الدليل الثالث:
(ح-٧٨٨) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق زيد بن الحباب، أخبرنا حسين بن وردان، عن أبي الزبير،
عن جابر: أن النبي ﷺ -نهى عن الصلاة في السراويل (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
علل بعض المالكية الكراهة بأن السراويل من لباس الأعاجم، ولم يكن من لباس الناس، فتشرع مخالفتهم (٣).
• ويجاب عن هذه العلة:
بأن ما كره من أجل مخالفة الأعاجم إذا لم يرد فيه نص بخصوصه، ولم يكن مقصودًا لذاته، وكان من العادات، فإنه إذا زال اختصاص الكفار به انتفى التشبه،
стр. 2102
ومنه لبس السراويل، فإنه لم يصح فيه نهي عن لبسه، وحديث أبي أمامة ضعيف، وإن حسنه بعض طلبة العلم، وتْركُ السراويل ليس مقصودًا لذاته، وهو معدود في عادات الناس وأعرافهم، فإذا اشتهر لبسه حتى صار من لباس عموم الناس، انتفت علة التشبه، فلم يكره، وكيف يصح حديث أبي أمامة وقد عرف لبسه في عصر الوحي حتى قال الرسول ﷺ -للمحرم: من لم يجد الإزار فليلبس السراويل (١).
الدليل الخامس:
علل بعض المالكية الكراهة بقبح المظهر، وأنه مخالف للحياء (٢).
وهذا قد يصدق في عرف أهل بلد بعينه فتختص الكراهة بهم مكانًا وزمانًا، ولا يصدق هذا على بلد قد اعتاد لبسه.
الدليل السادس:
علل ابن يونس الكراهة بأنه يصف العورة (٣)، ومقتضى هذا التعليل أنه لو كان واسعًا فلا كراهة.
الدليل السابع:
المصلي مأمور باتخاذ الزينة للصلاة كما في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، والسراويل: من ثياب المهنة وليست من الزينة في شيء.
وقد ناقشت فيما سبق دلالة الآية على استحباب الزينة، وأن المقصود بها لبس مطلق الثياب، لا طلب الأحسن من الثياب، وأن الآية في عورة النظر، وليس في عورة العبادة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وعلى التسليم بأن الزينة مأمور بها فالمرجع في تحديد الزينة إلى العرف، فلو كان لبس السراويل هو المتعارف عند الناس كانت الزينة في لبسها في الصلاة.
стр. 2103
• حجة من قال: يجوز لباس السراويل:
الدليل الأول:
(ح-٧٨٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، حدثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد،
عن ابن عباس ﵄، قال: خَطَبَنَا النبيُّ ﷺ -بعرفات، فقال: من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين (١).
وجه الاستدلال:
لو كان لبسه مكروهًا لقال: فليتزر بالسراويل، أو لِيَفْتِقْهُ ثم ليتزرْ به، فلما أذن بلبسه على هيئته دل على إباحة لبسه لغير المحرم مطلقًا، وللمحرم إذا لم يجد غيره، وهذا الحديث يدل على ضعف ما رواه القاسم، عن أبي أمامة.
الدليل الثاني:
(ح-٧٩٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سماك،
عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي ثيابًا من هجر، قال: فأتانا رسول الله ﷺ -فَسَاوَمَنَا في سراويل، وعندنا وزانون يزنون بالأجر، فقال للوزان: زنْ وأَرْجِحْ (٢).
[حسن] (٣).
وجه الاستدلال:
الظاهر أنه اشترى السراويل إما ليلبَسَهَا هو أو يُلْبِسَهَا غَيْرَه، وفي كلا الاحتمالين فهو دليل على إباحة لبسها.
• ونوقش:
لا نقاش في إباحة لبسها، ومن كره لبسها كالمالكية إنما كرهوا أن تكون ظاهرة فوق الملابس، والصلاة بها في مساجد الجماعات، ولم يكرهوا لبسها تحت الثياب مطلقًا، ولا لبسها والصلاة فيها في البيوت وفي السفر، ولو كانت فوق الثياب، والحديث لم يكن كاشفًا عن طريقة لبسها.
• وأجيب:
ما كان مطلقًا فهو على إطلاقه، فمن خص الإباحة بأن تكون تحت الثياب فقد قَيَّدَ المطلق بلا مُقَيِّدٍ، وليس ما قدم المالكية من تعاليل سالمة من المعارضة، فيكون إطلاق الإباحة أقوى.
стр. 2106
الدليل الثالث:
(ح-٧٩١) ما رواه البخاري من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد،
عن أبي هريرة قال: قام رجل إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: أوكلكم يجد ثوبين؟ ثم سأل رجل عمر، فقال: إذا وسع الله فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء (١).
وجه الاستدلال:
اعتبر عمر ﵁ الصلاة في السراويل والرداء من الصلاة في ثوبين والصلاة في ثوبين مجمع على استحبابها، ويستحب فعله مع اليسار والسعة لقوله: (إذا وسع الله فأوسعوا)، وليس فعله مقيدًا بالحاجة والضرورة، فكان هذا دليلًا على الإباحة.
• وأجاب المالكية:
بأن المقصود الصلاة في الرداء مع السراويل أي مشتملًا بالرداء، فكما لا يمكن أن يصلي بالرداء مع التبان إلا مشتملًا بالرداء؛ لأن التبان سراويل قصيرة لا أكمام لها، فكذلك الصلاة بالرداء مع السراويل (٢).
• ورد هذا الجواب:
بأن الأثر مطلق، ولم يرشد عمر ﵁ إلى الالتحاف، وظاهره أن الرداء يستر النصف الأعلى من البدن؛ لأنه يلقى على المنكب، والسراويل تستر النصف الأسفل منه، كما لو صلى في إزار ورداء، لا يقال: يلتحف بالرداء حتى يغطي الإزار، وأما الاستشهاد بالصلاة في التبان والرداء فلا حجة فيه؛ لأن الراوي ساقه شاكًّا فيه، ولم يجزم بأن عمر ﵁ قاله حتى يكون حجة، ولو سلم فهناك فرق بينهما، فالسراويل في الستر ليست كالتبان، فكثير من الفقهاء يفضلها
стр. 2107
في الستر على الإزار فكيف تقاس بالتبان، والله أعلم.
الدليل الرابع:
الأصل في اللباس الإباحة، فكل لباس لا شهرة فيه، ولا تشبه، ولا إسراف ولا مخيلة فهو على أصل الإباحة، ومنه السراويل.
الدليل الخامس:
المطلوب في الصلاة ستر العورة، والسراويل تستر أكثر من الإزار المتفق على صحة الصلاة به، ولم يَأْتِ نهي خاص صحيح عن لبس السراويل، حتى يقال بالكراهة، والكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي.
الدليل السادس:
(ح-٧٩٢) ما رواه البزار من طريق إبراهيم بن زكريا أبي إسحاق الضرير المعلم، قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن الأصبغ بن نباتة،
عن علي، قال: كنت عند رسول الله ﷺ -عند البقيع يعني بقيع الغرقد، في يوم مطير فمرت امرأة على حمارٍ، ومعها مكاري، فمرت في وهدة من الأرض، فسقطت، فأعرض عنها بوجهه، فقالوا: يا رسول الله، إنها متسرولة فقال: اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
ولا شاهد فيه، لأن المرأة إنما لبسته تحت الثياب، وهو مما لا خلاف في إباحته، والصلاة فيه.
• وجه من قال: إذا صلى بالسراويل يعيد في الوقت:
هذا بناء على أصل المالكية أن ترك المستحب يوجب الإعادة في الوقت طلبًا للكمال، وقد سبق أن ناقشت هذا الأصل، وبينت أنه لا وجه للقول بالإعادة: فإن كانت صلاته صحيحة فلا يشرع له أن يصلي الفرض مرتين، وإن كانت صلاته باطلة أمر بالإعادة مطلقًا، في الوقت وغيره. والله أعلم.
• الراجح:
أرى أن قول الجمهور في إباحة الصلاة بالسراويل أقوى من القول بالمنع، إلا أن لبس السراويل والظهور بها أمام الناس مثلها مثل أي لباس يحكم القول بجواز لبسه أن تكون موافقة لعرف البلد، فمن كان عرف بلده لبس السراويل، كما يلبس رجال باكستان وأفغانستان، وكما تلبس نساؤهم ما يسمى اللباس البنجابي فلباسه على الإباحة، والصلاة حالة من حالات لبسه، لا تختص بحكم يتعلق بها، وإن كان لبس السراويل مخالفًا لعرف بلده، فإنه ينهى عن لبسها، لا من جهة الصلاة بها، ولكن من جهة الخروج بها للناس مع مخالفتها للعرف، وأما إنكار الصلاة بها فقط، وقبول لبسها خارج الصلاة، وكأن الأمر يتعلق بالصلاة، فلا أرى وجاهة هذا القول، وقد بينت أن الزينة الخاصة للصلاة إنما تستحب للجمعة والعيد، وأما الصلوات الخمس فيصليها في ثيابه المعتادة، مما يلبسه سائر يومه، ولا شك أن ثياب الشاب غير ثياب الكبير، وثياب الشيوخ وطلاب العلم والقضاء، وكبار رجال الدولة غير ثياب العامة، والله أعلم.
* * *
стр. 2111
فرع في الصلاة بالبنطال
المدخل إلى المسألة:
• الأصل في اللباس الحِلُّ.
• البنطال سراويل إلا أنها ضيقة تلتصق بالعورة.
• يجوز الصلاة بالساتر الضيق إذا ستر لون البشرة عند جمهور الفقهاء.
• كل لباس لا شهرة فيه، ولا إسراف، ولا مخيلة، ولا تشبه بالكفار ولا تشبه لأحد الجنسين بالآخر وقد ستر ما يجب ستره للصلاة فلبسه جائز، ولو أبان حجم العورة.
• كل لباس انتشر بين المسلمين حتى أصبح من لباسهم وإن كان في أصله من لباس الكفار فإنه لا يمنع لعلة التشبه ما لم يُنْهَ عنه لذاته.
[م-٢٦٩] حكم البنطال لا يختلف عن حكم الصلاة بالسراويل إلا أنه لما كان البنطال ضيقًا وكان يصف حجم العورة، اختلف المعاصرون في صحة الصلاة به:
فقال أكثرهم بصحة الصلاة به.
ومنعه الألباني عليه رحمة الله.
وبالرجوع إلى كلام الفقهاء نجد أن مذهب الحنفية والحنابلة ذهبوا إلى صحة الصلاة بالثوب الساتر إذا كان يصف حجم العورة ما دام صفيقًا (١).
стр. 2112
وكرهه الشافعية للمرأة، وجعلوه للرجل خلاف الأولى (١).
وقال المالكية: تصح مع الكراهة، ويعيد الصلاة استحبابًا في الوقت (٢).
ولم أقف على أحد يقول ببطلان صلاته إلا وجهًا حكاه العمراني في البيان، عن الشافعية وغلطه النووي (٣).
• تعليل الفقهاء بصحة صلاته ولو أبان حجم العورة:
عللوا ذلك بأكثر من تعليل منها: أنه لا يمكن التحرز منه.
стр. 2113
ومنها: أن الستر في اللغة هو التغطية، وهذا قد غطى عورته.
قال ابن باز ﵀ جوابًا على سؤال وَجِّهَ لسماحته عن حكم لبس البنطال:
لا أعلم فيه مانعًا إذا كان على هيئةٍ ليس فيها ما يكشف العورة، بل يستر العورة، ولا يصير تَشَبُّهًا، فالبنطلون الذي يختص به الرجال لا تلبسه المرأة، والذي تختص به المرأة لا يلبسه الرجال.
وفي فتاوى نور على الدرب، قال ابن عثيمين جوابًا على سؤال عن حكم الصلاة في السراويل الضيقة للرجل.
فقال الشيخ: ما دام ساترًا النظر، فلا بأس به، إذا كان يتمكن به الإنسان من السجود ومن الجلوس أيضًا.
وخالف في ذلك الشيخ الألباني، فقال: «البنطلون فيه مصيبتان:
المصيبة الأولى: هي أن لابسه يتشبه بالكفار، والمسلمون كانوا يلبسون السراويل الواسعة الفضفاضة التي ما زال البعض يلبسها في سوريا ولبنان، فما عرف المسلمون البنطلون إلا حينما استُعْمِرُوا، ثم لما انسحب المستعمرون تركوا آثارهم السيئة، وتبناها المسلمون بغباوتهم وجهالتهم.
والمصيبة الثانية: هي أن البنطلون يحجم العورة، وعورة الرجل من الركبة إلى السرة، والمصلي يفترض عليه أن يكون أبعد ما يكون عن أن يعصي الله، وهو له ساجد، فَتَرَى أليتيه مجسمتين، بل وَتَرَى ما بينهما مجسمًا، فكيف يصلي هذا الإنسان، ويقف بين يدي رب العالمين؟
ومن العجيب أن كثيرًا من الشباب المسلم ينكر على النساء لباسهن الضيق؛ لأنه يصف أجسادهن، وهذا الشباب ينسى نفسه، فإنه وقع فيما ينكر، ولا فرق بين المرأة التي تلبس اللباس الضيق الذي يصف جسمها، وبين الشباب الذي يلبس البنطلون، وهو أيضًا يصف أليته، فألية الرجل وألية المرأة من حيث إنهما عورة، كلتاهما سواء، فيجب على الشباب أن ينتبهوا لهذه المصيبة التي عمتهم إلا من شاء
стр. 2114
الله، وقليل ما هم» (١).
ولم يكشف قول الألباني عن حكم الصلاة في البنطال، وإن كان يرى أن لبسه معصية، ولا يلزم من تحريم اللبس بطلان الصلاة، وقد ذكر الألباني علتين في تحريم لبسه: وهو التشبه، وتجسيم العورة، وهاتان العلتان قيلت في كراهة لباس السراويل، ولم يذهب المتقدمون من أجلها إلى تحريم اللبس، أو بطلان الصلاة، والله أعلم.
هذا من جهة حكم الصلاة في البنطال، من الرجال والنساء.
وأما حكم لبسه خارج الصلاة فهذا له باب آخر، وبادي الرأي أنه خاضع للعرف، ومراعاة السياسة الشرعية، ولباس المرأة أضيق من لباس الرجل، وما يباح للرجال في اللباس أوسع مما يباح للنساء؛ لأن عورة المرأة أعم من عورة الرجل، والفتنة بها أشد، ومن ساوى بينهما في التحريم فلم يصب، وقد قال الرسول ﷺ -للنساء كما في حديث سهل بن سعد في البخاري: لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال، فاحتاط النبي ﷺ -لنظر النساء لما قد يبدو من الرجال أكثر من احتياطه لنظر الرجال لبعضهم البعض، واغتفر النبي ﷺ -تفويت المتابعة المستحبة للصلاة من أجل الاحتياط لنظر النساء، ولم يوجه مثل هذا الخطاب للرجال في نظر بعضهم إلى بعض بلا قصد، فيؤخذ من هذا أن الاحتياط في نظر المرأة للرجل ونظر الرجل للمرأة أشد من نظر الرجل للرجل والمرأة للمرأة، ولا يصح القول بأن حديث سهل بن سعد كان ضرورة، لأنه كان بالإمكان الاتزار بالثوب فيكون سابغًا، بدلًا من شده على العنق مما قد يتسبب عنه تقلص الثوب عند السجود فتنكشف له بعض العورة.
وقال النبي ﷺ : لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة رواه مسلم (٢).
فهذا الحديث جعل النهي بين الجنس الواحد مختصًّا بالنظر إلى العورة، ولم يقل: ولا ينظر الرجل إلى عورة المرأة، لأن الممنوع والله أعلم في نظر الرجل إلى المرأة أعم من أن يكون مقصورًا على العورة؛ لأن الفتنة بها أشد.
وإن كنت لا أحب للرجال لبس البنطال، فإن دعت حاجة إليه كالسفر إلى بلاد
стр. 2115
الغرب، أو دعا إلى ذلك قوانين العمل كما في بعض البلاد فليوسع البنطال حتى لا يلتصق بالبدن.
وإن لبست المرأة البنطال لزوجها فلا حرج فيه، وكذا إذا لبسته لجماعة النساء، ولم يكن في ذلك شهرة، ولا تشبه، ولا إسراف، فمثل هذا لا أستطيع الجزم بحرمته، وإن كان الأَوْلَى منعه، خاصة إذا كان ذلك في مجتمع لم يعهدن لبسه، فإن الأمر قد يتدرج إلى أن تخرج به المرأة للأسواق، ويصبح الخروج به ولبسه مألوفًا، فلا ينكر، والله أعلم.
стр. 2116
المبحث الثاني في كراهة النقاب والبرقع في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• لم أقف على خلاف في كراهة الانتقاب في الصلا ة إذا لم يكن هناك أجانب.
• التعبد بتغطية الوجه في الصلاة بلا حاجة من التنطع في الدين، والابتداع في الشريعة.
• تغطي وجهها إذا احتاجت كما لوكان هناك أجانب أو روائح كريهة.
[م-٢٧٠] كره جمهور الفقهاء صلاة المرأة متنقبة أومتبرقعة، وحكي إجماعًا (١).
وقال الحنابلة: إلا أن يكون ذلك لحاجة، كحضور أجانب -قال الشافعية: لا يحترزون عن النظر إليها- فلا كراهة (٢).
قال الدردير في الشرح الكبير: «وكره انتقاب امرأة أي تغطية وجهها بالنقاب، وهو ما يصل للعيون في الصلاة؛ لأنه من الغلو، والرجل أولى ما لم يكن من قوم عادتهم ذلك» (٣).
وظاهره الكراهةُ مطلقًا حتى لو كان ذلك بحضور أجانب.
стр. 2117
قال النووي: «ويكره أن يصلي الرجل ملثمًا، والمرأة متنقبة» (١).
وجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «ويكره أن يصلي … الرجل متلثمًا، والمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان، وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها، فلا يجوز لها رفع النقاب» (٢).
وقال منصور البهوتي في كشاف القناع: «فإن كان لحاجة كحضور أجانب، فلا كراهة» (٣).
• والفرق بين تعليلَيْ الشافعية والحنابلة:
أن الشافعية قيدوا الكراهة إذا لم يكن هناك أجانب لا يحترزون من النظر إليها خوف الفتنة، فلم يروا مجرد وجود الرجال الأجانب كافيًا في رفع الكراهة؛ لأنهم لا يرون وجه المرأة عورة، ولهذا أطلق أكثر الشافعية كراهية الصلاة بالنقاب، ولم يقيده بشيء كالشيرازي والنووي والرملي وغيرهم.
قال الشيرازي في المهذب: «ويكره للمرأة أن تنتقب في الصلاة؛ لأن الوجه من المرأة ليس بعورة فهي كالرجل» (٤).
وقال النووي في الروضة: «ويكره أن يصلي الرجل ملثمًا، والمرأة متنقبة» (٥).
وأما الحنابلة فهم يرون وجه المرأة عورة، فكان وجود الرجال الأجانب وحده كافيًا برفع الكراهة، ووجوب النقاب، نظروا إليها أو لم ينظروا إليها.
• الأدلة على كراهة انتقاب المرأة في الصلاة:
الدليل الأول:
الإجماع، حكاه ابن عبد البر، قال: «وأجمع العلماء على أنها لا تصلي
стр. 2118
منتقبة، ولا متبرقعة» (١).
ونقل ابن قدامة حكاية الإجماع من ابن عبد البر، وأقره، ولم يتعقبه (٢).
الدليل الثاني:
علل الشافعية الكراهة: بأن الوجه ليس بعورة.
وهذا التعليل غير متسق؛ لأن تغطية ما ليس بعورة لا يوجب الكراهة، نعم يصح تعليلًا لو قيل: لماذا لا تقيد الكراهة في حال لم يكن هناك رجال أجانب؟ فيصح أن يقال: لأن الوجه ليس بعورة، وكون الوجه ليس بعورة هو محل اتفاق إذا لم يوجد رجل أجنبي، فإن وجد فالفقهاء مختلفون في عورة الوجه، وليس هذا موضع بحثها.
الدليل الثالث:
علل المالكية حكم الكراهة بأنه من الغلو في الدين، أي من التكلف الذي لم تؤمر به، بل إن اعتقاد مشروعية التنقب في الصلاة مع خلو نظر أجنبي إليها بدعة في الدين.
الدليل الرابع:
علل بعض المالكية والحنابلة الكراهة بأن النقاب يمنع مباشرة الأرض للأنف (٣).
وقال ابن تيمية في شرح العمدة: «إن مباشرة المصلي بالجبهة والأنف إما واجب أو مؤكد الاستحباب، ولأن الرجل إذا قام إلى الصلاة فإن الله تعالى قبل وجهه، وأن الرحمة تواجهه فينبغي له أن يباشر ذلك بوجهه من غير وقاية وقد كُرِهَ له تغميض العين فتغطية الوجه أولى» (٤).
وقال في مطالب أولي النهى: «وتكره صلاتها في نقاب وبرقع؛ لأنه يخل بمباشرة المصلي بالجبهة والأنف، ويغطي الفم» (٥).
стр. 2119
ولم يظهر لي هذا التعليل؛ لأن النقاب إن كان يمنع مباشرة الأنف والجبهة للأرض فالفرش المفروشة تمنع المباشرة أكثر من النقاب، ولم يكره أحد هذه الفرش السميكة، فإن صح الإجماع في كراهة النقاب فكفى به دليلًا، وإن لم يصح تبقى هذه التعليلات اجتهادات يمكن النظر فيها، المهم إذا صلت المرأة في النقاب ألا تعتقد أن هذا مشروع، وأنها تتعبد الله بتغطية وجهها، هذا هو المحذور الذي يمكن الاحتياط له، ولا يختلف الفقهاء في صحة صلاتها حتى على القول بكراهة النقاب، والله أعلم.
* * *
стр. 2120
المبحث الثالث في كراهة اللثام وتغطية الفم في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• لم يصح حديث في كراهة اللثام في الصلاة.
• الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي.
• بعض التعاليل لكراهة اللثام وجيهة والكراهة ينبغي أن تقيد بشرطين: ألا يكون وضع اللثام من عادة القوم، وألا تدعو إليه حاجة.
• إذا خص الصلاة بوضع اللثام كُرِهَ.
[م-٢٧١] كره جمهور الفقهاء اللثام في الصلاة:
وفسر الحنفية والحنابلة اللثام بتغطية الأنف والفم، وهو أحد التفسيرين عند الشافعية (١).
وفسره بعض الشافعية: بأنه تغطية الفم وحده (٢).
وفسر المالكية اللثام بتغطية الشفة السفلى وما تحتها من الوجه (٣).
стр. 2121
وكره المالكية اللثام خارج الصلاة، إلا أن يكون من قوم عادتهم ذلك (١).
والخلاف إنما هو في تفسير اللثام، وأما الكراهة فعامة الفقهاء يكرهون تغطية الأنف والفم، سواء أغطاهما معاً، أم غطى فمه وحده.
ذكر قاضي خان من الحنفية «أنه يكره للمصلي أن يغطي فاه أو أنفه إلا عند التثاؤب» (٢).
فأشار ب (أو) الدالة على كراهة كل واحد منهما بانفراده.
وفي بدائع الصنائع: «ويكره أن يغطي فاه في الصلاة» (٣).
وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة على مذهب عالم المدينة: «ولا يغطي في الصلاة أنفه ..... » (٤).
стр. 2122
(ث-٢٠٤) وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن المجبر،
أنه كان يرى سالم بن عبد الله بن عمر إذا رأى إنسانًا يغطي فاه، وهو يصلي، جبذ الثوب عن فيه جبذًا شديدًا حتى ينزعه عن فيه (١).
وقال ابن المنذر: «كثير من أهل العلم يكره تغطية الفم في الصلاة، وممن روي عنه أنه كره ذلك: ابن عمر، وأبو هريرة، وبه قال عطاء، وابن المسيب، والنخعي، وسالم بن عبد الله، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، واختلف عن الحسن، فروي عنه أنه كره ذلك، وذكر الأشعث أنه كان لا يرى به بأسًا» (٢).
وقال ابن المنذر: «كل من أحفظ عنه من أهل العلم يكره التلثم وتغطية الفم في الصلاة إلا الحسن فإنه كره التلثم، ورخص في تغطية الفم» (٣).
(ث-٢٠٥) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا حفص، عن شعبة، عن قتادة،
عن الحسن، قال: كان يكره أن يغطي أنفه وفمه جميعًا، ولا يرى بأسًا أن يغطي فمه دون أنفه.
[صحيح] (٤).
(ث-٢٠٦) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، عن أبي داود الطيالسي، عن هشام،
عن قتادة أنه قال: في تغطية الفم في الصلاة: لا أرى به بأسًا.
[صحيح] (٥).
وقال أحمد بن حنبل في رواية: «لا يكره التلثم» (٦).
стр. 2123
فخلصنا من هذا أن الأقوال تنتهي إلى ثلاثة:
أحدها: يكره تغطية الأنف والفم، سواء أغطاهما معًا، أم غطى فمه وحده.
الثاني: لا يكره اللثام مطلقًا، وهو رواية عن أحمد في مقابل المشهور عنه.
الثالث: يكره تغطيتهما معًا، ولا يكره تغطية الفم وحده، وهذا قول الحسن.
• دليل من قال بالكراهة:
الدليل الأول:
(ح-٧٩٣) ما رواه أبو داود في السنن، قال: حدثنا محمد بن العلاء وإبراهيم ابن موسى، عن ابن المبارك عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء -قال إبراهيم-
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ -نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه.
قال أبو داود: رواه عِسْلٌ، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ -نهى عن السدل في الصلاة (١).
أي وليس فيه النهي عن تغطية الفم موضع الشاهد.
[ضعيف] (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٧٩٤) ما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا أحمد بن رشدين، قال: حدثنا عمرُو بن خالدٍ الحرانيُّ، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن واهب بن عبد الله،
عن عبد الله بن عمرٍو، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصلين أحدكم، وثوبه على أنفه، فإن ذلك خَطْمُ الشيطان (١).
[ضعيف، وروي مرسلًا بسند صحيح] (٢).
والمرسل حجة عند جمهور الفقهاء، خلافًا للشافعي، وأهل الحديث، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختيار ابن حزم (٣).
стр. 2127
الدليل الثالث:
الإجماع على كراهة اللثام في الصلاة، إن قصد به تغطية الأنف والفم معًا. قال ابن المنذر كما تقدم: «كل من أحفظ عنه من أهل العلم يكره التلثم في الصلاة إلا الحسن فإنه كره التلثم، ورخص في تغطية الفم» (١).
وقد حُفِظَ الخلاف عن أحمد في إحدى الروايتين.
الدليل الرابع:
علل بعض الفقهاء كراهة تغطية الأنف في الصلاة من أجل أن يباشر الأرض بأنفه عند سجوده، كما يباشرها بجبهته.
قال ابن رشد الجد: «وليس ذلك بتعليل صحيح؛ لما جاء من النهي عن تغطية الفم في الصلاة، وهو مما لا يباشر الأرض» (٢).
والنهي عن تغطية الفم جاء من حديث أبي هريرة، وقد علمت أنه ضعيف.
الدليل الخامس:
علل عبد الوهاب البغدادي الكراهية بأن تغطية الأنف في الصلاة ضرب من سوء الأدب، وترك التوقير للصلاة (٣).
ولهذا قال المالكية: إن كان من قوم اعتادوا ذلك فلا يكره، لأنه لم يكن الباعث عليه سوء الأدب، ولا ترك التوقير للصلاة، لكن يستحب تركه من أجل الصلاة.
الدليل السادس:
علل الخرشي من المالكية بأنه من الغلو في الدين، ولم يظهر لي ذلك، ولا يقصد به التعبد.
الدليل السابع:
علل الباجي من المالكية الكراهة بأن الخشوع مشروع في الصلاة، واللثام
стр. 2128
ينافي الخشوع؛ لأن معناه الكبر.
• الراجح:
لا يصح في النهي حديث، إلا أن بعض التعاليل التي أوردها المالكية كافية في الكراهة، وترتفع الكراهة لو كان اللثام من عادة القوم، ولم يكن ذلك خاصًّا بالصلاة، أو كان هناك حاجة أو سبب مشروع كما لو وجدت روائح تشغله عن الخشوع، أو تثاءب، ولم يستطع أن يكظم، فليضع يده أو ثوبه على فمه، والله أعلم.
* * *
стр. 2129
المبحث الرابع في سدل الثوب في الصلاة
الفرع الأول في تعريف السدل
تعريف السدل عند الفقهاء (١):
اختلف الفقهاء في تعريف السدل على أقوال:
فقيل: السدل: هو أن يطرح الرداء على رأسه أو على كتفيه، ثم يرسل أطرافه من جوانبه، ولا يرد طرفه على الآخر. وبه قال جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٢).
وقيل: السدل: وضع وسط الرداء على رأسه، وإرساله من ورائه على ظهره،
стр. 2130
وهي لبسة اليهود (١).
وهذا التعريف ذكره الحنابلة، وهو قريب من تفسير الجمهور، والفرق فقط في إرساله: هل يكون على جوانبه، أو من وراء ظهره؟
وقيل: السدل: هو أن يرسل الثوب حتى يصيب الأرض، فجعلوا السدل بمعنى الإسبال، وهذا التفسير قال به الشافعية، واختاره ابن عقيل من الحنابلة (٢).
وجهه: أن السدل: هو إرخاء الشيء وإرساله، فيقال: أسدل الستار: إذا أرخاه وأرسله حتى مس الستار الأرض.
وأسدلت المرأة خمارها إذا أرسلته من أعلى رأسها إلى صدرها.
وقيل: السدل: وضع الثوب أو المنديل على عنقه، وهو قول للحنفية، وقول عند الحنابلة، زاد الحنابلة: ولم يرده على كتفيه (٣).
وقيل: السدل: أن يلتحف بثوبه، ويدخل يديه من داخل، فيركع، ويسجد، وهو كذلك، ذكره ابن الأثير، وهو معدود من أهل اللغة والفقه (٤).
وقال ابن الهمام: «وهو يصدق أيضًا على لبس القباء من غير إدخال اليدين في كميه، وقد صرح بالكراهة فيه» (٥).
وجاء في الفتاوى الهندية: «ومن السدل أن يجعل القباء على كتفيه، ولم يدخل يديه، كذا في التبيين، سواء أكان تحته قميص أم لا. كذا في النهاية .... ومن صلى في قباء» (٦).
стр. 2131
وهذا الخلاف يرجع إلى الاختلاف في تفسير السدل، هل المرجع فيه إلى اللغة، فكل ما صدق عليه أنه سدل دخل فيه، أو أنه محمول على سدل خاص؟
فمن رجع إلى اللغة وجد أن كثيرًا من هذه المعاني المختلفة تحتملها اللغة؛ لأن مدارها على تفسير السدل بمعنى الإرسال، فإن كان في اليدين فهو خلاف ضمهما، وإن كان في الشعر، فهو خلاف الفرق، وإن كان في الثياب فهو في إرخائها، وإرسالها، فيدخل فيه إرسال الرداء على جوانبه أو من وراء ظهره، ويدخل فيه إرسال الثوب وسدله حتى يمس الأرض، وليس أحد هذه التفسيرات مبطلًا للآخر ما دام أن المرجع في التفسير إلى اللغة، واللغة تحتمل كل ذلك، فتكون هذه التفسيرات من قبيل المشترك، والمشترك يحمل على جميع معانيه؛ وقد تقدم قول ابن فارس في مقاييس اللغة في تفسير السدل، والله أعلم.
ومنهم من فسر السدل بأنه يراد به سدل خاص، فلا يدخل فيه كل سدل للثياب، وهو ظاهر تعليل الصحابة بأن النهي من أجل التشبه باليهود، فيتعين قول من قال: هو في وضع الرداء على الرأس أو الكتف وسدله على الجانبين، وليست العلة انكشاف العورة بحيث إذا كان تحت الرداء قميص فلا بأس بالسدل، بل يكون منهيًّا عنه في الصلاة مطلقًا، والله أعلم.
وأضعف هذه التفسيرات قول ابن الأثير ﵀، بأنه يراد به الالتحاف في الثوب بحيث تكون يداه داخل الثوب فهذا يعد عندهم من اشتمال الصماء، وليس من السدل، والله أعلم بالصواب.
وأما إدخال بعض الحنفية السدل بطرح القباء على الكتفين، وإرسال الكُمَّيْنِ، فهذا مبني على تفسير السدل باللغة، وقد كرهه الحنفية، ونص على جوازه ابن تيمية، وكل من تكلم فيه من الحنابلة أحالوا القول بعدم الكراهة على ابن تيمية.
فقد سئل ابن تيمية ﵀: هل طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه في أكمامه مكروه؟
فأجاب بقوله: «لا بأس بذلك باتفاق الفقهاء، وقد ذكروا جواز ذلك، وليس
стр. 2132
هذا من السدل المكروه؛ لأن هذه ليست لبسة اليهود» (١).
وهذا ذهاب من ابن تيمية إلى أن النهي عن السدل من باب مخالفة اليهود، وليس من أجل كشف العورة.
وقد نقل ابن تيمية اتفاق الفقهاء على الجواز، ولا يصح الاتفاق مع ثبوت الكراهة عند الحنفية، ولم أقف على نص عند المالكية والشافعية.
وقد يترجح قول الحنابلة بأن جانبي القباء إذا كانا مضمومين خرج من السدل، وإن لم يدخل يديه في كميه.
(ح-٧٩٥) ويدل على هذا ما رواه مسلم من طريق همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه،
عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ -رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، - وصف همام حيال أذنيه - ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه (٢)، والله أعلم.
* * *
стр. 2133
الفرع الثاني في حكم السدل في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• قال ابن المنذر: لا أعلم في النهي عن السدل خبرًا يثبت.
• الأصل صحة صلاة من سدل ثوبه إذا لم تنكشف عورته في أثناء صلاته.
• صح عن بعض الصحابة النهي عن السدل، وهو كَافٍ في ثبوت الكراهة.
• المنقول عن بعض الصحابة في تعليل النهي عن السدل هو التشبه باليهود.
• العلة في النهي عن السدل إن كان عليه قميص هو التشبه باليهود، وإن لم يكن عليه قميص أضيف إلى ذلك الخوف من انكشاف العورة.
[م-٢٧٢] اختلف الفقهاء في حكم السدل في الصلاة:
فقيل: يكره السدل مطلقًا في الصلاة كراهة تحريمية، سواء أكان على المصلي قميص أم لا، وهو مذهب الحنفية، وبه قال أحمد في رواية، وزاد: فإن صلى سادلًا أعاد. قال في الإنصاف: وهي من المفردات (١).
وقيل: يكره مطلقًا، سواء أكان عليه ثوب أم لا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
стр. 2134
وقيل: يباح مطلقًا، وبه قال المالكية، ورجحه ابن المنذر من الشافعية، وهو رواية عن أحمد (١).
جاء في المدونة: «قال مالك: لا بأس بالسدل في الصلاة وإن لم يكن عليه قميص إلا إزار ورداء فلا أرى بأسًا أن يسدل، قال مالك: ورأيت بعض أهل الفضل يفعل ذلك، قال مالك: ورأيت عبد الله بن الحسن يفعل ذلك» (٢).
وقيل: يكره إن لم يكن تحته ثوب خوفًا من انكشاف عورته، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن أحمد، وبه قال الحسن وابن سيرين، والنخعي (٣).
وقيل: إن سدل للخيلاء حرم في الصلاة وفي غيرها، وإلا كره، وهو مذهب الشافعية، وهذا التفصيل مبني على تفسيرهم السدل بالإسبال (٤).
فهذه خمسة أقوال: التحريم، والكراهة مطلقًا، والإباحة مطلقًا.
وقولان مقيدان: الكراهة إن لم يكن تحته ثوب.
والتحريم إن سدله خيلاء، وإلا كره في الصلاة.
• دليل من قال: يحرم أو يكره السدل في الصلاة مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٧٩٦) ما رواه أبو داود في السنن من طريق ابن المبارك عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء،
стр. 2135
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ -نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه.
قال أبو داود: رواه عسل، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ -نهى عن السدل في الصلاة (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
أن النهي عن السدل مطلق، فيشمل النهي حتى ولو كان عليه قميص.
стр. 2136
الدليل الثاني:
(ح-٧٩٧) ما رواه البزار في مسنده من طريق أبي مالك النخعي، يعني: عبد الملك بن حسين، عن علي بن الأقمر،
عن أبي جحيفة، قال: مر النبي ﷺ -على رجل سادل ثوبه في الصلاة، فعطفه عليه (١).
[ضعيف، والراجح فيه الإرسال] (٢).
стр. 2137
فإن قيل: المرسل حجة عند الحنفية، قيل: وعند جمهور الفقهاء أيضًا بشرط أن يكون صحيح الإسناد.
وخالف الشافعي وأحمد في رواية، فقالوا: المرسل لا يحتج به حتى يعتضد، وليس هذا موضع بحثه.
الدليل الثالث:
(ح-٧٩٨) روى عبد الرزاق في المصنف عن بشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي عبيدة بن عبد الله،
أن أباه كره السدل في الصلاة، قال أبو عبيدة: وكان أبي يذكر أن النبي ﷺ -ينهى عن ذلك (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
أن العلة في النهي عن السدل إن كان عليه قميص هو التشبه باليهود، وإن لم يكن عليه قميص هو الخوف من انكشاف العورة، وحفظها واجب.
(ث-٢٠٧) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن أبيه،
أن عليًّا رأى قومًا يصلون، وقد سدلوا، فقال لهم: كأنهم اليهود خرجوا
стр. 2138
من فهرهم (١).
[صحيح] (٢).
وإذا كانت العلة التشبه باليهود كان النهي عن السدل مطلقًا حتى ولو كان عليه قميص.
الدليل الخامس:
(ث-٢٠٨) روى ابن أبي شيبة من طريق فضيل بن غزوان، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كره السدل في الصلاة مخالفة لليهود، وقال: إنهم يسدلون (٣).
[صحيح].
وهذا شاهد صحيح لأثر علي ﵁، ويوافقه أن العلة هي التشبه باليهود، والتشبه بهم منهي عنه، ولا يختص بالصلاة.
• وأجيب:
بأن ابن عمر قد صح عنه أنه كان يصلي، وهو سادل كما سيأتي في أدلة القول الثاني.
الدليل السادس:
من النظر، فإن السدل مظنة انكشاف العورة، وحفظها واجب.
стр. 2139
• دليل من قال: السدل جائز:
الدليل الأول:
لم يثبت حديث صحيح في النهي عن السدل، وكل ما ورد في الباب من أحاديث مرفوعة فهي معلة، والأصل الإباحة.
قال ابن المنذر: «لا أعلم في النهي عن السدل خبرًا يثبت، فلا نهي عنه بغير حجة» (١).
• ويناقش:
إذا سلم هذا في الأخبار المرفوعة، فإنه لا يصدق على الآثار الموقوفة، فقد صح النهي عن السدل في أثر علي ﵁، وصح عن ابن عمر، وإذا نهى الصحابة ﵃ عن شيء فاعلم أنه عن توقيف، فإن علمهم وورعهم يمنعهم أن يقولوا ذلك بمجرد الرأي.
• ويجاب:
بأن الصحابة قد ورد عنهم المنع والجواز، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فيتساقطان.
• ورد:
بأن القائل بالجواز محمول على البراءة الأصلية، والمانع ناقل عنها، فيقدم.
الدليل الثاني:
(ث-٢٠٩) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب،
عن محارب، قال: رأيت ابن عمر يسدل في الصلاة (٢).
[حسن] (٣).
стр. 2140
• ويناقش:
بأنه قد ورد عن ابن عمر من رواية نافع النهيُ عن السدل، فيكون لابن عمر في المسألة قولان.
الدليل الثالث:
(ث-٢١٠) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق موسى بن عبيدة، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر ﵁، أنه صلى، وهو مسدل (١).
[ضعيف] (٢).
ومع ضعفه فهو يحتمل أنه صلى، وهو مسدل يديه، أو مسدل ثوبه، أو مسدل شعره، فلم يتبين المسدول.
الدليل الرابع:
(ث-٢١١) ما رواه أبو داود في سننه، قال: حدثنا محمد بن عيسى الطباع، حدثنا حجاج،
عن ابن جريج، قال: أكثر ما رأيت عطاء يصلي سادلًا (٣).
[صحيح عن عطاء من فعله وقوله] (٤).