ويشكل عليه أن الإعادة بنية الفرض، فكيف يكون فعل الصلاة على جهة الاستحباب، فالنية ومفعولها لا يتفقان حكمًا؟ (١).
ولأنه يصلي الأولى بنية أنها فرضه، ثم يصلي الإعادة بنية أنها فرضه، فيكون صلى الفرض مرتين، ولا يخرجهم من ذلك قولهم: إن الإعادة مستحبة، ولا قولهم: إن فرضه أحدهما، والتعيين ليس للعبد.
وبعضهم يرى الإعادة في الوقت دليلًا على أن المتروك مستحب، وليس بواجب، ويكون تعليل الإعادة: طلبًا للكمال ما دام الوقت قائمًا (٢).
стр. 1997
قال المازري في شرح التلقين: «نص مالك وأصحابه على أن من صلى بها ناسيًا -يعني النجاسة- يعيد في الوقت، ولو كانت فرضًا لاستوى العمد والسهو» (١).
وقال ابن عبد البر في الكافي: «الكمال يَسْتَدْرَكُ في الوقت» (٢).
وقال القرطبي: «الكمال يُستدرَك في الوقت استدلالًا بالسنة فيمن صلى وحده، ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم» (٣).
وإذا لم يكن من سنن الصلاة ولا من واجباتها لم تشرع لتركه الإعادة لا في الوقت ولا في غيره، وهذا ما جعل ابن وهب وابن الماجشون قالا: لا يعيد أبدًا؛ لأنهما يريان أن تجنب لبس الحرير ليس مما يختص بالصلاة حتى يكون من سننها أو من واجباتها، والله أعلم.
• ويناقش:
بأن هذا الأصل ضعيف فيما أرى؛ لأن الصلاة إن كانت صحيحة فلا حاجة للإعادة؛ لأن الله لم يكتب على عبدة فرض الظهر مرتين، وهو يصلي عندهم بنية الفرض في كل مرة.
وإن كانت باطلة فلماذا يصحح المالكية الصلاة؟ فالمالكية حين قالوا: يعيد في الوقت حكموا بصحة الصلاة؛ إذ لو كانت باطلة لم يعلقوا الإعادة على بقاء الوقت، بل كان عليه أن يعيدها أبدًا في الوقت وغيره.
ولأن الذمة لو كانت مشغولة في وجوب الإعادة لم يكن هناك فرق بين الوقت وخارج الوقت.
• دليل من قال: يعيد أبدًا إلا أن يكون عليه ثوب آخر مباح:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة الحنابلة نفسها على وجوب الإعادة أبدًا،
стр. 1998
وقد ذكرنا أدلتهم سابقًا، فلا حاجة لإعادته.
وإنما صحت صلاته؛ لأن الستر الواجب تحقق بالمباح، فيعتبر وجود الحرير بمنزلة العدم.
والذي جعلني أفصل هذا القول عن قول الحنابلة: أن الحنابلة في المشهور يرون أنه لو لبس ثوبين أحدهما محرم وجبت الإعادة مطلقًا؛ لأن الستر لا يختص بأحدهما فلم يتعين المباح ساترًا.
قلت: يمكن أن يعتبر الثوبين ثوبًا واحدًا أحدهما ظهارة والآخر بطانة، فيكون كما لو ستر عورته بثوب واحد محرم.
وفي قول للحنابلة في مقابل المشهور: لا تبطل صلاته إلا أن يلي المحرم عورته. وكلا القولين لا يتفقان مع قول المالكية هذا؛ لهذا فصلته عن قول الحنابلة؛ وستدلالهم.
• دليل من قال: إن كان المحرم يلي العورة بطلت صلاته:
لأن الستر قد تحقق به فكان الأعلى بمثابة الثوب الزائد فلم يستفد منه ستر العورة.
• الراجح:
أرى أن قول الجمهور بصحة الصلاة في الثوب المحرم مع الإثم هو الأحظ لقوة الدليل، وإذا صحت الصلاة لم تكن الإعادة مشروعة على الصحيح، والله أعلم.
стр. 1999
المبحث الثاني في الصلاة في الثوب الحرير إذا لم يجد غيره
المدخل إلى المسألة:
• إذا أبيح الحرير لحاجة التداوي أبيح لحاجة ستر العورة من باب أولى، فالتداوي ليس بواجب بخلاف ستر العورة.
• العلة في تحريم الحرير على الرجال كالعلة في تحريم الذهب كونهما من الزينة الناعمة التي لا تليق بالرجال، ولهذا أبيحا للنساء مطلقًا، واغتفر اليسير منه للرجال، فكان تحريمه من تحريم الوسائل، لا من تحريم المقاصد، فإذا لم يجد غيره أبيح له لبسه.
• المحرم لغيره تبيحه الحاجة.
• إباحة الساتر شرط للصلاة، فإذا عجز عن الساتر المباح سقط كسائر الواجبات.
[م-٢٥٥] إذا لم يجد المصلي ما يستر عورته إلا ثوب حرير صلى به وجوبًا، ولا يصلي عريانًا، ولا يلزمه إعادة الصلاة إذا قدر على المباح.
وبه قال جمهور الفقهاء، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقول في مذهب المالكية (١).
стр. 2000
وقال الحنابلة في رواية: يصلي ويعيد الصلاة (١).
واستحب المالكية الإعادة في الوقت (٢).
وقال ابن القاسم في أحد قوليه: يصلي عريانًا ولا يصلي بالحرير، قاله في سماع أصبغ عنه، وهو وجه عند الشافعية (٣).
ويُخَرَّجُ من قول ابن القاسم في المدونة: من تقديم الحرير على الثوب النجس أنه يصلي بالحرير، ولا يصلي عريانًا، فيكون لابن القاسم قولان في المسألة (٤).
• دليل من قال: يصلي بالحرير وجوبًا ولا يعيد:
الدليل الأول:
(ح-٧٥٠) روى البخاري من طريق خالد بن الحارث، حدثنا سعيد، عن قتادة،
أن أنسًا حدثهم: أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير في قميص من حرير، من حكة كانت بهما (٥).
ورواه مسلم من طريق محمد بن بشر عن سعيد بلفظ خالد بن الحارث (٦).
ورواه مسلم من طريق أبي أسامة،
وأحمد عن محمد بن بكر وأسباطٍ فرقهما.
стр. 2001
وأبو داود من طريق عيسى بن يونس، كلهم عن سعيد به، وذكر أنه رخص لهما في القمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما، أو وجع كان بهما (١).
ولعل قوله: (في السفر) مفهوم لقب لا معنى له، لذلك لم يذكره بعض الرواة في الصحيحين.
ورواه البخاري ومسلم أيضًا من طريق شعبة، أخبرني قتادة به، ولم يذكر السفر (٢).
وإذا أبيح الحرير لحاجة التداوي أبيح لحاجة ستر العورة من باب أولى؛ فالتداوي ليس بواجب بخلاف ستر العورة.
الدليل الثاني:
إذا كان المصلي مأمورًا بلبسه خارج الصلاة لستر عورته جاز لبسه داخل الصلاة؛ لانتفاء علة التحريم حينئذٍ، ولأن فرض الستر بالحرير أقوى من الصلاة عاريًا في هذه الحالة؛ لأن فوات ستر العورة يفوت معه ركن القيام والركوع والسجود عند من يقول يصلي جالسًا يومئ بالركوع والسجود، بخلاف لبس الحرير فإن الحاجة تبيحه كما تقدم.
الدليل الثالث:
أن تحريم الحرير ليس لذاته، فهو ثوب طاهر، والنهي لمكان السرف والترف، وهذا مضطر غير قاصد إلى واحد منهما، ولذلك لما كان النساء يحتجن للزينة جاز لبسه للنساء مطلقًا على الصحيح، وأجاز قوم لبسه للحرب، وجاز لبس ما فيه حرير للرجال إذا لم يكن أكثر الثوب، وما حرم لغيره فإن الحاجة تبيحه بخلاف ما حرم لذاته.
• وجه القول بعدم الإعادة:
إباحة الساتر شرط للصلاة، فإذا عجز عن الساتر المباح سقط كسائر الواجبات أشبه القبلة، وجاز ستر العورة بالمحرم، وإذا سقط اشتراط الإباحة لم يستدرك بالإعادة.
стр. 2002
• دليل من قال: يصلي به ويعيد:
خرجها بعض الحنابلة على الرواية المشهور في المذهب في الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره، حيث قال أحمد في إحدى الروايتين: يصلي بالنجس ويعيد؛ لاستدراك الخلل الحاصل بترك الشرط.
قال صاحب الإنصاف عن هذا التخريج: وهو وهم (١).
• وجه كونه وهمًا على أصول الحنابلة:
بأن علة النهي عن الصلاة في ثوب الحرير هو التحريم، ولا تحريم مع الحاجة إلى الحرير لعدم غيره.
وعلة النهي عن الصلاة في الثوب النجس هي النجاسة، وعدم الثوب الطاهر لا يرفع عينها.
• ويجاب عن التخريج ورده:
بأن النجاسة إن لم ترتفع عينها فقد ارتفع حكمها؛
(ح-٧٥١) لحديث أبي سعيد الخدري عند أحمد وأبي داود بسند صحيح، حيث صلى النبي ﷺ في نعليه، ثم خلعهما في أثناء الصلاة حين أتاه جبريل فأخبره أن بهما خبثًا، وبنى على صلاته (٢).
ولو كانت الصلاة بالنجس تبطل الصلاة مطلقًا لم يَبْنِ، وكان قد استأنف الصلاة.
• دليل من قال: يصلي به ويعيد في الوقت:
هذا بناء على أصل المالكية في استحباب الإعادة في الوقت إذا كان المتروك واجبًا أو مستحبًّا؛ لجبر الأول، وطلب الكمال للثاني، بخلاف الأركان والشروط فإن فواتها يوجب الإعادة أبدًا في الوقت وغيره.
وقد ناقشت أصلهم هذا في المسألة السابقة، فلله الحمد.
стр. 2003
• دليل من قال: يصلي عريانًا:
(ح-٧٥٢) روى البخاري من طريق شعبة، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال:
سمعت أنس بن مالك، قال شعبة: فقلت: أعن النبي ﷺ ؟ فقال: شديدًا عن النبي ﷺ ، فقال: من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة.
ورواه مسلم من طريق إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة (١).
وإذا كان منهيًّا شرعًا عن لبس الحرير، فإنه عادم لسترة شرعية، والمعدوم شرعًا كالمعدوم حِسًّا (٢).
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم أنه منهي عنه شرعًا إذا كان عادمًا لغيره، فقد قدمنا الأدلة الشرعية على وجوب لبسه لستر عورته، فإذا أبيح له لبسه لستر عورته عن النظر أبيح له الصلاة فيه.
الوجه الثاني:
أن المصلي بالحرير حتى على الوجه المحرم كما لو كان واجدًا لغيره، ليس بمنزلة العاري، فالعورة قد استترت عن النظر، وهو المطلوب من ستر العورة، وتحريم الحرير لم يختص بالصلاة، فليس في حكم من صلى عاريًا، والله أعلم.
• الراجح:
أنه يجب عليه لبس الحرير لستر عورته عن النظر، وإذا وجب عليه لبسه صحت به صلاته لإباحته.
стр. 2004
المبحث الثالث في تقديم الحرير على النجس
المدخل إلى المسألة:
• في داخل الصلاة يقدم الحرير على النجس؛ لأن تحريم الحرير لا يختص بالصلاة بخلاف النجس.
• يقدم النجس خارج الصلاة على الحرير؛ لأن لبس النجس خارج الصلاة مباح بخلاف الحرير.
[م-٢٥٦] إن كان معه ثوبان حرير ونجس، فأيهما يقدم؟
فقيل: يقدم الحرير، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وبه قال ابن القاسم من المالكية: إلا أنه قال: يعيد في الوقت (١).
• وجه القول بتقديمه:
أن النجاسة تنافي الصلاة بخلاف الحرير فإن تحريمه ليس لأجل الصلاة، فلا ينافيها.
وهو معنى قول الشافعية: بأن اجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة، بخلاف الحرير، فهو مباح عند عدم غيره (٢).
стр. 2005
وقيل: يقدم النجس، وبه قال أصبغ من المالكية إلا أنه قال: يعيد في الوقت، فإن صلى بالحرير فلا إعادة عليه (١).
• وجه القول بتقديمه:
أن الحرير يمنع في الصلاة وغيرها فيكون أفحش من النجس الذي تحريمه خاص بالصلاة.
قال المازري تعليقًا على قول أصبغ: وقد يسبق للنفس إنكار هذا الذي قاله أصبغ؛ لأجل أنه أمر بالإعادة لمن صلى بالثوب النجس، ولم يأمر بالإعادة لمن صلى بالحرير، وهذا يقتضي أن الحرير أخف، وهو قد قال: يقدم النجس على الحرير. وهذا يقتضي أن النجس أخف وهذا كالمتناقض (٢).
ثم دافع عن قول أصبغ: بأن الإعادة تشرع في ترك ما يختص بالصلاة من الواجبات والسنن، لهذا كانت الإعادة مشروعة في الصلاة في الثوب النجس، ولا تشرع الإعادة في لبس الحرير؛ لأن لبس الحرير ليس مما يختص بالصلاة فلم يكن من سننها أو واجباتها.
• الراجح:
تقديم الحرير الطاهر على النجس في الصلاة؛ لأن الطهارة حكم مختص بالصلاة، وتقديم النجس على الحرير خارج الصلاة؛ لإباحة النجس خارج الصلاة.
стр. 2006
المبحث الرابع في الصلاة بالثوب المغصوب
المدخل إلى المسألة:
• كل صلاة استجمعت شروطها وأركانها فالأصل صحتها إلا بدليل.
• النهي عن الشيء لمعنى في غيره لا يقتضي فساده.
• لا تلازم بين التحريم والصحة، فالأول حكم تكليفي، والآخر حكم وضعي، ولكل منهما شروطه.
• المريض الذي يستضر بالصوم يحرم عليه الصوم، فإن صام صح صومه، وحكي إجماعًا، فاجتمع الأمر والنهي على شيء واحد، ولم يقتض النهي الفساد (١).
• المصلي في الثوب الحرير ليس بمنزلة العريان.
• أجمع السلف على كون الظلمة لا يؤمرون عند التوبة بقضاء الصلاة المؤداة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوعها، ولو كانت صلاتهم باطلة لَأُمِرُوا بقضائها.
[م-٢٥٧] الصلاة بالثوب المغصوب داخل في الصلاة بالثوب المحرم كالحرير، إلا أن الحرير كان النهي فيه لحق الله، وفي الغصب لحق آدمي معصوم، فلو أذن الغاصب لصحت الصلاة (٢).
والخلاف في المسألتين بين الحنابلة والجمهور يجري في كل ثوب يحرم لبسه كالثوب الذي فيه تصاوير، وكالوضوء بماء مغصوب، والحج بمال حرام،
стр. 2007
والمسح على خف مغصوب، ونحو ذلك.
فالجمهور (١)، ذهبوا إلى صحة الصلاة مع الإثم، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقال الحنابلة في الرواية المشهورة في المذهب: لا تصح الصلاة، وبه قال بعض المالكية (٣).
إلا أن الحنابلة قالوا في المغصوب يصلي عاريًا لعدم غيره؛ لأن تحريمه لحق الآدمي، أشبه من لم يجد إلا ماءً مغصوبًا.
وقالوا في ثوب الحرير: يصلي به إذا لم يجد غيره؛ لأنه مأذون له في لبسه.
وقال المالكية في المشهور: إذا صلى بالحرير أعاد في الوقت، وإذا صلى في الثوب المغصوب لا إعادة عليه على المشهور (٤).
стр. 2008
وقد قال بعض المالكية: يعيد في الوقت، ذكره ابن يونس في الجامع، وصوب خلافه (١).
• مأخذ الفرق بين المسألتين:
لعل مأخذ الفرق أن النهي في الحرير لحق الله، فكانت الإعادة لجبر النقص وطلب الكمال.
والنهي في الغصب لحق المخلوق، وإعادة الصلاة لا تجبره، بل المطلوب رده (٢).
عدا هذين فحكم المسألة واحد، وأدلتهما متشابهة، لأن الخلاف فيهما راجع إلى مسألة أصولية: هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه في هذه الصورة؟
قال ابن رشد في بداية المجتهد: واختلفوا في صلاة الرجل في الثوب الحرير، ثم حكى الخلاف وسبب الخلاف، ثم قال: وهذه المسألة هي نوع من الصلاة في الدار المغصوبة، والخلاف فيها مشهور (٣).
فَأَرْجَعَ المسألتين إلى مسألة واحدة، فكان الخلاف فيهما واحدًا، والأدلة نفسها واحدة، فأغنى ذلك عن إعادة أدلة المسألة.
стр. 2009
المبحث الخامس في الصلاة بالثوب المحرم ناسيًا أو جاهلًا
المدخل إلى المسألة:
• علل بعض الفقهاء فساد الصلاة بالثوب المحرم؛ لارتكاب النهي في شرط العبادة، والمنهيات تسقط بالنسيان كما لو صلى بالثوب النجس ناسيًا على الصحيح (١).
• علل الحنابلة الصحة بأن الجاهل والناسي ليس عاصيًا بفعله، والبطلان مختص بالفعل المحرم، فزالت علة الإفساد.
[م-٢٥٨] إذا صلى في الثوب المحرم جاهلًا أو ناسيًا:
فالجمهور القائلون بصحة الصلاة في الثوب المحرم مطلقًا، ولو كان عالمًا ذاكرًا لا فرق عندهم في حكم المسألة إلا من حيث الحكم التكليفي:
فالصلاة عندهم صحيحة مطلقًا من حيث الحكم الوضعي، ومع الجهل والنسيان ينتفي الحكم التكليفي الذي هو الحرمة (٢).
وأما الحنابلة الذين قالوا ببطلان الصلاة في الثوب المحرم، فيشترطون للبطلان أن يكون عالمًا ذاكرًا، فإن كان ناسيًا أو جاهلًا صحت صلاته؛ لأن الحكم
стр. 2010
الوضعي يدور مع الحكم التكليفي في هذه المسألة، فالبطلان مترتب على الحرمة، ومع الجهل والنسيان لا حرمة، فانتفت علة البطلان (١).
وقد حكى القاضي أبو يعلى وصاحب المحرر الإجماع على صحة صلاته.
قال ابن اللحام في القواعد والفوائد الأصولية: «لو نسى وصلى في ثوب حرير أو مغصوب، ثم علم، صحت صلاته، ذكره القاضي وصاحب المحرر إجماعًا لزوال علة الفساد وهى اللبس المحرم» (٢).
فالجاهل والناسي ليس عاصيًا بفعله، والبطلان مختص بالفعل المحرم، فزالت علة الإفساد.
• ويناقش:
انتفاء التحريم يسقط الإثم، ولا يكفي للقول بالصحة على قواعد الحنابلة خاصة مع التعليل بأن علة الفساد في الثوب المحرم هو ترك الإتيان بالشرط المأمور به، وهو أحد التعليلين عند الحنابلة (٣)
ذلك أن المأمورات لا تسقط بالنسيان، بخلاف التعليل بقولهم: إن علة إفساد الصلاة هو ارتكاب النهي، فالمنهيات تسقط بالنسيان على الصحيح، وإن كان الحنابلة لا يطردونه، فلو صلى بثوب نجس ناسيًا، فهو من ارتكاب المنهيات، ومع ذلك يوجب الحنابلة الإعادة، وإن كانت الأدلة تدل على صحة الصلاة، لحديث أبي سعيد الخدري في صلاة النبي ﷺ ، والأذى بنعليه، حيث أخبره جبريل في أثناء الصلاة، فخلعهما، ومضى في صلاته، ولم يستأنف (٤).
قال ابن رجب: «ومنها الصلاة في الثوب المغصوب والحرير، ففي الصحة
стр. 2011
روايتان، وعلى رواية عدم الصحة فهل المبطل ارتكاب النهي في شرط العبادة، أم ترك الإتيان بالشرط المأمور به؟
للأصحاب فيه مأخذان ينبني عليهما لو لم يجد إلا ثوبًا مغصوبًا فصلى فيه؛ فإن عللنا بارتكاب النهي؛ لم تصح صلاته، وإن عللنا بترك المأمور صحت؛ لأنه غير واجد لسترة يؤمر بها (١)
وقال أحمد في رواية: لا تصح، كما لو صلى بثوب نجس لا يعلم نجاسته (٢).
وهذا القياس مبني على فروع الحنابلة.
وقد رد الحنابلة هذا القياس:
فقالوا: إن علة إفساد الصلاة بالثوب المحرم التحريم، ولا تحريم مع الجهل والنسيان إجماعًا.
وعلة النهي عن الصلاة بالثوب النجس هي النجاسة، والجهل والنسيان لا يرفع عينها.
• ويجاب:
إن لم يرفع الجهل والنسيان عين النجاسة فقد رفعا حكمها:
(ح-٧٥٣) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه صلى، فأتاه جبريل فأخبره أن بهما خبثًا، فخلع نعليه، وبنى على صلاته (٣).
ولو كانت الصلاة بالنجاسة تبطلها مطلقًا لاستأنف الصلاة.
стр. 2012
الشرط الخامس في طهارة الساتر
المبحث الأول اخلاف في اشتراط طهارته
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم الشرطية إلا بدليل.
• القول بالشرطية قدر زائد على القول بالوجوب.
• كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا تثبت الشرطية بمطلق الأمر.
• طهارة السترة من واجبات الصلاة على الصحيح، وترك الواجب لا يبطل الصلاة إما مطلقًا على أحد القولين، أو بشرط أن لا يتعمده على القول الآخر.
• نجاسة السترة ملحق بالمحظورات على الصحيح، وارتكاب المحظور ناسيًا لا يبطل الصلاة بخلاف المأمورات.
[م-٢٥٩] اتفق الفقهاء على أن طهارة الثوب من الخبث مأمور بها شرعًا، واختلفوا هل ذلك شرط، أو واجب، أو مندوب؟
فقيل: الطهارة شرط على خلاف بينهم:
فقيل: شرط مطلقًا حتى مع العجز، فإن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا؟
فقيل: يصلي عاريًا، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب
стр. 2013
الحنابلة، وبه قال أبو الفرج من المالكية (١).
وقيل: يصلي بالنجس وجوبًا، ويعيد إذا قدر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: شرط على القادر دون العاجز، فإن صلى بالنجس ناسيًا فإن ذلك لا يجزئه، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن وهب من المالكية، والمزني من الشافعية، إلا أن الحنفية قالوا: إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا خُيِّرَ بين الصلاة فيه، وتركه (٣).
стр. 2014
وقيل: شرط مع القدرة والتذكر، دون العاجز والناسي، فلو صلى بالثوب النجس ذاكرًا للنجاسة، قادرًا على إزالتها أعاد الصلاة أبدًا في الوقت وغيره. وإن صلى به عاجزًا عن إزالتها، أو ناسيًا لها صحت صلاته، ويعيدها في الوقت، وهو مذهب المدونة، وقال الحطاب: وهو المعتمد في المذهب (١).
جاء في التاج والإكليل نقلًا عن اللخمي: «مذهب المدونة: هي واجبة مع الذكر والقدرة» (٢).
وعبر اللخمي بالواجب عن الشرط (٣).
وقيل: طهارة الساتر واجبة، وليست بشرط، فإن تركها ولو عامدًا أعاد في الوقت جبرًا للنقص، وهو قول في مذهب المالكية، اختاره أشهب، ورجحه ابن القصار، والمازري في التلقين (٤).
وقيل: طهارة الساتر سنة، ويعيد في الوقت، واعتبره ابن رشد الجد وعبد الحق في النكت وابن يونس هو المشهور من مذهب مالك، وقال الدردير: حكى
стр. 2015
بعضهم الاتفاق عليه (١).
جاء في البيان والتحصيل: «والمشهور في المذهب قول ابن القاسم وروايته عن مالك: أن رفع النجاسات من الثياب والأبدان سنة لا فريضة، فمن صلى بثوب نجس على مذهبهم ناسيًا أو جاهلًا بنجاسته أو مضطرًّا إلى الصلاة فيه أعاد في الوقت» (٢).
هذا ملخص أقوال سادتنا الفقهاء، عليهم رحمة الله.
وأقوال الفقهاء تضمنت مسألتين:
الأولى: حكم طهارة الثوب في الصلاة، والأقوال فيها كالتالي:
قيل: شرط على خلاف بينهم: فقيل: شرط مطلقًا حتى مع العجز، وقيل: شرط على القادر فقط، وقيل: شرط مع القدرة والتذكر.
وقيل: واجب، فإن صلى بثوب نجس عامدًا صحت، ويعيد الصلاة في الوقت.
وقيل: سنة، ويعيد ندبًا في الوقت.
المسألة الثانية: حكم صلاته بالثوب النجس إذا لم يجد طاهرًا:
فقيل: يصلي بالنجس، ولا يعيد.
وقيل: يصلي عاريًا، ولا إعادة عليه.
وقيل: يصلي بالنجس ويعيد على خلاف بينهم: هل يعيد مطلقًا وهو قول الحنابلة، أو يعيد في الوقت، فإن خرج الوقت فلا إعادة، وهو قول في مذهب المالكية؟
وحتى لا تتداخل أدلة هذه مع تلك، سوف أعرض كل مسألة وأدلتها بشكل مستقل عن الأخرى؛ ليسهل علينا الفهم، سائلًا المولى إعانته وتسديده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 2016
• دليل من قال: طهارة الثوب شرط:
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
أمر الله بطهارة الثياب، والمقصود بها في الصلاة؛ لأن طهارتها خارج الصلاة ليست واجبة إجماعًا.
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
أن المراد بالثياب غير اللباس، وإنما المقصود بالثياب القلب، وتطهيره من الشرك، خاصة أن هذه الآية أول ما نزل من القرآن، فهي قد نزلت قبل الأمر بالصلاة والوضوء.
ولو حملنا الآية على طهارة الثياب الظاهرة، فإن الآية فيها الأمر بتطهير الثياب، وهو مطلق، ليس فيه أن ذلك خاص بالصلاة، فهل تقولون بوجوب طهارة الثياب من النجاسة مطلقًا، ولو خارج الصلاة؟ فإن قلتم ذلك، فإن الإجماع منعقد على أنه لا يجب على الإنسان الطهارة من الخبث إلا حال الصلاة (١)، وإن قلتم إن الآية مقيدة بالصلاة فقط، قلنا لكم: إن الصلاة وقت نزول الآية لم تكن معلومة للرسول ﷺ ، وإنما علمه جبريل كيفية الصلاة بعد أن فرضها الله عليه ليلة الإسراء.
وقد جاء في اللغة ما يدل على إطلاق الثياب على غير اللباس.
يقال: فلان طاهر الثياب، إذا لم يكن دنس الأخلاق.
قال امرؤ القيس: ثيابُ بني عوفٍ طهارى نقيةٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، معناه: وقلبك فطهر، وعليه قول عنترة:
فشككتُ بالرمحِ الأصمِّ ثيابَهُ ليس الكريمُ على القَنَا بمحرَّمِ
أي شككت قلبه. وقيل: معنى وثيابك فطهر: أي نفسك.
стр. 2017
وقيل: معناه لا تكن غادرًا، فتدنس ثيابك؛ فإن الغادر دنس الثياب. قال ابن سيده: ويقال للغادر: دنس الثياب.
وقيل: معناه: وثيابك فقصر؛ فإن تقصير الثياب طهر؛ لأن الثوب إذا انجَرَّ على الأرض لم يؤمن أن تصيبه نجاسة، وقصره يبعده من النجاسة.
وقيل معنى قوله: وثيابك فطهر، يقول: عملك فأصلح.
وروى عكرمة، عن ابن عباس في قوله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، يقول: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على فجور وكفر، وأنشد قول غيلان:
إني بحمد الله لا ثوبَ غادِرٍ لبستُ ولا من خزيةٍ أتقنعا (١).
واللفظ إذا منع مانع من حمله على ظاهره، وكان للتأويل وجه في اللغة العربية لم يمنع من حمله عليه، فالأصل في لفظ (الثياب) هو إطلاقها على اللباس الظاهر، لكن منع من ذلك ما سبق أن ذكرناه من كون الآية نزلت قبل فرض الصلاة والوضوء.
الجواب الثاني:
إنْ سلَّمْنَا أن المراد بالثياب اللفظ الحقيقي، وهو اللباس الظاهر، فإن غاية ما يستفاد من الآية الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية؛ لأن كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌّ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد الأمر به.
فلم يَأْتِ من الشارع قوله: لا صلاة إلا بالطهارة من الخبث، أو من لم يتطهر من الخبث فلا صلاة له. أو لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا بالتطهر من الخبث، كما قال في الطهارة من الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (٢).
وما دام أنه لم يَأْتِ ما يفيد الشرطية فلا يصح القول بالشرطية.
стр. 2018
• ورد هذا الجواب:
القول بأن الآية نزلت قبل الأمر بالصلاة، فيلزم أنَّ تأويل الثياب بالقلب غير صحيح، لجواز أن يكون النبي ﷺ خص بذلك في أول الإسلام، وفرض عليه دون أمته، ثم ورد الأمر بذلك لأمته.
والذي يرجح أن المراد بالثياب اللباس الظاهر أننا لو حملنا الثياب على ترك المعاصي لكان في سياق الآيات تكرار، فإن قوله: وثيابك فطهر والرجز فاهجر؛ فإن هجر الرجز من معانيه هجر المعاصي، فتكون هذه قرينة على أن المراد بالثياب اللفظ الحقيقي المتبادر إلى الذهن، وهو طهارة اللباس الظاهر.
وهذا الكلام جيد، إلا أن التعميم بعد التخصيص، والتخصيص بعد التعميم كلاهما وارد في كتاب الله.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].
فإن جبريل من الملائكة، فذكر الله عموم الملائكة بعد تخصيص جبريل بالذكر، وهذا منه.
ومثال التخصيص بعد التعميم، قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨].
فهنا ذكر الملائكة على سبيل العموم ثم خص بالذكر جبريل وميكال،
ومثله قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وليس هذا على وجه التكرار، بل لمزيد عناية واهتمام.
والقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فنكون مُخَاطَبِينَ بطهارة الثياب من النجاسة، هذا القول بعيد عن الصواب، فإن الصحابة لم ينقل عنهم أنهم كانوا يصلون على طريقة أهل الكتاب، ولم يُكَلَّفُوا بالصلاة إلا بعد الإسراء، وهل يقول أحد: بأن أول الإسلام كان المسلمون مخاطَبين بوجوب تعلُّم ديانة أهل الكتاب أو غيرها من الديانات؛ لأن شرع من قبلهم شرعٌ لهم، ما دام أنه لم يَأْتِ في شرعهم ما ينفيه، وأن الإنسان لو لم يقم
стр. 2019
بمثل هذا لكان مفرطًا؟ أو نقول: إن الأصل براءة الذمة حتى يأْتِيَ الخطاب المكلِّفُ من الشارع، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]،
ولم يعمل بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
وأما قولكم: إنه يجوز أن يكون الرسول ﷺ قد خص بالتكليف في الطهارة من الثياب وفي الصلاة، فإن كان الأمر من باب التجويز العقلي فهذا جائز، والأصل عدمه، وإن كان من باب الدعوى فأين الدليل على أن الرسول ﷺ قد كُلِّفَ بالصلاة دون سائر أمته في أول الإسلام؟ والله أعلم.
الدليل الثاني على أن الطهارة شرط لصحة الصلاة:
(ح-٧٥٤) ما رواه البخاري، من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر،
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: سألتْ امرأةٌ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة، فلتقرصْه، ثم لتنضحْه بماء، ثم لتصلِّ فيه (١).
وجه الاستدلال:
فأمر ﷺ بغسل الثوب من دم الحيض قبل الصلاة فيه، فدل على امتناع الصلاة في الثوب المتنجس بدم الحيض، وسائر النجاسات قياسًا عليه.
الدليل الثالث:
(ح-٧٥٥) روى أحمد، قال: ثنا حجاج وشعيب بن حرب قالا: ثنا ليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج،
عن معاوية بن أبي سفيان، أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان رسول الله ﷺ
стр. 2020
يصلي في الثوب الواحد الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذى (١).
[صحيح] (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٧٥٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن ميمون أبو عبد الرحمن -يعني: الرقي- حدثنا عبيد الله يعني ابن عمرو، عن عبد الملك بن عمير،
стр. 2021
عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رجلًا سأل النبي ﷺ ، أصلي في ثوبي الذي آتي فيه أهلي؟ قال: نعم، إلا أن ترى فيه شيئًا تغسله (١).
[رجح أحمد وأبو حاتم الرازي والدارقطني وقفه] (٢).
الدليل الخامس:
(ح-٧٥٧) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لِمَ خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليُصَلِّ فيهما (٣).
[صحيح] (٤).
стр. 2022
وجه الاستدلال:
إذا طلب تطهير النعال للصلاة، فجملة ما يلبس مقيس عليها.
• وأجيب عن هذه الأدلة:
بأن أحاديث أسماء وأم حبيبة، وجابر بن سمرة وأبي سعيد غاية ما فيها الدلالة على وجوب اجتناب النجاسة، والوجوب لا يستلزم الشرطية.
الدليل السادس:
(ح-٧٥٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
اجتناب النجاسة لا يجب لغير الصلاة اتفاقًا، فكان هذا العذاب على تلبسه بالنجاسة في الصلاة، وهو مشعر بأن ذلك من الكبائر، ومن آكد الواجبات، وهو مفيد لمعنى الشرطية.
• وأجيب عن هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول:
أن الحديث دال على تأثيم من صلى في النجاسة، وهو يدل على وجوب اجتنابها، والشرطية قدر زائد على الوجوب كما سبق بيانه.
الوجه الثاني:
لا يلزم من تحريم الصلاة بالنجاسة بطلان الصلاة إذا صلى بالنجاسة، فالتحريم
стр. 2023
حكم تكليفي، والبطلان والشرطية حكم وضعي، ولا تلازم بينهما، ولو كان اجتناب النجاسة في الثياب شرطًا للصحة لجاء الدليل الصحيح الصريح على بطلان صلاته، والأمر بإعادتها، كما قال ﷺ للمسيء في صلاته ارجعْ فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، وكما قال في الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.
الدليل السابع:
القياس على الطهارة من الحدث، فإذا كانت الطهارة من الحدث شرطًا، فإن الطهارة من الخبث كذلك، لأنها إحدى الطهارتين.
• وأجيب:
بأن هناك فرقًا بين الطهارة من الحدث والطهارة من الخبث، فلا يصح القياس مع وجود الفارق، فمن ذلك:
أولًا: طهارة الحدث من باب فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فمن باب ترك المحظور.
ثانيًا: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح خلافًا للحنفية، بخلاف طهارة الخبث فهي من باب التروك لا تشترط لها النية كترك الزنا والخمر ونحوها.
وقد حكى جماعة الإجماع على أن طهارة الخبث لا تحتاج إلى نية، منهم القرطبي في تفسيره (١)، وابن بشير وابن عبد السلام من المالكية (٢)، والبغوي، وصاحب الحاوي من الشافعية (٣).
ثالثًا: طهارة الحدث تعبدية محضة غير معقولة المعنى، فبدن المحدث وعرقه وريقه طاهر، بخلاف طهارة الخبث فهي طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.
رابعًا: طهارة الحدث الصغرى تختص بأعضاء مخصوصة، ربما ليس لها علاقة بالحدث، فالحدث: الذي هو البول والغائط موجب لغسل الأعضاء الأربعة الطاهرة،
стр. 2024
بينما طهارة الخبث تتعلق بعين النجاسة أين ما وجدت.
خامسًا: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان، بخلاف طهارة الخبث فإنهما تسقط بالجهل والنسيان على الصحيح.
هذه أدلة القوم على كون طهارة الساتر من شروط الصلاة:
• دليل من قال: إزالة النجاسة واجبة، وليست بشرط:
أدلتهم هي أدلة القول الأول، إلا أنهم لا يرون في هذه الأدلة ما يقتضي الحكم بالشرطية، وأن الحكم بالشرطية قدر زائد على القول بالوجوب.
فهذه الأدلة غاية ما يستفاد منها الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية؛ لأن كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌ وضعيٌّ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل من دونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي القبول، ولم يقترن بمعصية، ولا يثبت بمجرد الأمر به.
فلم يَأْتِ من الشارع قوله: لا صلاة إلا بثوب طاهر، أو من لم يستر عورته فلا صلاة له، أو لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا صلى بثوب نجس، كما قال في الطهارة من الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (١).
وما دام أنه لم يَأْتِ ما يفيد الشرطية فلا يصح القول بالشرطية؛ لأن القول بالشرطية قدر زائد على الوجوب.
• دليل من قال: الطهارة من النجاسة سنة:
الدليل الأول:
(ح-٧٥٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لِمَ خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعتَ فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني
стр. 2025
فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليُصَلِّ فيهما (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ بنى على صلاته رغم أن جزءًا من صلاته كان متلبسًا بالنجاسة، ولو كانت الطهارة من الشروط التي يلزم من عدمها العدم لاستأنف الصلاة.
• وأجيب:
بأن من فعل شيئًا ناسيًا يجعل وجود ما فعله كعدمه؛ لأنه معفو عنه فإذا كان قد فعل محظورًا كان بمنزلة من لم يفعله، فتصح صلاته، ولا إثم عليه، وإذا ترك مأمورًا ناسيًا فلا إثم عليه بالترك، لكنه بمنزلة من لم يفعله، فيبقى في عهدة الأمر حتى يفعله إذا كان الفعل ممكنًا، كما لو صلى ناسيًا طهارة الحدث (٣).
وهذا ما جعلهم يقولون: المأمورات لا تسقط بالنسيان، بخلاف المحظورات فتسقط، وليس في حديث أبي سعيد ما يدل على أن التخلي عن النجاسة من المستحبات.
الدليل الثاني:
(ح-٧٦٠) ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: حدثني عمرو بن ميمون،
أن عبد الله بن مسعود حدثه أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض، أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، فجاء به، فنظر حتى إذا سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئًا، لو كان لي منعة. قال: فجعلوا يضحكون، ويحيل بعضهم على بعض، ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه،
стр. 2026
حتى جاءته فاطمة، فطرحت عن ظهره، فرفع رسول الله ﷺ رأسه ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات. الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أن هذا السلى نجس، لأنه من ذبيحة أهل الأوثان، ولا يخلو من دم.
• وأجيب:
بأن الأمر لعله كان قبل أن يَتَعَّبَد باجتناب النجاسة في لباسه؛ لأن هذا الفعل كان بمكة قبل ظهور الإسلام، والأمر باجتناب النجاسة متأخر.
وهذا الجواب جائز، إلا أنه من غير المقبول أنه عندما كان الكلام على قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قالوا: من الجائز أن يكون المسلمون مكلفين في شريعة من قبلهم باجتناب النجاسة، أو أن الرسول قد خُصَّ في هذا الواجب قبل الأمة، وعندما كان الدليل عليهم قالوا: إن هذا كان ربما قبل أن تفرض الصلاة، وقبل أن يكون اجتناب النجاسة واجبًا، فهذا نوع من التناقض في التعامل مع دلالة النصوص!
• الراجح:
أن القول الوسط، وهو أن اجتناب النجاسة من الواجبات، وليس من الشروط، والله أعلم.
стр. 2027
المبحث الثاني إذا لم يجد المصلي إلا ثوبًا نجسًا
المدخل إلى المسألة:
• الصلاة مع ستر العورة بالثوب النجس آكد من الصلاة عاريًا للعجز عن إزالة النجاسة؛ لأن ستر العورة واجب للصلاة وغيرها.
• إذا صلى المصلي امتثالًا للشرع لم تجب عليه الإعادة.
• الواجبات تسقط بالعجز، وما سقط لا يوجب الإعادة.
• إذا لم تجب الإعادة على المستحاضة مع صلاتها بالنجاسة على القول بنجاسة الدم لم تجب الإعادة على من صلى بالنجاسة عاجزًا عن إزالتها.
• القول بوجوب الصلاة مع وجوب الإعادة قول متناقض، فإن كانت الصلاة بالثوب النجس صحيحة فلا حاجة لإعادتها، وإن كانت باطلة فلماذا يؤمر بها.
[م-٢٦٠] اختلف الفقهاء في الرجل لا يجد إلا ثوبًا نجسًا
فقيل: إن تنجس ربع الثوب فأكثر خُيِّرَ بين الصلاة به وبين تركه، وإن كانت النجاسة أقل من ربع الثوب صلى به وجوبًا، ولا إعادة عليه، وهذا مذهب الحنفية (١).
стр. 2028
وقيل: يصلي عاريًا، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، وبه قال أبو الفرج من المالكية (١).
وقيل: يصلي بالنجس على خلاف بينهم في إعادة الصلاة:
فقيل: لا إعادة عليه مطلقًا، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: تستحب الإعادة في الوقت، فإن خرج فلا إعادة، وهو ما عليه أصحاب مالك على اختلافهم في توصيفهم الطهارة من النجاسة (٣).
стр. 2029
وقيل: يعيد مطلقًا إذا قدر على ثوب طاهر في الوقت وغيره، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية، وهو مبني على أن طهارة الثوب شرط مطلقًا حتى مع العجز (١).
• وجه قول الحنابلة يصلي ويعيد مطلقًا:
أما وجه صلاته بالثوب النجس:
فلأن تحصيل ستر العورة آكد من تحصيل إزالة النجاسة، بدليل وجوبه في الصلاة وغيرها.
ولأن فوات ستر العورة يفوت معه ركن القيام والركوع والسجود عند من يقول: يصلي جالسًا، ويومئ بالركوع والسجود، بخلاف فوات اجتناب النجاسة فإنه لا يتعداه.
وأما وجه وجوب الإعادة:
فلأن في ذلك استدراكًا للخلل الحاصل بترك الشرط.
• وجه من قال: يصلي بالنجس، ولا يعيد:
عرفت فيما سبق وجه القول بأنه يصلي بالنجس.
стр. 2030
وأما وجه كونه لا يعيد الصلاة:
فالوجه الأول:
أنها نجاسة أذن له بالصلاة معها، فأشبهت نجاسة المستحاضة، وقد أمرها الرسول ﷺ بالصلاة، ولم يأمرها بالإعادة مع استمرار الدم.
• ويناقش:
بأن هذا الدليل مبني على القول بنجاسة الدم، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وقيل: بطهارته، وهو أقوى؛ لأنه دم من حيوان طاهر في الحياة والموت، كدم السمك.
الوجه الثاني:
أن القول بوجوب الصلاة مع وجوب الإعادة قول متناقض، فإن كانت الصلاة بالثوب النجس صحيحة فلا حاجة لإعادتها، وإن كانت باطلة فلماذا يؤمر بها.
الوجه الثالث:
أن الله لم يفرض على عبده أن يصلي فرضًا واحدًا مرتين بنية الفريضة، ولا فرض عليه في اليوم أكثر من خمس صلوات.
(ح-٧٦١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن حسين، حدثنا عمرو بن شعيب، حدثني سليمان، مولى ميمونة، قال:
أتيت على ابن عمر وهو بالبلاط، والقوم يصلون في المسجد، قلت: ما يمنعك أن تصلي مع الناس، أو القوم؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ قال: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين (١).
[صحيح تفرد به حسين المعلم عن عمرو بن شعيب] (٢).
стр. 2031
• وجه قول الشافعية يصلي عاريًا ولا يعيد:
علل الشافعية ذلك بأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض، فلا تجب عليه الإعادة ولو صلى بالثوب النجس وجبت عليه الإعادة إذا قدر على الطاهر، فلا يجوز أن تترك صلاة يسقط بها الفرض إلى صلاة لا يسقط بها الفرض، وهذا التعليل مبني على فروع الشافعية.
ولو قيل: إذا أمرنا باجتناب النجس، كان وجوده كعدمه، فالممنوع شرعًا كالمعدوم حسًّا، والله أعلم.
• وجه من قال: يصلي بالنجس ويعيد بالوقت:
هذا بناء على أصل من أصول المالكية وفرعوا عليه مسائل كثيرة في استحباب الإعادة في الوقت إذا كان المتروك واجبًا أو مستحبًّا؛ لجبر النقص في الأول، وطلب الكمال للثاني، بخلاف الأركان والشروط فإن فواتها يوجب الإعادة أبدًا في الوقت وغيره.
وقد ناقشت أصلهم هذا في مسألة سابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
стр. 2032
قال إسماعيل في المبسوط كما في شرح التلقين: «كل ما يرى مالك الإعادة فيه في الوقت فإنما هو استحباب» (١). اه
يقصد أن الإعادة مستحبة، ولا يلزم منه أن يكون المتروك مستحبًّا -والذي شرع بسببه إعادة الصلاة - بل قد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، كما نقلت لك.
فترك الشروط، والفروض (الأركان) توجب الإعادة أبدًا في الوقت وغيره.
وترك الواجبات والمستحبات توجب الإعادة في الوقت فقط.
وفي أحد القولين للمالكية أن تعمد ترك السنن المؤكدة يوجب الإعادة مطلقًا في الوقت وغيره كترك الشروط والأركان، والمشهور الأول (٢).
• الراجح:
أرى أن من قال: يصلي بالنجس ولا يعيد هو الموافق لقواعد الشرع، فإن ستر العورة واجب قبل تَلَبُّسِهِ بالصلاة، والتعري من أجل الصلاة لا دليل عليه، وطلب إعادة الصلاة في الوقت أو مطلقًا لا دليل عليه؛ فإذا أمرناه بالصلاة بالثوب النجس لم يصح أن نأمره بالإعادة، وقد امتثل الأمر، ولم يوجب الله على العبد فرض الظهر مرتين، والله أعلم.
стр. 2033
الفصل السابع في الصفات المستحبة في ثوب الصلاة
المبحث الأول المقصود في الثوب لغة وعرفًا
المدخل إلى المسألة:
• كل لباس يشتمل على البدن أو بعضه فهو ثوب، فالعمامة ثوب خاص بالرأس، والرداء ثوب خاص بأعلى البدن والسراويل ثوب خاص بأسفل البدن، يجمعها القميص ثوب بأعلى البدن وأسفله.
• الثوب ليس له حقيقة شرعية، فيرجع في حقيقة الثوب في النصوص الشرعية إلى الحقيقة اللغوية.
• تغير العرف في عصرنا في استعمال لفظ الثوب لا يحاكم به النصوص الشرعية؛ لَأَنَّ عُرْفَنَا حَادِثٌ.
[م-٢٦١] الثوب: مفرد، وجمعه أثواب وثياب: ويطلق على كل ما يلبسه الإنسان ويغطي الجسد أو جزءًا منه، فالسراويل والقميص، والإزار، والرداء، والعمامة ونحوها كلها يطلق عليها ثياب؛ لأنها من جملة ما يلبس.
كما يدخل في الثوب ما يلبس في عصرنا كالشماغ والغترة والفانيلة، حتى الخف يدخل في الثياب.
(ح-٧٦٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق هشام، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: دخلت على أبي بكر ﵁، فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها
стр. 2034
قميص ولا عمامة (١).
فاستثنت العمامة من الثوب لدخولها فيه.
(ح-٧٦٣) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن عمررضي الله عنهما أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تلبسوا القمص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف (٢).
وقد فسر عمر الصلاة في الثوبين، فقال: جمع رجل عليه ثيابه،: صلَّى رجل في إزار ورِداء، في إزار وقميص، في إزار وقِباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقِباء، في تُبَّان وقباء، في تُبَّان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تُبَّان ورِداء. رواه البخاري معلقًا.
فذكر عمر أنواع الثياب في عصره، من إزار، ورداء، وقميص وسراويل وتبان وقباء.
وجاء في شرح البخاري لابن رجب: وقد كره أحمد كف الخف في الصلاة، وجعلها من كف الثياب (٣).
فالخف ثوب خاص في القدم، كما أن العمامة والخمار ثوب خاص بالرأس، والرداء ثوب خاص بأعلى البدن والإزار والسراويل ثياب خاصة بأسفله، ويجمعهما القميص، حيث يقوم مقام الإزار والرداء.
فكل لباس يشتمل على البدن أو بعضه فهو ثوب.
قال ابن رجب في شرح البخاري: «كل ما يلبس على البدن فهو ثوب، سواء أكان شاملًا له أم لبعضه، وسواء أكان مخيطًا أم غير مخيط، فالإزار ثوب، والقميص
стр. 2035
ثوب، والقباء ثوب، والسراويل ثوب، والتبان ثوب، ثم احتج بقول عمر المتقدم … وقال: كل من هذه الأنواع التي ذكرها عمر ﵁ صلاة في ثوبين ثوبين» (١).