стр. 2136
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 30064
موسوعة أحكام الصلوات الخمس
دبيان الدبيان
Полный текст (10 314 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2137
فإن قيل: المرسل حجة عند الحنفية، قيل: وعند جمهور الفقهاء أيضًا بشرط أن يكون صحيح الإسناد.
وخالف الشافعي وأحمد في رواية، فقالوا: المرسل لا يحتج به حتى يعتضد، وليس هذا موضع بحثه.
الدليل الثالث:
(ح-٧٩٨) روى عبد الرزاق في المصنف عن بشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي عبيدة بن عبد الله،
أن أباه كره السدل في الصلاة، قال أبو عبيدة: وكان أبي يذكر أن النبي ﷺ -ينهى عن ذلك (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
أن العلة في النهي عن السدل إن كان عليه قميص هو التشبه باليهود، وإن لم يكن عليه قميص هو الخوف من انكشاف العورة، وحفظها واجب.
(ث-٢٠٧) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن أبيه،
أن عليًّا رأى قومًا يصلون، وقد سدلوا، فقال لهم: كأنهم اليهود خرجوا
стр. 2138
من فهرهم (١).
[صحيح] (٢).
وإذا كانت العلة التشبه باليهود كان النهي عن السدل مطلقًا حتى ولو كان عليه قميص.
الدليل الخامس:
(ث-٢٠٨) روى ابن أبي شيبة من طريق فضيل بن غزوان، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كره السدل في الصلاة مخالفة لليهود، وقال: إنهم يسدلون (٣).
[صحيح].
وهذا شاهد صحيح لأثر علي ﵁، ويوافقه أن العلة هي التشبه باليهود، والتشبه بهم منهي عنه، ولا يختص بالصلاة.
• وأجيب:
بأن ابن عمر قد صح عنه أنه كان يصلي، وهو سادل كما سيأتي في أدلة القول الثاني.
الدليل السادس:
من النظر، فإن السدل مظنة انكشاف العورة، وحفظها واجب.
стр. 2139
• دليل من قال: السدل جائز:
الدليل الأول:
لم يثبت حديث صحيح في النهي عن السدل، وكل ما ورد في الباب من أحاديث مرفوعة فهي معلة، والأصل الإباحة.
قال ابن المنذر: «لا أعلم في النهي عن السدل خبرًا يثبت، فلا نهي عنه بغير حجة» (١).
• ويناقش:
إذا سلم هذا في الأخبار المرفوعة، فإنه لا يصدق على الآثار الموقوفة، فقد صح النهي عن السدل في أثر علي ﵁، وصح عن ابن عمر، وإذا نهى الصحابة ﵃ عن شيء فاعلم أنه عن توقيف، فإن علمهم وورعهم يمنعهم أن يقولوا ذلك بمجرد الرأي.
• ويجاب:
بأن الصحابة قد ورد عنهم المنع والجواز، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فيتساقطان.
• ورد:
بأن القائل بالجواز محمول على البراءة الأصلية، والمانع ناقل عنها، فيقدم.
الدليل الثاني:
(ث-٢٠٩) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب،
عن محارب، قال: رأيت ابن عمر يسدل في الصلاة (٢).
[حسن] (٣).
стр. 2140
• ويناقش:
بأنه قد ورد عن ابن عمر من رواية نافع النهيُ عن السدل، فيكون لابن عمر في المسألة قولان.
الدليل الثالث:
(ث-٢١٠) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق موسى بن عبيدة، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر ﵁، أنه صلى، وهو مسدل (١).
[ضعيف] (٢).
ومع ضعفه فهو يحتمل أنه صلى، وهو مسدل يديه، أو مسدل ثوبه، أو مسدل شعره، فلم يتبين المسدول.
الدليل الرابع:
(ث-٢١١) ما رواه أبو داود في سننه، قال: حدثنا محمد بن عيسى الطباع، حدثنا حجاج،
عن ابن جريج، قال: أكثر ما رأيت عطاء يصلي سادلًا (٣).
[صحيح عن عطاء من فعله وقوله] (٤).
стр. 2141
فإن قيل: عطاء من التابعين، وقوله يفتقر إلى دليل، فليس بحجة.
• فيجاب
بأن أهمية قول عطاء يشير إلى ضعف ما رواه هو عن أبي هريرة مرفوعًا بأن النبي ﷺ -نهى عن السدل في الصلاة، فلو كان روى مثل ذلك لم يخالفه.
ولهذا قال أبو داود: وهذا يضعف ذلك الحديث. اه
إشارة إلى حديث عطاء عن أبي هريرة؛ إذ لو كان صحيحًا لم يترك عطاء العمل بما روى.
كما أعل الدارقطني حديث أبي هريرة بما رُوِيَ عن عطاء، قال في العلل: وفي رفعه نظر؛ لأن ابن جريج روى عن عطاء بن أبي رباح أنه كان يسدل في الصلاة (١).
• ونوقش هذا:
بأن العلماء قد اختلفوا هل مخالفة الراوي لما رواه يقدح في روايته؟
وفي المسألة خلاف، والمشهور أنه لا يقدح فيها، لما يتطرق إلى المخالفة من احتمالاتٍ غير ضعف الحديث، كأن يكون فعل ذلك قبل أن يبلغه الحديث، أو فعله ناسيًا، أو تأول النهي عن السدل فيما إذا لم يكن عليه قميص، أو حمل النهي على من فعله خيلاء، أو لغيرها من الاحتمالات.
• ورد هذا النقاش:
بأن هذا يقال لو كان الاختلاف على عطاء متساويًا في القوة، أما إذا انفرد بالرفع الحسن بن ذكوان وعسل بن سفيان على اختلاف عليهما في الحديث وصلًا وإرسالًا وكلاهما متكلم فيه.
بينما من روى عن عطاء أنه كان لا يرى بالسدل بأسًا من فعله وقوله، هو من أعلم الناس بحديث عطاء، ومن أكثر أصحابه ملازمة له، كابن جريج المكي، الذي صحب عطاء سبع عشرة سنة، ولم يتفرد به عن عطاء، بل تابعه عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وثور الهمداني، وكلاهما ثقة، فلا يصح أن يدفع هذا بأن يقال: الحجة فيما روى لا فيما رأى، ولهذا ذهب الإمامان أبو داود والدارقطني إلى
стр. 2142
إعلال المرفوع بما روي عن عطاء، وهما أعلم بما يعلُّ الحديث، وهل خفيت هذه الاحتمالات على هذين الإمامين، وهما معدودان من فقهاء المحدثين؟
ولهذا قال ابن المنذر: «لا أعلم في النهي عن السدل خبرًا يثبت» (١).
كما أن احتمال أن يكون عطاء فعل ذلك ناسيًا يدفعه كون ابن جريج نقل عنه أنه رآه ما لا يحصي يفعله، ثم إن عطاء أتبع الفعل بالقول، حيث نقل عنه من قوله: أنه كان لا يرى بأسًا بالسدل، والأصل عدم النسيان.
وليس عطاء وحده من يرى جواز السدل، فقد ذهب إلى رأي عطاء كل من الحسن البصري، والنخعي، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وسعيد بن جبير (٢)، وغيرهم، وإنما اعتنيت بقول عطاء دراسة وتخريجًا لمعارضته ما روي عنه، عن أبي هريرة مرفوعًا، والله أعلم.
• وأجيب على هذا الرد:
بأن هذه الآثار كل ما تفيده هو إثبات الخلاف في المسألة، والاختلاف ليس من أدلة الشرع، ويحتمل أن تكون أقوالهم محمولة على أنه كان عليهم ثياب تحت الرداء من قميص ونحوه، على قول من يرى أن العلة في النهي عن السدل هو خوف انكشاف العورة، فإذا سدل رداءه، وعليه قميص لم يخش انكشاف العورة بسقوطه، والله أعلم.
(ث-٢١٢) فقد روى عبد الرزاق في المصنف،
عن هشام بن حسان، قال: رأيت الحسن وابن سيرين يسدلان على قميصهما (٣).
стр. 2143
[صحيح].
(ث-٢١٣) وروى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن أبي معشر،
عن إبراهيم، أنه كان لا يرى بأسًا أن يسدل الرجل إذا كان عليه قميص، فأما إذا كان عليه إزار فلا يسدل (١).
[صحيح] (٢).
• ويتعقب هذا الرد:
بأن هذا الاحتمال قد يصح في أثر إبراهيم النخعي، وأما أثر ابن سيرين والحسن فهي حكاية فعل، لا تدل على الاختصاص،
(ث-٢١٤) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا سهل بن يوسف، عن حميد، قال: رأيت الحسن ما لا أحصي يسدل، وأنا أرى ظهره.
[وسنده صحيح].
وهو أصح من رواية هشام عن الحسن، بل روي عنه من قوله، وهو أبلغ في الدلالة.
(ث-٢١٥) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم،
عن الحسن، قال: لا بأس بالسدل في الصلاة (٣).
[صحيح].
فأطلق الإباحة، ولم يقيدها بشيء، والله أعلم.
• دليل الشافعية على تحريم السدل إن كان للخيلاء:
الدليل الأول:
(ح-٧٩٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا.
стр. 2144
ورواه مسلم من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة (١).
الدليل الثاني:
(ح-٨٠٠) ما رواه البخاري من طريق شبابة، حدثنا شعبة، قال: لقيت محارب ابن دثار على فرس، وهو يأتي مكانه الذي يقضي فيه، فسألته عن هذا الحديث فحدثني، فقال:
سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقلت لمحارب: أَذَكَرَ إِزَارَه؟ قال: ما خص إزارًا ولا قميصًا (٢).
ورواه البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله،
عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله ﷺ : إنك لست تصنع ذلك خيلاء، قال موسى: فقلت لسالم: أَذَكَرَ عبد الله من جر إزاره؟ قال: لم أسمعه ذكر إلا ثوبه (٣).
• ويجاب:
بأنه لا نقاش في صحة هذه الأحاديث، وفي دلالتها على تحريم الإسبال من الرجل إذا كان معه خيلاء، إلا أن الاستدلال بها على تحريم السدل هو محل النزاع.
فإن كان العمدة في التفسير اللغة، فلا يصح قصره على الإسبال، بل يشمله ويشمل تفسير الجمهور بأن السدل هو وضع الثوب على الرأس أو على الكتف، ثم إرساله على جانبيه أو من وراء ظهره، فهذه يصدق عليه لغةً أنه سدل ثوبه، بل أطلق السدل على أشياء كثيرة، فيقال: سدلت خمارها، وأسدلت جلبابها، وأسدل الستار، وكان يسدل شعره، ونهي عن سدل اليدين في الصلاة، فكل ذلك داخل في اللغة باسم السدل، فلن يتعين السدل في إرسال الثوب حتى يجره خيلاء.
وإن كان المقصود بالسدل إرسال الثوب على هيئة مخصوصة، وهو ما أطلق
стр. 2145
عليه علي بن أبي طالب وابن عمر بأن فيه تشبهًا باليهود، فهذا ينبغي أن يقصر السدل عليه، ولذلك وجد من السلف من يقيد كراهة السدل في الصلاة إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد، فأما السدل على القميص فلا بأس، ولو أرادوا بالسدل إسبال الثوب لم يكن هناك فرق فيه بين الثوب الواحد وغيره، والله أعلم.
• دليل من قال: إن كان عليه قميص لم يكره السدل:
هؤلاء يرون أن النهي عن السدل في الصلاة معلل بأحد أمرين:
إما لانكشاف العورة، وهذا إنما يكون إذا صلى في ثوب واحد، ثم سدله، ولم يعطف بعضه على بعض، والسدل في هذه الحالة محرم؛ لأن الالتحاف وجب لغيره، وهو ستر العورة.
أو العلة انكشاف البطن والصدر إن صلى برداء وإزار أو سراويل، فإنه إذا أسبل رداءه، انكشف صدره وبطنه، وهذا مكروه عندهم، لأن الهيئة خلاف الحياء والوقار، فإن كان تحت الرداء قميص فلا بأس بالسدل؛ لأنه لا خوف على انكشاف العورة، ولا على انكشاف البطن والصدر حينئذٍ، والله أعلم.
• الراجح:
النهي عن السدل ورد غير مفسر في الآثار، فكان الفقه هو العمل على تفسير هذه المفردة، فإن كان لها حقيقة شرعية قدمت في التفسير على غيرها؛ والغالب أن الحقيقة الشرعية واللغوية بينهما ارتباط ما، فقد تكون الحقيقة الشرعية أعم أو أخص من المعنى اللغوي.
فإذا لم نجد حقيقة شرعية لمعنى السدل، رجعنا إلى لغة العرب، فإن كان لها مَعَانٍ مشتركة، فإن كان هناك قرينة أن المراد أحد هذه المعاني، وليس كلها تعين هذا المعنى وخرج ما عداه من المعاني المشتركة، وإن لم يكن هناك قرينة حمل اللفظ على جميع معانيه المشتركة إذا لم تتعارض.
هذا هو السبيل إلى فهم هذه المفردة وغيرها من المفردات التي نهينا عنها، فإذا رجعنا نبحث عن حقيقة شرعية لمعنى السدل لم نقف عليه من قبل الشارع، ذلك أن الأحاديث المرفوعة في الباب لا حجة فيها.
стр. 2146
فنرجع إلى السدل بالمعنى اللغوي، فنجد أن السدل هو إرسال الثوب فيصدق في إرسال الرداء كما قال الجمهور، ويصدق في إرسال الإزار حتى يمس الأرض كما قال الشافعية، فإذا رجعنا إلى الآثار المروية عن الصحابة، كالأثر الوارد عن علي بن أبي طالب وابن عمر ﵃، وقد صرحوا أن العلة هو التشبه باليهود، ولم يذكروا علة غيرها، فكان حمل اللفظ على إرسال الرداء أقرب من حمله على إرسال الإزار، كما أنه يدل على كراهة السدل مطلقًا، سواء أكان عليه قميص أم لا، وهل يدل على الكراهة أو على التحريم:
يقال: الأصل فيما علته التشبه الكراهة، وقد يرقى التشبه إلى الكفر، وقد ينزل إلى ما هو معدود في خلاف الأولى وهو أخف من المكروه، كالأمر في الصلاة في النعال مخالفة لليهود، وكل ذلك يتوقف على القرائن، فإن خلا الحكم من القرائن فالأصل فيه الكراهة كالنهي عن السدل.
وأما من علل النهي بانكشاف العورة، فإنما قاله فهمًا وتفقهًا من عنده، لا من النص، ومن ثم فرَّع على هذا الفهم بأن النهي عن السدل خاص بما إذا لم يكن تحت الرداء قميص، فإن كان تحته قميص فلا حرج في السدل، وهذا تقييد لما أطلق بعلة مظنونة، والصحابة أعلم بالعلة من غيرهم، والله أعلم.
* * *
стр. 2147
الفرع الثالث في حكم الصلاة مع السدل
المدخل إلى المسألة:
• ما نهي عنه لعلة التشبه لا يختص النهي عنه بالصلاة.
• إذا كان النهي لا يختص بالصلاة فارتكابه لا يفسد الصلاة.
• لا يصح خبر مرفوع في النهي عن السدل في الصلاة.
• عمدة الباب في النهي عن السدل ما ورد عن بعض الصحابة على اختلاف بينهم.
[م-٢٧٣] علمنا من بحث المسألة السابقة الحكم التكليفي للسدل، وأن العلماء مختلفون في حكمه في الصلاة، فالحنابلة على أنه مكروه كراهة تنزيه، وبه قال الشافعية إذا لم يكن معه خيلاء.
وقال الحنفية: مكروه كراهة تحريم، وهو رواية عن أحمد.
وخالف المالكية، فقالوا: لا بأس به.
وأما الحكم الوضعي للسدل، فمن قال: إنه مباح، أو مكروه كراهة تنزيه فلا اختلاف بينهم أنه لو صلى سادلًا ثوبه فإن صلاته صحيحة.
واختلف القائلون بأنه مكروه كراهة تحريم كالحنفية وأحمد في إحدى الروايتين هل تصح صلاة المسدل ثوبه؟
فقال الحنفية: تصح (١).
وقال أحمد في رواية: يجب أن يعيد، قال المرداوي: وهي من المفردات (٢).
стр. 2148
• سبب الخلاف:
يرجع إلى الخلاف في مسألة أصولية: هل ترك الواجب أو فعل المحرم عمدًا في العبادة يبطلها؟
وهي مسألة خلافية، فالحنابلة يرون أن ترك الواجب في العبادة يبطلها.
واختار المالكية والحنفية أن ترك الواجب لا يبطلها، وإنما ينقص من أجرها، وإنما تبطل الصلاة بترك الشرط أو الركن، وهي مسألة سبق بحثها.
وعلى التسليم بأن السدل محرم، فهل النهي عن السدل يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا، أو يختلف حكمه بحسب تعلق النهي، فما كان النهي فيه يعود إلى ذات المنهي عنه يختلف الحكم فيه إذا عاد النهي لأمر خارج؟
وهل ما نهى عنه الشارع يصبح اجتنابه شرطًا لصحة الصلاة مطلقًا، أو أن هذا خاص بما نهى عنه الشارع لمعنى يختص بالصلاة، فإن كان لمعنى لا يختص كما في السدل، وهو التشبه باليهود، فيكون الراجح أنه لا يبطلها؟
وإذا رجحنا أن السدل مكروه لصحة ورود النهي عنه عن بعض الصحابة وأن ذلك لا يبلغ بالمسألة التحريم، فالصلاة صحيحة، والله أعلم.
* * *
стр. 2149
الفرع الرابع في اشتمال الصماء في الصلاة
المسألة الأولى في تعريف اشتمال الصماء
المدخل إلى المسألة:
• لا يعارض التعريف الشرعي أو الاصطلاحي بالتعريف اللغوي.
• تفسير أهل اللغة لاشتمال الصماء لا يتجاوز به التعريف اللغوي، أما التعريف الشرعي أو الاصطلاحي فالمرجع في بيانه إلى أهله.
• قد يتكلم النبي ﷺ -بكلام من كلام العرب، يستعمله في معنى هو أخص من استعمال العرب، أو أعم منه، ويتلقى ذلك عنه حملة شريعته، ويكون مقدمًا على التفسير اللغوي.
• تعريف أغلب الفقهاء لاشتمال الصماء متلقى من الإمام الزهري أدرج في الحديث: هو وصف للاضطباع إلا أنه في ثوب واحد.
• النهي عن الاضطباع في الثوب الواحد، هل العلة فيه الخوف من كشف العورة، أو مرده إلى النهي عن كشف العاتق في الصلاة، أو العلة مجموعهما، والأولى أولى؟
تعريف اشتمال الصماء اصطلاحًا (١):
стр. 2150
اشتمال الصماء له تعريفان: تعريف عند العرب نقله أبو عبيد عن الأصمعي، وهو قائم على المدلول اللفظي للكلمة (١).
وتعريف لجمهور الفقهاء قائم على التأويل لأدنى علاقة بالمدلول اللفظي.
وعند الرجوع إلى المذاهب الأربعة للوقوف على التعريف الاصطلاحي رأينا بعض المذاهب يقدم تعريف العرب خلافًا لما عليه أكثر الفقهاء.
التعريف الأول: تعريف أهل اللغة:
توجه أكثر الحنفية، وابن حزم من الظاهرية، وبعض المالكية وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة إلى تقديم تعريف العرب على تعريف الفقهاء.
فقالوا: هو أن يجلل بثوب واحد بدنه كله من رأسه إلى قدمه، ولا يدع منفذًا
стр. 2151
يخرج يديه منه، سمي به؛ لعدم منفذ يخرج منه يديه، كالصخرة الصماء (١).
ومن اعتمد من الفقهاء تعريف أهل اللغة فهو يدور حول هذا المعنى على اختلاف عباراتهم.
فقد اقتصر عليه ابن الهمام، وقدمه الزيلعي وابن نجيم في البحر الرائق وابن عابدين في حاشيته (٢).
وقال ابن الملقن في الإعلام في تعريف اشتمال الصماء: «وهو الالتفاف في ثوب واحد من رأسه إلى قدميه يخلل به جسده، وتسمى الشملة الصماء أيضًا، سميت بذلك لشدها وضمها جميع الجسد كالصخرة الصماء ليس فيها خرق، ولا صدع، ومنه صمام القارورة» (٣).
وهذا التعريف هو معنى ما نقله أبو عبيد عن العرب.
وقال ابن حزم: «ولا يجوز لأحد أن يصلي، وهو مشتمل الصماء، وهو أن يشتمل المرء، ويداه تحته، الرجل والمرأة سواء» (٤).
وقد ذكر الفقهاء ثلاث علل للنهي عن هذه اللبسة:
إحداها: أنه لا يتمكن من إخراج يديه إلا من أسفل ثوبه، فتخشى أن تبدو من ذلك عورته.
قال المهلب نقلًا من شرح البخاري لابن بطال: «والاشتمال الذى أنكره الرسول ﷺ -هو اشتمال الصماء المنهي عنه، وهو أن يجلل نفسه بثوبه، لا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله، فيخاف أن تبدو عورته عند ذلك» (٥).
العلة الثانية: أنه إذا تجلل به ربما نابه شيء، فلا يقدر أن يتقيه، وهذا لا يختص بالصلاة.
стр. 2152
العلة الثالثة: أن يخاف معه أن يُدْفَعَ إلى حالةٍ سَادَّةٍ لمتنفسه فيهلك غمًّا تحته، إذا لم تكن فيه فرجة (١).
التعريف الثاني: تعريف أغلب الفقهاء
تعريف أغلب الفقهاء لاشتمال الصماء: وهو أن يلبس ثوبًا واحدًا وهو الرداء، فيشتمل به على بدنه من غير إزار، ثم يضع طرفيه على أحد منكبيه، ويبقى منكبه الآخر وشقه مكشوفًا، فتبدو عورته منه.
وهذا التعريف هو وصف للاضطباع إلا أنه في ثوب واحد.
قال ابن رجب: «وبذلك فسر اشتمال الصماء أكثر العلماء، منهم سفيان الثوري، وابن وهب، وأحمد وأبو عبيد.
قال الإمام أحمد: «هو الاضطباع بالثوب إذا لم يكن عليه غيره» (٢).
وبه قال محمد بن الحسن والكرخي من الحنفية، وقدمه في بدائع الصنائع (٣).
стр. 2153
وتفسير الفقهاء مقدم على تفسير أهل اللغة لوجوه منها:
الأول: أنهم أعلم بالتأويل، قال أبو عبيد: «والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذلك أصح معنى في الكلام» (١).
واستحسن ابن رجب كلام أبي عبيد، فقال: «وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغة حسن جدًّا، فإن النبي ﷺ -قد يتكلم بكلام من كلام العرب، يستعمله في معنى هو أخص من استعمال العرب، أو أعم منه، ويتلقى ذلك عنه حَمَلَةُ شريعَتِهِ، فلا يجوز تفسير ما ورد في الحديث المرفوع إلا بما قاله هؤلاء الأئمَّة العلماء الذين تلقوا العلم عمن قبلهم، ولا يجوز الإعراض عن ذلك، والاعتماد على تفسير من يفسر ذلك اللفظ بمجرد ما يفهمه من لغة العرب، وهذا أمر مهم جدًّا، ومن أهمله وقع في تحريم كثير من نصوص السنة، وحملها على غير محاملها، والله الموفق» (٢).
وكلام أبي عبيد لم يقدم تفسير الفقهاء مطلقًا، وإنما ذكر لكل تعريف ما يوجب ترجيحه:
فالفقهاء قال: هم أعلم بالتأويل، وقال عن تعريف أهل اللغة: أصح معنى في الكلام، فأشار إلى معنى الكلمة واشتقاقها ومدلولها اللغوي أصح من كلام الفقهاء كما أن القول من ابن رجب لا يقتضي تقديم تفسير الفقهاء مطلقًا، وإنما يريد أن يقول: هناك فرق بين التفسير اللغوي، والتفسير الشرعي، وكُلٌّ مقدم في فنه، فإن كان التعريف لاشتمال الصماء من حيث اللغة فَالمَرَدُّ إلى أهل اللغة؛ لأنهم هم أهل الشأن، وإن كان التفسير لاشتمال الصماء من حيث الحقيقة الشرعية، فالمرجع فيها إلى أهلها، وتفسير أهل اللغة لاشتمال الصماء لا يتجاوز به التعريف اللغوي، أما التعريف الشرعي أو الاصطلاحي فالمرجع في بيانه إلى أهله، كل في فنه، والله أعلم، والتعريف الاصطلاحي تارة يكون موضوعًا من أهل الفن، وتارة يكون متلقى من الشارع، فالكلام في لغة العرب يختلف عن تعريف الكلام عند النحويين، وتعريفه عندهم اصطلاح توافقوا عليه، والإيمان في لغة العرب يختلف عن الإيمان في الشرع، فالإيمان له حقيقة شرعية متلقاة من الشارع، وليس من
стр. 2154
توافق علماء الشريعة، فلا يرجع إلى أهل اللغة في تعريف الإيمان إلا من حيث اللغة فحسب، و الله أعلم.
الوجه الثاني:
أن الآثار تشهد لصحة تفسير الفقهاء، من ذلك:
(ح-٨٠١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ -عن لبستين: أن يحتبيَ الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، وأن يشتمل بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه، وعن الملامسة والمنابذة (١).
فذكر العراقي في طرح التثريب: أن قوله: (ليس على أحد شقيه) دليل على أن المراد في الحديث ما فسره به الفقهاء، لأن تفسير أهل اللغة لا يقتضي رفعه على أحد شقيه، يعني وتعرية الآخر (٢).
(ح-٨٠٢) ومنها ما رواه البخاري من طريق الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد،
أن أبا سعيد الخدري، قال: نهى رسول الله ﷺ -عن لبستين، وعن بيعتين، نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلبه إلا بذلك. والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينذر الآخر ثوبه، ويكون ذلك بيعهما عن غير نظرٍ، ولا تراضٍ. واللبستين: اشتمال الصماء، والصماء: أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب. واللبسة الأخرى: احتباؤه بثوبه، وهو جالس، ليس على فرجه منه شيء.
ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس به، وفيه تفسير الملامسة والمنابذة، وسكت عن تفسير اللبستين (٣).
стр. 2155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2158
(ح-٨٠٣) ومنها ما رواه النسائي في السنن الكبرى، قال: أخبرني محمد بن وهب الحراني، قال: حدثنا محمد بن سلمة، قال: حدثني أبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، قال: حدثني عبد الوهاب المكي، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص،
стр. 2159
عن ابن مسعود قال: نهى رسول الله ﷺ -عن لبستين، فأما اللبستان: فأن يحتبي الرجل بثوب لا يكون بينه وبين السماء شيء، وتصيب مذاكيره الأرض، وأن يلبس ثوبا واحدًا يأخذ بجوانبه فيضعه على منكبه، فتدعى تلك الصماء (١).
[رجاله ثقات إلا محمد بن وهب فإنه صدوق، وهذا إسناد غريب، لم يروه أحد من الكتب التسعة إلا النسائي] (٢).
(ح-٨٠٤) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا كثير بن هشام، قال: حدثنا
стр. 2160
جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سالم،
عن أبيه، قال: نهى رسول الله ﷺ -عن لبستين: الصماء، وهو أن يلتحف في الثوب الواحد يرفع جانبه عن منكبه ليس عليه ثوب غيره، ويحتبي الرجل بالثوب الواحد ليس بين فرجه وبين السماء شيء. يعني: سترًا (١).
[ضعيف] (٢).
(ح-٨٠٥) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام، حدثنا معمر، عن همام،
عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ -عن بيعتين ولبستين: أن يحتبي أحدكم في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، وأن يشتمل في إزاره إذا ما صلى، إلا أن يخالف بين طرفيه على عاتقه (٣).
[رجاله ثقات إلا أن قوله: (إلا أن يخالف بين طرفيه) انفرد بها همام دون أصحاب أبي هريرة] (٤).
стр. 2161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2164
• وجه الدلالة من الحديث:
قوله: (إذا ما صلى).
وقوله: (إلا أن يخالف بين طرفيه)، فهذان اللفظان يشهدان على صحة تفسير الفقهاء، لأن قوله: (إذا ما صلى) دليل على أن المعنى فيه الاحتياط للعورة لأجل الصلاة، بخلاف تفسير أهل اللغة فإن المعنى عندهم من عجزه عن الحركة
стр. 2165
والتصرف لا تَعَلُّقَ له بالصلاة.
وكذا قوله (إلا أن يخالف بين طرفيه على عاتقه) فإنه يدل على أن المعنى الاحتياط للعورة لئلا تنكشف، وذلك يُؤْمَنُ بالمخالفة بين طرفيه وربطه على عاتقه بخلاف تفسير أهل اللغة فإن المخالفة بين طرفيه على عاتقه لا يزيده إلا شدة وتقييدًا، والله أعلم (١).
ورغم أن لفظة (إلا أن يخالف بين طرفيه) فيها تفرد من حديث أبي هريرة من النهي عن بيعتين ولبستين، فقد يكون اختلط على همام حديث النهي عن بيعتين ولبستين بحديث آخر لأبي هريرة، لا دخل له في حديث اشتمال الصماء.
رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة
عن أبي هريرة، بلفظ: من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه (٢).
(ح-٨٠٦) كما روى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عمر بن أبي سلمة، قال: رأيت رسول الله ﷺ -يصلي في ثوب واحد مشتملًا به في بيت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقيه.
وفي رواية لهما: قد خالف بين طرفيه (٣).
وهذا دليل على أن اشتمال الصماء لا يقصد منه النهي عن مطلق الاشتمال، وإنما يراد به النهي عن اشتمال مخصوص، وذلك بأن يشتمل في ثوب واحد، ويضع طرفي ثوبه على أحد عاتقيه، ويبقى منكبه وأحد شقيه عاريًا، قد ترى منه عورته، وقد يسقط ثوبه عنه، فإذا خالف بين طرفيه، لم يَبْقَ أحد منكبيه مكشوفًا، وكان أوثق لثوبه عن السقوط، وأستر لعورته، والله أعلم.
وإذا قدمنا في تعريف صفة الاشتمال تأويل الفقهاء، بقي علينا أن نعرف علة النهي عن هذه الصفة على هذا التأويل، وقد ذكر الفقهاء مجموعة من العلل، منها:
العلة الأولى: انكشاف أحد شقيه، مما قد تبدو منه عورته.
стр. 2166
وهذا يعني أنه لو اشتمل بردائه اشتمال الصماء إلا أن تحته ثوبًا جاز ذلك بلا كراهة؛ لأن شقه لن ينكشف في هذه الحالة، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى مناقشة حكم هذه المسألة.
وهذا الذي انكشف من المصلي إنما هو أحد جنبيه، فيبدو منه الفخذ والورك.
فمن رأى أن الورك وبعض الفخذ من عورة الصلاة كما هو قول الجمهور، فسيذهب إلى تحريم هذا الاشتمال إذا أدى إلى انكشاف مثل ذلك، أو إلى كراهته إن خشي منه كشف العورة (١).
ومن رأى أن العورة هي الفرج خاصة، كما هو رأي بعض المالكية وبعض الحنابلة فسيذهب إلى الكراهة؛ لأن انكشاف مثل ذلك قد يفضي إلى انكشاف العورة، وما قرب من العورة فهو حريم لها، وما كان مظنة انكشاف العورة فحقه الكراهة، وسبق تحرير الخلاف هل الفخذ من عورة الصلاة، أو ليس بعورة؟
والراجح عند الحنابلة أن النهي عن اشتمال الصماء ليس خاصًا بالصلاة،
قال في الفروع: «ولما نهى النبي ﷺ -عن اشتمال الصماء لم يقيده بالصلاة، وقرنه بالاحتباء، فظاهر ذلك لا يختص بالصلاة» (٢).
العلة الثانية: أن اشتمال الصماء هو الاضطباع، وهو مكروه في الصلاة:
وعلة الكراهة ألكونه في ثوب واحد مما قد يبدو أحد شقيه فتبدو منه عورته، كما هو قول أكثر الفقهاء، فتكون هذه العلة نفس العلة السابقة.
أم نَهَي عنه؛ لأن الاضطباع في الصلاة مكروه، ولو كان عليه إزار، وجواز الاضطباع في طواف القدوم، لا يعني عدم كراهته في الصلاة، كما هو مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة؟
جاء في حاشية الدسوقي: «ولعله أراد بالصماء ما يشمل الاضطباع: أي لأن كُلًّا منهما مكروه في الصلاة إن كان معه ساتر، وإلا منع» (٣).
стр. 2167
فكره المالكية الاضطباع في الصلاة، وإن كان معه ساتر.
وجاء في مغني المحتاج: «ويكره أن يصلي في ثوب فيه صورة، وأن يصلي عليه وإليه، وأن يصلي بالاضطباع» (١). وظاهره من غير فرق بين أن يكون ذلك في ثوب واحد، أو أكثر.
«وقال ابن أبي موسى الحنبلي وغيره: إن اضطبع بثوب كان تحته غيره أجزأته صلاته مع الكراهة، وإن لم يكن تحته غيره أعاد الصلاة» (٢).
واعتمدوا في استدلالهم على كراهة الاضطباع، وإن كان تحته ثوب في الصلاة على دليلين:
أحدهما: النهي الوارد في حديث أبي هريرة لا يُصَلِّيَنَّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء.
فتكون العلة في كراهة اشتمال الصماء: هو انكشاف أحد عاتقيه، وقد ذهب الحنابلة في قول لهم إلى اشتراط ستر العاتقين، وفي قول لهم آخر إلى وجوبه، والمشهور في المذهب أنه يشترط ستر أحد العاتقين في الفرض دون النفل.
والجمهور على استحباب سترهما، وقد سبق بحث هذه المسألة، ولله الحمد.
الثاني: أن الصلاة على صفة الاضطباع ليست من الزينة عند من يرى استحباب الزينة للصلوات الخمس.
وهذا على التسليم بأن الإنسان مأمور بالزينة للصلوات الخمس فإنه يقال في حق أناس لا يعتبرون هذه اللبسة من زينتهم، فإن جرت العادة بينهم على لبس ثيابهم بالاضطباع كما هو حال بعض البلاد الأفريقية فلا يعتبر مُخِلًّا بالزينة، والله أعلم.
العلة الثالثة: علل بعض الحنفية النهي عن اشتمال الصماء؛ لكونه من اشتمال اليهود.
جاء في البحر الرائق: «ومن المكروه اشتمال الصماء لما رواه أبو داود عن ابن
стр. 2168
عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان لأحدكم ثوبان، فَلْيُصَلِّ فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود.
واشتمال اليهود: هو الصماء، وهو إدارة الثوب على الجسد من غير إخراج اليد سمي بها لعدم منفذ يخرج يده منها كالصخرة الصماء» (١).
وسوف أناقش هذه العلة بالتفصيل بالمبحث الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وفرق الشافعية بين اشتمال الصماء، واشتمال اليهود (٢).
قال الخطابي في معالم السنن: «اشتمال اليهود المنهي عنه هو أن يجلل بدنه الثوب ويسبله من غير أن يشيل طرفه، فأما اشتمال الصماء الذي جاء في الحديث فهو أن يجلل بدنه الثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر، هكذا يفسر في الحديث» (٣).
ونقل البغوي هذا عن الخطابي، وقال: «وإلى هذا ذهب الفقهاء» (٤).
وصحح الفرق بينهما ابن الرفعة في كفاية النبيه (٥).
فصار الاشتمال يأتي على ثلاث صفات:
الأولى: اشتمال الصماء، وهو أن يجلل بدنه بالثوب، ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر.
الثانية: اشتمال اليهود، وهو أن يجلل بدنه الثوب، ثم يسبل طرفيه، ولم أقف على حديث صحيح في هذه الصفة، بل لم يثبت حديث صحيح في التعليل باشتمال اليهود، وإنما ورد ذلك في السدل عن علي وابن عمر ﵃، وسبق بحث حكم السدل.
الثالثة: الاشتمال المأذون فيه، وهو أن يلتحف بالثوب مخالفًا بين طرفيه على
стр. 2169
عاتقيه، فهذه الصفة جائزة، وقد فعلها الرسول ﷺ -كما في حديث عمر بن أبي سلمة في الصحيح.
ولو ثبت التعليل بالتشبه فإن هذا يعني أمورًا منها:
أحدها: أنه لا فرق بين كونه اشتمل بثوب واحد أو أكثر؛ لأن التشبه حاصل فيهما.
الثاني: أن الأصل فيما كان علته التشبه أنه مكروه؛ وقد يرقى التشبه إلى الكفر، وقد ينزل إلى ما هو معدود في خلاف الأولى وهو أخف من المكروه، كالأمر في الصلاة في النعال مخالفة لليهود، وكل ذلك يتوقف على القرائن، فإن خلا الحكم من القرائن فالأصل فيه الكراهة كما قلته في النهي عن السدل؛ لأنه هو المتيقن.
الثالث: أن اشتمال الصماء قد يكره خارج الصلاة، لأن التشبه إن كان في عباداتهم كانت مخالفتهم في الصلاة وخارجها مشروعة، وإن كان التشبه في عاداتهم فيما يختصون به، كانت مطلوبة مطلقًا.
• الراجح:
أرى أن تفسير الفقهاء هو الراجح في تعريف اشتمال الصماء، وأن العلة هي خوف انكشاف العورة، والله أعلم.
* * *
стр. 2170
المسألة الثانية في حكم اشتمال الصماء
المطلب الأول إذا اشتمل الصماء وعليه إزار أو قميص
المدخل إلى المسألة:
• اشتمال الصماء لا يقصد منه النهي عن مطلق الاشتمال، وإنما يراد به النهي عن اشتمال مخصوص، لصلاة النبي ﷺ -في ثوب واحد مشتملًا به كما في الصحيح.
• النهي عن اشتمال الصماء معقول المعنى، وليس حكمًا تعبديًّا.
• اختلافهم في العلة راجع لاختلافهم في تفسير اشتمال الصماء.
• النهي عن الاشتمال تضمن الإشارة لعلة النهي لقوله في الحديث: (فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب)، وهو وصف للاضطباع إلا أنه في ثوب واحد.
• النهي عن الاضطباع في الثوب الواحد، أتكون العلة فيه الخوف من كشف العورة، أم مرده إلى النهي عن كشف العاتق في الصلاة، أم العلة مجموعهما؟ والأُولَى هي الأَوْلَى.
• الاضطباع في الثوب الواحد يؤدي إلى بقاء أحد عاتقيه عاريًا، وأحد شقيه باديًا ترى منه عورته، والمحذور الثاني آكد.
• الاضطباع في الثوبين لا كراهة فيه في الصلاة على الصحيح؛ لأنه لباس المحرم في الطواف، فإذا لم يكن عورة في النظر لم يكن عورة في الصلاة.
[م-٢٧٤] اختلف العلماء في الرجل يشتمل بردائه اشتمال الصماء، وعليه إزار، أو قميص بحيث يؤمَنُ معه انكشاف العورة.
стр. 2171
فقيل: يحرم، وهو مذهب الحنفية، واختيار ابن حزم (١).
وقيل: يجوز بلا كراهة، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، ومذهب الحنابلة، وقول قديم لمالك، ورجحه ابن العربي (٢).
جاء في النهر الفائق: «ويكره اشتمال الصماء .... وهل يشترط عدم الإزار مع ذلك؟ عن محمد: نعم، وعن غيره: لا» (٣).
وقال القرافي: «فإن كان عليه مئزر فلا بأس به» (٤). يعني اشتمال الصماء.
وقال ابن قدامة: «أما إن كان عليه إزار فتلك لبسة المحرم، فلو كان لا يجزئه لم يفعله النبي ﷺ » (٥).
وقيل: يكره، وهو آخر القولين للإمام مالك، ونصره المتأخرون من أصحابه، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٦).
стр. 2172
جاء في البيان والتحصيل: «سئل مالك عن الصماء كيف هي؟ قال: يشتمل الرجل ثم يلقي الثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحت الثوب وليس عليه إزار، فقيل له: أفرأيت إن لبس هكذا وعليه إزار؟ قال لا بأس بذلك. قال ابن القاسم: ثم كرهه بعد ذلك وإن كان عليه إزار» (١).
وقيل: يكره مع الإزار دون القميص، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
• وسبب الاختلاف اختلافهم في علة اشتمال الصماء:
فمن قال: العلة هي خوف انكشاف العورة، أو قال: إن جواز الاضطباع في الطواف دليل على جوازه خارج الطواف ذهب إلى جواز اشتمال الصماء إذا كان عليه إزار، أو قميص.
ومن قال: إن العلة التشبه باليهود أو لكونه لا يستطيع أن يخرج يديه من الثوب ليسجد إلا من تحت ثوبه فيتحقق كشف عورته، منع منها مطلقًا، سواء أكان متزرًا أم لا.
إذا عرفت سبب الخلاف نأتي إلى ذكر الأدلة ومناقشتها.
• حجة من قال ينهى عن اشتمال الصماء مطلقًا اشتمل بثوب واحد أو أكثر:
الدليل الأول:
النصوص الواردة بالنهي عن اشتمال الصماء مطلقة أو عامة، ويجب العمل بالعام والمطلق حتى يثبت دليل يدل على تخصيصه أو تقييده بالثوب الواحد.
(ح-٨٠٧) فقد رواه البخاري من طريق حفص بن عاصم، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ -نهى عن بيعتين، وعن لبستين وعن صلاتين: نهى عن الصلاة
стр. 2173
بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد، يفضي بفرجه إلى السماء، وعن المنابذة، والملامسة (١).
• وأجيب:
بأن ما يقتضيه قواعد الأصول بأن يحمل المطلق من حديث أبي هريرة على المقيد منه، فإن كانت رواية حفص بن عاصم عن أبي هريرة ذكرت اشتمال الصماء مطلقًا.
(ح-٨٠٨) فقد رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ -عن لبستين: أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، وأن يشتمل بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه، وعن الملامسة والمنابذة (٢).
فإن قيل: لم يذكر في حديث الأعرج (لفظ الصماء).
فالجواب: أنه وإن لم يذكر الصماء نصًّا، فقد ذكر الاشتمال مفسرًا، والألفاظ إنما تراد لمعانيها، لا بمجرد ألفاظها، فهو قد نهى عن لبستين: الاحتباء والاشتمال، وهما المنهي عنهما في حديث حفص بن عاصم، ومعلوم أن النهي عن الاشتمال في رواية الأعرج لا يراد به مطلق الاشتمال، فإن النبي ﷺ -كان يشتمل بالثوب الواحد مخالفًا بين طرفيه، وإنما قصد بالاشتمال اشتمال الصماء، وهو ما جاء مفسرًا بالحديث بأن يشتمل بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه، وهذا هو تفسير الفقهاء لاشتمال الصماء، أي الاضطباع بالثوب الواحد.
وقد رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان الثوري، عن أبي الزناد به، بلفظ: نهى رسول الله ﷺ -عن بيعتين: عن اللماس والنباذ، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد. هذا لفظ البخاري (٣).
فهذا لفظ سفيان عن أبي الزناد، وهو لا يعارض رواية مالك، عن أبي الزناد،
стр. 2174
وهما حديث واحد، اتفقا على النهي عن الاشتمال والاحتباء.
فبعضهم يصف الاشتمال بالصماء، ولا يتعرض لتفسير الصماء.
وبعضهم يذكر الاشتمال فقط ويفسر الاشتمال، فيستغني بالتفسير عن ذكر وصف الصماء.
وكأن الراوي إذا ذكر الصماء في الحديث استغنى به عن تفسير الاشتمال لمعرفة القوم مدلول الكلمة، وإذا لم يذكر لفظ الصماء احتاج إلى تفسير الاشتمال، حتى لا يفهم منه أن الحديث ينْهَى عن مطلق الاشتمال، والله أعلم.
(ح-٨٠٩) وقد رواه أحمد، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا محمد ابن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة،
عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ -عن بيعتين في بيعة، وعن لبستين: أن يشتمل أحدكم الصماء في ثوب واحد، أو يحتبي بثوب واحد، ليس بينه وبين السماء شيء.
[حسن في الجملة إلا ما تفرد به محمد بن عمرو] (١).
الدليل الثاني:
(ح-٨١٠) ما رواه البخاري من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة،
عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: نهى رسول الله ﷺ -عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء (٢).
ورواه البخاري من طريق ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب به بمثله (٣).
ورواه البخاري من طريق سفيان، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد به.
قال الإمام البخاري بعده: تابعه معمر، ومحمد بن أبي حفصة، وعبد الله بن
стр. 2175
بديل، عن الزهري (١).
ورواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد، أن أبا سعيد الخدري (٢).
فابن شهاب تارة يرويه عن عبيد الله بن عبد الله، وتارة يرويه عن عطاء بن يزيد، وفي رواية له ثالثة يرويه الزهري عن عامر بن سعد.
وابن شهاب إمام واسع الرواية، وهذا الاختلاف عليه لا يستغرب منه فقد يكون له في الحديث الواحد طرق كثيرة، ولو كان ذلك من غيره لاعتبر ذلك اضطرابًا، والله أعلم.
ولم ينفرد به الزهري، فقد رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد به، بنحوه (٣).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ -نهى عن لبستين: الصماء والاحتباء، وقيد الاحتباء في ثوب واحد، وأطلق النهي عن اشتمال الصماء، والمطلق يبقى على إطلاقه.
قال ابن رشد في المقدمات: «وجه المنع: اتباع ظاهر الحديث بحمله على عمومه، وَكَيْلَا يكون ذلك ذريعةً للجاهل الذي لا يعلم العلة في ذلك فيفعله ولا إزار عليه إذا رأى العالم يفعله، وعليه إزار» (٤).
• ويجاب عن هذا الدليل:
كما قيل في الجواب عن حديث أبي هريرة يقال عن حديث أبي سعيد الخدري، فيحمل المطلق من الحديث على المقيد.
(ح-٨١١) وقد رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد،
أن أبا سعيد الخدري … وذكر الحديث، وفيه: واشتمال الصماء: أن يجعل