• وجه قول الشافعية يصلي عاريًا ولا يعيد:
علل الشافعية ذلك بأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض، فلا تجب عليه الإعادة ولو صلى بالثوب النجس وجبت عليه الإعادة إذا قدر على الطاهر، فلا يجوز أن تترك صلاة يسقط بها الفرض إلى صلاة لا يسقط بها الفرض، وهذا التعليل مبني على فروع الشافعية.
ولو قيل: إذا أمرنا باجتناب النجس، كان وجوده كعدمه، فالممنوع شرعًا كالمعدوم حسًّا، والله أعلم.
• وجه من قال: يصلي بالنجس ويعيد بالوقت:
هذا بناء على أصل من أصول المالكية وفرعوا عليه مسائل كثيرة في استحباب الإعادة في الوقت إذا كان المتروك واجبًا أو مستحبًّا؛ لجبر النقص في الأول، وطلب الكمال للثاني، بخلاف الأركان والشروط فإن فواتها يوجب الإعادة أبدًا في الوقت وغيره.
وقد ناقشت أصلهم هذا في مسألة سابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
стр. 2032
قال إسماعيل في المبسوط كما في شرح التلقين: «كل ما يرى مالك الإعادة فيه في الوقت فإنما هو استحباب» (١). اه
يقصد أن الإعادة مستحبة، ولا يلزم منه أن يكون المتروك مستحبًّا -والذي شرع بسببه إعادة الصلاة - بل قد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، كما نقلت لك.
فترك الشروط، والفروض (الأركان) توجب الإعادة أبدًا في الوقت وغيره.
وترك الواجبات والمستحبات توجب الإعادة في الوقت فقط.
وفي أحد القولين للمالكية أن تعمد ترك السنن المؤكدة يوجب الإعادة مطلقًا في الوقت وغيره كترك الشروط والأركان، والمشهور الأول (٢).
• الراجح:
أرى أن من قال: يصلي بالنجس ولا يعيد هو الموافق لقواعد الشرع، فإن ستر العورة واجب قبل تَلَبُّسِهِ بالصلاة، والتعري من أجل الصلاة لا دليل عليه، وطلب إعادة الصلاة في الوقت أو مطلقًا لا دليل عليه؛ فإذا أمرناه بالصلاة بالثوب النجس لم يصح أن نأمره بالإعادة، وقد امتثل الأمر، ولم يوجب الله على العبد فرض الظهر مرتين، والله أعلم.
стр. 2033
الفصل السابع في الصفات المستحبة في ثوب الصلاة
المبحث الأول المقصود في الثوب لغة وعرفًا
المدخل إلى المسألة:
• كل لباس يشتمل على البدن أو بعضه فهو ثوب، فالعمامة ثوب خاص بالرأس، والرداء ثوب خاص بأعلى البدن والسراويل ثوب خاص بأسفل البدن، يجمعها القميص ثوب بأعلى البدن وأسفله.
• الثوب ليس له حقيقة شرعية، فيرجع في حقيقة الثوب في النصوص الشرعية إلى الحقيقة اللغوية.
• تغير العرف في عصرنا في استعمال لفظ الثوب لا يحاكم به النصوص الشرعية؛ لَأَنَّ عُرْفَنَا حَادِثٌ.
[م-٢٦١] الثوب: مفرد، وجمعه أثواب وثياب: ويطلق على كل ما يلبسه الإنسان ويغطي الجسد أو جزءًا منه، فالسراويل والقميص، والإزار، والرداء، والعمامة ونحوها كلها يطلق عليها ثياب؛ لأنها من جملة ما يلبس.
كما يدخل في الثوب ما يلبس في عصرنا كالشماغ والغترة والفانيلة، حتى الخف يدخل في الثياب.
(ح-٧٦٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق هشام، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: دخلت على أبي بكر ﵁، فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها
стр. 2034
قميص ولا عمامة (١).
فاستثنت العمامة من الثوب لدخولها فيه.
(ح-٧٦٣) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن عمررضي الله عنهما أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تلبسوا القمص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف (٢).
وقد فسر عمر الصلاة في الثوبين، فقال: جمع رجل عليه ثيابه،: صلَّى رجل في إزار ورِداء، في إزار وقميص، في إزار وقِباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقِباء، في تُبَّان وقباء، في تُبَّان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تُبَّان ورِداء. رواه البخاري معلقًا.
فذكر عمر أنواع الثياب في عصره، من إزار، ورداء، وقميص وسراويل وتبان وقباء.
وجاء في شرح البخاري لابن رجب: وقد كره أحمد كف الخف في الصلاة، وجعلها من كف الثياب (٣).
فالخف ثوب خاص في القدم، كما أن العمامة والخمار ثوب خاص بالرأس، والرداء ثوب خاص بأعلى البدن والإزار والسراويل ثياب خاصة بأسفله، ويجمعهما القميص، حيث يقوم مقام الإزار والرداء.
فكل لباس يشتمل على البدن أو بعضه فهو ثوب.
قال ابن رجب في شرح البخاري: «كل ما يلبس على البدن فهو ثوب، سواء أكان شاملًا له أم لبعضه، وسواء أكان مخيطًا أم غير مخيط، فالإزار ثوب، والقميص
стр. 2035
ثوب، والقباء ثوب، والسراويل ثوب، والتبان ثوب، ثم احتج بقول عمر المتقدم … وقال: كل من هذه الأنواع التي ذكرها عمر ﵁ صلاة في ثوبين ثوبين» (١).
стр. 2036
المبحث الثاني استحباب الصلاة في الثوبين
المدخل إلى المسألة:
• لا يختلف العلماء في استحباب الصلاة في ثوبين.
• استحباب الثوبين من استحباب الهيئة، وهي أخص من استحباب الزينة.
• لا يلزم من الصلاة في ثوبين طلب أحسنها، فالزينة قدر زائد على الصلاة بالثوبين، فمن صلى في ثوبين ولو كانت خلقة فقد حقق السنة.
• تَطَلُّبُ أحسنِ الثياب في الصلاة لم يرد إلا في الجمعة والعيد، وما كان ربك نَسِيًّا.
• لا تكره الصلاة في الثوب الواحد؛ فترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه.
• حديث: (أَوَلِكُلِّكُمْ ثوبان) دليل على استباحة الصلاة بالثوب الواحد؛ لأنه لا يمكن السماح لغير المعذور احتجاجًا بالمعذور إلا حيث تكون الإباحة عامة
• جعل مالك استحباب الثوبين من أجل الخروج للناس لا من أجل الصلاة.
[م-٢٦٢] يستحب للرجل أن يصلي في ثوبين، وحكي ذلك إجماعًا، وعليه أكثر الصحابة (١).
ولا تكره الصلاة بالثوب الواحد (٢).
وقال ابن رجب: «ظاهر كلام أحمد كراهته للإمام دون المنفرد.
стр. 2037
واستحب مالك الصلاة في الثوبين في مساجد الجماعات، وكره لأئمة المساجد ترك الرداء، فإن كان إمامًا في السفر، أو بموضع اجتمعوا فيه، أو في داره فتركه خفيف» (١).
وقال ابن مسعود وابن عمر: «لا يصلي مع السعة إلا في ثوبين» (٢).
(ث-١٩٠) روى ابن أبي شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود ابن أبي هند، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد الخدري، قال: اختلف أُبَيُّ بن كعب، وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد، فقال أبي: ثوب، وقال ابن مسعود: ثوبان، فخرج عليهما عمر فلامهما، وقال: إنه ليسوؤني أن يختلف اثنان من أصحاب محمد ﷺ في الشيء الواحد، فعن أي فتياكم يصدر الناس؟ أما ابن مسعود فلم يَأْلُ، والقول ما قال أُبَيٌّ.
[صحيح موقوف] (٣).
وجه الاستدلال:
الخلاف بين ابن مسعود وأبي بن كعب ليس في استحباب الثوبين، فإن هذا مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع بينهما في وجوب الثوبين، فكان احتجاج أبي بن كعب أنهم كانوا يصلون بثوب واحد مع النبي ﷺ ، وهو دليل الجواز، ولم يقبل ذلك ابن مسعود معتبرًا الصلاة بثوب واحد وقت التشريع كان من باب الضرورة لقلة الثياب، وأما مع الْجِدَةِ فتجب الصلاة في الثوبين.
(ث-١٩١) وروى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن أيوب،
عن نافع قال: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد فقال: ألم أكسك ثوبين؟ فقلت: بلى. قال: أرأيت لو أرسلتك إلى فلان أكنت ذاهبًا في هذا الثوب؟ فقلت: لا، فقال: الله أحق من تُزُيِّنَ له أو من تَزَيَّنْتَ له (١).
стр. 2040
[صحيح] (١).
وهل قول ابن عمر ظاهره وجوب الثوبين للصلاة، أو يحتمل أن يكون ذلك على سبيل الاستحباب؛ كما يفيده أفعل التفضيل في قوله (الله أحق من تزين له)، ولأن هذا من باب الزينة، وليس من باب ستر العورة، والزينة للصلاة لا تبلغ الوجوب؟
يحتمل أن يكون إنكاره على نافع لتركه المستحب، فالقوم كانوا من الحرص على الخير، بحيث كانوا ينكرون على تارك المندوب كما لو ترك واجبًا من الواجبات، خاصة إذا كان التارك ممن استرعاهم الله من ولد أو زوج أو مولى.
ويحتمل أن يكون إنكاره لترك ما هو واجب، وتعليله بالزينة لا ينافي الوجوب، فقد يقال: إن الواجب في الصلاة أمر زائد على قدر ستر العورة التي يجب سترها عن النظر، ولذلك أمر بوضع شيء على العاتق، وهو ليس عورة في النظر، ولا تصح صلاة المرأة الحرة دون خمار، وإن لم يكن عورة في النظر، فيباح لها وضع خمارها عند محارمها.
وعلى كل حال، فليس قول ابن عمر صريحًا أنه يذهب إلى القول بوجوب الصلاة في الثوبين كما هو قول ابن مسعود، وليس المطلوب في العاتق ستره حتى يستدل به على وجوب الزينة، وإنما المطلوب أن يضع شيئًا من ثوبه على عاتقيه مهما يكن قليلًا، مخالفًا بين طرفي الثوب إذا صلى في ثوب واحد؛ حتى لا يسقط ثوبه في أثناء الصلاة، فتنكشف عورته، وستر المرأة رأسها، ليس من باب الزينة، فالزينة في كشفه أظهر، وإنما أبيح كشفه للمحارم تخفيفًا ورحمة؛ إذ لو وجب ستره لَلَحِقَ بذلك حرج ومشقة لوجودهم في البيت، وتكرار دخولهم على محارمهم، والمشقة تجلب التيسير، فإذا صلت غطت رأسها لكونه عورة في حق الأجانب، والله أعلم.
وإذا خلصنا من تحرير الأقوال، ودلالتها على الوجوب نأتي لاستعراض أدلة القوم على ما ذهبوا إليه.
• دليل من قال: يجوز الصلاة في الثوب الواحد:
الدليل الأول:
(ح-٧٦٤) ما رواه البخاري من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد،
стр. 2041
عن أبي هريرة قال: قام رجل إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: أَوَكُلُّكُمْ يجد ثوبين؟ ثم سأل رجل عمر، فقال: إذا وسع الله فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء.
ورواه مسلم دون أثر عمر ﵁ (١).
وجه الاستدلال:
فقوله: (أو لكلكم ثوبان) دليل على استباحة الصلاة في الثوب الواحد مع القدرة على الثوبين؛ لأنه لا يمكن السماح لغير المعذور احتجاجًا بالمعذور إلا حيث تكون الإباحة عامة؛ ولو كان الثوبان واجبين للصلاة لما احتج بالمعذور على الإباحة المطلقة؛ لأنه من المتفق عليه أن القدرة شرط في جميع التكاليف، وعجز بعض الناس لا يكون حجة للقادر إلا حيث تكون الإباحة عامة.
قال النووي في المجموع: «ومعنى الحديث أن الثوبين لا يقدر عليهما كل أحد، فلو وجبا لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة، وفي ذلك حرج، وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٧٦٥) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، قال:
رأيت جابر بن عبد الله يصلي في ثوب واحد، وقال: رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب (٣).
وله شاهد من حديث عمر بن أبي سلمة في الصحيحين (٤).
стр. 2042
وحديث أم هانئ فيهما (١).
ومن حديث عائشة عند مسلم (٢).
واكتفيت بما ورد في الصحيحين عن غيرهما مما صح؛ لأن فيهما غُنْيَةً، حتى قال الطحاوي في شرح معاني الآثار: «تواترت هذه الآثار عن رسول الله ﷺ بالصلاة في الثوب الواحد، متوشحًا به في حال وجود غيره» (٣).
وقد تعمد جابر وأبو هريرة ﵄ في الصلاة بالثوب الواحد مع وجود الثوبين، وسهولة تناوله لينقلا للأمة بيان الجواز.
(ث-١٩٢) فقد روى البخاري من طريق واقد بن محمد، عن محمد بن المنكدر، قال:
صلى جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب، قال له قائل: تصلي في إزار واحد؟ فقال: إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك، وأينا كان له ثوبان على عهد النبي ﷺ (٤).
ورواه البخاري من طريق ابن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر بنحوه (٥).
ورواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، في دخوله على جابر بن عبد الله وسؤاله إياه عن صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه:
стр. 2043
وحضر وقت الصلاة، فقام -يعني: جابر بن عبد الله- في نساجة ملتحفًا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه، على المشجب، فصلى بنا … الحديث (١).
(ث-١٩٣) وروى مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه قال:
سئل أبو هريرة: هل يصلي الرجل في ثوب واحد؟ فقال: نعم، فقيل له: هل تفعل أنت ذلك؟ فقال: نعم، إني لأصلي في ثوب واحد وإن ثيابي لعلى المشجب (٢).
[في غاية الصحة].
الدليل الثالث:
حكي الإجماع على صحة الصلاة بالثوب الواحد.
قال ابن المنذر «لا أعلم أحدًا أوجب على من صلى في ثوب واحد الإعادة إذا كان ساترًا للعورة» (٣).
«وقال القاضي عياض والنووي وغيرهما: «لا خلاف في جواز الصلاة في الثوب الواحد إلا شيء روي عن ابن مسعود، قال النووي: ولا أعلم صحته» (٤).
وقد ثبتت صحته عنه كما سبق، ولله الحمد، وسيأتي الجواب عنه.
• وقد يناقش:
بأنه لا منافاة بين القول بالصحة وبين القول بتحريم الصلاة في الثوب الواحد لمن كان له ثوبان، هذا لو كان القول بالتحريم راجحًا.
• دليل من قال: يصلي في ثوبين وجوبًا:
الدليل الأول:
(ح-٧٦٦) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع،
стр. 2044
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من يزين له، فإن لم يكن له ثوبان، فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود (١).
[الجزم برفعه شاذ، وقوله: (إن الله أحق من يزين له) موقوف على ابن عمر] (٢).
الدليل الثاني:
أن الصلاة في الثوب الواحد كانت لضيق الحال، فلا دلالة به على الجواز، ولذلك كانت الرخصة معللة بالعدم والذي يشعر به قوله ﷺ : أو لكلكم ثوبان؟ فإذا كان لكلنا ثوبان وجب علينا الصلاة في الثوبين:
(ح-٧٦٧) فقد روى أبو يعلى من طريق إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن محمد،
عن أبي هريرة، قال: نادى رجل رسول الله ﷺ : أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ قال: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في سراويل وقباء، في سراويل ورداء في تبان وقباء. قال: وأحسبه في تبان ورداء.
فقوله: جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء: المعنى ليجمع الرجل عليه ثيابه، ولْيُصَلِّ في إزارٍ ورداء.
[المحفوظ أن لفظ (إذا وسع الله عليكم … ) من قول عمر موقوفًا عليه، ولا دلالة فيها على الوجوب، لتصويب عمر قول أبي بن كعب حين اختلف مع ابن مسعود في وجوب الثوبين، والصريح مقدم على المحتمل] (١).
стр. 2049
الراجح:
أن الصلاة في الثوبين مستحبة، وليست واجبة، وهل مشروعية الثوبين من أجل الزينة للصلاة؟ لا يظهر لي هذا؛ لأنه لا يلزم من الصلاة في الثوبين تحسينها؛ لأن الزينة قدر زائد عن الصلاة في الثوبين، فمن صلى في ثوبين ولو كانت خلقة، فقد حقق السنة، فلا يستدل بالأخص على الأعم، وقول ابن عمر مذهب له، وسوف أناقش استحباب لباس الزينة من أجل الصلوات الخمس في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
стр. 2050
المبحث الثالث في استحباب تغطية الرأس
المدخل إلى المسألة:
• الاستحباب والكراهة حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي.
• لا يصح حديث في استحباب لبس العمامة في الصلاة.
• تغطية الرأس أو كشفه يتبع في ذلك عرف البلد.
• استحباب تغطية الرأس أو كشفه من أجل موافقة الناس في المظهر العام، لا من أجل الصلاة.
• ما استحب لبسه من أجل الخروج للناس، لا يستحب فعله إذا صلى وحده، أو في جماعة في مكان خاص.
• استحباب تغطية الرأس من استحباب الهيئة، وهي أخص من استحباب الزينة.
• تطلب الزينة في الصلاة لم يرد إلا في الجمعة والعيد، وما كان ربك نَسِيًّا.
[م-٢٦٣] كره الحنفية صلاة الرجل مكشوف الرأس تكاسلًا؛ لترك الوقار، فإن فعله تضرعًا وخشوعًا لم يكره (١).
واستحب الشافعية والحنابلة الصلاة في العمامة، قال الحنابلة: وفي حق الإمام آكد (٢).
стр. 2051
وجاء في الذخيرة للقرافي: الاختيار لمن صلى في جماعة أن يلبس أكمل اللباس، والإمام أولى بذلك .. ولا بأس بالمئزر والعمامة .... والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]» (١).
وقال القاضي حسين من الشافعية: «والمستحب أن يتعمم مع القميص والرداء» (٢).
ولا يصح في فضل العمامة حديث، وما يروى في الباب فإنه موضوع (٣).
стр. 2052
واستحباب العمامة إن كان معللًا بأن ذلك من باب الزينة فسوف يأتي مناقشة ذلك، وأن الزينة المتفق عليها هي في صلاة الجمع والأعياد خاصة.
وقد يعلل الاستحباب بغير الزينة وذلك فيما لو كان رجل من بلد تعارف أهله أن يصلوا، وقد غطوا رؤوسهم، فإن فمخالفتهم إذا كان من أهل بلدهم قد تكون مكروهة؛ لأن العادة محكمة، واللباس يحكمه العرف، فيكره له أن يخالف عرف أهل بلده احتجاجًا بأن تغطية الرأس لم يرد فيها نص، ومخالفة العرف في اللباس قد يدخل في لباس الشهرة المنهي عنه، والله أعلم.
стр. 2053
المبحث الرابع في صفة الثوب المستحب للمرأة في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• كل لباس يطلب لبسه بعد ستره العورة إذا لم يكن لبسه يعود لمصلحة الستر من زيادة فيه أوتوثيقه، أوتغطية حجم العورة، فاستحبابه يحكمه العرف (١).
• استحباب أكثر من ثوب بعد ستر ما يجب ستره هو من استحباب الهيئة، وهو أخص من استحباب الزينة.
• لا يلزم من استحباب الفقهاء ثلاثة أثواب للمرأة في الصلاة، أن يكون ذلك من أجل الزينة؛ لأنه يصدق على الخَلِق كما يصدق على الجديد.
• لو وارت المرأة جسدها في ثوب أجزأها في الصلاة.
[م-٢٦٤] قال ابن عمر وابن سيرين وحفصة بنت سيرين ونافع وصفية: تصلي المرأة في أربعة أثواب: درع وإزار، وخمار، وملحفة (٢).
وهذا على سبيل الاستحباب
وقال مجاهد: «لا تصلي المرأة في أقل من أربعة ثياب، خمار، ودرع،
стр. 2054
وملحفة، وإزار» (١).
وظاهره وجوب أربعة الثياب (٢).
وذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب أن تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وإزار (٣).
واختلفوا في تفسير الإزار:
فقالت طائفة: هو مثل إزار الرجل الذي يتزر به في وسطه، وهذا قول إسحاق، وهو ظاهر كلام أحمد (٤).
(ث-١٩٤) وروى البيهقي من طريق أبي مسلم، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا سليمان يعني التيمي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة،
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار (٥).
стр. 2055
[صحيح] (١).
وجاء عن ابن سيرين، قال: «كانوا يستحبون أن تصلي المرأة في درع وخمار، وحقو» (٢).
(ث-١٩٥) وروى ابن أبي شيبة من طريق الأشعث، عن محمد، قال: الأنصار تسمي الإزار الحقو (٣).
стр. 2056
والحقو: الخصر، ومشد الإزار (١).
وجاء في صحيح مسلم: إذا كان واسعًا فَخَالِفْ بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدده على حقوك (٢).
وقال هشام بن عروة: قالت امرأة لأبي: إني امرأة حبلى، وإنه يَشُقُّ عَلَيَّ أن أصلي في المِنْطَق، أفأصلي في درع وخمار؟. (٣).
والمِنْطَق والمنطقة: كل ما شددت به وسطك (٤).
وفي اللسان: منطقها: إزارها (٥).
وفي حديث أم سلمة في سنن أبي داود أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ … الحديث (٦).
[المعروف أنه موقوف على أم سلمة] (٧).
فسألت عن ترك الإزار للمرأة إذا هي صلت، ولم تسأل عن ترك الملحفة.
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: المراد بالإزار هو الملحفة السابغة التي يغطى بها الرأس والثياب (٨).
قال العمراني في البيان: يستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: قميص سابغ تغطي به بدنها وقدميها، وخمار، تغطي به رأسها وعنقها، وإزار غليظ فوق القميص والخمار؛ فسماه إزارًا، ووصفه، بأنه فوق الخمار.
стр. 2057
فتبين بهذا أن هناك اختلافًا في العرف فيما يطلق عليه الإزار، أو أن إزار الرجل غير إزار المرأة.
(ث-١٩٦) قد روى ابن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
أن ابن عمر قال: إذا صلت المرأة فَلْتُصَلِّ في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة (١).
[صحيح].
(ث-١٩٧) وروى ابن المنذر في الأوسط من طريق حماد، عن أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر أنه قال: تصلي المرأة في أربعة أثواب: درع وإزار، وخمار، وملحفة (٢).
فجعل الإزار غير الملحفة.
رجاله ثقات، إلا أن رواية عبيد الله عن نافع أصح من رواية حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، خاصة أن رواية عبيد الله بن عمر ذكرت أن صلاة المرأة في ثلاثة الأثواب صلاتها في ثيابها كلها، بما يشعر أنه لا زيادة على الثلاثة.
وإن لم تكن معارضة فتحمل رواية أيوب على أن أربعة الأثواب أفضل من الثلاثة، والله أعلم.
فإن لبست إزارًا مع الدرع فليكن تحت الدرع؛ لأن شد الإزار فوق الدرع ربما يصف حجم أعضاء المرأة بخلاف ما إذا لبسته تحت الدرع.
أو تلتحف بالإزار، ولا تشده على وسطها، فإن ذلك أستر.
(ث-١٩٨) فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى، قال: أخبرنا معن بن عيسى، حدثنا مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمرة،
عن عائشة أنها قالت: لابد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيهن، درع وجلباب،
стр. 2058
وخمار، وكانت عائشة تحل إزارها فتجلبب به (١).
[صحيح].
وقيل: السراويل أفضل من الإزار؛ لأنها أستر من الإزار، ولأن المحذور من كون السراويل تصف الأعضاء مفقود في حقها؛ لأن القميص فوقها يسترها (٢).
قال ابن تيمية في شرح العمدة: «ويستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وجلباب تلتحف به، أو إزار تحت الدرع أو سراويل فإنه أفضل من الإزار» (٣).
(ح-٧٦٨) وروى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عروة،
أن عائشة أخبرته قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن .... الحديث (٤).
والمرط: قال في تهذيب اللغة: كساء أو مطرف يشتمل به كالملحفة (٥).
فهو رداء واسع، وعرفه في اللسان: كل ثوب غير مخيط (٦).
وجاء في عمدة القارئ: اللفاع: الثوب تلتفع به المرأة، أي تلتحف به، فيغيبها (٧).
وأما حديث رحم الله المتسرولات فلا يصح، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى عند الكلام على الصلاة بالسراويل وحدها إن شاء الله تعالى (٨).
стр. 2059
المبحث الخامس في صفة اللباس المجزئ للمرأة في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• إذا ستر المصلي ما يجب عليه ستره فقد صحت صلاته.
• لو وارت المرأة جسدها في ثوب أجزأها في الصلاة.
• كل لباس يطلب لبسه بعد ستر العورة إذا لم يكن لبسه يعود لمصلحة الستر من زيادة فيه أوتوثيقه، أوتغطية حجم العورة، فاستحبابه يحكمه العرف.
[م-٢٦٥] ذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يجزئ المرأة أن تصلي في درع سابغ يغطي بدنها، وخمار يغطي رأسها (١).
(ح-٧٦٩) والأصل في ذلك ما رواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن عبد الله -يعني ابن دينار- عن محمد بن زيد، عن أمه،
عن أم سلمة، أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟، قال: إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها (٢).
[المعروف أنه موقوف على أم سلمة بسند ضعيف] (٣).
وجاء موقوفًا بسند صحيح عن ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين (٤).
وكذلك روي مثل ذلك عن عائشة (٥).
стр. 2060
ولا يتعين الدرع والخمار، بل إذا سترت المرأة ما يجب عليها ستره (١)، صحت صلاتها سواء أسترته بثوب وأحد أم أكثر.
(ث-١٩٩) وقد روى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن إسحاق، عن بكير بن الأشج، عن عبيد الله الخولاني، قال:
رأيت ميمونة زوج النبي ﷺ تصلي في درع واحد فضلًا وقد وضعت بعض كمها على رأسها. قال: وكان عبيد الله يتيمًا في حجرها (٢).
المحفوظ أنها صلت في درع وخمار، ليس عليها إزار (٣).
(ث-٢٠٠) وروى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال: قال عكرمة: لو وارت جسدها في ثوبٍ جاز (٤).
وقال ابن المنذر: «على المرأة أن تخمر في الصلاة جميع بدنها سوى وجهها وكفيها، ويجزيها فيما صلت في ثوب أو ثوبين أو ثلاثة … إذا سترت ما يجب عليها أن تستره في الصلاة» (٥).
وقال الباجي: «فإن صلت في ثوب واحد ملتحفة به وستر منها ما يجب ستره ولم تشتغل بإمساكه فلا بأس به، وإن اشتغلت بذلك فلا خير فيه» (٦).
وقد استدل البخاري على جواز صلاة المرأة في ثوب واحد بحديث عائشة في الصحيحين، قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن .... الحديث (٧).
стр. 2061
وقد رواه البخاري تحت عنوان: في باب كم تصلي المرأة في الثياب، فأورد قول عكرمة السابق معلقًا، ثم ساق حديث عائشة مسندًا.
قال الخطابي: التلفع بالثوب: الاشتمال به (١).
وجاء في عمدة القارئ: اللفاع: الثوب تلتفع به المرأة أي تلتحف به، فيغيبها (٢).
وقال ابن حبيب: «لا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس» (٣).
خاصة أن أكثر الصحابيات لم يكن لهن إلا ثوب واحد، وربما حاضت فيه، فأصابه شيء من الدم، فتغسله، ثم تصلي فيه.
ويحتمل أن يكون ما ذكرته عائشة من التلفع بمروطهن أن ذلك فوق القميص.
قال ابن حجر: «وقد اعترض على استدلال المصنف -يعني البخاري- به على جواز صلاة المرأة في الثوب الواحد بأن الالتفاع المذكور يحتمل أن يكون فوق ثياب أخرى.
والجواب عنه: أنه تمسك بأن الأصل عدم الزيادة على ما ذكر على أنه لم يصرح بشيء إلا أن اختياره يؤخذ في العادة من الآثار التي يودعها في الترجمة» (٤).
قال ابن رجب: «والمراد بهذا الحديث أن النساء كن إذا شهدن صلاة الفجر غطين رؤوسهن، وثيابهن فوق دروعهن، وخمرهن» (٥).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المرأة لا تصلي في الثوب الواحد إلا من ضرورة.
نقل ابن رجب في شرح البخاري، قال: قال رباح بن أبي معروف: كان عطاء لا يرى أن تصلي المرأة في الثوب الواحد إلا من ضرورة (٦).
ولم أقف عليه مسندًا.
وقالت طائفة: إنما تصلي في ثلاثة أثواب.
стр. 2062
وقال مجاهد: «لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب. قال ابن عبد البر: وهذا لم يقله غيره» (١).
قال ابن المنذر: «ولا أحسب ما روي عن الأوائل ممن أمر بثلاثة أثواب، أو أربعة إلا استحبابًا واحتياطًا لها، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم يوجب عليها الإعادة إن صلت في ثوب واحد إذا ستر ذلك الثوب ما يجب عليها أن تستره، والله أعلم» (٢).
وقال ابن القطان في مسائل الإجماع: «ولا أعلم أحدًا من أهل العلم يوجب الإعادة على المرأة إذا صلت في ثوب واحد» (٣).
وهذا القول هو الراجح فأقل ما يطلب من السترة ما وارى العورة، وما زاد فهو من قبيل الندب، والله أعلم.
стр. 2063
المبحث السادس لا تشرع الزينة للصلوات الخمس
المدخل إلى المسألة:
• كل لباس لا شهرة فيه، ولا إسراف، ويلبسه من هو مثله في سنه إذا كان يؤدي وظيفة ما يجب ستره للصلاة فإن الأصل فيه الإباحة.
• لم نؤمر بلبس أحسن الثياب إلا في الجمعة والعيد، وما كان ربك نَسِيًّا.
• قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قال: ما وارى العورة، وحكي إجماعًا.
• استحباب الثوبين من استحباب الهيئة، وهي أخص من استحباب الزينة.
• ما استحب لبسه من أجل الخروج للناس، لا يستحب فعله إذا صلى وحده، أو في جماعة في مكان خاص.
• كل لباس يطلب لبسه بعد ستر العورة إذا لم يكن لبسه يعود لمصلحة الستر من زيادة فيه أوتوثيقه، أوتغطية حجم العورة، فاستحبابه يحكمه العرف.
• استحباب أكثر من ثوب بعد ستر ما يجب ستره هو من استحباب الهيئة، وهو أخص من استحباب الزينة (١).
• لا يلزم من استحباب الثوبين في الصلاة، أن يكون ذلك من أجل الزينة؛ لأنه يصدق على الخَلِق كما يصدق على الجديد.
[م-٢٦٦] اتفق الفقهاء على استحباب التزين لصلاة الجمع والأعياد، واختلفوا في استحبابها لغيرها من الصلوات إلى أقوال:
стр. 2064
القول الأول:
يستحب للمصلي أن يلبس أحسن ما يجد من الثياب، وبه قال ابن عمر، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
قال النووي في روضة الطالبين: «ويستحب أن يصلي الرجل في أحسن ما يجد من ثيابه» (٢).
• واستدل أصحاب هذا القول:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿) يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وجه الاستدلال:
أمر الله تعالى بأخذ الزينة عند كل مسجد، والزينة قدر زائد على ستر العورة وعبر بالمسجد في قوله: (عند كل مسجد) والمراد به السجود، أي الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
• وأجيب عن الآية بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن كثيرًا من المفسرين ذهب إلى أن المراد بالزينة في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أي ستر العورة، فمن ستر عورته فقد أخذ زينته (٣)، وحكى الرازي وابن
стр. 2065
حزم وغيرهما الاتفاق عليه (١).
وجاء في اللباب في علوم الكتاب «أجمع المُفسرون على أن المراد بالزِّينةِ هنا لبس الثياب التي تستر العورة» (٢).
قال مجاهد بن جبر في قوله تعالى: «﴿خُذُوا
стр. 2066
زِينَتَكُمْ﴾ قال: ما وارى العورة، ولو عباءة» (١).
وجاء في تفسير الواحدي: «قال طاوس: لم يأمرهم بالحرير ولا الديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عريانًا، ففي ذلك يقول: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وهذا قول جماعة المفسرين» (٢).
وقال الرازي: «الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات، ولذلك صار التزيُّن بأجود الثياب في الجمع والأعياد سنة. وأيضًا إنه تعالى قال في الآية المتقدمة:
﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] فبين أن اللباس الذي يواري السوءة من قبيل الرياش والزينة، ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة، وأيضًا فقد أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة» (٣).
فجعل الزينة قسمين: أحدهما: التزين بأجود الثياب، وخصَّه بالجمع والأعياد.
الثاني: ستر العورة وهذا زينة سائر الصلوات، ونقل إجماع المفسرين على المعنى الثاني.
الجواب الثاني:
(ث-٢٠١) أن سبب نزول الآية هو ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن سلمة ابن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافًا؟ تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله … فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] (٤).
وتفسير الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول كان له حكم الرفع، ولهذا أمر النبي ﷺ ألا يطوف بالبيت عريان، ولم يأمر بالزينة للطواف، وهو دليل على ما يفهم من الآية وأنها في ستر العورة، وليس في أخذ مطلق الزينة (٥).
стр. 2067
فكانت الآية قد نزلت في عورة النظر، لا في عورة العبادة؛ لأن الكفار ليسوا من أهل العبادة، ولذلك صدر الله سبحانه الآية بقوله ﴿يَا بَنِي آَدَمَ﴾ فدخل فيها المسلم والكافر، ولو كان خطابًا للمسلمين لقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ كما هو معلوم من خطاب القرآن الكريم.
ومحال أن تكون الآية في عورة العبادة؛ والكافر لا يصح منه الطواف إجماعًا فضلًا أن يؤمر بفروع من ستر العورة أوالطهارة ونحو ذلك.
وإذا كانت الآية في عورة النظر فإن كشفها محرم إجماعًا، والكافر مخاطب في المنهيات من فروع الشريعة، كما يخاطب بأن لا يزني ولا يسرق، ولا يشرب الخمر في أسواق المسلمين، ونحو ذلك، وإذا فعل ذلك أخذ به وعوقب.
فلم يَأْتِ أمر مطلق باتخاذ الزينة بالصلاة حتى يستدل به على استحباب الزينة، وإنما الأمر بالآية جاء في حق رجال يلقون زينتهم عند المسجد ويطوفون عراة، ويحرمون بعض الطيبات، ويَدَّعُون أن الله أمرهم بذلك، فقيل لهم: خذوا زينتكم إن الله لا يأمر بالفحشاء، وأمر الله رسوله أن يقول لهم: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، أي لا أحد حرم هذا، ونفي التحريم يعني الإباحة، ولا يعني استحباب أخذ الزينة، ولا استحباب الأكل من الطيبات، كما لو ألقى رجل سراويله، فقلت: له خذ سراويلك، لا تمش عاريًا، لا يكون الأمر متوجهًا للسراويل بخصوصها، بل لكل ما يستر به عورته، ولذلك لا يمكن أن نفهم آية (خذوا زينتكم) حتى نربطها بالآية التي قبلها، والآية التي بعدها.
قال تعالى في الآية التي قبلها:
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨].
فقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الفاحشة بالآية: هي إلقاء زينتهم عند باب المسجد والطواف عاريًا.
стр. 2068
فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ لا يأمركم بإلقاء زينتكم.
ثم أمرهم بخلاف ما ادَّعَوْهُ فقال: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ﴾ والمقصود بهم الكفار.
﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فالمقصود بالزينة الزينة المعهودة التي كانوا يلقونها عن أجسادهم، فأمرهم بأن يأخذوا ما ألقوه من الزينة تعبدًا، ونفى أن الله أمرهم بالفاحشة، فلم يأمرهم ابتداءً باتخاذ الزينة حتى يفهم منه التشريع المطلق، زاد ذلك توكيدًا الآية التي بعدها، وهي في نفي التحريم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وكما قلنا: نفي التحريم لا يعني إلا الإباحة.
• ورد هذا الجواب:
كون الآية نزلت في الكفار، لا يعني اختصاصهم بها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فقوله: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ عام فلا يختص بالمسجد الحرام.
• وتعقب هذا الرد بجوابين:
الجواب الأول:
الاحتجاج بقاعدة: العبرة بعموم اللفظ ليس مطلقًا في كل دليل، ففي هذه الآية لا يصح القول بهذه القاعدة الأصولية؛ لأن القول بأن المراد بالمسجد السجود، هذا من قبيل التأويل للآية، وحَمْلُ المسجد على السجود يؤدي إلى إلغاء سبب نزول الآية، والذي يعتبر دخوله في الآية قطعيًّا عند جمهور الأصوليين (١)، ومتى كان القول بالعموم يلغي سبب النزول لم يعتبر العموم، وإنما يعتبر العموم إذا كان السبب داخلًا في جملة العموم، فيقال: لا يقصر الحكم على سببه، فإذا فسرنا المسجد بالصلاة لم يدخل الطواف، وإذا فسرنا المسجد بمكان العبادة دخل المسجد الحرام للطواف، ودخل غيره إما نصًّا في قوله (كل مسجد) أو بالعموم.
فإن قيل: قوله ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، يلغي الطواف؛ لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد.
قيل: هذا يؤكد ما قلناه من أن الآية قصد بها عورة النظر، لا عورة العبادة، فلم
стр. 2069
تكن الآية تشريعًا للكفار في ستر العورة من أجل الطواف، وإنما ذكر الطواف في سبب النزول حكاية للواقع، وكان المقصود به ستر العورة عن نظر الناس ممن كانوا يلقون زينتهم عند المسجد قبل الطواف، ولذلك الآية ذكرت المسجد ولم تذكر الطواف، فالأمر بالستر كان من أجل النظر، لا من أجل الطواف نفسه؛ لأنهم ليسوا من أهل العبادة.
الوجه الثاني:
لو سلمنا أن الآية في أخذ الزينة، فليس المقصود بها مطلق الزينة، وإنما قصد بها زينة خاصة، وهو أن الإنسان إذا ستر ما يقبح كشفه من جسده كان في هذا الفعل قدر من الزينة، وقد دل على أن ذلك هو المراد مما ورد من سبب النزول، وكون النبي ﷺ نهى عن الطواف عريانًا، فهو امتثال عملي للآية، ولو فهم من الآية الزينة لأمر باتخاذ الزينة للطواف، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن الصلاة في الثوبين مجمع على استحبابها، وقد فهم كثير من العلماء أن العلة في ذلك استحباب الزينة للصلاة، أما العورة فكان يكفيه أن يصلي بثوب واحد متزرًا، أو ملتحفًا به.
(ح-٧٧٠) وروى الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من يزين له، فإن لم يكن له ثوبان، فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود (١).
[الجزم برفعه شاذ، وقوله: إن الله أحق من يزين له موقوف على ابن عمر] (٢).
• ويناقش:
بأننا لا نسلم أن مشروعية الصلاة في ثوبين دليل على استحباب الزينة
стр. 2070
للصلوات الخمس، فهناك فرق بين استحباب الصلاة في ثوبين، وبين طلب الأحسن من الثياب؛ فمن صلى في ثوبين ولو كانت خلقة، فقد صدق عليه أنه صلى في ثوبين.
ولذلك سوَّى عمر بين الثياب المختلفة، وإن كانت في الزينة متفاوتة، وبعضها لا زينة فيها.
(ح-٧٧١) فقد روى البخاري من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد،
عن أبي هريرة قال: قام رجل إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: أوكلكم يجد ثوبين؟ ثم سأل رجل عمر، فقال: إذا وسع الله فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء.
وجه الاستدلال:
أن عمر ساوى بين الإزار والرداء والقميص الذي هو لباس الزينة عند الصحابة وبين لباس السراويل والرداء، والسراويل ليست من ثياب الزينة،
جاء فتح الباري لابن رجب: «روي عن عمر، أنه كتب إلى بعض جنوده: إذا رجعتم من غزاتكم هذه فألقوا السراويل والأقبية، والبسوا الأزر والأردية.
وهو محمول على أن لباس العرب المعهود بينهم أفضل من لباس العجم، فخشي على من رجع من بلاد العجم أن يستمروا على لباس العجم، فربما هجر لباس العرب بالكلية» (١).
وقد «سئل الإمام أحمد عن لبسه يعني السراويل، فقال: هو أستر من الأزر، ولباس القوم كان الأزر» (٢).
«وسئل أحمد أيضًا: عن السراويل أحب إليك أم المئزر؟ فقال: السراويل