← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

قال النووي: «ويكفي الستر بجميع أنواع الثياب، والجلود، والورق، والحشيش المنسوج وغير ذلك مما يستر لون البشرة … » (١). وقيل: لا يحصل الستر بالنبات مع وجود الثياب، وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (٢). جاء في الفروع: «ويكفي نبات ونحوه، وقيل: لا حشيش وثَمَّ ثوب» (٣). قال ابن الرفعة: «وقد أفهم كلام الشافعي في الأم: أنه لا يجوز الستر بغير الثياب مع القدرة عليها؛ لأنه قال: «وإذا لم يجد ثوبًا ووجد ورق الشجر ستر عورته وصلى» (٤). • وجه من قال: يحصل الستر بالنبات ولو مع وجود الثياب: أن المطلوب ستر العورة، وهو مطلق غير مقيد بنوع معين، ويتحقق بكل ساتر يحول بين الناظر ولون البشرة، ولم نتعبد بنوعه. • وجه من قال: يحصل الستر بالنبات إذا عدمت الثياب: أن المَرْعِيَّ في الستر هو العرف، والستر بالنبات ليس معهودًا، ولا تعارف الناس على لبسه، فهو سترةُ ضرورةٍ، ولا ضرورة مع وجود الثياب. وقد يستدل لهذا القول بأن اللباس المأمور به في الصلاة هو لباس الزينة، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. والزينة في أحد قولي العلماء هي الثياب والأردية، فلا عذر له في تركها، وستر عورته بما لا يلبس.

стр. 1962

ولأن لبس ورق الشجر قد يدخل في لباس الشهرة الممنوع منه لا لذاته. [م-٢٥٠] وهل يصح الستر بما لا يلبس كالطين والماء الكدر؟ فيه خلاف: فقيل: يصح الاستتار به مطلقًا. وهذا مذهب الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية في مقابل الأظهر (١). وإذا صح الاستتار بالطين مع وجود غيره، وجب الاستتار به إذا لم يوجد غيره. قال النووي: «ولو طَيَّنَ عورته، فاستتر اللون أجزأه على الصحيح الذي قطع به الجماهير، سواء أَوَجَدَ ثوبًا أم لا، وعلى هذا لو لم يجد ثوبًا ونحوه، وأمكنه التطيين وجب على الأصح» (٢). وقيل: لا يجب، ولو فقد غيره، وهو أظهر القولين في مذهب المالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة، ومال إليه إمام الحرمين من الشافعية (٣). وقال ابن عقيل من الحنابلة: يلزمه الستر بالطين دون الماء (٤). وقال الشافعية: إن كان الطين رقيقًا لا يستر العورة، ولكن يغير لون البشرة استحب له تطيين عورته (٥). • دليل من قال: يصح الاستتار بالطين والماء الكدر مع وجود الثياب. دليلهم هو نفس دليل من قال: يحصل الستر بورق الشجر. • تعليل من قال: لا يلزمه الستر بالطين: قالوا: لأنه لو وجب الاستتار بالطين للصلاة لوجب الاستتار به خارج الصلاة،

стр. 1963

وتكليف ذلك عظيم ينتهي إلى مشقة ظاهرة (١). وعلل بعضهم أن الطين مظنة السقوط والتطاير؛ ولأن الجِرْمَ يكبر ويثقل بالطين، فكان بمنزلة العدم. وعلل ابن قدامة عدم الوجوب بأنه يلوثه، ولا يغيب الخلقة. • تعليل من فرق بين الطين والماء الكدر: لعله يرى أن الطين يمكن معه القيام والركوع والسجود بخلاف الماء الكدر فإنه لا يمكنه إلا أن يصلي قائمًا، ولأن الله سبحانه، قال: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، والماء ليس لباسًا. والله أعلم. وأما الاستتار بالماء الصافي: فإن كان الماء متراكمًا حتى منع من رؤية لون البشرة، صح الاستتار به. جاء في فتح العزيز: «ولو وقف في ماء صاف لم تصح صلاته؛ لأنه لا يحول بين الناظر ولون البشرة إلا إذا غلبت الخضرة لتراكم الماء، فإن. منعت الخضرة من رؤية لون البشرة فحينئذٍ يجوز، وقوله: (ولا الماء الصافي) المراد منه غير هذه الحالة وإن كان اللفظ مطلقًا» (٢). وقال في النجم الوهاج في شرح المنهاج: «وحكم الماء الصافي المتراكم بخضرة ونحوها كالكدر» (٣). وإن كان صافيًا غير متراكم يُرَى منه لونُ البشَرَةِ: فقيل: لا يصح الاستتار به؛ لأنه لا يستر لون البشرة بخلاف الكدر، نص على ذلك الشافعية وبعض الحنفية (٤).

стр. 1964

وقيل: يجب الاستتار به إن لم يوجد غيره. قال ابن عابدين في حاشيته: «إن لم يجد غيره وجب الستر به؛ وكأنه لأن فيه تقليل الانكشاف» (١). وصورة الصلاة في الماء: قال بعض الحنفية: يصلي داخله بالإيماء (٢). واختار بعض الحنفية بأنه لا يصح تصور صلاة الرجل في الماء إلا في صلاة الجنازة. • وجه المنع في غير الجنازة: أنه إذا سجد في الماء، وارتفع الماء فوقه لا يصير مستورًا، ويصير كما لو صلى عريانًا تحت خيمة مستورة الجوانب، أو كما لو دخل في كيس مثلًا، وصلى فيه، فإن الظاهر أنها لا تصح صلاته، بخلاف ما لو أخرج رأسه من الكيس وصلى؛ لأنه يصير مستورًا، ومثله الصلاة في الماء: إن وقف في الماء الكدر، وأخرج رأسه، فصلى على الجنازة صار مستورًا، وصلى في غير الجنازة، فغمره الماء في الركوع والسجود لم يكن مستورًا. وقد خرجه بعض الحنفية على قول بعضهم: بأن المريض لو صلى تحت اللحاف، وهو مكشوف العورة بالإيماء لا تصح صلاته؛ لأنه مكشوف العورة، وإن أخرج رأسه من اللحاف صحت صلاته. • ويناقش: بأنه إذا صلى بالإيماء أمكن أن يكون رأسه خارج الماء، وباقي جسمه داخله، وقد صحح الحنفية صلاة العاري قاعدًا بالإيماء إذا كان هناك ناظر.

стр. 1965

وقال الشافعية: صورة الصلاة في الماء أن يصلي على جنازة، أو يمكنه الركوع والسجود فيه، أو يقوم فيه، ويمكنه الركوع والسجود خارجه بلا مشقة (١). • وجه القول بالركوع والسجود داخل الماء: أن ما يفعله الغطاس لإخراج الغريق أبلغ من الركوع والسجود في الماء. وهل يلزمه أن يخرج للشط إذا لم يمكنه السجود في الماء؟ قال الدارمي: ولو قدر على أن يصلي فيه، ويسجد على الشط لم يلزمه: أي: لما فيه من الحرج. وعلق الشرواني في حاشيته: وفي نفي اللزوم إشعار بجواز ذلك، وهو ظاهر، واعلم أن حاصل ما يتجه في هذه المسألة أنه إن قدر على الصلاة في الماء مع الركوع والسجود فيه بلا مشقة شديدة وجب ذلك، أو على القيام فيه ثم الخروج للركوع والسجود إلى الشط بلا مشقة كذلك وجب أيضًا، وإن ناله بالخروج لهما في الشط مشقة، كان بالخيار: بين أن يصلي عاريًا في الشط بلا إعادة، وبين أن يقوم في الماء ثم يخرج إلى الشط عند الركوع والسجود، ولا إعادة أيضًا. والأقرب أنه يشترط لصحة صلاته أن لا يْأتِيَ في خروجه من الماء وعَوْدِهِ بأفعالٍ كثيرةٍ» (٢). • الراجح: أن ستر العورة معقول المعنى، ويتحقق بكل ساتر يحول بين الناظر ولون البشرة، والنبات يواري السوءة، ويبقى النظر في وجوب ستر العورة بالطين والماء. أما صحة التستر بالطين إذا أمكن أن يصلي فيه فظاهر، أما لزومه فمحل نظر؛ لأن الطين له ثقل ومشقة، وإذا لم يجب خارج الصلاة لم يجب في الصلاة، والله أعلم. وأما الصلاة بالماء الكدر، فإن كان ذلك في صلاة الجنازة صحت؛ لأنه

стр. 1966

لا ركوع فيها ولا سجود، وإن كان ذلك في الصلوات الخمس، فإن كان هناك من ينظر إليه فإنه يصلي بالماء، ويومئ بالركوع والسجود، وإن كان خاليًا صلى خارج الماء، والله أعلم.

стр. 1967

الشرط الثالث في اشتراط أن يكون الساتر صفيقًا يستر لون البشرة المدخل إلى المسألة: • ستر العورة معقول المعنى. • الغاية ستر العورة، والساتر وسيلة إليه، فكل ما حقق ستر العورة فهو مجزئ. • كل ساتر مباح يحول بين الناظر وبين لون البشرة ويمكنه الصلاة به فهو يتحقق به الستر الواجب، ولم نتعبد بنوع معين. • كل ساتر يظهر لون ما تحته من البشرة فهو كالعدم؛ لأن الغاية من الستر تغطية العورة. • إذا ستر اللون وأبان الحجم كالركبة والفخذ والألية صحت صلاته؛ لوجود الستر. • ما ستر اللون والحجم أفضل وأكمل مما ستر اللون وأبان الحجم. [م-٢٥١] يتحقق ستر العورة بكل صفيق لا يَشِفُّ لون البشرة من حمرة أو بياض، ولا يَصِف حجمها. فإن لبس ما يصف الحجم، ولا يشف اللون صحت صلاته بلا كراهة (١). قال إمام الحرمين: «المرعي باتفاق الأصحاب ألا يبدو السواد والبياض من وراء الثوب» (٢).

стр. 1968

وقيل: تصح الصلاة مع الكراهة، ويعيدها في الوقت، وهو قول في مذهب المالكية (١). وكرهه الشافعية للمرأة، وجعلوه في حق الرجل خلافَ الأولى (٢). قال ابن شاس في صفة الساتر: «وليكن صفيقًا كثيفًا، ولا يكون شفًّا، ولا بحيث يصف، فإن كان شفًّا، فهو كالعدم مع الانفراد، وإن كان بحيث يصف وليس يَشِفُّ فهو مكروه، ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة» (٣). ولم أقف على أحد يقول ببطلان صلاته إلا وجهًا حكاه العمراني في البيان، عن الشافعية وغلطه النووي (٤). • تعليل الفقهاء بصحة صلاته ولو أبان حجم العورة: وعللوا ذلك بأكثر من تعليل منها: أنه لا يمكن التحرز منه. ومنها: أن الستر في اللغة هو التغطية، وهذا قد غطى عورته. [م-٢٥٢] وإن لبس ما يشف لون البشرة من حمرة أو بياض: فقيل: لا تصح الصلاة به مطلقًا، وبه قال جمهور أهل العلم، ورجحه ابن الحاجب من المالكية تبعًا لابن بشير (٥).

стр. 1969

وقيل: تصح الصلاة به مطلقًا، وهو قول انفرد به بعض المالكية، وهو مبني على القول بأن ستر العورة ليس من شروط الصلاة (١). وقيل: إن كان يشف لون البشرة بلا تأمل، فهو كالعدم، ويعيد الصلاة منه أبدًا، وإن كان لا يشف إلا بتأمل، كان حكمه حكم ما يصف حجم العورة دون لونها، تصح الصلاة به مع الكراهة، ويعيدها في الوقت فقط، وهو المشهور من مذهب المالكية (٢). قال الدردير في الشرح الكبير للشيخ: «وأما ما يشف بعد إمعان نظر فيعيد معه في الوقت كالواصف» (٣). فجعل ما يشف العورة بتأمل في حكم ما يصف حجمها، وأنها تصح مع

стр. 1970

الكراهة عندهم، ويعيد في الوقت. • دليل من قال: لا تصح الصلاة إذا كان الساتر يصف لون البشرة: الدليل الأول: (ح-٧٤١) ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا (١). وجه الاستدلال: أرجح الأقوال في تفسير قوله ﷺ (كاسيات عاريات): بأنهن يلبس ثيابًا رقاقًا تصف ما تحتها، فهن كاسيات في ظاهر الأمر، عاريات في الحقيقة؛ لأن تلك الثياب لا تواري ما يجب ستره (٢). ونسب ابن بطال هذا التفسير للإمام مالك ﵁ (٣). وقال النووي في المجموع: وهو المختار (٤). وقيل: يلبسن للزينة أثوابًا غير سابغة، فيبدو منهن ما يجب ستره منهن (٥). والأول أقرب: لأنه أثبت لهن الكسوة، ثم نفاها؛ فلو كانت غير سابغة لم تكن مكتسية في الموضع الذي انكشف.

стр. 1971

الدليل الثاني: (ح-٧٤٢) رواه أحمد من طريق عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي فقال: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي. فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف عظامها (١). [ضعيف، انفرد به ابن عقيل، والأكثر على ضعفه] (٢).

стр. 1972

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1976

والمقصود بقوله ﷺ : (تصف عظامها) أي تشف لونها؛ لأن ما يصف حجم العورة لا يذهب بزيادة اللباس، بل قد يزيده؛ لأن وصفه للعورة جاء من ضيقه، فزيادة الثياب تزيده ضيقًا، وإنما الذي يستتر بزيادة اللباس هو ما يشف اللون، والله أعلم، ويشكل على هذا التفسير قول عمر: إن لم يَشِفَّ فإنه يصف. الدليل الثالث: أن الستر معقول المعنى: وهو أن يحول بين الناظر وبين عورة المصلي، فإذا كان يرى من تحت السترة لون البشرة كانت العورة مكشوفة للنظر، فلم يوجد الشرط وهو الستر. • دليل من قال: تصح مع الصلاة مطلقًا: هذا القول مبني على أن ستر العورة ليس من شروط الصلاة، وقد ذكرت أدلتهم في حكم ستر العورة، وقد استدلوا بدليلين: أحدهما: حديث عمرو بن أبي سلمة، وفيه (غطوا عنا است قارئكم). والثاني: حديث كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على قفاهم، فيقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال … وقد بينت وجه الاستدلال بهما هناك فارجع إليه إن شئت. • دليل من قال: إن كان يشف بلا تأمل فهو كالعدم، وإن كان بتأمل صحت صلاته: هذا القول قيل توفيقًا بين قولين في مذهب المالكية منهم من قال: إن كان يشف كان كالعدم، وإن كان يصف صحت الصلاة مع الكراهة. وقول آخر يقول: تصح الصلاة مطلقًا وإن كان يشف. فاختار المتأخرون من المالكية إلى التوفيق بين القولين، فقالوا: من قال: لا تصح قصد به إن كان يشف بلا تأمل، ومن قال: تصح، قصد به إن كان لا يشف إلا بتأمل وإمعان نظر، فولد هذا القول في مذهب المالكية. وأدلتهم أن ما يشف بلا تأمل وجوده كعدمه؛ لأن الستر يراد للتغطية، وهذا لا يبدو منه لون البشرة من أول نظرة. وإن كان لا يشف إلا بتأمل وإمعان نظر فكان مطلق التغطية موجودًا، فيلحق

стр. 1977

بالساتر الذي يصف حجم العضو، فتصح الصلاة به مع الكراهة، ويعيد في الوقت، والله أعلم. • الراجح: أن الستر يراد منه تغطية العورة، وما يشف اللون لا يغطيها، والله أعلم.

стр. 1978

الشرط الرابع في اشتراط أن يكون الساتر مباحًا [م-٢٥٣] تكلم الفقهاء في ستر العورة بثوب محرم، هل تصح الصلاة مع الإثم، أو لا تصح مطلقًا، أو تصح مع الكراهة؟ والثوب المحرم: تارة يكون التحريم لحق الله كلبس الحرير للرجالُ، أولبس ما يختص بالكفار، أو لبس الرجل ما يختص بالنساء، وكما لو جَرَّ الرجلُ ثوبَهُ خيلاء. وتارة يكون التحريم لحق الآدمي، كما لو لبس ثوبًا مغصوبًا، أو مسروقًا، وهو يعلم. وبعض العلماء قسم التحريم إلى ثلاثة أقسام: محرم لِعَيْنِهِ كالحرير. ومحرم لوصفه: كصلاة الرجل في ثوب فيه صور، ومحرم لكسبه، كالمغصوب والمسروق، والتقسيم الأول ينتظم فيه كل الثلاثة. لهذا سوف أمشي على التقسيم الأول إن شاء الله تعالى.

стр. 1979

المبحث الأول في صلاة الرجل بالثوب الحرير مع وجود غيره المدخل إلى المسألة: • كل صلاة استجمعت شروطها وأركانها فالأصل صحتها إلا بدليل. • النهي عن الشيء لمعنى في غيره لا يقتضي فساده. • لا تلازم بين التحريم والصحة، فالأول حكم تكليفي، والآخر حكم وضعي، ولكل منهما شروطه. • المريض الذي يستضر بالصوم يحرم عليه الصوم، فإن صام صح صومه، وحكي إجماعًا، فاجتمع الأمر والنهي على شيء واحد، ولم يَقْتَضِ النهي الفساد (١). • المصلي في الثوب الحرير ليس بمنزلة العريان. • أجمع السلف على كون الظلمة لا يؤمرون عند التوبة بقضاء الصلاة المؤدَّاة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوعها، ولو كانت صلاتهم باطلة لَأُمِرُوا بقضائها. [م-٢٥٤] قال في مواهب الجليل نقلًا عن ابن رشد: أجمع أهل العلم على أن لباس الحرير المصمت الخالص محرم على الرجال (٢). وحكى الإجماع النووي وغيره (٣). فإن صلى فيه، ولم يكن مُضْطَرًّا للبسه: فقيل: تصح مع الإثم، ولا إعادة عليه، وهو مذهب الجمهور، واختاره ابن وهب وابن الماجشون وابن عبد الحكم من المالكية، وهو رواية عن أحمد (٤).

стр. 1980

قال ابن رجب: «أكثر أهل العلم على أن الصلاة فيه تجزئ، وتبرأ بها الذمة، ولا يلزم إعادتها، وعن أحمد في ذلك روايتان» (١). وقال الحنابلة في المشهور: لا تصح، ويعيدها مطلقًا، قال المرداوي: وهو من المفردات، وبه قال أهل الظاهر (٢). وقيل: تصح ويعيد الصلاة في الوقت، وهو قول سحنون وابن القاسم، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣). وقيل: إن كان صلى بثوب حرير، وعليه ثوب يواريه صحت ولا إعادة عليه، وبه قال أشهب وابن حبيب. وإن صلى بالحرير وحده مع وجود غيره، أعاد أبدًا، وبه قال ابن حبيب. وقال أشهب: يعيد في الوقت (٤). وقيل: تصح مع الكراهة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).

стр. 1981

وقيل: لا تبطل صلاته إلا أن يلي المحرم عورته، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). • منشأ الاختلاف: اختلافهم في النهي عن لبس الحرير، أيقتضي لبسه في الصلاة فسادها أم لا؟ فالجمهور: لا يقتضي فساد الصلاة؛ لأن النهي غير مختص بالعبادة، خلافًا للحنابلة. وننتقل من عرض الأقوال إلى عرض أدلته. • دليل من قال: تصح الصلاة مطلقًا مع الثوب الحرير: الدليل الأول: (ح-٧٤٣) ما وراه البخاري ومسلم من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: أُهْدِيَ إلى النبي ﷺ فروج حرير، فلبسه، فصلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، وقال: لا ينبغي هذا للمتقين (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ صلى بالحرير، ولم يُرْوَ عنه أنه أعاد الصلاة التي صلاها فيه. • وأجيب: بأن لبس النبي ﷺ للحرير كان قبل التحريم؛ لأن تحريمه للرجال متفق عليه، ومفهوم قوله: (لا ينبغي هذا للمتقين) فيه إشارة إلى أن لبسه كان قبل تحريمه، لأن المتقي وغيره في التحريم سواء. وكيف يُتَصَوَّرُ أن يلبسه النبي ﷺ بعد التحريم، وقد ورد وعيد شديد في لبسه: (ح-٧٤٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة (٣). (ح-٧٤٥) ومما يدل على أن لبس النبي ﷺ له كان قبل التحريم ما رواه مسلم

стр. 1982

في صحيحه من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لبس النبي ﷺ يومًا قباء من ديباجٍ أُهْدِيَ له، ثم أوشك أن نزعه، فأرسل به إلى عمر بن الخطاب، فقيل له: قد أوشك ما نزعته يا رسول الله، فقال: نهاني عنه جبريل .... الحديث (١). الدليل الثاني: (ح-٧٤٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنسَا حدثهم: أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير في قميص من حرير، من حكة كانت بهما (٢). قال ابن رجب: «وقد استدل إسحاق لصحة الصلاة في الحرير بأن النبي ﷺ رخص للزبير وعبد الرحمن في قمص الحرير للحكة. • وتعقب هذا ابن رجب: فقال: من رخص له في الحرير أبيح له لبسه والصلاة فيه كالنساء» (٣). الدليل الثالث: أن الصلاة قد تمت بأركانها وشروطها، والنهي عن لبس الحرير لا يقتضي فساد الصلاة؛ لأن النهي عن لبس الحرير لا يختص بالصلاة. فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] مع قوله ﷺ : (لا تلبسوا الحرير) فالنهي لم يتعرض للصلاة، فلم يقل: لا تصلوا بالحرير، حتى تكون الصلاة بالحرير مُضَادَّةً للنهي، بل يكون لكل واحد من المأمور والمنهي حكمه، بمعنى: أنه يكون مطيعًا بفعل الصلاة، ويثاب عليها، وعاصيًا بلبس الحرير، ومستحقًّا للعقاب.

стр. 1983

• ورد هذا من وجوه: الوجه الأول: قولكم: إن الصلاة قد تمت بأركانها وشروطها فغير مسلم، وذلك لأن من شروط الصلاة ستر العورة، والسترة المحرمة منهي عنها، فكان النهي عائدًا إلى شرط الصلاة، وإذا عاد النهي إلى شرط من شروط العبادة أفسدها كما لو عاد إلى ذاتها. • ورد هذا الجواب: بأن حقيقة ستر العورة هو تغطيتها عن النظر، وقد حصل له ذلك في ثوب الحرير، فتحقق الشرط المتعلق بالصلاة، وأما كون الحرير محرمًا، فالتحريم مطلق لم يختص بالصلاة،، فقد نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير وعمومه يشمل الصلاة وخارجها، ويشمل ما يستر العورة وغيرها، فالجهة منفكة، فرجع الأمر إلى ما قررنا من أن النهي غير مختص، وسيأتي مزيد إيضاح عند مناقشة أدلة التحريم إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: أن التعليل بعدم الاختصاص ينتقض بمن صلى عريانًا مع قدرته على الستر، فإن صلاته باطلة مع أن ستر العورة لا يختص بالصلاة. • ورد هذا الجواب: بأن وجوب ستر العورة في غير الصلاة لا يعني أنه غير مختص بها، فالضابط في المختص: أن يقوم الدليل الخاص على وجوبه في الصلاة، وإن وجب في غيرها، وستر العورة في الصلاة قد قام الدليل الخاص على وجوبه لها. الوجه الثالث: تحريمه في الصلاة لا يشترط فيه أن يكون قائمًا على نهيٍ خاصٍّ بها؛ لأن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فلنا أن نستدل بالنهي في كل حالة لتناوله لها، ومنه حال الصلاة. ومما يدل على إطلاقه في الأحوال إنكار النبي ﷺ على من دعاه فلم يجبه

стр. 1984

حتى سلم من صلاته، بقوله ﷺ : ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١)، فشمل ذلك حال الصلاة. • ويناقش: دخول حال الصلاة ليس من أجل الصلاة، فيبقى الاعتراض قائمًا، هذا إذا سلم القول بأن العموم في الأشخاص مطلق في جميع الأحوال، وأما الجواب عن الآية فالعموم الذي فيها قد استفيد من صيغة (إذا دعاكم) ف (إذا) ظرف، والظرف يشمل جميع الأوقات، والأمر معلق بها، وهي شرط أيضًا، والمعلق على شرط يقتضي التكرار، لكن للمسألة أدلة أخرى أقوى من هذا الدليل، ومحله أصول الفقه. الدليل الرابع: أجمع السلف على كون الظلمة لا يؤمرون عند التوبة بقضاء الصلاة المؤداة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوعها، ولو كانت صلاتهم باطلة لأمروا بفعلها (٢). وإذا صحت الصلاة في المغصوب صحت الصلاة في الحرير؛ بجامع التحريم في كل منهما. • ويناقش: لعلهم يقصدون بالإجماع الإجماع العملي، وإلا فالخلاف محفوظ، وكيف يتصور إجماع مع مخالفة إمام أهل السنة، الإمام أحمد مع ما عرف من حرص الإمام أحمد ألا يقول قولًا إلا وله إمام من السلف. وأنكر الطوفي دعوى الإجماع، وظاهر كلامه يشمل حتى الإجماع العملي، قال الطوفي في شرح مختصر الروضة: «وأحسب أن هؤلاء الذين ادَّعوا الإجماع المذكور بَنَوْهُ على مقدمتين: إحداهما: أن مع كثرة الظلمة في تلك الأعصار عادة لا يخلو من إيقاع صلاة في مكانٍ غُصِبَ من بعضهم.

стр. 1985

الثانية: أن السلف يمتنع عادةً وشرعًا تواطؤهم على ترك الإنكار والأمر بالإعادة، بناء من هؤلاء على ما ظنوه من دليل البطلان، وإلا فلا إجماع في ذلك منقول تواترًا ولا آحادًا، والمقدمتان المذكورتان في غاية الضعف والوهاء» (١). وقال أيضًا: «يبعد على الخصم أن يثبت أن ظالمًا في زمن السلف صلى في مكان مغصوب، وعلم به أهل الإجماع، فضلًا عن أن يثبت ذلك في جميع الظلمة أو أكثرهم، ولو سلم ذلك، لكن لا نسلم أنهم أقروا الظلمة على ذلك، ولم يأمروهم بالإعادة، ولا يلزم من عدم نقل ذلك عدم وجوده؛ لجواز أن الأمر بالإعادة وجد ولم ينقل؛ لاستيلاء الظلمة وسطوتهم، أو كون الحكم ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقل الإنكار فيه» (٢). الدليل الخامس: احتج السمعاني للمسألة بالمريض الذي يستضر بالصوم، فإن الصوم يحرم عليه، ولم يختلف أحد بأنه إذا صام فإن صومه يقع صحيحًا، ومثله إذا ذبح بسكين مغصوبة، فاستعمال سكين الغير معصية، وذبح الشاة مباح جائز (٣). فالصوم من حيث كونه صيام قربة، ومن حيث كونه مُضِرًا بالصائم حرام، ولما كانت جهة النهي لا تعود إلى الصيام من حيث هو، بل إلى مرض الصائم صح صومه. • دليل من قال: يعيد مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٧٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا بقية بن الوليد الحمصي، عن عثمان بن زفر، عن هاشم، عن ابن عمر قال: من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة مادام عليه، قال: ثم أدخل أصبعيه في أذنيه، ثم قال: صمتًا إن لم يكن

стр. 1986

النبي ﷺ سمعته يقوله (١). [ضعيف جدًّا] (٢).

стр. 1987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1988

وجه الاستدلال: إذا لم تقبل الصلاة في ثوب محرم لكسبه، لم تقبل في ثوب محرم لوصفه كالحرير بجامع التحريم. • وأجيب بجوابين: أحدهما: أن الحديث ضعيف جدًّا، مضطرب الإسناد. الثاني: أن نفي القبول لا ينافي الصحة، وإن لزم من إثبات الصحة إثبات الثواب. قال الشوكاني: «وأنت خبير بأن الحديث لا ينتهض للحجية، ولو سلم فمعنى نفي القبول لا يستلزم نفي الصحة؛ لأنه يرد على وجهين: الأول: يراد به الملازم لنفي الصحة والإجزاء نحو قوله (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به).

стр. 1989

والثاني: يراد به نفي الكمال والفضيلة، كما في حديث نفي قبول صلاة الآبق والمغاضبة لزوجها، ومن في جوفه خمر، وغيرهم ممن هو مجمع على صحة صلاتهم .... ومن ههنا تعلم أن نفي القبول مشترك بين الأمرين فلا يحمل على أحدهما إلا لدليل فلا يتم الاحتجاج به في مواطن النزاع» (١). أه والضابط للتفريق: بأن ينظر فيما نُفِيَ، فإن رتب نفي القبول على معصية قارنت الفعل كحديث (إذا أبق العبد … ) وحديث: (من أتى عرافًا … ) كان انتفاء القبول يعني انتفاء الثواب، والعمل صحيح لاستيفاء شروطه وأركانه، إلا أن إثم المعصية إذا قورن بأجر العمل كان الإثم أكبر، فكأن الإثم قد أحبط الثواب، وذهب بالأجر. وإن رتب نفي القبول على وصف يطلب فعله أو تركه، ولم يقارن الفعل معصية، كحديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور … )، وحديث (لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار) كان انتفاء القبول يعني انتفاء الصحة، ودل هذا على أن الوصف شرط أو ركن في العمل، ولزم عدم الشرط عدم المشروط (٢). فلو صح أثر ابن عمر ﵄ لم يقْتَضِ البطلان؛ لأن نفي القبول فيه جاء مقترنًا بمعصية، وهو الكسب المحرم (٣). قال الحافظ ابن رجب: «اشتد نكير عبد الرحمن بن مهدي لقول من قال: إن من اشترى ثوبًا بدراهم، فيها شيء حرام، وصلى فيه، أنه يعيد صلاته، وقال: هو قول خبيث، ما سمعت بأخبث منه، نسأل الله السلامة. ذكره عنه الحافظ أبو نعيم في الحلية بإسناده، وعبد الرحمن بن مهدي من أعيان علماء أهل الحديث وفقهائهم المطَّلَعَين على أقوال السلف، وقد عُدَّ هذا

стр. 1990

القول من البدع، فدل على أنه لا يعرف بذلك قائل من السلف» (١). الدليل الثاني: (ح-٧٤٨) ما رواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢). والرد ضد القبول، وما اعتُدَّ به لم يكن مردودًا. • ونوقش هذا: قال ابن رجب: «أكثر العلماء على أن العبادات لا تبطل بارتكاب ما نهي عنه، إذا كان النهي غير مختص بتلك العبادة، وإنما تبطل بما يختص النهي بها. فالصلاة تبطل بالإخلال بالطهارة فيها، وحمل النجاسة، وكشف العورة ولو في الخلوة، ولا تبطل بالنظر إلى المحرمات فيها، ولا باختلاس مال الغير فيها، ونحو ذلك مما لا يختص النهي عنه بالصلاة. وكذلك الصيام، إنما يبطل بالأكل والشرب والجماع ونحو ذلك، دون ما لا يختص النهي عنه بالصيام، كقول الزور، والعمل به عند جمهور العلماء. وكذلك الاعتكاف، لا يبطل إلا بما نهي عنه لخصوص الاعتكاف وهو الجماع، أو ما نهي عنه لحق المساجد كالسكر عند طائفة منهم، ولا يبطل بسائر المعاصي عند الأكثرين، وإن خالف في ذلك طائفة منهم. وكذلك الحج إنما يبطل بارتكاب بعض ما نهي عنه فيه، وهو الرفث دون الفسق والجدال، والله أعلم» (٣). الدليل الثالث: (ح-٧٤٩) روى أحمد من طريق هشام، عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء ابن يسار،

стр. 1991

عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: بينما رجل يصلي، وهو مسبل إزاره، إذ قال له رسول الله ﷺ : اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال له رسول الله ﷺ : اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال: ما لك يا رسول الله، ما لك أمرته يتوضأ؟ ثم سكت، قال: إنه كان يصلي، وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره (١). [إسناده ضعيف، ومتنه منكر] (٢). وجه الاستدلال: فإذا كان الإسبال سببًا في رد الصلاة، كانت الصلاة في الثوب الحرير أولى بالرد؛ لأن التحريم شامل للثوب كله، بخلاف الإسبال، فإن التحريم مختص بما نزل عن الكعب. • ونوقش: بأن الحديث على ضعف إسناده فإن متنه غير مستقيم، فإذا كانت الصلاة لا تقبل من أجل الإسبال، فلماذا يطلب منه إعادة الوضوء، وهو لم يُحْدِثْ، ما بال الوضوء؟! ولماذا لم يبلغه بأن يرفع إزاره، فقد يكون الرجل جاهلًا، والبلاغ تعليمه ما أخطأ فيه، لا أن يحيله على أمر قد أحسنه، فلا وجه لإعادته للوضوء حتى تجديد الوضوء قد يقال: لا يشرع في هذه الصورة؛ لأنه ما إن فرغ من وضوئه حتى طلب منه أن يعيده، لا لنقص في الوضوء، ولكن لسبب آخر يعود إلى الإسبال في الصلاة، وتجديد الوضوء ليس بلازم!، ثم إن تجديد الوضوء لن يدفع المفسد، وهو الإسبال. الدليل الرابع: أن الله أمر بستر العورة، ونهى عن ثوب الحرير، والشيء الواحد لا يرد عليه أمر ونهي في وقت واحد.

стр. 1992

• وأجيب: بأنه لم يرد نهي عن لبس الحرير في الصلاة حتى يقال: الشيء الواحد لا يرد عليه أمر ونهي في وقت واحد، ولذلك لما كان تحريم قول الزور عامًا للصائم وغيره لم يبطل الصيام حتى على مذهب الحنابلة، وإنما قد يذهب بثواب الصيام، فمن باب أولى ألا تبطل الصلاة بستر العورة بالثوب المحرم من حرير ومغصوب، ونحوهما. والله أعلم. الدليل الخامس: ولأن النهي عن الشيء يستلزم فساد المنهي عنه، والصحة تقتضي الثواب، ولأنه ممنوع من لبسه شرعًا، والممنوع شرعًا كالممنوع حِسًّا، فوجوده كعدمه. • ونوقش من وجهين: الوجه الأول: ليس كل نهي يقتضي فساد المنهي عنه، يبين ذلك الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، فيقول: «كل منهيٍّ عنه له جهتان: إحداهما: مأمور به منها: ككونه صلاة، والأخرى منهي عنه منها: ككونه في موضع نهي، أو وقت نهي، أو أرض مغصوبة، أو بحرير، أو ذهب، ونحو ذلك فإنهم يقولون: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقْتَضِ النهي الفساد، وإن لم تَنْفَكَّ عنها اقتضاه، ولكنهم عند التطبيق يختلفون، فيقول أحدهم: الجهة هنا منفكة. ويقول الآخر: ليست منفكة كالعكس، فيقول الحنبلي مثلًا: الصلاة في الأرض المغصوبة لا يمكن أن تنفك فيها جهة الأمر عن جهة النهي لكون حركة أركان الصلاة كالركوع والسجود والقيام كلها يشغل المصلي به حيزًا من الفراغ ليس مملوكًا له، فنفس شغله له ببدنه في أثناء الصلاة حرام، فلا يمكن أن يكون قربة بحال. فيقول المعترض كالمالكي والشافعي: الجهة منفكة هنا؛ لأن هذا الفعل من حيث كَوْنِهِ صلاةً قربةٌ، ومن حيث كونه غصبًا حرامٌ، فله صلاته وعليه غصبه كالصلاة بالحرير» (١).

стр. 1993

يوضح ذلك أكثرَ مسألةُ لبس الخف، فلو مسح خفًّا مغصوبًا صح الوضوء منه، لأن إباحة اللبس ليست شرطًا في صحة الوضوء، ولو مسح الخف رجل قد تلبس بالإحرام مع وجود النعل لم يصح الوضوء؛ لأن النهي متوجه للبس، والأمر الشرعي يوجب غسل الرجل، فلم يمتثل الأمر الشرعي. فالنهي في دلالته على البطلان وعدمه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يعود النهي إلى ذات الشيء، فذلك يوجب فساد المنهي عنه قطعًا، كالنهي عن التطوع وقت طلوع الشمس وغروبها، فالنهي متوجه إلى الصلاة نفسها. القسم الثاني: أن يعود النهي إلى شرط العبادة، فذلك يوجب فسادها على الصحيح، كما لو ستر عورته بثوب نجس على القول بأن طهارة الثوب شرط في صحة الصلاة، فطهارة السترة مختصة بالصلاة. القسم الثالث: أن يعود النهي لأمر خارج، فهذا لا يوجب فساد العبادة على الصحيح، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] مع قول النبي ﷺ : لا تلبسوا الحرير، فالنهي عن لبس الحرير لم يتعرض فيه للصلاة، فإذا صلى في ثوب حرير أتى بالمطلوب والمكروه جميعًا، فصحت الصلاة، وحرم اللبس. • ورد هذا الجواب: بأن الحنابلة يعللون فساد الصلاة بثوب الحرير إما لارتكاب النهي في شرط العبادة، وإما لترك الإتيان بالشرط المأمور به (١)، وكلاهما له علاقة بشرط العبادة، فليس كما لو صلى وعليه عمامة من حرير؛ لأن لبس العمامة ليس شرطًا في الصلاة.

стр. 1994

• ويناقش هذا الرد من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن الله اشترط في السترة أن تكون مباحة، فتحريم لبس الحرير لا يعني أن عدمه شرط في صحة الصلاة، بل حرم الحرير والغصب مطلقًا، وأمر بالصلاة مطلقًا، ولم يقيد واحدًا منهما البتة، وجمع المكلف لهما بالصلاة لا يخرجهما عن حكمهما منفردَيْنَ، وهو كون الصلاة طاعة، ولبس الحرير والغصب معصية، فما أمر الله تعالى إلا بالصلاة، وحرم لبس الحرير، ولا يلزم من تحريم الحرير أن يكون عدمه شرطًا في صحة الصلاة، كما أنه لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته. فالشرط الذي هو ستر العورة قد تحقق، والصلاة ليست سببًا في تحريم لبس الحرير، فهو محرم عليه، صلى به، أو لم يُصَلِّ، فالتحريم متوجه للبس، ولا علاقة للصلاة بذلك حتى يكون النهي عائدًا إلى شرط الصلاة، نعم لو توضأ بماء نجس لم يرتفع حدثه، لكون النهي عائدًا إلى شرط العبادة بخلاف ما لو غسل ثوبه النجس بماء مغصوب فإن الثوب يطهر؛ لأن الحكم بنجاسة الثوب لوجود النجاسة، فإذا زالت زال حكمها، وكونه مغصوبًا لا علاقة له بالتطهير، فلا يمكن الحكم بنجاسة الثوب مع زوال النجاسة، نعم يضمن قيمة الماء لصاحبها؛ لإتلافه مال الغير. وقياسًا على ما لو اجتمع أمران أحدهما يأمره بالصلاة والآخر يأمره بإنقاذ غريق أو حريق، فهو مأمور بالصلاة ومأمور بإنقاذه، ولا يمكن اجتماعهما، فلو مضى في صلاته صحت مع الإثم، فلا يقال: صلاته لا تصح؛ لأنه مأمور بإنقاذ الغريق، فكذلك إذا اجتمع أمر ونهي، وكان النهي غير مختص بالصلاة، فإن ارتكاب النهي لا يؤدي إلى بطلان الصلاة ما لم يختصَّ النهي بالصلاة. الوجه الثاني: القول: إن الستر بالحرير وجوده كعدمه ليس صحيحًا؛ فالمصلي في الثوب الحرير ليس بمنزلة العريان؛ لأن المرأة تصلي في الثوب الحرير فيجزي عنها، وإنما هو عَاصٍ في لبسه، فهو بمنزلة المصلي في ثوب مغصوب، فإن صلاته تجزئه على الصحيح كما سيأتي، ولهذا لو أبيح له لبسه لحكة، صحت صلاته، وكذا لو لم

стр. 1995

يجد إلا ثوب حرير على الصحيح؛ لإباحة لبسه، والأمر والنهي قد يرد على الشيء الواحد إذا كانت الجهة منفكة، ولا يلزم من النهي البطلان، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تلقاه ثبت للبائع الخيار إذا أتى السوق، وثبوت الخيار فرع عن الصحة؛ لأن الحق فيه لآدمي، فكان الخيار كافيًا في حفظ حقه، فلم يحكم الشارع بالبطلان لمجرد النهي، والله أعلم. • دليل من قال: يعيد في الوقت: الإعادة في الوقت أصل عند المالكية فرعوا عليه مسائل كثيرة، فتارة يرونه في ترك كل واجب للعبادة ما لم يكن شرطًا أو ركنًا فيها. ويكون التعليل عندهم: إما لجبر النقص الذي حصل بترك الواجب، أو مراعاة الخلاف (١). ولم تجب الإعادة حتى ولو تعمد ترك الإعادة حتى خرج الوقت؛ لأن المتروك واجب، وليس بشرط في العبادة، وإنما تجب الإعادة أبدًا لو كان المتروك شرطًا أو ركنًا (٢).

стр. 1996

ويشكل عليه أن الإعادة بنية الفرض، فكيف يكون فعل الصلاة على جهة الاستحباب، فالنية ومفعولها لا يتفقان حكمًا؟ (١). ولأنه يصلي الأولى بنية أنها فرضه، ثم يصلي الإعادة بنية أنها فرضه، فيكون صلى الفرض مرتين، ولا يخرجهم من ذلك قولهم: إن الإعادة مستحبة، ولا قولهم: إن فرضه أحدهما، والتعيين ليس للعبد. وبعضهم يرى الإعادة في الوقت دليلًا على أن المتروك مستحب، وليس بواجب، ويكون تعليل الإعادة: طلبًا للكمال ما دام الوقت قائمًا (٢).

стр. 1997

قال المازري في شرح التلقين: «نص مالك وأصحابه على أن من صلى بها ناسيًا -يعني النجاسة- يعيد في الوقت، ولو كانت فرضًا لاستوى العمد والسهو» (١). وقال ابن عبد البر في الكافي: «الكمال يَسْتَدْرَكُ في الوقت» (٢). وقال القرطبي: «الكمال يُستدرَك في الوقت استدلالًا بالسنة فيمن صلى وحده، ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم» (٣). وإذا لم يكن من سنن الصلاة ولا من واجباتها لم تشرع لتركه الإعادة لا في الوقت ولا في غيره، وهذا ما جعل ابن وهب وابن الماجشون قالا: لا يعيد أبدًا؛ لأنهما يريان أن تجنب لبس الحرير ليس مما يختص بالصلاة حتى يكون من سننها أو من واجباتها، والله أعلم. • ويناقش: بأن هذا الأصل ضعيف فيما أرى؛ لأن الصلاة إن كانت صحيحة فلا حاجة للإعادة؛ لأن الله لم يكتب على عبدة فرض الظهر مرتين، وهو يصلي عندهم بنية الفرض في كل مرة. وإن كانت باطلة فلماذا يصحح المالكية الصلاة؟ فالمالكية حين قالوا: يعيد في الوقت حكموا بصحة الصلاة؛ إذ لو كانت باطلة لم يعلقوا الإعادة على بقاء الوقت، بل كان عليه أن يعيدها أبدًا في الوقت وغيره. ولأن الذمة لو كانت مشغولة في وجوب الإعادة لم يكن هناك فرق بين الوقت وخارج الوقت. • دليل من قال: يعيد أبدًا إلا أن يكون عليه ثوب آخر مباح: استدل أصحاب هذا القول بأدلة الحنابلة نفسها على وجوب الإعادة أبدًا،

стр. 1998

وقد ذكرنا أدلتهم سابقًا، فلا حاجة لإعادته. وإنما صحت صلاته؛ لأن الستر الواجب تحقق بالمباح، فيعتبر وجود الحرير بمنزلة العدم. والذي جعلني أفصل هذا القول عن قول الحنابلة: أن الحنابلة في المشهور يرون أنه لو لبس ثوبين أحدهما محرم وجبت الإعادة مطلقًا؛ لأن الستر لا يختص بأحدهما فلم يتعين المباح ساترًا. قلت: يمكن أن يعتبر الثوبين ثوبًا واحدًا أحدهما ظهارة والآخر بطانة، فيكون كما لو ستر عورته بثوب واحد محرم. وفي قول للحنابلة في مقابل المشهور: لا تبطل صلاته إلا أن يلي المحرم عورته. وكلا القولين لا يتفقان مع قول المالكية هذا؛ لهذا فصلته عن قول الحنابلة؛ وستدلالهم. • دليل من قال: إن كان المحرم يلي العورة بطلت صلاته: لأن الستر قد تحقق به فكان الأعلى بمثابة الثوب الزائد فلم يستفد منه ستر العورة. • الراجح: أرى أن قول الجمهور بصحة الصلاة في الثوب المحرم مع الإثم هو الأحظ لقوة الدليل، وإذا صحت الصلاة لم تكن الإعادة مشروعة على الصحيح، والله أعلم.

стр. 1999

المبحث الثاني في الصلاة في الثوب الحرير إذا لم يجد غيره المدخل إلى المسألة: • إذا أبيح الحرير لحاجة التداوي أبيح لحاجة ستر العورة من باب أولى، فالتداوي ليس بواجب بخلاف ستر العورة. • العلة في تحريم الحرير على الرجال كالعلة في تحريم الذهب كونهما من الزينة الناعمة التي لا تليق بالرجال، ولهذا أبيحا للنساء مطلقًا، واغتفر اليسير منه للرجال، فكان تحريمه من تحريم الوسائل، لا من تحريم المقاصد، فإذا لم يجد غيره أبيح له لبسه. • المحرم لغيره تبيحه الحاجة. • إباحة الساتر شرط للصلاة، فإذا عجز عن الساتر المباح سقط كسائر الواجبات. [م-٢٥٥] إذا لم يجد المصلي ما يستر عورته إلا ثوب حرير صلى به وجوبًا، ولا يصلي عريانًا، ولا يلزمه إعادة الصلاة إذا قدر على المباح. وبه قال جمهور الفقهاء، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقول في مذهب المالكية (١).

стр. 2000

وقال الحنابلة في رواية: يصلي ويعيد الصلاة (١). واستحب المالكية الإعادة في الوقت (٢). وقال ابن القاسم في أحد قوليه: يصلي عريانًا ولا يصلي بالحرير، قاله في سماع أصبغ عنه، وهو وجه عند الشافعية (٣). ويُخَرَّجُ من قول ابن القاسم في المدونة: من تقديم الحرير على الثوب النجس أنه يصلي بالحرير، ولا يصلي عريانًا، فيكون لابن القاسم قولان في المسألة (٤). • دليل من قال: يصلي بالحرير وجوبًا ولا يعيد: الدليل الأول: (ح-٧٥٠) روى البخاري من طريق خالد بن الحارث، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن أنسًا حدثهم: أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير في قميص من حرير، من حكة كانت بهما (٥). ورواه مسلم من طريق محمد بن بشر عن سعيد بلفظ خالد بن الحارث (٦). ورواه مسلم من طريق أبي أسامة، وأحمد عن محمد بن بكر وأسباطٍ فرقهما.
следующие страницы →