكذلك تفسد الصلاة منه بكشف العورة لو كان كشْفُها مفسدًا.
• وأجيب:
بأن هذه واقعة حال، فيحتمل أن يكون ذلك قبل علمهم بالحكم (١).
قال ابن الجوزي في التحقيق: «لا حجة في هذا؛ لأنه كان في أول إسلام القوم، ولم يعلموا بجميع الواجبات، وليس فيه أن رسول الله ﷺ أقر ذلك» (٢).
• ورد هذا:
بأن ما وقع في حديث عمرو بن سلمة موافق لما وقع للصحابة من حديث سهل بن سعد في صلاتهم خلف النبي ﷺ ، فلا يصح القول بأنهم لم يعلموا بجميع الواجبات، ولئن كان لم يُعْلَم إقرار رسول الله ﷺ فإن الله قد علمه وأقره، وما أقره الله فهو في حكم ما أقره رسوله ﷺ ؛ لأن الوحي كان ينزل.
(ح-٧٢٨) وقد روى البخاري من طريق سفيان، عن عبد الله بن دينار،
стр. 1921
عن ابن عمر ﵄، قال: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبي ﷺ ، هيبة أن ينزل فينا شيء، فلما توفي النبي ﷺ تكلمنا وانبسطنا (١).
وهذا مثل ما روى البخاري من طريق سفيان، قال عمرو: أخبرني عطاء سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل.
ورواه مسلم، وزاد: قال سفيان: لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن (٢).
• الراجح من أقوال أهل العلم:
أرى أن القول بالوجوب وَسَطٌ بين القول بالشرطية، وبين القول بالسنية، فالأدلة فيما أرى والله أعلم لا تبلغ بالقول إلى اعتباره شرطًا من شروط الصلاة.
وأقوى الأدلة على وجوبه في الصلاة، قوله: إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به.
كما أن أكثر الفقهاء يرون أن انكشاف العورة في الزمن اليسير لا يبطل الصلاة،
كما أن انكشاف اليسير منها في الزمن الطويل لا يبطلها، وهذا مما يضعف القول بالشرطية، فإن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يفرق بين يسيره وكثيره.
وسقوط هذا الواجب بالعجز بَيِّنٌ لا إشكال فيه، وأما سقوطه بالنسيان فهو لتردد ستر العورة بين كونه من المأمورات، أو ملحقًا بالمحظورات
فمن رأى أن انكشاف العورة من المحظورات فسوف يسقط الوجوب بالنسيان.
ومن رأى أن ستر العورة من باب المأمورات فيبقى الخلاف: هل تعمد ترك الواجب يبطل الصلاة؟ وقد علمت النزاع فيه بين الحنفية والمالكية من جهة وبين الحنابلة من جهة أخرى، والقول بالبطلان لا أجد له أدلة قوية، إلا قولهم: إن الأمر بالشيء يستلزم النهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، لحديث (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وهي مسألة أصولية مختلف فيها، وهل ستر العورة واجب للصلاة من أجلها، أو وجوبه من أجل النظر، لا من أجل الصلاة؟ فإن الإنسان إن
стр. 1922
رأى عورته من جيب الثوب لم تبطل صلاته على الصحيح، وسوف يأتي بحثها إن شاء الله، والأصل عدم بطلان العبادة، وإن كان التعمد في ترك الواجب يخشى على صاحبه من الإثم، والله أعلم.
стр. 1923
الفصل الخامس في انكشاف العورة في الصلاة
المبحث الأول ي انكشاف العورة عمدًا في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• كل ما لا يمكن التحرز عنه أو يشق فهو عفو.
• كل يسير فهو عفو إلا يسيرًا نص الشارع على عدم العفو عنه، كتحريم يسير الربا؛ ويسير الخمر، لقوله ﷺ : من زاد أو استزاد فقد أربى، وقوله: ما أسكر كثيره فقليله حرام، وقوله: ويل للأعقاب من النار، ونحو ذلك.
• جاء العفو عن اليسير في الشريعة في أحكام كثيرة مختلفة، كالعفو عن يسير النجاسات، ويسير الغرر، والعمل القليل في الصلاة، وتملك اليسير من اللقطة، فيلحق بها ظهور شيء يسير من العورة في أثناء الصلاة.
• اليسير إذا لم يقدر من الشرع فالمرجع في تقديره إلى العرف.
• انكشاف العورة ليس بمنزلة كشفها فرقًا بين العمد وغيره.
• ستر العورة من واجبات الصلاة على الصحيح، وترك الواجب لا يبطل الصلاة إما مطلقًا على أحد القولين، أو بشرط أن لا يتعمده على القول الآخر.
• انكشاف العورة ملحق بالمحظورات على الصحيح، وارتكاب المحظور لا يبطل الصلاة ما لم يتعمده كالصلاة في الثوب النجس.
[م-٢٤٤] إذا كشف المصلي عورته عمدًا في الصلاة، فاختلف الفقهاء في بطلان الصلاة بكشفها.
стр. 1924
فقال الحنفية: قليل الانكشاف عفو، وبه قال ابن تميم من الحنابلة.
على خلاف بين الحنفية في قدر القليل:
فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: بما دون الربع من العضو.
وقال أبو يوسف: القليل ما كان أقل من النصف، والكثير ما كان أكثر من النصف، وفي النصف له قولان، في القلة والكثرة (١).
وقيل: إذا كشف المصلي عورته عمدًا بطلت صلاته مطلقًا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، واختاره بعض الحنفية (٢).
وفرق المالكية في المشهور بين العورة المغلظة والمخففة:
فالمخففة يتفقون على أن سترها ليس من شروط الصلاة، ولا تبطل الصلاة
стр. 1925
بكشفها ولو عمدًا، وتستحب لكشفها إعادة الصلاة في الوقت (١).
والأصح في المغلظة أن الصلاة تعاد أبدًا في الوقت وغيره إذا انكشفت عمدًا أو جهلًا أو نسيانًا.
ولا إعادة عليه لا بوقت ولا غيره إذا انكشف الفخذ من الرجل ولو عمدًا، وإن كان الفخذ عورة على المشهور؛ لخفة أمره (٢).
هذا سياق الأقوال الفقهية في المسألة، وننتقل بعده إلى عرض الأدلة.
• دليل من قال: اليسير لا تبطل الصلاة بكشفه مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٧٢٩) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته، فسألته (٣)، فقال في
стр. 1926
حديث طويل، وفيه:
لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عَلَيَّ بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١).
الدليل الثاني:
أن اليسير لا يمكن التحرز عنه؛ فكان عفوًا؛ لأن الثياب لا تخلو عن قليل خرق عادة، والكثير يمنع؛ لعدم الضرورة.
قال في البحر الرائق: «قليل الانكشاف عفو عندنا للضرورة؛ فإن ثياب الفقراء لا تخلو عن قليل خرق» (٢).
• دليل الحنفية على أن الربع كثير:
قاس الحنفية ذلك على حكمهم في بعض الفروع مما هو محل نزاع بينهم وبين الفقهاء، فربع الشيء عندهم أقيم مقام الكل في كثير من الأحكام كمسح ربع الرأس في الوضوء، وكحلق ربع الرأس في حق المحرم (٣).
• وجه من قال: ما كان أقل من النصف فهو قليل:
استدل بأن القلة والكثرة من الأسماء المشتركة، فإن الشيء إذا قوبل بما هو أكثر منه يكون قليلًا، وإذا قوبل بما هو أقل منه يكون كثيرًا، فإذا كان المكشوف
стр. 1927
دون النصف فهو في مقابلة المستور قليل، وإذا كان أكثر من النصف فهو في مقابلة المستور كثير.
وفي النصف قولان المنع وعدمه:
وجه القول بعدم المنع: أن المانع هو الانكشاف الكثير، ولم يوجد.
وجه القول بالمنع: استوى الجانب المفسد والمجوز فيغلب المفسد احتياطًا للعبادة.
• ويناقش:
الصحيح أن اليسير معفو عنه في كل شيء، إلا يسيرًا نص الشارع على عدم العفو عنه، كيسير الربا؛ لقوله ﷺ : من زاد أو استزاد فقد أربى (١).
ويسير الخمر لقوله ﷺ : ما أسكر كثيره فقليله حرام (٢).
وقوله ﷺ ويل للأعقاب من النار (٣).
وإذا صح العفو عن اليسير كان تقدير اليسير من الكثير إما أن يكون هناك نص، فيكون الواجب اتباع النص، وإما أن يطلق فيكون الحكم للعرف، فما حَكَمَ العرف بأنه يسير فهو يسير، وما قدر أنه من الكثير فهو كثير، أما تقديره بما دون الربع أو بما دون الثلث فقول ضعيف، والله أعلم.
• دليل المالكية على التفريق بين المغلظة والمخففة:
اتفق المالكية على أن ستر العورة المخففة ليست من شروط الصلاة، وإذا لم يكن سترها من شروط الصلاة لم تبطل الصلاة بانكشافها، ولو عمدًا، ولكن يستحب الإعادة في الوقت طلبًا للكمال.
стр. 1928
قال في الفواكه الدواني: «والمخففة يعيد لكشفها في الوقت فقط، ولو عمدًا للاتفاق على عدم شرطية سترها» (١).
(ح-٧٣٠) وقد يستدل لذلك بما رواه البخاري من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم،
عن سهل بن سعد، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا (٢).
ورواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان به، وقال: من ضيق الأزر (٣).
وجه الاستدلال:
فدل الحديث على أن تعمد كشف العورة المخففة في الصلاة لا يبطلها، ولو كان يبطلها لأمر النبي ﷺ الرجال بالاتزار فقط بدلًا من جعل الثوب مع ضيقه يقوم مقام الإزار والرداء، ويغطي قدرًا من البطن والصدر لا يضر المصلي كشفه، مع أنه ﷺ أرشد جابرًا ﵁ بقوله: (وإن كان ضيقًا فاتزر به) رواه البخاري.
وأما المغلظة فيعيد في المشهور أبدًا في الوقت وغيره، إذا انكشفت سواء أكان الكشف فيها عمدًا، أم جهلًا، أم نسيانًا.
لأن الراجح عندهم أن ستر المغلظة ملحق بالشروط، وترك الشرط يوجب الإعادة أبدًا من غير فرق بين عمده وسهوه.
وقد ذكرنا أدلة من قال: ستر العورة شرط عند الكلام على حكم ستر العورة في الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط.
• دليل من قال: تبطل الصلاة بكشف العورة عمدًا مطلقًا:
الدليل الأول:
إذا ثبت أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة فلا يقبل تخصيص بعضها إلا
стр. 1929
بدليل ظاهر، ولا دليل على أن اليسير عفو دون الكثير.
الدليل الثاني:
أن ستر العورة شرط، وقد أزاله بفعله، فأشبه لو أحدث (١).
الدليل الثالث:
ولأن كشف العورة عمدًا يمكن التحرز منه من غير مشقة، فلم يسقط التكليف بوجوب ستره.
الدليل الرابع:
ولأن هذا الحكم يتعلق بالعورة، فاستوى فيه القليل والكثير كالنظر (٢).
• الراجح:
أرى أن ستر العورة في الصلاة ملحق بواجباتها، وإذا انكشفت العورة لم تبطل الصلاة، وقد أبان عن ذلك حديث سهل بن سعد حيث كان الصحابة يصلون عاقدي أزرهم على قفاهم.
وحديث عمرو بن سلمة، وقول امرأة من الحي للرجال: غطوا عنا است قارئكم.
стр. 1930
المبحث الثاني في انكشاف العورة من غير قصد
الفرع الأول إذا انكشفت العورة بسبب ريح ونحوه
المسألة الأولى أن يعيد الساتر في الحال
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم بطلان الصلاة إلا بدليل.
• العمل الكثير لمصلحة الصلاة لا يبطلها، والأصل فيه حديث ذي اليدين.
• انكشاف العورة ليس بمنزلة كشفها فرقًا بين العمد وغيره.
• كل ما هو يسير زمنًا أو قدرًا في الشرع فهو معفو عنه ما لم يرد نص بخلاف ذلك؛ لأن الاحتراز من اليسير يشق، فيعفى عنه.
[م-٢٤٥] ذهب الجمهور إلى أن الريح لو أزاحت ثوبه، فانكشفت عورته فأعادها في الحال بلا عمل كثير، فإن ذلك لا يضره، وبه قال ابن القاسم من المالكية (١).
لأنه معذور، ولأنه انكشاف يسير من غير قصد فكان مَعْفُوًا عنه.