واعتبر الحنفية الإسلام شرط صحة، والعدالة والطهارة شرط كمال (١).
وقيل: تشترط العدالة في المؤذن، وهو مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٢).
جاء في حاشية الصاوي: «المؤذن مخبر، فلا بد من عدالته؛ لأجل أن يقبل قوله» (٣).
• حجة من قال: يصح أذان الفاسق:
الدليل الأول:
(ح-٩٤) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (٤).
وجه الاستدلال:
قوله: (فليؤذن لكم أحدكم) فكلمة (أحدكم) مفرد مضاف إلى معرفة، والمفرد المضاف يعم، فيشمل الفاسق وغيره، فلم يشترط الشارع في الأذان إلا أن يكون أحدنا، ولا شك أن الفاسق واحد من المسلمين.
الدليل الثاني:
شروط العبادة كالعبادة، فإذا كانت العبادة لا تثبت إلا بدليل، فكذلك شروطها لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الشروط أوصاف فيها، ولا يوجد نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﷺ ، ولا من إجماع الصحابة ينهى عن أذان الفاسق.
стр. 247
الدليل الثالث:
(ح-٩٥) ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم (١).
وجه الاستدلال:
أن كل من صحت إمامته صح أذانه، بل إن الصلاة أعلى شأنًا من الأذان، ذلك أن الناس قد يدركون الخلل إذا تطرق إلى الأذان، كما لو أذن قبل الوقت، ولا يدركون الخلل إذا تطرق إلى شروط الصلاة، فمن كان مؤتمنًا على شروط الصلاة، ومنه تحري وقتها، كان مؤتمنًا على تحري دخول الوقت في الأذان.
فإن قيل: هذا في أئمة الجور، وأهل السنة والجماعة على صحة الصلاة خلفهم.
قيل: الصحيح من أقوال أهل العلم أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، ولو كانت الصلاة خلف الفاسق معصية لم تصح خلف أئمة الجور، ولا جازت طاعتهم بالصلاة خلفهم، كما لا تجوز طاعتهم في سائر المعاصي مما هو أقل شأنًا من الصلاة، فإن الطاعة بالمعروف، ولا طاعة في معصية، وإن كان ترك الصلاة خلف الفاسق من باب السياسة الشرعية لحمله على ترك الفسق فهذا باب آخر، لكن لا يجعل شرطًا لصحة العبادة.
الدليل الرابع:
(ح-٩٦) روى البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن عمرو بن سلمة، قال: .... لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر
стр. 248
قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين .... (١).
وجه الاستدلال:
إذا صحت إمامة الصبي مع أنه غير محكوم له بعدالة ولا فسق، صحت إمامة الفاسق من باب أولى، ذلك أن الصبي لا إثم عليه لو وقع منه خطأ، بخلاف الفاسق فإنه من جملة المكلفين.
• حجة من قال: لا يصح أذان الفاسق:
الدليل الأول:
(ح-٩٧) ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (٢).
[ضعيف] (٣).
وجه الاستدلال:
إذا كان المؤذن مؤتمنًا، فالفاسق لا يوصف بذلك.
• ويناقش:
بأن الحديث ضعيف، ولو صح لم يكن صريح الدلالة على اشتراط العدالة، فهذا الصبي تصح إمامته على الصحيح، وهو لا يوصف بعدالة ولا فسق، مع قوله في الحديث (الإمام ضامن) وهو لا ذمة له لإمكان ضمانه، ولو سلمت دلالة الحديث فيكفي في ذلك مطلق الأمانة، لا الأمانة المطلقة، فالفاسق فيه مطلق الأمانة، ففيه قدر من التقوى جعله من جملة المسلمين، ولهذا يؤتمن على قيامه بشروط الصلاة، من طهارة ونحوها، ويؤتمن على كثير من أحكام بقاء الزوجية، وتصح إمامته على
стр. 249
الصحيح، وولايته على أولاده إذا لم يؤثِّر فسقه على ولايته، ويصح أذان مستور الحال، وليس معه إلا مطلق العدالة؛ حيث لم تثبت عدالته، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٩٨) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق يحيى الحماني، حدثنا إبراهيم بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده،
عن أبي محذورة، قال: قال رسول الله ﷺ : المؤذنون أمناء المسلمين على فطرهم وسحورهم (١).
ورواه البيهقي من طريق يحيى بن عبد الحميد حدثني إبراهيم بن عبد العزيز ابن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده،
عن أبي محذورة قال: قال رسول الله ﷺ : أمناء المسلمين على صلاتهم وسحورهم المؤذنون.
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٩٩) ما رواه أبو يعلى الموصلي من طريق حسين بن عيسى الحنفي، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : ليؤذنْ خيارُكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ قراؤكم (٣).
стр. 250
[ضعيف] (١).
• حجة من قال: يكره أذان الفاسق:
أدلة القائلين بالكراهة هي أدلة القائلين بالمنع، إلا أنهم حملوا هذه الأدلة على الكراهة، لهذا تجدهم يعللون بالكراهة بأن المؤذن إذا كان فاسقًا لم يكن أمينًا على المواقيت، فقد يؤذن قبل الوقت، وقد يؤذن في موضعٍ عالٍ فيطلع على العورات، ولا يؤمن أن ينظر إلى عورات الناس (٢).
• الراجح:
أرى أن أذان الفاسق إن كان تبعًا لغيره فأذانه صحيح.
стр. 251
وإن كان يؤذن لمثله فلا ينبغي الخلاف في صحة أذانه،
وإن كان أذانه يعتمد عليه في دخول الوقت، فإن زاحمه عدل قدم عليه، وإن لم يتقدم أحد فالقول بصحة أذانه هو الأقوى، فلا يشترط في الأذان إلا أن يكون من مسلم عالم بالوقت، إلا أن يكون فسقه متعلقًا بتهاونه في عبادة الصلاة، فهنا يكون فسقه مؤثرًا؛ لأنه يعود على العبادة نفسها، وأما إذا عرف الفاسق بحرصه على الصلاة، فلا يوجد ما يمنع من صحة أذانه، والله أعلم.
ويقدم الفاسق على الأفسق، إذا لم يوجد عدل، جاء في قواعد الأحكام في مصالح الأنام: «فوات العدالة في المؤذنين والأئمة يقدم فيها الفاسق على الأفسق تحصيلًا للمصالح على حسب الإمكان» (١).
стр. 252
الشرط الخامس اشتراط الذكورة في الأذان للرجال
المدخل إلى المسألة:
• الأذكار نوعان، مطلق، والأصل فيه الإباحة، ومقيد والأصل فيه المنع إلا بدليل.
• الأذان والإقامة ذكر مقيد بوقت، وصفة، وعبادة خاصة، فلا يشرعان إلا بدليل، ولا دليل على صحة الأذان من المرأة.
• أذان المرأة عبادة، والأصل في العبادات المنع إلا بدليل، ولم ينقل في تاريخ الإسلام أن أذنت المرأة للرجال.
• كل عبادة لم تفعل وقت التشريع مع إمكان فعلها، ولم يمنع من فعلها مانع فإن فعله بدعة، وإذا كان فعل العبادة دليلًا على مشروعيتها فإن تركها دليل على عدم المشروعية، ولم ينقل في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد الصحابة أن تولى الأذانَ امرأةٌ.
• قياس النساء على الرجال في مشروعية الأذان والإقامة قياس مع الفارق، فالأذان إعلام بدخول وقت الصلاة، ولا يتحقق إلا برفع الصوت، ورفع المرأة صوتها بالعبادة غير مشروع.
• كل من لا يصح اقتداء الرجال به، لا يصح الاقتصار على أذانه، كالكافر والمجنون.
وقد يقال:
• ما صح من الرجال صح من النساء إلا بدليل، وإنما النساء شقائق الرجال، ولا دليل يمنع المرأة من تولي الأذان.
• الأذان إن كان عبادة محضة فالمرأة من أهلها، وإن كان إخبارًا بدخول الوقت فخبر المرأة وشهادتها مقبولة كقبول روايتها، فكانت الذكورة من صفات الكمال، لا من شرائط الصحة.
стр. 253
• المقصود من الأذان هو الإعلام بدخول الوقت، وهذا يحصل من المرأة كما يحصل من الرجل.
• المرأة منعت من الخضوع بالقول حين مخاطبة الرجال، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ ولم تمنع من القول نفسه، ورفع الصوت بالأذان ليس خضوعًا بالقول حتى يكون داخلًا في النهي.
• الأذان ليس فيه مخاطبة من المرأة للرجال حتى تخشى الفتنة، وإنما فيه سماع لصوتها، وإذا جاز للمرأة أن تخاطب الرجال مشافهة بيعًا وشراء في أمور دنيوية، جاز لهم أن يسمعوا صوتها بلا مخاطبة في أمور شرعية من باب أولى.
• صرح الشافعية بجواز رفع صوتها بالقراءة في الصلاة، ولو بحضرة أجنبي، فكذلك الأذان (١).
• شروط العبادة لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل على اشتراط أن يكون المؤذن ذكرًا.
إذا أذنت المرأة فإن كان لجماعة النساء ودعوتهن إلى الصلاة جماعة فهذه مسألة سوف يأتي بحثها في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
[م-٢٦] وأما إذا كان الأذان لجماعة الرجال، فهل يشترط أن يكون المؤذن رجلًا، أو يصح أن تؤذن المرأة لجماعة الرجال؟
اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: يجزئ مع الكراهة، ولا يعاد الأذان في ظاهر الرواية عند الحنفية، وحكي قولًا في مذهب المالكية (٢).
стр. 254
وقال ابن نجيم: «العدالة، والذكورة، والطهارة، صفات كمال للمؤذن لا شرائط صحة، فأذان الفاسق، والمرأة، والجنب صحيح … » (١).
وهذا يعني أن الحنفية لا يرون اشتراط الذكورة في المؤذن.
وقيل: تستحب الإعادة، وهو رواية عن أبي حنيفة (٢).
وقيل: يشترط أن يكون المؤذن رجلًا، فلو أذنت المرأة للرجال لم يعتد به، ويجب أن يعاد، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، واختاره بعض الحنفية (٣).
قال ابن نجيم: «ذكر في السراج الوهاج إذا لم يعيدوا أذان المرأة فكأنهم صلوا بغير أذان، فلهذا كان عليهم الإعادة، وهو يقتضي عدم صحته» (٤).
وقال الغزالي في الوسيط: «ولا يعتد بأذان المرأة» (٥).
وقيل: يجوز أن تؤذن المرأة لجماعة الرجال، وهو وجه شاذ حكاه المتولي عن الشافعية (٦).
• حجة من قال بجواز أذان المرأة:
الدليل الأول:
شروط العبادة توقيفية، لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل على اشتراط أن يكون المؤذن ذكرًا.
стр. 255
الدليل الثاني:
ما صح في حق الرجال صح في حق النساء إلا بدليل؛ لأن النساء شقائق الرجال، خاصة أن الإعلام بدخول الوقت ليس حاجة للرجال فقط، بل تحتاجه النساء كما يحتاجه الرجال.
الدليل الثالث:
المقصد الشرعي من الأذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة، وهذا لا فرق فيه بين خبر الرجل وخبر المرأة.
الدليل الرابع:
الأذان مركب من خبر، ورفع الصوت به.
فأما الخبر فالمرأة يقبل خبرها في الأمور الشرعية، كما تقبل روايتها.
وأما رفع الصوت به، فالمرأة صوتها ليس بعورة على الصحيح، ولهذا جاز لها شرعًا أن تبيع على الرجال، وأن تشتري منهم، وهي لم تمنع من القول، وإنما منعت من الخضوع بالقول، وبينهما فرق.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
فالخضوع مرتبط بخفض الصوت وترقيقه، وأما رفع الصوت، والجهر به فأبعد ما يكون عن الخضوع.
الدليل الخامس:
لو كانت المرأة ممنوعة من الأذان لمنع الشرع ما هو أبلغ من سماع صوتها، وهو مخاطبتها للرجال بيعًا وشراءً في أمور دنيوية كان يمكن لها أن توكل من يقوم بها بدلًا عنها، فلما لم يجب عليها توكيل الرجل في ذلك عند مخاطبتها للرجال، جاز أن يسمعوا صوتها بالأذان في حال لا تخالط الرجال في أسواقهم، ولا يرونها، ولا تراهم.
الدليل السادس:
(ث-٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف أخبرنا ابن إدريس، عن ليث، عن عطاء،
• حجة من قال: يشترط أن يكون المؤذن ذكرًا.
الدليل الأول:
(ح-١٠٠) روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد.
وفي رواية لمسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
فالأذان من المرأة لم يكن في السلف، فكان من البدع المحدثة.
وقياس أذان المرأة على الرجل قياس مع الفارق، لوجهين:
أحدهما: لا يصح الاحتجاج بالقياس مع إمكان أذان المرأة وقت التشريع، فلما تُرِكَ أذانُ المرأة وقت التشريع عُلِم أنه ليس بمشروع.
وإذا كان فعل العبادة دليلًا على مشروعيتها، فإن تركها دليل على عدم المشروعية.
فكل عبادة لم تفعل وقت التشريع مع إمكان فعلها، ولم يمنع من فعلها مانع، فإن فعلها بعد ذلك بدعة.
الوجه الثاني: أن الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة، ولا يتحقق إلا برفع الصوت، ورفع المرأة صوتها في العبادة غير مشروع، فإذا كانت تصلي جماعة خلف الرجال، وانتاب الإمام شيء في صلاته سبح له الرجل، وصفقت له المرأة، فلم تلحق المرأة بالرجل بالتسبيح، ولو كانت لحاجة الصلاة، فكيف بالأذان.
الدليل الثاني:
الذكر نوعان: مطلق، والأصل فيه الإباحة، ومقيد، والأصل فيه المنع إلا بدليل، والأذان من الأذكار المقيدة، حيث قيد بوقت معين، وفي عبادة خاصة، فلا يشرع في كل وقت، ولا يشرع لغير الصلوات الخمس المفروضة، ومنها الجمعة، وإذا كان الأصل فيه المنع فيحتاج إلى دليل خاص لصحته من المرأة.
стр. 258
الدليل الثالث:
(ح-١٠١) روى البخاري ومسلم من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني نافع،
أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فَيَتَحَيَّنُونَ الصلاة ليس يُنَادَى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قم فناد بالصلاة (١).
وجه الدلالة في الحديث:
قول عمر ﵁ (ألا تبعثون رجلًا)، ثم أمر النبي ﷺ بلالًا ﵁، كل ذلك يدل على أن الذي يتولى الأذان رجل، وليس امرأة.
• ويناقش:
بأن الحديث دليل على صحة الأذان من الرجل، وهذا لا نزاع فيه، ولكن لا دلالة فيه على أن ذكورة المؤذن من واجبات الأذان فضلًا أن يكون ذلك من شروط صحته.
الدليل الرابع:
(ح-١٠٢) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثتني جدتي،
عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري، وكانت قد جمعت القرآن، وكان النبي ﷺ قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن، وكانت تؤم أهل دارها (٢).
ورواه أبو داود من طريق وكيع بن الجراح، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال: حدثتني جدتي، وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري،
عن أم ورقة بنت عبد الله بن نوفل الأنصارية، أن النبي ﷺ لما غزا بدرًا، قالت: قلت له: يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله أن يرزقني
стр. 259
شهادة، قال: قري في بيتك فإن الله تعالى يرزقك الشهادة، قال: فكانت تسمى الشهيدة، قال: وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذنًا، فأذن لها، قال: وكانت قد دبرت غلامًا لها وجارية، فقاما إليها بالليل، فغمياها بقطيفة لها حتى ماتت، وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس، فقال: من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا فكانا أول مصلوب بالمدينة (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
بأن النبي ﷺ لم يأمر لها بامرأة تؤذن لها، فدل على أن الأذان وظيفة الرجال، ولا يصح من النساء.
• وأجيب:
بأن الحديث ضعيف غريب، ومداره على مجهولين، وقد تفرد بصحة إمامة المرأة للرجال فلا يمكن القول بذلك اعتمادًا على هذا الحديث.
ومن جهة أخرى فليس فيه دلالة على عدم صحة أذان المرأة، وإنما فيه دليل على أن الرجل أولى من المرأة، فالقول بالشرطية يحتاج إلى نص ينهى المرأة عن الأذان، أو ينفي الصحة عن أذانها، أو نص يقصر الأذان على الرجال، وكل ذلك غير موجود في الأدلة السابقة.
الدليل الخامس:
(ث-٢٣) ما رواه البيهقي من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن ابن ثوبان، أن الزهري حدث عن عروة، عن عائشة قالت: كنا نصلي بغير إقامة (١).
[أرجو أن يكون حسنًا] (٢).
стр. 263
وجه الدلالة:
أن المرأة إذا كانت تصلي دون إقامة، فهي تصلي دون أذان، لأن الإقامة آكد من الأذان، وإذا لم تؤذن لصلاتها لم تؤذن لصلاة الرجال من باب أولى.
• ويناقش:
بأن هذا الحديث فيه دليل على عدم وجوب الأذان، ولا قائل بوجوب الأذان على المرأة، ولكن لا دليل فيه على تحريم الأذان على المرأة، والله أعلم.
• الراجح:
أن المرأة لا تؤذن للرجال، وانظر حكم أذانها للنساء في مسألة مستقلة.
стр. 264
الشرط السادس العلم بالوقت
المدخل إلى المسألة:
• وقوع الأذان في الوقت شرط، ومعرفة المؤذن بنفسه أمارة دخول الوقت مستحب.
• الأذان إعلام بدخول الوقت فاشترط علم المؤذن بدخوله إما بنفسه أو بخبر ثقة، أو تبعًا لأذان غيره من الثقات.
• يجوز التقليد بالمواقيت، ولو أمكن الاجتهاد، ومنه الاعتماد على الساعة والتقويم الحسابي في دخول الوقت.
• معرفة أوقات الصلوات فرض على الكفاية؛ لجواز التقليد في الأوقات.
•صحة الأذان من الأعمى دليل على أنه لا يشترط علم المؤذن بنفسه بدخول الوقت.
• إذا جاز لعامة المسلمين تقليد المؤذن في دخول الوقت، جاز تقليد المؤذن لغيره بدخول الوقت.
[م-٢٧] يشترط لصحة الأذان أن يكون في الوقت، وهذا لا خلاف فيه، فهل يشترط في المؤذن أن يكون عارفًا بطرق دخول الوقت أو يعتبر العلم بها من صفات الكمال والاستحباب؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: العلم بطرق دخول الوقت من صفات الاستحباب والكمال. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وأحد القولين في مذهب الشافعية (١).
стр. 265
وقيل: يشترط في المؤذن أن يكون عالمًا بطرق دخول الوقت، وهو قول في مذهب الحنابلة، وأطلق القول بالشرطية من المالكية القرافي في الذخيرة، وابن الحاج في المدخل، وابن جزي في القوانين، والنفراوي في الفواكه الدواني (١).
стр. 266
قال القرافي: «ففي الجواهر يشترط أن يكون مسلمًا عاقلًا مميزًا، ذكرًا، بالغًا، عارفًا بالمواقيت» (١).
وقال ابن الحاج في المدخل: «والمؤذن شرطوا فيه ثمانية أوصاف: وهي أن يكون مسلمًا … عارفًا بالأوقات» (٢).
وفي شرح زروق على متن الرسالة: «وشرط المؤذن كونه مسلمًا عاقلًا ذكرًا، عارفًا بالأوقات» (٣).
وقيل: يشترط العلم بالوقت إن كان يقتدى به ويعتمد عليه في دخوله، فإن كان يؤذن تبعًا لغيره لم يشترط العلم بالوقت، وظاهره أنه لا فرق بين المؤذن الراتب وغيره، وبه قال ابن عرفة من المالكية.
وقد نص المالكية على جواز أذان الأعمى وقيده كثير من المالكية بأَنْ كان تبعًا لغيره، أو قَلَّد ثقة، وهذا يدل على أن العلم بالوقت ليس شرطًا في صحة الأذان إلا أن يقتدى به (٤).
стр. 267
جاء في التاج والإكليل نقلًا عن ابن عرفة: «يجب كون المؤذن عدلًا عالمًا بالوقت إن اقتدي به» (١).
وقيل: يشترط العلم بالوقت في المؤذن الراتب، أما من يؤذن لنفسه، أو يؤذن لجماعة مرة فليس بشرط، وظاهره أنه شرط في المؤذن الراتب من غير فرق بين أن يؤذن ابتداءً، أو تبعًا لغيره، وهذا مذهب الشافعية (٢).
وقال الرملي: «والحاصل أن شرط جواز نصب مؤذن راتب معرفته بالمواقيت» (٣).
• وجه القول بأنه شرط مطلقًا:
الوجه الأول:
أن الأذان إعلام بدخول الوقت، فاشترط العلم به لحصول المقصود.
الوجه الثاني:
أن اعتماد المؤذن على غيره في دخول الوقت سوف يُفَوِّت على الناس فضيلة أول الوقت، وقد يتأخر الأذان عن وقت الإمساك عن الأكل لاشتغاله بمعرفة الوقت عن طريق من يقلده.
• دليل من اعتبر علم المؤذن بالمواقيت بنفسه من صفات الكمال:
الدليل الأول:
(ح-١٠٣) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، ثم قال: وكان رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (٤).
стр. 268
وجه الاستدلال:
صحة الأذان من الأعمى إذا كان له من يخبره بالوقت دليل على أنه لا يشترط عَلِم المؤذن بنفسه بدخول الوقت، وإنما يشترط ألا يؤذن حتى يعلم أنه قد دخل الوقت، سواء أعَلِم ذلك بنفسه، أم كان ذلك عن تقليد مؤذن ثقة، أم كان له ثقة يخبره بدخول الوقت، وسوف يأتي البحث إن شاء الله في حكم أذان الأعمى وإقامته.
• ونوقش:
بأن قوله: (وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت) ظاهر الحديث أنها من كلام ابن عمر، لكن ورد في الرواية ما يبين أنها من كلام الزهري، وبعضهم رواها من كلام سالم بن عمر (١).
• ويرد:
بأن هذا الكلام سواء أكانت الزيادة من كلام ابن عمر أم من كلام سالم أم من غيرهما، لا يتغير الاستدلال بالحديث من جهة وقوع الأذان من الرجل الأعمى.
ويجاب:
بأن قوله: (لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت) يدل على جواز أن يتأخر الأذان عن وقت الإمساك قدرًا من الوقت؛ لأن ما بين تلقي الأعمى خبر دخول الوقت عن طريق من يبلغه وبين إعلانه الأذان قدر من الوقت يفوت على الناس فيه الإمساك عن الطعام، بينما إذا كان في مكان الأذان قبل الوقت ومعه من يبلغه حتى إذا طلع الفجر طلب من الأذان، ففي هذه الحالة لا فرق فيه بين الأعمى والبصير.
стр. 269
الدليل الثاني:
معرفة مواقيت الصلاة من فروض الكفايات، وليس من فروض الأعيان، وهذا يعني: جواز التقليد في دخول الوقت، فإذا جاز تقليد الثقة بالمواقيت صح الأذان بالتقليد، وعليه عمل المؤذنين اليوم فإن جل المؤذنين اليوم يعتمدون على الساعة وعلى التقاويم الحسابية في دخول الوقت.
الدليل الثالث:
كل من أذن بالوقت فإن أذانه صحيح، سواء أعلم المؤذن الوقت بنفسه أم بخبر الثقة، فدل على أن معرفة المؤذن الوقت بنفسه ليست بشرط.
وإنما يستحب له على معرفته أمارة دخول الوقت بنفسه، لأن معرفة الوقت عن طريق غيره ربما فوَّت على الناس فضيلة أول الوقت باشتغاله بمعرفتها.
• وجه القول بأنه شرط إن كان يعتمد عليه في دخول الوقت:
كل مؤذن يقتدى به في دخول الوقت، ويعتمد عليه في الإمساك والإفطار، كما لو كان يؤذن وحده في القرية، أو كان ممن يبتدئ بالأذان ولم يكن أذانه تبعًا لغيره فإنه يشترط له العلم بالمواقيت حتى لا يقع في الخطأ، فيؤذن قبل الوقت فيغر الناس بأذانه، وربما تأخر بالأذان طلبًا لعلم من يقلده فيأكل الناسُ في وقتٍ يجب عليهم الإمساك فيه.
• ونوقش:
بأن المؤذن ولو كان يقتدى به يمكنه تحصيل العلم بالمواقيت عن طريق التقليد بأن يكون معه ثقة يخبره بدخول الوقت، فالصحابة كانوا يدعون الأكل بمجرد سماع أذان ابن أم مكتوم، وهذا يدل على أنه يقتدى به، ومع ذلك لم يكن يعلم بطلوع الفجر إلا عن طريق خبر الثقات.
• وجه من قال: يشترط العلم بالمواقيت إن كان مؤذنًا راتبًا:
تصرف ولي الأمر بتعيين المؤذنين إنما هو نيابة عن المسلمين، ومن تصرف لغيره فيجب عليه أن يكون تصرفه للمصلحة، ومن المصلحة الظاهرة أن يولي على الأذان من كان عالمًا بالمواقيت بنفسه، وليس من المصلحة أن يولي على مصالح المسلمين
стр. 270
من لا يعرف الأوقات إلا عن طريق التقليد، فقد يجد من يقلده، وربما لا يجد.
• الراجح:
أن العلم بالوقت شرط، ولكن لا يشترط تحصيله بنفسه، فيمكنه تحصيله ولو بالتقليد كما لو كان يؤذن تبعًا لثقة، أو كان له ثقة يخبره بدخول الوقت، ومن التقليد اعتماد المؤذنين اليوم على التقويم والساعة، والله أعلم.
стр. 271
الفصل الثاني في الشروط المتعلقة بالأذان والإقامة
الشرط الأول في اشتراط الترتيب بين جمل الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
• الأذكار نوعان، مطلق، والأصل فيه الإباحة، ومقيد والأصل فيه المنع والاقتصار فيه على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفية، وزمنًا، وسببًا.
• الأذان والإقامة أذكار مقيدة بوقت، وسبب، وصفة، وعبادة خاصة.
• كل ذكر مقيد لا يشرع تبديله بالزيادة فيه، ولا بالنقص منه، ولا بتغييره بتقديم أو تأخير، بخلاف الذكر المطلق؛ لقول النبي ﷺ للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي ﷺ : قل: وبنبيك الذي أرسلت. متفق عليه.
[م-٢٨] اختلف الفقهاء في حكم تقديم بعض جمل الأذان والإقامة على بعض:
فقيل: الترتيب سنة، وهو مذهب الحنفية (١).
قال في تحفة الفقهاء: «وأما بيان سنن الأذان .... فمنها أن يرتب بين كلمات الأذان والإقامة كما شرع، حتى إذا قَدَّم البعض، وأخر البعض، فالأفضل أن يعيد مراعاة للترتيب» (٢).
وقيل: الترتيب شرط، وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة،
стр. 272
وهو ظاهر عبارة ابن نجيم في البحر الرائق (١).
فلو نكس الأذان استأنف، ويرى الشافعية وبعض المالكية أنه له أن يبني على المنتظم منه، فلو قدم الشهادة بالرسالة على الشهادة بالتوحيد، أعاد الشهادة بالرسالة، وإن كان الاستئناف أولى في كلتا الحالتين ليقع متواليًا (٢).
قال في منح الجليل: «ويشترط في الأذان ترتيب جمله فإن نكس شيئًا منها ابتدأه» (٣).
• دليل من قال إن الترتيب سنة:
الدليل الأول:
الأصل عدم الشرطية، وذلك أن الشرطية قدر لا يثبت للعبادة إلا إذا جاء في
стр. 273
الأدلة ما يدل على انتفاء الأذان بانتفاء الترتيب، كالطهارة للصلاة حين قال النبي ﷺ : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (١).
وقوله ﷺ : لا تقبل صلاة بغير طهور (٢).
وأما أحاديث الأذان فهي تدل على مشروعية الترتيب فحسب؛ لأنها مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يبلغ في الدلالة على الوجوب فضلًا عن الشرطية.
الدليل الثاني:
أن المقصود من الأذان هو الإعلام بدخول الوقت، والدعوة إلى الاجتماع بالصلاة، فإذا جاء المؤذن بجميع جمل الأذان حصل المقصود، ولا يضره تقديم جملة على أخرى، وإن كان ذلك خلاف السنة.
• ويناقش:
الأحكام لا تدور مع الحكم، وهو عبادة توقيفية.
• دليل من قال: الترتيب شرط:
الدليل الأول:
أن هذا الأذان نقل إلينا بحديث عبد الله بن زيد، وحديث تعليم النبي ﷺ الأذان لأبي محذورة، وقد جاء مرتبًا، فلا يحل لأحد مخالفة أمره ﷺ في تقديم ما أخر، ولا تأخير ما قدم.
فمن قدم فيه، أو أخر فقد خالف أمر رسول الله ﷺ
(ح-١٠٤) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣).
الدليل الثاني:
أن الأذان والإقامة من الأذكار، والأذكار على نوعين:
مطلق: والأصل فيه الإباحة.
стр. 274
ومقيد والأصل فيه المنع، والاقتصار فيه على ما ورد.
(ح-١٠٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال:
حدثني البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك، مت وأنت على الفطرة قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت (١).
فمنع الرسول ﷺ من استبدال الرسول بالنبي، مع أن كل رسول فهو نبي.
فإذا سلم ذلك، فإن الأذان والإقامة من الأذكار المقيدة التي يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفيةً، وزمنًا، وسببًا.
فالموافقة في الجنس: بحيث لا يجوز الإعلام بدخول وقت الصلاة بأي قول من الأقوال سوى الأذان.
والموافقة في القدر: بحيث لا يزاد في الأذان ولا ينقص منه إلا ما ورد من التثويب في صلاة الفجر. ولهذا حرم العلماء التثويب في غير أذان الصبح.
والموافقة في الكيفية: بحيث لا يقدم بعض جمله على بعض، فإذا قدم أو أخر وإن كان موافقًا في القدر فقد خالف في الكيفية.
والموافقة في الزمن: بحيث لا يجوز الأذان قبل الوقت إلا ما استثني من الأذان قبل الفجر.
والموافقة في السبب: بحيث لا يجوز الأذان لغير الصلوات الخمس، ومنها الجمعة، فلا يؤذن لصلاة التراويح، أو العيد، أو غيرهما من الصلوات.
الدليل الثالث:
أن الإقامة جاءت مخالفة للأذان، فدل على أن صفتهما مقصودة، فإذا لم يكونا
стр. 275
مرتبين لم يعلم بحصول الأذان والإقامة، والله أعلم.
الدليل الرابع:
أن الأذان وإن كان خبرًا بدخول وقت الصلاة ودعوة إلى الاجتماع إليها إلا أنه يغلب عليه جانب العبادة، فهو لا يصح من الكافر، ويبدأ بتعظيم الله سبحانه، والشهادة له بالتوحيد، ولنبيه بالرسالة، ويختم المؤذن الأذان بمثل ما بدأ به من التكبير والتوحيد، وهو علامة على دار الإسلام، وشعيرة من شعائره، وإذا كان من العبادات، فالعبادات لا يجوز تبديلها لأن ذلك يدخل في تبديل الشريعة، والإحداث في العبادة، وهو لا يجوز.
الدليل الخامس:
أن استمرار العمل على هذه الصفة دليل على شرطيته، وهذا الدليل يستدل به الشافعية كثيرًا حتى استدلوا به على شرطية الجلوس بين خطبتي الجمعة.
• الراجح:
أرى أنه لا يجوز مخالفة الترتيب في الأذان على ما ورد، وأن التقديم في جمله، أو التأخير عمل محدث، وبدعة في الأذان، وكل بدعة ضلالة، والله أعلم.
стр. 276
الشرط الثاني اشتراط الموالاة في جمل الأذان والإقامة
المدخل إلى المسألة:
• الأذان وإن كان المقصود به الإعلام إلا أنه غلب عليه جانب التعبد فاشترط فيه أن يكون على الصفة الواردة، ومنه توالي جمله.
• الفعل الواحد يبنى بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد، ولا ينقطع بالتفرق اليسير.
• كل فعل يبنى آخره على أوله فإن الفاصل الطويل يبطله إلا لعذر، كقراءة الفاتحة، وركعات الصلاة، وأشواط الطواف، والاستثناء في الأيمان، ومنه ألفاظ الأذان والإقامة.
• الكلام الكثير والسكوت الطويل في أثناء الأذان يخل بالإعلام، حتى يبدو للسامع أن الذي جاء به لم يكن أذانًا، فلا يحصل المقصود منه، بخلاف التفرق اليسير، فإنه لا يمنع من اتصال الأذان بعضه ببعض؛ فلا يخل بالإعلام.
• الأذان إنما يحصل الغرض المقصود منه إذا كان على النظام المعتاد أو قريبًا منه.
• إذا كان الخروج من الصلاة ساهيًا قبل إتمامها، والانصراف عن القبلة، والكلام اليسير مع المصلين لمصلحة الصلاة كل ذلك لا يمنع من البناء على ما مضى منها لم يمنع ذلك في الأذان والإقامة، أصل ذلك حديث ذي اليدين، وقوله: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟
[م-٢٩] الموالاة بين ألفاظ الأذان: هي المتابعة بين ألفاظه دون فصل من سكوت، أو قول، أو فعل.
стр. 277
وقد اختلف الفقهاء في حكم الموالاة بين جمل الأذان والإقامة.
فقيل: إن تكلم في أذانه استأنفه، وهو مذهب الحنفية، وبه قال الزهري في أحد قوليه (١).
وقيل: الموالاة ليست بشرط مطلقًا، ولو كان الفصل طويلًا.
وهو قول الحسن البصري، وعروة، وعطاء، وقتادة، ورجحه ابن حزم، وهو قول العراقيين من الشافعية، إلا أنهم استحبوا الاستنئناف من الفاصل الطويل (٢).
стр. 278
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: التفريق بين الطويل واليسير، فيجب الاستئناف من الفاصل الطويل، دون اليسير، من غير فرق بين الكلام والسكوت، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وهو الأشبه، وبه قال الحنابلة إلا أنهم استثنوا الكلام المحرم إذا فصل به بين جمل الأذان بطل الأذان ولو كان يسيرًا (١).
стр. 279
وقيل: التفريق بين الكلام والسكوت، فيجب الاستئناف من الكلام الكثير بخلاف السكوت الطويل، فيستحب الاستئناف، ولا يجب، وهو قول في مذهب الشافعية (١).
وقيل: التفريق بين الأذان والإقامة، فتشترط الموالاة بين جمل الإقامة دون الأذان، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
• دليل الجمهور على أن الموالاة شرط، ولا يؤثر الفاصل اليسير:
الدليل الأول:
أن الأذان والإقامة عبادة واحدة، لا يفرق بين جملها، هكذا كان يفعل مؤذنا رسول الله ﷺ وعنهما ورثناه.
قال مالك كما نقل ذلك ابن عبد البر: «لم أعلم أحدًا يقتدى به تكلم في أذانه» (٣).
الدليل الثاني:
أن الفصل اليسير عرفًا من سكوت، أو كلام، لا يؤثر في بناء آخر الآذان على أوله، كما بنى الرسول ﷺ حين سلم من الصلاة من ركعتين.
(ح-١٠٦) فقد روى البخاري من طريق محمد،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أَقُصِرت
стр. 280
الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أَصَدَقَ ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين … الحديث.
وفي رواية: لم أَنْسَ ولم تُقْصَر، قال: بلى قد نسيت. ورواه مسلم (١).
فهذا النبي ﷺ خرج من صلاته قبل إتمامها ناسيًا، وانصرف عن القبلة، وتكلم بكلام يسير لمصلحة الصلاة، ومع هذا لم يمنعه ذلك من بناء آخر الصلاة على أولها مع أن الموالاة في أفعالها آكد من غيرها من العبادات، وإذا لم يمنع ذلك من البناء على أفعال الصلاة لم يمنع مثل ذلك في الأذان والإقامة.
وكذلك الطواف يتخلله صلاة مكتوبة أو جنازة فإنه يبني، ولا يستأنف.
واستثنى الحنابلة الكلام المحرم، كالسب، والقذف، فإنه يبطل الأذان، ولو كان يسيرًا؛ لأن المحرم ينافي العبادة.
والصحيح أن الإفساد حكم وضعي، لا فرق فيه بين المباح والمحرم.
الدليل الثالث:
(ث-٢٤) ما رواه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة، قال: حدثنا محمد بن طلحة بن مصرف، عن جامع بن شداد أبي صخرة، عن موسى بن عبد الله بن يزيد،
أن سليمان بن صرد، كان يؤذن في العسكر، فيأمر غلامه بالحاجة وهو في أذانه (٢).
[صحيح].
الدليل الرابع:
كل دليل استدل به على اشتراط الترتيب في الأذان، هو بعينه يقتضي اشتراط
стр. 281
الموالاة، ذكر ذلك الرافعي في فتح العزيز (١).
الدليل الخامس:
أن الفاصل الطويل من كلام، أو سكوتٍ يجعل الكلام لا يتصل بعضه ببعض، وهذا يخل بنظام الأذان، ولا يحصل المقصود منه، وهو الإعلام، فسامعه لا يعلم أنه يؤذن، لذا وجب عليه الاستئناف، بخلاف الفاصل اليسير، فإنه لا يمنع من اتصال الأذان بعضه ببعض، فيحصل به الإعلام، وهو المقصود الشرعي منه.
• دليل من قال: يستأنف إذا تكلم:
هذا القول لم أقف على دليلهم وسوف أستدل لهم ما أمكن:
الدليل الأول:
أن ظاهر هذا القول يدل على أنهم يرون أن الكلام في أثناء الأذان إما أن يعتبر زيادة في الأذان، وهو محرم، أو خروجًا عنه، وكلاهما يوجب الاستئناف.
الدليل الثاني:
القياس يقتضي وجوب الموالاة، كما أنه لو قال كلامًا، وأراد أن يلحق به استثناءً، أو شرطًا، أو عطفًا، وجب ألا يكون بينهما فاصل أجنبي، وكما تجب الموالاة في قراءة الفاتحة، فإذا كان ذلك يقطع الموالاة، فكذلك الأذان.
• ويناقش:
بأن المصلي إذا عطس، فحمد الله لم يقطع ذلك قراءته، وكذلك إذا مرَّت به آية رحمة، أو آية عذاب، فسأل، وتعوَّذ لم يقطع ذلك قراءته، فالأذان من باب أولى ألا يقطع ذلك أذانه، خاصة إذا كان يسيرًا.
• دليل من قال: الموالاة ليست شرطًا:
الدليل الأول:
لم يحفظ دليل من الشرع ينهى المؤذن عن الكلام في الأذان، والأصل الإباحة، وعدم الاشتراط، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، فمن منع من الكلام فعليه الدليل.
стр. 282
الدليل الثاني:
لو سلم أن التعاليل التي ذكرت تدل على مشروعية الموالاة في الأذان، فهي لا تكفي للقول باشتراطها، فالشرطية قدر زائد عن القول بالوجوب، فالشرط لا يثبت للعبادة إلا إذا جاء في الأدلة ما يدل على انتفاء الأذان بانتفاء الموالاة، أو نفي القبول للدلالة على نفي الصحة.
الدليل الثالث:
جاءت نصوص من الشرع تأمر برد السلام، وتشميت العاطس، وهي مطلقة، أو عامة، والمطلق والعام على إطلاقه وعمومه حتى يرد من الشارع ما يقتضي التخصيص أو التقييد، ولا يخصص كلام الشارع ولا يقيده إلا نص مثله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
(ح-١٠٧) وروى البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم (١).
ومن أخرج أحدًا من هذه النصوص فعليه الدليل.
الدليل الرابع:
صح التكلم مع الخطيب يوم الجمعة، ولو في غير شأن الخطبة، وإذا صح هذا في الخطبة، فالأذان أسهل.
(ح-١٠٨) فقد روى البخاري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس بن مالك، قال: أصابت الناسَ سنةٌ على عهد النبي ﷺ ، فبينا النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة قام أعرابي، فقال يا رسول الله: هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا .... الحديث (٢).
(ح-١٠٩) ومنها ما رواه الشيخان من طريق عمرو بن دينار،
стр. 283
عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين (١).
(ح-١١٠) وروى أحمد من طريق حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، قال:
سمعت أبي بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن، والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما (٢).
[حسن إن كان حسين بن واقد حفظه، فقد تفرد به] (٣).
стр. 284
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن المقيس عليه محل خلاف، فمن العلماء من يرى أن الفصل الطويل يقطع الخطبة، والأدلة الواردة تدخل في حد الكلام اليسير.
الوجه الثاني:
أن هناك فرقًا بين الأذان والخطبة، فكلمات الأذان متعينة، فيعد قاطعه معرضًا عنه، وليست كذلك الخطبة، فإن لفظها غير متعين.
стр. 285
الدليل الخامس:
لا يمكن أن يقاس الأذان على الصلاة، فإن الصلاة جاء النص بالنهي عن الكلام فيها، وأجمع العلماء على تحريمه فيها، بخلاف الأذان فإنه لا نص فيه على تحريم الكلام، ولا تشترط له الطهارة، ولا تجب له القبلة، ففارق الصلاة.
• دليل من فرق بين الأذان والإقامة:
حجة من فرق بينهما: أن الإقامة مبنية على الحدر والإسراع، فالكلام ينافي ذلك بخلاف الأذان المبني على الترسل والتمهل (١).
• دليل من فرق بين السكوت والكلام:
أن السكوت اليسير لا بد منه للتنفس، والاستراحة، ولا ينفك عنه أحد، فلا يستحب الاستئناف من السكوت اليسير، بخلاف الكلام فإنه يستحب الاستئناف، منه وإن كان يسيرًا.
هذا وجه الفرق بين السكوت والكلام اليسير.
وأما وجه الفرق بين السكوت الطويل والكلام الكثير: أن السكوت الطويل لا يجر لبسًا على السامعين فأمكن البناء، واستحب الاستئناف، بخلاف السكوت الطويل إذا تخلله كلام أجنبي عن الأذان، فهو يجعل السامع يظن أن الذي سمعه لم يكن أذانًا، أو لم يقصد به الإعلام بدخول الوقت فلم يمكن البناء على ما سبق.
• الراجح:
أرى أن قول الجمهور أقرب إلى الصواب، وأن الموالاة شرط، ولا يضر اليسير من الكلام والسكوت، والله أعلم.