حديث طويل، وفيه:
لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عَلَيَّ بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١).
الدليل الثاني:
أن اليسير لا يمكن التحرز عنه؛ فكان عفوًا؛ لأن الثياب لا تخلو عن قليل خرق عادة، والكثير يمنع؛ لعدم الضرورة.
قال في البحر الرائق: «قليل الانكشاف عفو عندنا للضرورة؛ فإن ثياب الفقراء لا تخلو عن قليل خرق» (٢).
• دليل الحنفية على أن الربع كثير:
قاس الحنفية ذلك على حكمهم في بعض الفروع مما هو محل نزاع بينهم وبين الفقهاء، فربع الشيء عندهم أقيم مقام الكل في كثير من الأحكام كمسح ربع الرأس في الوضوء، وكحلق ربع الرأس في حق المحرم (٣).
• وجه من قال: ما كان أقل من النصف فهو قليل:
استدل بأن القلة والكثرة من الأسماء المشتركة، فإن الشيء إذا قوبل بما هو أكثر منه يكون قليلًا، وإذا قوبل بما هو أقل منه يكون كثيرًا، فإذا كان المكشوف
стр. 1927
دون النصف فهو في مقابلة المستور قليل، وإذا كان أكثر من النصف فهو في مقابلة المستور كثير.
وفي النصف قولان المنع وعدمه:
وجه القول بعدم المنع: أن المانع هو الانكشاف الكثير، ولم يوجد.
وجه القول بالمنع: استوى الجانب المفسد والمجوز فيغلب المفسد احتياطًا للعبادة.
• ويناقش:
الصحيح أن اليسير معفو عنه في كل شيء، إلا يسيرًا نص الشارع على عدم العفو عنه، كيسير الربا؛ لقوله ﷺ : من زاد أو استزاد فقد أربى (١).
ويسير الخمر لقوله ﷺ : ما أسكر كثيره فقليله حرام (٢).
وقوله ﷺ ويل للأعقاب من النار (٣).
وإذا صح العفو عن اليسير كان تقدير اليسير من الكثير إما أن يكون هناك نص، فيكون الواجب اتباع النص، وإما أن يطلق فيكون الحكم للعرف، فما حَكَمَ العرف بأنه يسير فهو يسير، وما قدر أنه من الكثير فهو كثير، أما تقديره بما دون الربع أو بما دون الثلث فقول ضعيف، والله أعلم.
• دليل المالكية على التفريق بين المغلظة والمخففة:
اتفق المالكية على أن ستر العورة المخففة ليست من شروط الصلاة، وإذا لم يكن سترها من شروط الصلاة لم تبطل الصلاة بانكشافها، ولو عمدًا، ولكن يستحب الإعادة في الوقت طلبًا للكمال.
стр. 1928
قال في الفواكه الدواني: «والمخففة يعيد لكشفها في الوقت فقط، ولو عمدًا للاتفاق على عدم شرطية سترها» (١).
(ح-٧٣٠) وقد يستدل لذلك بما رواه البخاري من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم،
عن سهل بن سعد، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا (٢).
ورواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان به، وقال: من ضيق الأزر (٣).
وجه الاستدلال:
فدل الحديث على أن تعمد كشف العورة المخففة في الصلاة لا يبطلها، ولو كان يبطلها لأمر النبي ﷺ الرجال بالاتزار فقط بدلًا من جعل الثوب مع ضيقه يقوم مقام الإزار والرداء، ويغطي قدرًا من البطن والصدر لا يضر المصلي كشفه، مع أنه ﷺ أرشد جابرًا ﵁ بقوله: (وإن كان ضيقًا فاتزر به) رواه البخاري.
وأما المغلظة فيعيد في المشهور أبدًا في الوقت وغيره، إذا انكشفت سواء أكان الكشف فيها عمدًا، أم جهلًا، أم نسيانًا.
لأن الراجح عندهم أن ستر المغلظة ملحق بالشروط، وترك الشرط يوجب الإعادة أبدًا من غير فرق بين عمده وسهوه.
وقد ذكرنا أدلة من قال: ستر العورة شرط عند الكلام على حكم ستر العورة في الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط.
• دليل من قال: تبطل الصلاة بكشف العورة عمدًا مطلقًا:
الدليل الأول:
إذا ثبت أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة فلا يقبل تخصيص بعضها إلا
стр. 1929
بدليل ظاهر، ولا دليل على أن اليسير عفو دون الكثير.
الدليل الثاني:
أن ستر العورة شرط، وقد أزاله بفعله، فأشبه لو أحدث (١).
الدليل الثالث:
ولأن كشف العورة عمدًا يمكن التحرز منه من غير مشقة، فلم يسقط التكليف بوجوب ستره.
الدليل الرابع:
ولأن هذا الحكم يتعلق بالعورة، فاستوى فيه القليل والكثير كالنظر (٢).
• الراجح:
أرى أن ستر العورة في الصلاة ملحق بواجباتها، وإذا انكشفت العورة لم تبطل الصلاة، وقد أبان عن ذلك حديث سهل بن سعد حيث كان الصحابة يصلون عاقدي أزرهم على قفاهم.
وحديث عمرو بن سلمة، وقول امرأة من الحي للرجال: غطوا عنا است قارئكم.
стр. 1930
المبحث الثاني في انكشاف العورة من غير قصد
الفرع الأول إذا انكشفت العورة بسبب ريح ونحوه
المسألة الأولى أن يعيد الساتر في الحال
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم بطلان الصلاة إلا بدليل.
• العمل الكثير لمصلحة الصلاة لا يبطلها، والأصل فيه حديث ذي اليدين.
• انكشاف العورة ليس بمنزلة كشفها فرقًا بين العمد وغيره.
• كل ما هو يسير زمنًا أو قدرًا في الشرع فهو معفو عنه ما لم يرد نص بخلاف ذلك؛ لأن الاحتراز من اليسير يشق، فيعفى عنه.
[م-٢٤٥] ذهب الجمهور إلى أن الريح لو أزاحت ثوبه، فانكشفت عورته فأعادها في الحال بلا عمل كثير، فإن ذلك لا يضره، وبه قال ابن القاسم من المالكية (١).
لأنه معذور، ولأنه انكشاف يسير من غير قصد فكان مَعْفُوًا عنه.
стр. 1931
وإنما اشترط الجمهور ألا يترتب على رد السترة عمل كثير؛ لأن العمل الكثير ينافي الصلاة، فتبطل.
وقيل: العمل الكثير في رد السترة لا يبطل الصلاة؛ لأنه لمصلحتها، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
واعتبر الشافعية الريح قيدًا معتبرًا، فلو كشفه آدمي مميز لضر ذلك صلاته؛ لأن له قصدًا فيبعد إلحاقه بالريح (٢).
وقال سحنون: «إذا سقط الساتر بطلت صلاته مطلقًا، وهو المشهور من مذهب المالكية» (٣).
جاء في مواهب الجليل: «إن استتر بالقرب فصلاته وصلاتهم فاسدة، وهو قول سحنون .... وقول سحنون هو الجاري على المشهور من أن ستر العورة شرط» (٤).
• وجه قول المالكية:
أن الشرط يلزم من عدمه العدم، لا فرق فيه بين اليسير والكثير، والعمد وغيره كالحدث.
• ونوقش:
بأن القول بأن ستر العورة من شروط الصلاة فيه نزاع، وقد سبق لنا أن الخلاف في ستر العورة وأن فيه ثلاثة أقوال، الشرطية والوجوب والاستحباب، وأن القول بالوجوب هو أقواها، والله أعلم.
стр. 1932
• دليل من قال: لا تبطل الصلاة بتركه:
الدليل الأول:
انكشاف العورة ليس بمنزلة كشفها فرقًا بين العمد وغيره.
الدليل الثاني:
الأصل عدم بطلان الصلاة إلا بدليل، ولا دليل على بطلان الصلاة إذا رده في الحال.
الدليل الثالث:
كل ما هو يسير زمنًا أو قدرًا في الشرع فهو معفو عنه ما لم يرد نص بخلاف ذلك؛ لأن الاحتراز من اليسير يشق، فيعفى عنه.
ولأن الشريعة خالفت في الحكم بين الكثير والقليل، فيسير النجاسة، ويسير الغرر، ويسير الحركة في الصلاة، كل ذلك لا أثر له.
فالانكشاف الكثير في الزمن اليسير كالانكشاف اليسير، وإنما جازت صلاته في الكشف الكثير في الزمن اليسير؛ لأنه غير قادر على ستره، ولو قدر عليه بطلت صلاته، ولهذا أبطلنا صلاته في الكشف الكثير في الزمن الطويل؛ لأنه قادر على ستره (١).
• الراجح:
أنه يلزمه رد السترة في الحال، ولا تفسد صلاته ولو تطلب ستر عورته حركة كثيرة، لأن ذلك كان لمصلحة الصلاة، والله أعلم.
стр. 1933
المسألة الثانية ذا أزالت الريح الساتر ولم يرده في الحال
المدخل إلى المسألة:
• ستر العورة من واجبات الصلاة على الصحيح، لا من شروطها، ولا من سننها، وترك الواجب لا يبطل الصلاة إما مطلقًا على أحد القولين، أو بشرط أن لا يتعمده على القول الآخر.
• انكشاف العورة ملحق بالمحظورات على الصحيح، وارتكاب المحظور لا يبطل الصلاة ما لم يتعمده بخلاف المأمورات.
[م-٢٤٦] إذا لم يرد الساتر عن قرب، قال الجمهور تبطل صلاته (١).
وقال ابن القاسم من المالكية: يعيد الصلاة في الوقت استحبابًا على أصله من أن ستر العورة من سنن الصلاة (٢).
جاء في البيان والتحصيل: «وقال ابن القاسم: إن استتر عن قرب فلا شيء عليه، وإن تمادى أعاد في الوقت على أصله من أن ستر العورة من سنن الصلاة، لا من فرائضها» (٣).
стр. 1934
وقال سحنون: «إذا انكشفت عورته المغلظة بطلت صلاته مطلقًا وإن رده في الحال، وهو المشهور من المذهب» (١).
فتحصل ثلاثة أقوال:
(١) تبطل مطلقًا. (٢) عكسه، لا تبطل مطلقًا. (٣) تبطل في العورة المغلظة.
• سبب الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الخلاف في حكم ستر العورة:
أهو من شروط الصلاة أم من واجباتها، أم هو فرض من أجل النظر، لا يختص بالصلاة، فإذا أمن النظر فهو ملحق بالسنن.
فمن قال: الستر من السنن وهو من مفردات المذهب المالكي، لم يبطل الصلاة مطلقًا، رد الساتر أو تركه.
ومن قال: هو من الشروط، فيوجب الإعادة مطلقًا، في الوقت وغيره؛ لتركه رد الساتر مع قدرته على ذلك.
ومن قال: ستر العورة من الواجبات، وهو قول في مذهب المالكية، فيتنزل الخلاف في تعمد ترك الواجب، أهو مبطل للصلاة، أم لا؟
فمن الفقهاء من يقول: ترك الواجب في الصلاة لا يبطلها وإنما ينقص من أجرها، كالمالكية والحنفية، وقول في مذهب الحنابلة.
وقال الحنابلة: تعمد ترك الواجب فيها يبطلها بخلاف الواجب لها، فلا يبطلها، وسبق البحث في هذه المسألة وذكرت أدلتها، ورجحت أن ترك الواجب فيها لا يبطلها كترك الواجب لها فرقًا بين الشرط والواجب، ولا تلازم بين التحريم والصحة.
стр. 1935
وحديث عمرو بن سلمة: (ألا تغطوا عنا است قارئكم) رواه البخاري (١).
يدل على صحة الصلاة مع انكشاف العورة، وسبق مناقشة الحديث والاعتراضات عليه.
• وعمدة القائلين بالتحريم:
أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، والنهي يقتضي الفساد، وهذا اللازم لو حُكِّم لقيل ببطلان الصلاة بترك الواجب لها، والحنابلة لا يقولون به.
واستحب المالكية القول بأن ستر العورة واجب في الصلاة أو سنة الإعادة في الوقت.
وعللوا استحباب الإعادة مع القول بالوجوب جبرًا للنقص.
وعللوا استحباب الإعادة مع القول بالاستحباب طلبًا للكمال، وسبق مناقشة مذهب المالكية في استحباب الإعادة في الوقت في مسألة متقدمة.
هذا منزع المسألة، وسبب الخلاف فيها.
• الراجح:
أن ستر العورة من واجبات الصلاة، وسبق ذكر أسباب الترجيح في مسألة حكم ستر العورة، فإذا أزالت الريح الساتر، ولم يرده في الحال لم تبطل صلاته، ولكنه يأثم في ترك ما هو واجب للصلاة، وإنما لم أرجح القول بالبطلان للتفريق بين ترك الواجب وترك الشرط، وقد ذكرت الأدلة على أن ترك الواجب في الصلاة لا يبطلها في مسألة سابقة، فلا حاجة لإعادته منعًا للتكرار، فارجع إليه إن احتجت الوقوف على ذلك، والله أعلم.
стр. 1936
المسألة الثالثة إذا صلى مكشوف العورة من غير قصد
المدخل إلى المسألة:
• وجوب ستر العورة في الصلاة لا يقتضي اشتراط الستر، فالشرطية قدر زائد على الوجوب.
• ترك الواجب في الصلاة لا يبطلها على الصحيح فرقًا بينه وبين الشرط، وعلى القول بالبطلان فإنه يشترط العمد للإبطال.
• ستر العورة متردد بين كونه من المأمورات، أو يعتبر كشفها من المنهيات، وعلى تغليب الثاني فارتكاب المنهي بلا قصد لا يبطل الصلاة، كما لو صلى بالنجاسة وهو لا يعلم.
• ثياب الصحابة لا تكاد تخلو من خرق، وفتق، والاحتراز من ذلك يشق فعفي عن اليسير.
[م-٢٤٧] إذا صلى مكشوف العورة من غير قصد، فاختلف الفقهاء إلى أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن انكشاف ربع العضو فأكثر إذا كان مقارنًا لابتداء الصلاة فإن ذلك مانع من انعقادها.
وأما الحادث في أثناء الصلاة: فالانكشاف الكثير في الزمن القليل عفو حتى لو انكشفت كلها، وغطاها في الحال لم تفسد صلاته، كالانكشاف اليسير في الزمن الكثير.
والكثير زمنًا: ما كان بقدر ما يؤدى فيه ركن مع سنته. والقليل: دونه، وهذا قول أبي يوسف.
وقال محمد: «المعتبر أداء الركن حقيقة، لا قدره، والمختار عندهم
стр. 1937
الأول للاحتياط» (١).
ووافق الحنابلة الحنفية في القول بأن الانكشاف اليسير في الزمن الكثير لا يبطل الصلاة، وكذا الكثير في الزمن اليسير، واختلفوا مع الحنفية في مسألتين:
الأول: لا فرق عند الحنابلة بين الانكشاف المقارن والحادث في أثناء الصلاة.
الثاني: في حد اليسير، فاليسير عند الحنفية: ما دون الربع، واليسير عند الحنابلة: هو الذي لا يفحش في النظر عرفًا، والكثير عكسه؛ لأن كل ما لم يحدد في الشرع، فالمرجع فيه إلى العرف.
ولا فرق بين الفرجين وغيرهما؛ ولا بين الرجل والمرأة إلا أن العورة المغلظة يفحش منها ما لا يفحش من غيرها (٢).
• دليل الحنفية والحنابلة في العفو عن اليسير:
الدليل الأول:
(ح-٧٣١) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، قال في حديث طويل، وفيه:
لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان،
стр. 1938
فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١).
الدليل الثاني:
أن ثياب الفقراء لا تكاد تخلو من خرق، وثياب الأغنياء لا تكاد تخلو من فتق، والاحتراز من ذلك يشق فعفي عنه كيسير الدم.
والحنفية جعلوا هذا التعليل يشمل المتعمد وغيره، وقصره الحنابلة على غير المتعمد؛ لأن المتعمد كان يمكنه التحرز من كشف عورته بلا مشقة.
وقد جاء العفو عن اليسير في الشريعة في أحكام كثيرة مختلفة، كالعفو عن يسير النجاسات، ويسير الغرر، والعمل القليل في الصلاة، وتملك اليسير من اللقطة.
ويستثنى من العفو عن اليسير ما نص الشارع على عدم العفو عنه، كتحريم يسير الربا؛ ويسير الخمر، لقوله ﷺ : من زاد أو استزاد فقد أربى، وقوله: ما أسكر كثيره فقليله حرام، وقوله: ويل للأعقاب من النار، ونحو ذلك، وقد سبق تخريج هذه الأحاديث.
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى التفريق بين العورة المغلظة والعورة المخففة:
فالمغلظة تعاد الصلاة لكشفها عمدًا، أو جهلًا في الوقت وغيره، وهذا القول مبني على أن ستر العورة شرط مع القدرة، وهو المشهور من مذهب المالكية، وبه قال بعض الحنابلة.
وقال بعض المالكية: إذا انكشفت العورة المغلظة أعاد في الوقت وهو مبني على القول بأن ستر العورة ليس من شروط الصلاة على خلاف بينهم في حكم الستر، فقيل: واجب، وقيل: سنة.
وأما العورة المخففة: فيعيد الصلاة لكشفها في الوقت فقط؛ لاتفاق المالكية على عدم شرطية سترها، إلا الفخذ من الرجل، فإنه وإن كان محسوبًا من العورة
стр. 1939
على المشهور فإنه لا يعيد الصلاة لكشفه، ولو عمدًا لخفة أمره (١).
هذا ملخص الأقوال في مذهب المالكية.
وقد سبق في المسألة السابقة بيان العورة المغلظة والمخففة من الرجل والمرأة عند المالكية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
• وجه تفريق المالكية بين المغلظة والمخففة:
(ح-٧٣٢) يستدل لذلك بما رواه البخاري من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم،
عن سهل بن سعد، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا (٢).
ورواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان به، وقال: من ضيق الأزر (٣).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على أن تعمد كشف العورة المخففة في الصلاة لا يبطلها، ولو كان يبطلها لأمر النبي ﷺ الرجال بالاتزار فقط بدلًا من جعل الثوب مع ضيقه يقوم مقام الإزار والرداء، ويغطي قدرًا من البطن والصدر لا يضر المصلي كشفه، مع أنه ﷺ أرشد جابرًا ﵁ بقوله: (وإن كان ضيقًا فاتزر به) رواه البخاري.
وأما المغلظة فيعيد في المشهور أبدًا في الوقت وغيره، إذا انكشفت سواء أكان الكشف فيها عمدًا، أم جهلًا، أم نسيانًا.
لأن الراجح عندهم أن ستر المغلظة ملحق بالشروط، وترك الشرط يوجب
стр. 1940
الإعادة أبدًا من غير فرق بين عمده وسهوه.
وقد ذكرنا أدلة من قال: ستر العورة شرط عند الكلام على حكم ستر العورة في الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
القول الثالث:
إذا انكشف شيء من العورة، ولم يتداركه في الحال بطلت صلاته مطلقًا علم به أو لم يعلم على الصحيح الجديد من قولي الشافعي من غير فرق بين قليل العورة وكثيرها، وهو رواية عن أحمد، اختارها الآجري (١).
وحد التأخير عند الشافعية: أن يكون بينهما مكث محسوس (٢).
قال النووي في المجموع: «ولو صلى في سترة ثم بعد الفراغ علم أنه كان فيها خرق تَبِينُ منه العورة وجبت إعادة الصلاة على المذهب سواء أكان علمه ثم نسيه أم لم يكن علمه» (٣).
стр. 1941
ولأنه حكم معلق بالعورة، فاستوى قليله وكثيره كالنظر.
القول الرابع:
قال الشافعي في القديم: انكشاف العورة لا يبطل الصلاة، بل يسعى في طلب الساتر، ويبني كمن سبقه الحدث (١).
• أدلة القياس على البناء على الحدث:
الدليل الأول:
(ح-٧٣٣) ما رواه ابن ماجه، من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة،
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم (٢).
[ضعيف والمعروف أنه مرسل] (٣).
الدليل الثاني:
(ح-٧٣٤) ما رواه الدارقطني من طريق عمرو بن عون، أخبرنا أبو بكر الداهري، عن حجاج، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد،
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : من رعف في صلاته فليرجع فليتوضأ وليبن على صلاته (٤).
[ضعيف جدًّا] (٥).
стр. 1942
الدليل الثالث:
(ح-٧٣٥) ما رواه الدارقطني من طريق عمران بن موسى، أخبرنا عمر بن رياح، أخبرنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رعف في صلاته توضأ، ثم بنى على ما بقي من صلاته (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
الدليل الرابع:
(ث-١٨٦) ما رواه مالك، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، كان إذا رعف انصرف، فتوضأ، ثم رجع، فبنى، ولم يتكلم (٣).
[وهذا إسناد في غاية الصحة، وهو موقوف على ابن عمر] (٤).
الدليل الخامس:
(ث-١٨٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن علي بن صالح وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة،
عن علي، قال: إذا وجد أحدكم في بطنه رزًّا أو قيئًا أو رعافًا فلينصرف، فلْيَتَوَضَّأْ، ثم لْيَبنْ على صلاته ما لم يتكلم (٥).
[صحيح عن علي ﵁، ولم يتفرد به عاصم] (٦).
стр. 1943
الدليل السادس:
(ث-١٨٨) ما رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عمران بن ظبيان، عن حكيم بن سعد أبي يحيى،
عن سلمان، قال: إذا أحدث أحدكم في صلاته، فلينصرفْ غير راعٍ لصنعه، فليتوضأ، ثم ليعد في آيته التي كان يقرأ (١).
[ضعيف] (٢).
• ويناقش الاستدلال بهذه الأحاديث من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
قياس ستر العورة وهو معقول المعنى على طهارة الحدث وهي طهارة تعبدية قياس ضعيف جدًّا، فمن شروط صحة القياس أن يكون الأصل المقيس عليه معقول المعنى، أي معللًا، فإذا كان لا يصح قياس طهارة الخبث على طهارة الحدث، وكلاهما طهارة، فكيف يصح قياس ستر العورة على الحدث؟
الوجه الثاني:
الوضوء من الرعاف والبناء على الصلاة إنما صح عن بعض الصحابة في الرعاف خاصة، على خلاف بينهم، فقياس سائر الأحداث على الرعاف، ثم قياس سقوط العورة على الحدث أشد ضعفًا.
الوجه الثالث:
إيجاب الوضوء من الرعاف يعني: بطلان الطهارة، وبطلان الطهارة يلزم منه بطلان الصلاة كخروج البول والريح إذا خرجا من المصلي في أثناء الصلاة، فإنه يجب استئناف الصلاة بعد إعادة الطهارة، فصحة الآثار من الصحابة لا نقاش فيه عند اجتماعهم، فإن ثبت الخلاف عن الصحابة كان الأمر واسعًا، وإن لم يثبت الخلاف بينهم، بحيث لا يعلم مخالف لقول من قال بالبناء، فإنا نقول به، ولو خالف القياس،
стр. 1944
لكن لا نتعداه إلى غيره، ولا نقول بوجوبه في الخارج من السبيلين، وإنما يقتصر على ما ورد عن الصحابة، لأن شرط القياس على ما جاء مخالفًا للقياس في ظاهره أن يكون الحكم فيه معللًا، ولا أعرف علة توجب الطهارة من الرعاف؛ ذلك أن دم الإنسان وبدنه طاهر على الصحيح كما حررت ذلك في كتابي موسوعة الطهارة، والله أعلم.
وعلى هذا مالكٌ رحمه الله تعالى، فهو لا يرى خروج النجس من غير السبيلين ناقضًا للوضوء يقول بالبناء بالرعاف خاصة، ولا يقيس عليه سائر الأحداث.
قال ابن رشد: «واختار مالك رحمه الله تعالى بالبناء على الاتباع للسلف وإن خالف ذلك القياس والنظر، وهذا على أصله أن العمل أقوى من القياس؛ لأن العمل المتصل لا يكون أصله إلا عن توقيف، وقال أيضًا: ليس البناء في الرعاف بواجب، وإنما هو من قبيل إما الجائز أو المستحب» (١).
الوجه الرابع:
قد يراد بالوضوء الغسل من الرعاف حتى لا يتلوث المسجد، ولو كان المراد منه الوضوء الشرعي لكان حدثًا، والحدث يبطل الصلاة، كالبول والريح ونحوهما، فكان خروج الدم عذرًا يخرج من الصلاة لإيقاف الدم ومنع تلوث المسجد، ثم الرجوع إلى الصلاة، والبناء عليها، ولهذا اشترط في الآثار ألا يتكلم، واشترط الفقهاء ألا يتحول عن القبلة، فلو كان حدثًا لأبطل الصلاة بل هو أولى بالإبطال من الكلام الذي اشترطت الآثار للبناء ألا يتكلم.
وقد ورد إطلاق الوضوء على الغسل كما في حديث سلمان وإن كان ضعيفًا.
(ح-٧٣٦) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا قيس بن الربيع، حدثنا أبو هاشم، عن زاذان،
عن سلمان، قال: قرأت في التوراة: بركة الطعام الوضوء بعده، قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ وأخبرته بما قرأت في التوراة فقال: بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده (٢).
стр. 1945
[ضعيف] (١).
أراد بالوضوء قبل الطعام غسل اليدين قبل استعمال الطعام، وبالوضوء بعده: غسل اليدين من آثار الطعام.
• الراجح:
أن انكشاف العورة في الصلاة من غير قصد لا يبطلها من غير فرق بين الكثير والقليل، والزمن القصير والطويل؛ لأننا إن اعتبرنا كشف العورة من المنهيات في الصلاة، فارتكاب المنْهِيِّ بلا قصد لا يبطل الصلاة، كما لو صلى بالنجاسة وهو لا يعلم، فإن صلاته صحيحة.
стр. 1946
وإن اعتبرنا ستر العورة من المأمورات، فإنه لا دليل فيه على كونه شرطًا من شروط الصلاة، وإذا كان واجبًا من الواجبات فالواجب إذا لم يتعمد الإنسان تركه لا يبطل الصلاة، وفي إبطال الصلاة بتعمده خلاف بين أهل العلم، فالمالكية والحنفية لا يرون ترك الواجب مبطلًا للصلاة، ولو تعمده، فكيف إذا كان ذلك من غير قصد، والله أعلم.
стр. 1947
الفصل السادس في شروط الساتر
الشرط الأول ن يستر العورة من جوانبها وأعلاها
المدخل إلى المسألة:
• ستر العورة معقول المعنى يراد منه منع النظر إلى العورة.
• إذا سَتَر العورة من جوانبها فقد حَالَ بين العورة وبين النظر إليها.
• لو اتزر بالثوب صحت صلاته، وهو لا يستر العورة من الأسفل، فكون أسفل الثوب مفتوحًا لا يعتبر كاشفًا للعورة بالإجماع.
• ستر العورة من الأعلى يرجع إلى الخلاف في الستر، أهو واجب للصلاة من أجلها، أم واجب من أجل النظر؟
وفي النهي عن النظر، أيشمل النهي حتى المصلي نفسه فلا ينظر إلى عورته، أم يجوز له النظر إلى عورته باعتبار أنها ليست عورة في حقه، فله مسها، والنظر إليها؟
[م-٢٤٨] يتحقق ستر العورة إذا سترت العورة من جوانبها، ولا أعلم فيه خلافًا؛ لأن الستر عن نظر الغير لا يتحقق إلا بذلك.
وقال الشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن في غير رواية الأصول، وابن شجاع من الحنفية: يجب سترها من أعلاها مطلقًا حتى عن نفسه (١).
стр. 1948
وقال سحنون من المالكية: إن تعمد النظر إلى عورة نفسه بطلت صلاته (١).
وقال الحنفية والحنابلة: إن كان كثيف اللحية، وستر بها جازت صلاته، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: لا يجزئه؛ وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية لأنه لا يصح ستر عورته بشيء من بدنه (٣).
وقال أكثر الحنفية: يجب ستر العورة من أعلاها عن غيره، لا عن نفسه، فلو نظر إلى عورته من جيب ثوبه لم تفسد صلاته، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٤).
стр. 1949
وهل يشترط سترها من أسفل؟
فقيل: لا يشترط، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: يشترط، اختاره بعض الشافعية (٢).
وقيل: يشترط إن تيسر النظر، اختار ذلك بعض الشافعية، وأبو المعالي أحمد الباجِسْرائِىّ من الحنابلة (٣).
• دليل وجوب الستر من الجوانب:
(ح-٧٣٧) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال:
سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعلي ثوب واحد، فاشتملت به وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: ما السرى يا جابر؟ فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ قلت: كان ثوب -يعني ضاق- قال: فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به (٤).
وجه الاستدلال: قوله ﷺ لجابر (إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به)، فالالتحاف والاتزار هو ستر للعورة من جوانبها.
ولأنه إذا ستر جوانب العورة فقد حال بين العورة وبين النظر إليها، وهذا هو المطلوب.
стр. 1950
ولأن هذا هو الستر المعتاد، ولا يتحقق ستر للعورة دونه، فالإزار، والقميص، والسراويل والالتحاف بالثوب كلها إنما تحيط بالعورة من جوانبها.
• وأما سقوط ستر العورة من الأسفل:
فلعسر الستر من الأسفل.
ولأن الستر إنما يلزم من الجهة التي جرت العادة بالنظر منها، والعادة لم تَجْرِ بالنظر من أسفل، فَالاطِّلَاعُ على العورة من أسفل لا يكون إلا بحيلة وتعب.
ولأنه لو اتزر بالثوب كان ساترًا لعورته بالإجماع، وإن كان ما قابل الأرض من عورته ظاهرًا، فكون أسفل الثوب مفتوحًا لا يعتبر كاشفًا للعورة، فلو نظر أحد إلى عورته من أسفل لم تفسد صلاته.
• دليل من أوجب السترة من الأعلى:
(ح-٧٣٨) استدلوا بما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن موسى بن إبراهيم،
عن سلمة بن الأكوع، أنه قال: قلت: يا رسول الله، إني أَتَصَيَّدُ، فأصلي في القميص الواحد، قال: نعم، وزره ولو بشوكة (١).
فقد حسنه بعض أهل العلم كالنووي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
أن الحديث ضعيف، مداره على موسى بن إبراهيم، وفيه لين، وقد اختلف عليه في الإسناد اختلافًا كثيرًا، وتفرده بهذا الأصل لا يحتمل من مثله، وقد ضعفه البخاري وابن القطان الفاسي وغيرهما، وقد خرجت هذا الحديث في المسألة السابقة.
الجواب الثاني:
أنه قد صح عن النبي ﷺ من حديث قرة المزني وغيره أن النبي ﷺ كان يلبس القميص، وكان مطلق الزرار، وسوف يأتينا بأدلة القائلين بأنه لا يجب
стр. 1951
الستر من الأعلى.
• دليل من أسقط السترة من الأعلى:
الدليل الأول:
(ح-٧٣٩) روى أحمد، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا أبو خيثمة، عن عروة بن عبد الله بن قشير الجعفي، قال: حدثني معاوية بن قرة،
عن أبيه قال: أتيت في رهط من مزينة فبايعنا، وإن قميصه لمطلق، فبايعته فأدخلت يدي من جيب القميص، فمسست الخاتم. قال عروة: فما رأيت معاوية، ولا ابنه شتاءً، ولا حَرًّا إلا مُطْلِقَي أزرارهما، لا يزرَّانِ أبدًا (١).
[صحيح] (٢).
ودخول اليد من جيب القميص دليل على سعة الجيب.
فإن قيل: لعل تحت القميص إزارًا أو سراويل فلا يحتاج إلى زر القميص.
قيل: هذا افتراض، والأصل عدمه حتى يثبت، ولو كان مع القميص غيره لذكر.
الدليل الثاني:
(ح-٧٤٠) روى عبد الله بن بريدة، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: لم يكن ثوب أحب إلى رسول الله ﷺ من القميص.
[حسن إن شاء الله] (١).
الدليل الثالث:
(ث-١٨٩) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حفص، عن الأعمش،
عن ثابت بن عبيد، قال: ما رأيت ابن عمر وابن عباس زارَّيْنِ عليهما
стр. 1956
قميصهما قط (١).
[صحيح] (٢).
وعمومه يشمل وقت الصلاة.
وقال البيهقي: «محمول عندنا على ما لو كان الجيب ضيقًا» (٣).
وقد كان سالم بن عبد الله بن عمر يصلي محلول الزرار (٤).
الدليل الرابع:
قياس ستر العورة من الأعلى على سترها من الأسفل في سقوط الستر.
الدليل الخامس:
أن ستر العورة معقول المعنى، يراد منه منع النظر إلى العورة، ولذلك لم يضره انكشاف عورته من الأسفل جهة الأرض حيث لا ناظر من هذه الجهة في قول عامة الفقهاء، وإذا كان الستر من أجل النظر، فهي ليست بعورة في حق نفسه؛ لأنه يحل له لمسها، والنظر إليها.
• ونوقش هذا:
بأن هناك خلافًا بين الفقهاء، هل الستر واجب للصلاة من أجلها، أو واجب من أجل النظر؟
وسبق بحث هذه المسألة، والحنفية يذهبون إلى القول الأول (٥).
стр. 1957
وإذا كان الحنفية يرون أنه واجب للصلاة من أجلها، فإذا كان بحال لو نظر من جيب ثوبه لرأى عورته بلا تكلف لم يوجد الشرط الذي هو الستر، ولهذا لو صلى عريانًا في الظلمة بلا عذر لم يستر عورته في قول الأئمة الأربعة، ولو كان الوجوب لخوف النظر لكان قائمًا بالستر.
والحنفية يوجبون ستر العورة في الخلوة، ولا يوجبون سترها عن نفسه في الصلاة بالنظر إليها من جيب ثوبه (١).
• تعليل من قال: يكفي أن يستر جيب ثوبه بشعر لحيته:
بأن المطلوب هو ستر العورة عن النظر، وهو حاصل بذلك، ولأنه لو ستر عورته بذلك خارج الصلاة لم يعتبر متكشفًا، فكذلك داخل الصلاة.
• تعليل من قال: لا يصح ستر الجيب بشعر اللحية:
بنوا حكمهم هذا بأنه لا يصح أن يستر عورته بشيء من بدنه؛ لأن الساتر غير المستور، وهو تعليل عليل، ولذلك لو كان في ثوبه خرق فجمع ثوبه بيده صح إجماعًا مع أن اليد هي التي جمعت الثوب، ولولا يده لما استترت عورته.
وهؤلاء يرون أن الساتر هو الثوب وليس اليد، ولذلك لو وضع يده على الثقب من غير أن يجمع ثوبه جرى فيه الخلاف في ستر الجيب باللحية.
فقيل: لا يصح؛ وهو وجه في مذهب الشافعية، ووجه مرجوح في مذهب الحنابلة (٢).
стр. 1958
وعللوا ذلك بأن الساتر يجب أن يكون غير المستور.
وقيل: يصح، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).
لأنه لو فعل ذلك خارج الصلاة لم يكن كاشفًا لعورته، فكذلك إذا فعله داخل الصلاة.
• تعليل من قال: يجب ستر العورة من الأسفل إن تيسر النظر:
كيف يتيسر النظر إلى العورة من الأسفل؟
يتيسر النظر لو فرض أن رجلًا يصلي في قميص واحد على طرف السطح، فإن انكشاف عورته متيسر لمن هو تحت السطح.
فمن قال: لا يراعى الستر من الأسفل مطلقًا قال بصحة صلاته.
ومن قال: يجب ستر العورة من الأسفل إن تيسر النظر، قال: يجب ستر عورته، وإنما لم يُرَاعَ الستر من الأسفل من جهة أن التطلع من تحت القميص والإزار غير ممكن إلا بمعاناة وتكلف، فإذا فرض أن وقوع النظر من الناس على العورة من الأسفل يحصل بلا تكلف فهذا لا يعد قد قام بستر عورته، فوجب عليه ستر عورته من الناس.
هذه أدلة سادتنا الفقهاء وتعليلاتهم، ويبقى من البحث النظر في الراجح، وهو شأن يخص الباحث.
• الراجح من الخلاف:
ينظر في الترجيح إلى أربعة أسئلة: هل الستر معلل أو تعبدي؟
وهل الستر للصلاة من أجلها، أو من أجل النظر؟
وهل النظر يشمل نظر المصلي نفسه، أو لا يدخل في ذلك باعتبار أنها ليست عورة في حقه؟
стр. 1959
وهل يصح قياس النظر من أعلى الثوب على النظر من أسفله؟
فالستر لا شك أنه معقول المعنى، وهو خارج الصلاة من أجل النظر، ولا يمنع ذلك من كونه مطلوبًا للصلاة من أجلها، كالإيمان فهو مطلوب للصلاة، وشرط لصحتها، وهو مطلوب خارج الصلاة.
وأما قياس الأعلى على الأسفل ففيه فرق، فالأسفل ليس موضعًا ينظر منه العورة إلا بِتَعَدِّ أو تَكَلُّفٍ، بخلاف الأعلى، ولا يمكن ستر الأسفل إلا أن يلبس السراويل أو يكون الذيل مُلْتَفًّا على الساق، ولا قائل بوجوب ذلك بخلاف الأعلى فإنه يمكنه أن يجعل جيب الثوب ضيقًا، أو يزره إن كان واسعًا.
ويبقى السؤال الأخير: هل الوجوب يشمل نظر المصلي نفسه، وإن لم تكن عورة في حقه بحيث لو صلى أعمى محلول الأزرار، وقدر له أن ينظر لنظر إلى عورته أيؤثر ذلك على صلاته أم لا يؤثر ذلك؟ وقد وجدنا أن الرسول ﷺ يحب لبس القميص مطلق الأزرار، وكذلك كان يفعل ابن عمر ﵁، ونقل مثل ذلك عن بعض التابعين، وهو اختيار مالك وأبي حنيفة، فالراجح أن هناك فرقًا بين أن يصلي الإنسان كاشفًا العورةَ في الخلوة، أو في الظلمة مع قدرته على الستر، وبين أن يقع نظر المصلي على عورته من خلال جيب ثوبه، فنظر المصلي من خلال جيب الثوب لن يكون أشد حالًا ممن رفع إزاره حتى عقده على قفاه، فكان إذا سجد تقلص إزاره، وربما بدا شيء من عورته، ولم يؤمر بالاتزار فقط ليكون أستر لعورته، فالقول بأن صلاته تبطل قول بعيد؛ والبحث إنما هو في استحقاقه للإثم، وهو لا يثبت إلا بدليل جلي وواضح، والله أعلم.
стр. 1960
الشرط الثاني في اشتراط أن يكون الساتر مما يلبس عادة
المدخل إلى المسألة:
• ستر العورة معقول المعنى.
• الغاية هو ستر العورة، والساتر وسيلة إليه، فكل ما حقق ستر العورة فهو مجزئ.
• الساتر ورد مطلقًا لم يقيد بنوع معين، وما ورد مطلقًا في الشرع فهو على إطلاقه.
• كل ساتر مباح يحول بين الناظر وبين لون البشرة يمكن الصلاة به فهو يتحقق به الستر، ولم نتعبد بنوع معين.
• ما قلل من كشف العورة بأن غير شيئًا من لون البشرة، فإنه يستتر به إذا لم يوجد غيره، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
• الساتر المحرم لوصفه كالحرير، أو لكسبه كالمغصوب إذا استتر به مع وجود غيره حُرِّمَ وصحت صلاته، فإن لم يوجد غيره اسْتُتِرَ به، ولا حرج.
[م-٢٤٩] يحصل ستر العورة بالمعتاد كالثياب، وهذا لا نزاع فيه.
ويحصل سترها بغير المعتاد، كالنبات، ولو مع وجود ثوب ونحوه، وهذا مذهب الجمهور (١).
стр. 1961
قال النووي: «ويكفي الستر بجميع أنواع الثياب، والجلود، والورق، والحشيش المنسوج وغير ذلك مما يستر لون البشرة … » (١).
وقيل: لا يحصل الستر بالنبات مع وجود الثياب، وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
جاء في الفروع: «ويكفي نبات ونحوه، وقيل: لا حشيش وثَمَّ ثوب» (٣).
قال ابن الرفعة: «وقد أفهم كلام الشافعي في الأم: أنه لا يجوز الستر بغير الثياب مع القدرة عليها؛ لأنه قال: «وإذا لم يجد ثوبًا ووجد ورق الشجر ستر عورته وصلى» (٤).
• وجه من قال: يحصل الستر بالنبات ولو مع وجود الثياب:
أن المطلوب ستر العورة، وهو مطلق غير مقيد بنوع معين، ويتحقق بكل ساتر يحول بين الناظر ولون البشرة، ولم نتعبد بنوعه.
• وجه من قال: يحصل الستر بالنبات إذا عدمت الثياب:
أن المَرْعِيَّ في الستر هو العرف، والستر بالنبات ليس معهودًا، ولا تعارف الناس على لبسه، فهو سترةُ ضرورةٍ، ولا ضرورة مع وجود الثياب.
وقد يستدل لهذا القول بأن اللباس المأمور به في الصلاة هو لباس الزينة،
قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
والزينة في أحد قولي العلماء هي الثياب والأردية، فلا عذر له في تركها، وستر عورته بما لا يلبس.
стр. 1962
ولأن لبس ورق الشجر قد يدخل في لباس الشهرة الممنوع منه لا لذاته.
[م-٢٥٠] وهل يصح الستر بما لا يلبس كالطين والماء الكدر؟ فيه خلاف:
فقيل: يصح الاستتار به مطلقًا. وهذا مذهب الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية في مقابل الأظهر (١).
وإذا صح الاستتار بالطين مع وجود غيره، وجب الاستتار به إذا لم يوجد غيره.
قال النووي: «ولو طَيَّنَ عورته، فاستتر اللون أجزأه على الصحيح الذي قطع به الجماهير، سواء أَوَجَدَ ثوبًا أم لا، وعلى هذا لو لم يجد ثوبًا ونحوه، وأمكنه التطيين وجب على الأصح» (٢).
وقيل: لا يجب، ولو فقد غيره، وهو أظهر القولين في مذهب المالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة، ومال إليه إمام الحرمين من الشافعية (٣).
وقال ابن عقيل من الحنابلة: يلزمه الستر بالطين دون الماء (٤).
وقال الشافعية: إن كان الطين رقيقًا لا يستر العورة، ولكن يغير لون البشرة استحب له تطيين عورته (٥).
• دليل من قال: يصح الاستتار بالطين والماء الكدر مع وجود الثياب.
دليلهم هو نفس دليل من قال: يحصل الستر بورق الشجر.
• تعليل من قال: لا يلزمه الستر بالطين:
قالوا: لأنه لو وجب الاستتار بالطين للصلاة لوجب الاستتار به خارج الصلاة،
стр. 1963
وتكليف ذلك عظيم ينتهي إلى مشقة ظاهرة (١).
وعلل بعضهم أن الطين مظنة السقوط والتطاير؛ ولأن الجِرْمَ يكبر ويثقل بالطين، فكان بمنزلة العدم.
وعلل ابن قدامة عدم الوجوب بأنه يلوثه، ولا يغيب الخلقة.
• تعليل من فرق بين الطين والماء الكدر:
لعله يرى أن الطين يمكن معه القيام والركوع والسجود بخلاف الماء الكدر فإنه لا يمكنه إلا أن يصلي قائمًا،
ولأن الله سبحانه، قال: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، والماء ليس لباسًا. والله أعلم.
وأما الاستتار بالماء الصافي:
فإن كان الماء متراكمًا حتى منع من رؤية لون البشرة، صح الاستتار به.
جاء في فتح العزيز: «ولو وقف في ماء صاف لم تصح صلاته؛ لأنه لا يحول بين الناظر ولون البشرة إلا إذا غلبت الخضرة لتراكم الماء، فإن. منعت الخضرة من رؤية لون البشرة فحينئذٍ يجوز، وقوله: (ولا الماء الصافي) المراد منه غير هذه الحالة وإن كان اللفظ مطلقًا» (٢).
وقال في النجم الوهاج في شرح المنهاج: «وحكم الماء الصافي المتراكم بخضرة ونحوها كالكدر» (٣).
وإن كان صافيًا غير متراكم يُرَى منه لونُ البشَرَةِ:
فقيل: لا يصح الاستتار به؛ لأنه لا يستر لون البشرة بخلاف الكدر، نص على ذلك الشافعية وبعض الحنفية (٤).
стр. 1964
وقيل: يجب الاستتار به إن لم يوجد غيره.
قال ابن عابدين في حاشيته: «إن لم يجد غيره وجب الستر به؛ وكأنه لأن فيه تقليل الانكشاف» (١).
وصورة الصلاة في الماء:
قال بعض الحنفية: يصلي داخله بالإيماء (٢).
واختار بعض الحنفية بأنه لا يصح تصور صلاة الرجل في الماء إلا في صلاة الجنازة.
• وجه المنع في غير الجنازة:
أنه إذا سجد في الماء، وارتفع الماء فوقه لا يصير مستورًا، ويصير كما لو صلى عريانًا تحت خيمة مستورة الجوانب، أو كما لو دخل في كيس مثلًا، وصلى فيه، فإن الظاهر أنها لا تصح صلاته، بخلاف ما لو أخرج رأسه من الكيس وصلى؛ لأنه يصير مستورًا، ومثله الصلاة في الماء: إن وقف في الماء الكدر، وأخرج رأسه، فصلى على الجنازة صار مستورًا، وصلى في غير الجنازة، فغمره الماء في الركوع والسجود لم يكن مستورًا.
وقد خرجه بعض الحنفية على قول بعضهم: بأن المريض لو صلى تحت اللحاف، وهو مكشوف العورة بالإيماء لا تصح صلاته؛ لأنه مكشوف العورة، وإن أخرج رأسه من اللحاف صحت صلاته.
• ويناقش:
بأنه إذا صلى بالإيماء أمكن أن يكون رأسه خارج الماء، وباقي جسمه داخله، وقد صحح الحنفية صلاة العاري قاعدًا بالإيماء إذا كان هناك ناظر.
стр. 1965
وقال الشافعية: صورة الصلاة في الماء أن يصلي على جنازة، أو يمكنه الركوع والسجود فيه، أو يقوم فيه، ويمكنه الركوع والسجود خارجه بلا مشقة (١).
• وجه القول بالركوع والسجود داخل الماء:
أن ما يفعله الغطاس لإخراج الغريق أبلغ من الركوع والسجود في الماء.
وهل يلزمه أن يخرج للشط إذا لم يمكنه السجود في الماء؟
قال الدارمي: ولو قدر على أن يصلي فيه، ويسجد على الشط لم يلزمه: أي: لما فيه من الحرج.
وعلق الشرواني في حاشيته: وفي نفي اللزوم إشعار بجواز ذلك، وهو ظاهر، واعلم أن حاصل ما يتجه في هذه المسألة أنه إن قدر على الصلاة في الماء مع الركوع والسجود فيه بلا مشقة شديدة وجب ذلك، أو على القيام فيه ثم الخروج للركوع والسجود إلى الشط بلا مشقة كذلك وجب أيضًا، وإن ناله بالخروج لهما في الشط مشقة، كان بالخيار: بين أن يصلي عاريًا في الشط بلا إعادة، وبين أن يقوم في الماء ثم يخرج إلى الشط عند الركوع والسجود، ولا إعادة أيضًا. والأقرب أنه يشترط لصحة صلاته أن لا يْأتِيَ في خروجه من الماء وعَوْدِهِ بأفعالٍ كثيرةٍ» (٢).
• الراجح:
أن ستر العورة معقول المعنى، ويتحقق بكل ساتر يحول بين الناظر ولون البشرة، والنبات يواري السوءة، ويبقى النظر في وجوب ستر العورة بالطين والماء.
أما صحة التستر بالطين إذا أمكن أن يصلي فيه فظاهر، أما لزومه فمحل نظر؛ لأن الطين له ثقل ومشقة، وإذا لم يجب خارج الصلاة لم يجب في الصلاة، والله أعلم.
وأما الصلاة بالماء الكدر، فإن كان ذلك في صلاة الجنازة صحت؛ لأنه