← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الفرع السادس في احتباء الرجل في ثوب ليس عليه غيره المدخل إلى المسألة: • النهي عن الاحتباء حكم معلل. • النهي عن الاحتباء ليس لذات اللبسة، وإنما من أجل ما تفضي إليه. • الاحتباء إن كان يتحقق معه كشف العورة حرم في الصلاة مطلقًا، وخارج الصلاة إن كان يراه أجنبي، وبطلت صلاته عند جمهور الفقهاء. • الاحتباء إن كان مظنة كشف العورة كره. • إذا غلب على ظنه أن عورته لا تنكشف فالأصل الإباحة. [م-٢٧٧] تعريف الاحتباء اصطلاحًا (١):

стр. 2207

هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه ويقعد على أليتيه، وينصب ساقيه، ويدير ثوبه من وراء ظهره إلى أن يبلغ ركبتيه ويشده حتى يكون كالمعتمد عليه، والمستند إليه (١). [م-٢٧٨] الاحتباء في ثوب واحد لا يستر عورته يحرم في الصلاة مطلقًا. ويحرم خارج الصلاة إن كان يراه أحد. فإن كان في خلوة انبنى على حكم كشف العورة في الخلوة، وقد مر معك الخلاف في المسألة (٢). ومستند القول أن النهي عن الاحتباء ورد مقيدًا في ثوب واحد، وورد معللًا بكشف العورة. (ح-٨٢٧) فروى البخاري من طريق عبيد الله بن عمر، عن خبيب، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى النبي ﷺ -عن الملامسة والمنابذة … وأن يحتبي بالثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء بينه وبين السماء … (٣). فالحديث ظاهره أن الفرج ليس عليه شيء من جهة السماء. وفي رواية لمسلم من حديث جابر: وأن يحتبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه (٤). فكاشفًا حال، والتقدير: وأن يحتبي حال كونه كاشفًا عن فرجه. وفي الباب حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين (٥)، وحديث ابن عمر

стр. 2208

في مصنف ابن أبي شيبة والنسائي (١)، وحديث عائشة (٢). فالنهي ورد مقيدًا بالاحتباء في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، فدل على أن النهي ليس لذات الهيئة، وإنما إشارة إلى أن كشف العورة هو علة النهي، والله أعلم (٣). [م-٢٧٩] وإن كان الاحتباء في ثوب واحد ساترًا للعوره: فقيل: يكره؛ وهو مذهب المالكية، واختلفوا في العلة: فقيل: لاحتمال انحلال حبوته، فتبدو عورته (٤). وقيل: لما فيه من مخالفة الوضع المسنون في الصلاة (٥). ولا مانع من التعليل بأكثر من علة. وقيل: يجوز الاحتباء في ثوب واحد إذا لم تنكشف عورته، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (٦).

стр. 2209

قال النووي في المجموع: «يجوز القعود متربعًا ومفترشًا ومتوركًا ومحتبيًا والقرفصاء والاستلقاء على القفا ومد الرجل وغير ذلك من هيئات القعود ونحوها ولا كراهة في شيء من ذلك إذا لم يكشف عورته» (١). ولأن المنع ليس لذات اللبسة، وإنما من أجل ما تفضي إليه، فإذا غلب على ظنه أن عورته لا تنكشف فالأصل الجواز. وقيل: يمنع. وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). • وجه القول بالمنع: ثبت النهي عن الاحتباء في الثوب الواحد، والأصل في النهي التحريم، ويكفي في التحريم التخوف من كشف العورة، وليس تحقق الكشف؛ لأن قطع المفسدات عن الصلاة واجب، وارتكابها محرم. [م-٢٨٠] وإن كان عليه سراويل أو قميص فيجوز مطلقًا، وهو مذهب أكثر أهل العلم (٣). • دليل القول بالجواز: الدليل الأول: (ح-٨٢٨) ما رواه البخاري من طريق محمد بن فليح، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ -بفناء الكعبة محتبيًا بيده هكذا (٤). الدليل الثاني: (ح-٨٢٩) ما رواه مسلم من طريق الضحاك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة بنت الحارث، فقلت لها: إذا

стр. 2210

قام رسول الله ﷺ -فأيقظيني، فقام رسول الله ﷺ ، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي، فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أَغْفَيْتُ يأخذ بشحمة أذني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدًا، فلما تبين له الفجر، صلى ركعتين خفيفتين (١). الشاهد قوله: (ثم احتبى)، دليل على أن النهي ليس لذات الهيئة، وإنما النهي لما تفضي إليه، فإذا كان لا يخاف معها انكشاف العورة لم تكره. الدليل الثالث: (ح-٨٣٠) ما رواه البزار في مسنده من طريق الحسين بن صالح، عن مسلم، عن مجاهد، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ -جلس عند الكعبة، فضم رجليه، فأقامهما، واحتبى بيديه (٢). [قال الدارقطني: المحفوظ عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس] (٣).

стр. 2211

الدليل الرابع: (ح-٨٣١) ما رواه أحمد حدثنا أبو عامر، حدثنا عباد يعني: ابن راشد، عن الحسن، عن رجل من بني سليط أنه مر على رسول الله ﷺ ، وهو قاعد على باب مسجده محتبٍ، وعليه ثوب له قطن ليس عليه ثوب غيره، وهو يقول: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله. ثم أشار بيده إلى صدره يقول: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا (١). [صحيح إلا أن الاحتباء انفرد بذكره عباد بن راشد، وهو مختلف فيه] (٢).

стр. 2212

الدليل الخامس: (ح-٨٣٢) ما رواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق، حدثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم، قاضي عكبر، حدثنا أبو غسان، حدثنا عبد السلام، حدثنا عثمان، عن الحسن، عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ ، قال: ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان رسول الله ﷺ -محتبيًا، فحل حبوته، فأخذ النبي صلى الله عليه بطرف لسانه، وأخذ أبو الدرداء بطرف لسانه، وأخذ الحسن بطرف لسانه، وقال: وقول الزور (١). [رجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من أبي الدرداء] (٢). الدليل السادس: (ح-٨٣٣) ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن إبراهيم، قال: حدثني إسحاق بن محمد الأنصاري، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ -كان إذا جلس احتبى بيده. قال أبو داود: عبد الله بن إبراهيم شيخ منكر الحديث (٣).

стр. 2213

[ضعيف جدًّا] (١). الدليل السابع: (ح-٨٣٤) ما رواه أبو داود من طريق يونس بن عبيد، عن عبيدة أبي خداش، عن أبي تميمة الهجيمي، عن جابر بن سليم، قال: أتيت النبي ﷺ ، وهو محتبٍ بشملةٍ، وقد وقع هدبها على قدميه (٢). [ذِكْرُ الاحتباء جاء من طرق ضعيفة، والحديث له طرق صحيحة، وليس فيها ذكر الاحتباء] (٣).

стр. 2214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2220

وقيل: يحرم مطلقًا، وحكي قولًا لأحمد (١). • دليل القول بالتحريم: (ح-٨٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: أخبرني أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ -أنه نهى عن الحبوة يوم الجمعة، والإمام يخطب (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 2221

وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو. (ح-٨٣٦) رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن عبد الله بن واقد، عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ -عن الاحتباء يوم الجمعة، يعني: والإمام يخطب (١). [ضعيف] (٢).

стр. 2222

وجه الاستدلال: أن النهي عن الاحتباء وقت سماع الخطبة مطلق لم يقيد بالثوب الواحد. • ويجاب عن الحديث بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، مخالف لما عليه العمل عند أكثر السلف. قال أبو داود: كان ابن عمر ﵁ يحتبي، والإمام يخطب (١)، وأنس بن مالك، وشريح (٢)، وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب (٣)، وإبراهيم النخعي، ومكحول، وإسماعيل بن محمد بن سعد، ونعيم بن سلامة .... قال أبو داود: ولم يبلغني أن أحدًا كرهها إلا عبادة بن نسي (٤). (ث-٢١٧) وقد روى أبو داود، قال: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا خالد بن

стр. 2223

حيان الرقي، حدثنا سليمان بن عبد الله بن الزبرقان، عن يعلى بن شداد بن أوس، قال: شهدت مع معاوية بيت المقدس فجمع بنا، فنظرت فإذا جُلُّ من في المسجد أصحاب النبي ﷺ ، فرأيتهم محتبين والإمام يخطب (١). [ضعيف] (٢). (ث-٢١٨) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، قال: رأيت سالمًا، والقاسم يحتبيان يوم الجمعة، والإمام يخطب (٣). [صحيح]. (ث-٢١٩) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، عن سالم الخياط، قال: رأيت الحسن ومحمدًا، وعكرمة بن خالد المخزومي، وعمرو بن دينار، وأبا الزبير، وعطاء يحتبون يوم الجمعة، والإمام يخطب (٤). وقد أجاز الحنفية الاحتباء (٥). وقال مالك في المدونة: «لا بأس بالاحتباء يوم الجمعة، والإمام يخطب» (٦). ونقل ابن المنذر عن الشافعي أن الاحتباء يوم الجمعة لا يكره لمن حضر الخطبة، والإمام يخطب (٧).

стр. 2224

وهو ظاهر كلام الإمام الشافعي في الأم مستدلًّا بفعل ابن عمر ﵁ (١). وقطع به العمراني في البيان ولم يذكر غيره في مذهب الشافعية، ونقله عن الشيخ أبي نصر في المعتمد، وحجته: أن ذلك لا يمنع من استماع الخطبة، فلم يكره كالتربع (٢). وخالف النووي فكرهه، واعتمده المتأخرون من الشافعية، واختار الكراهة بعض الحنابلة، وبعض أهل الحديث (٣). قال المرداوي: «ولا تكره الحبوة على الصحيح من المذهب، نص عليه، وكرههما المصنف» (٤). الوجه الثاني: أن الحديث خاص في وقت سماع الخطبة، فهو أخص من مسألتنا، ولا يصلح الحديث دليلًا على النهي عن الاحتباء مطلقًا. فالنهي عن الاحتباء في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء مطلق من حيث الوقت، لم يقيد بحال الصلاة، ودخول حال الصلاة من باب شمول المطلق لجميع حالاته. ومقيد من جهة اللباس: بأن يكون في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء،

стр. 2225

ويفهم منه: أن الاحتباء إذا كان على فرجه ثوب آخر لا يدخل في النهي، فالحديث من أحكام ستر العورة، وأدلته ثابتة لا نقاش في صحتها. وأما حديث معاذ بن أنس فهو مطلق من حيث اللباس، حيث ينهى عن الاحتباء سواء أكان عليه ثوب واحد أم أكثر. ومقيد من حيث الزمن، حيث يختص في حال سماع الخطبة. وإذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه فلا يقدم حديث معاذ بن أنس مع ضعفه على أحاديث الصحيحين، بل أحاديث الصحيحين مقدمة عليه. وبعضهم حاول الجمع بين حديث معاذ بن أنس وبين حديث أبي هريرة وأبي سعيد بأن حمل النهي في حديث معاذ بن أنس على من يحتبي، والإمام يخطب؛ من أجل أن ذلك يشغله عن سماع الخطبة، ولا يدخل فيه من احتبى قبل شروع الإمام في الخطبة، واستمر على ذلك إلى نهايتها، وهذا الجمع تَوَجَّهَ له الطحاوي من الحنفية (١). وبعضهم قال باختلاف العلة، فالعلة ليست واحدة بين هذه الأحاديث: فعلة النهي عن الاحتباء في الثوب الواحد كان ذلك من أجل ستر العورة، ولهذا اختَصَّ النهي في الثوب الواحد. وأما النهي عن الاحتباء والإمام يخطب فمن أجل أن هذه الهيئة تجلب النوم المؤدي إلى انتقاض الوضوء، فيؤدي ذلك إلى قطع استماع الخطبة، فيتوجه النهي ولو كان على فرجه ثوب آخر. وهذا الجمع يتجه لو كان حديث أنس بن معاذ حديثًا صحيحًا، ولم تقع مخالفته من الصحابة ﵃ فممن بعدهم، فلو كان النهي محفوظًا ما خالفه ابن عمر ﵁ حتى ولو كان النهي من باب التنزيه، ولما خالفه جمع كثير من التابعين والأئمة الأربعة، والله أعلم.

стр. 2226

• الراجح: أن النهي عن الاحتباء خاص في الثوب الواحد، وأنه مطلق يشمل حال الصلاة وغيرها، فإن كان معه كشف للعورة حرم، وإن كان يخشى من كشف العورة كره، والله أعلم. * * *

стр. 2227

الفصل التاسع في العجز عن ستر العورة المبحث الأول في العجز عن ستر كامل العورة المدخل إلى المسألة: • لا واجب مع العجز، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. [البقرة: ٢٨٦]. • قال ﷺ : إذا أمرتكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم. قال النووي: هذا من قواعد الإسلام، وجوامع الكلم. • إذا كان الواجب يتبعض، وجب عليه فعل ما قدر عليه منه، وسقط عنه ما عجز عنه؛ لأن المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) [التغابن: ١٦] .. • ستر العورة آكد من ستر المنكب بلا خلاف. • العاتق ليس بعورة في الصلاة، ووضع الثوب على العاتق في الصلاة لم نؤمر به من أجل ستره، ولم يَأْتِ الأمر به بصفة الستر.

стр. 2228

[م-٢٨١] إذا عجز عن ستر كامل ما يجب ستره فله حالات: • الحالة الأولى: أن يجد ما يكفي عورته فقط، أو يكفي منكبيه وعجزه دون قبله بحيث لو ترك السترة على كتفيه، وسدلها من ورائه سترت عجزه، أيقدم ستر العورة كاملة مع كشف المنكبين، أم يقدم ستر العجز فقط مع ستر المنكبين؟ فقال الجمهور: يقدم ستر العورة فيصلي متزرًا قائمًا، اختاره ابن قدامة، والمجد، ورجحه ابن تيمية، وصوبه في الإنصاف (١). لحديث جابر في البخاري: إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به. فجعل الخيار دائرًا بين أمرين: إما أن يكون الثوب واسعًا فيقوم مقام الإزار والرداء، فيلتحف به مخالفًا بين طرفيه. وإما أن يضيق عن الالتحاف، فليس له إلا الاتزار، وهذا الثوب ضيق، فلو كان ستر المنكب والعجيزة مقدمًا على ستر القبل لأرشد إليه الشارع. وقال الحنابلة في المشهور: يستر منكبيه وعجزه، ويصلي جالسًا ندبًا (٢). • وحجة الحنابلة: بأن ستر المنكب لا بَدَلَ له، وقد صح الحديث بالأمر به، فمراعاته أولى، وفوات الجلوس يحقق ستر كل ما يجب ستره، وأركان الصلاة تسقط بالعذر، وهذا منها، ولأن القيام يجوز تركه مع القدرة عليه كما في صلاة النفل، والستر لا يجوز تركه بحال مع القدرة عليه، فوجب تقديم الستر، ولذلك قال الحنفية: الستر أهم من أداء الأركان (٣).

стр. 2229

• واستدل الجمهور بأدلة منها: الدليل الأول: أن الفرْجَ عورة بالاتفاق، والمنكب ليس عورة بالاتفاق، وإن اختلف في وجوب ستره، والجمهور على أن ستره ليس بواجب خلافًا للحنابلة. والعلة في ستر المنكب: إما من أجل أخذ الزينة للصلاة، أو من أجل أن شد الإزار يمنعه من السقوط، ولذلك قال في الرواية الأخرى: وليخالف بين طرفيه، وكلتا العلتين لا تقتضي تقديمه على ستر ما يعتبر عورة في الصلاة وخارجها. وعلل ابن رجب تقديم ستر العورة؛ لأن القيام وستر العورة واجبان بالإجماع، بخلاف ستر المنكبين (١). ويقصد ابن رجب الإجماع على وجوب القيام من حيث هو لا في صورة النزاع هذه؛ والحنابلة يقولون: تركنا القيام إلى بدل من أجل أن يتحقق ستر العورة والمنكب معًا. الدليل الثاني: أن مراعاة المقاصد أولى من مراعاة الوسائل، والصلاة بقيامها وركوعها من المقاصد، وشروط العبادة وسيلة إليها، فلا يضيع شيء من مقاصدها من أجل تحصيل شروطها (٢). • ونوقش: بأنه وإن ترك القيام فإن له بدلًا، وهو الصلاة جالسًا، فلا يكون تاركًا لما هو من مقاصدها، ويمكن الجواب عنه، بأن البدل إنما يصح مع العجز عن القيام، وهذا ليس بعاجز. الدليل الثالث: أن ستر القبل والدبر يجب في الصلاة وخارجها، وستر المنكب مأمور به في الصلاة فقط على خلاف في وجوبه، فكان ستر القبل أولى بالتقديم لوجوب ستره مطلقًا.

стр. 2230

• الحالة الثانية: أن يجد ما يستر العورة كاملة فقط أو منكبيه فقط. فهنا يستر عورته، وحكي إجماعًا (١). لأن ستر العورة آكد من ستر المنكبين بلا خلاف. ولأن ستر العورة واجب في الصلاة وخارجها، وستر المنكبين مأمور به في الصلاة فقط. وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: يستر منكبيه، ويصلي جالسًا (٢). الحالة الثالثة: أن يجد ما يستر به بعض عورته فقط. فقيل: يجب عليه أن يستتر بما يجد، وإن قَلَّ، وبه قال جمهور الفقهاء، والحلبي من الحنفية (٣). لظاهر حديث: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٤).

стр. 2231

وقال الحنفية: لا يجب ستر أقل من ربع العضو (١). بناء على أصل الحنفية: أن الربع له حكم كل العورة، لا لما دونه. والصواب الأول؛ ومثله من وجد من الطعام يسيرًا لا يسد رمقه فإنه يجب عليه أكله، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الميتة. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين الواجد من الماء ما لا يكفيه، فقد رجحت أنه لا يجب عليه استعماله، وهو أحد القولين في المسألة؟ فالجواب: أن المقصود من الطهارة رفع الحدث، وهو لا يتجزأ، وقد انتقل إلى التيمم وهي طهارة بدل كاملة، بخلاف ستر العورة فالمقصود منه الستر، وهو يتجزأ، وإذا لم يستتر بالموجود لم يكن لذلك بدل (٢). فإن أمكن ستر الفرجين قدمهما على غيرهما بلا خلاف. جاء في حاشية ابن عابدين نقلًا من المعراج: «ولو وجد ما يستر به بعض العورة ستر القبل والدبر بالاتفاق» (٣).

стр. 2232

وجهه: أن الفرجين أغلظ، وكشفهما أفحش، وهما داخلان في حد العورة بلا خلاف خلافًا لغيرهما ففي عورته نزاع مر معك في بابه. ولأن غيرهما كالحريم والتابع لهما. فإن لم يَكْفِ إلا أحد الفرجين لزمه ستر أحدهما على قول الجمهور: قال النووي: «إذا وجد ما يستر به بعض العورة فقط لزمه التستر به بلا خلاف لقوله ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة» (١). واختلفوا في أيهما يقدم: فقيل: يتخير ستر أحدهما؛ لاستوائهما، وهو قول في مذهب المالكية، والشافعية ورواية عن أحمد (٢). قال في الإنصاف: «فإن لم يكفهما جميعًا ستر أيهما شاء بلا نزاع أعلمه، والخلاف إنما هو في الأولوية» (٣). ولعل نفي الخلاف يقصد به في المذهب، وأما خارج المذهب فالخلاف محفوظ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في آخر البحث. وقيل: يقدم ستر الدبر، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة (٤). وقال البساطي المالكي: «إنما يقدم الدبر في حالة استوائهما، أما لو صلى وكان خلفه حائط يستر دبره، قدم ستر القبل، أو كان أمامه شجرة تستره، فإنه يستر

стр. 2233

دبره بالثوب، وتعقب بأن ما قاله ظاهر، ولكنه مخالف لإطلاق المالكية» (١). ويتجه كلام البساطي على أصول المالكية القائلين بأن ستر العورة واجب في الصلاة لا من أجلها، وأما من قال: إن ستر العورة حق الصلاة من أجلها، لا من أجل النظر، وأنه يجب الستر حتى في الظلمة والخلوة، وكان يرى أن التقديم على سبيل الوجوب فقد ينازع في توجيهه؛ لأن الحائط كالظلام، لا يسقط ما يجب للصلاة إذا كان تحت القدرة، وأما إذا كان التقديم على سبيل الاستحباب فيتجه. • وجه تقديم الدبر على القبل: أن الدبر أفحش، وينفرج في الركوع والسجود. وقيل: يستر القبل، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، وأظهر الأقوال في مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، ومال إليه صاحب الإنصاف (٢). قال الرافعي في فتح العزيز: «أصحها عند جمهور الأصحاب وحكوه عن نص الشافعي ﵁ أنه يستر القبل رجلًا كان أو امرأة … » (٣). وقال النووي: «نص عليه الشافعي في الأم» (٤). • وجه تقديم القبل: لأنه يستقبل به القبلة، ولأنه ظاهر دائمًا، بخلاف الدبر فإنه يستتر بالأليتين، وإنما قد يظهر في حال الركوع والسجود. والعلة في أن القبل يستقبل القبلة ليست علة مؤثرة؛ لأن النهي إنما ورد في حال البول والغائط، ولا ينهى على الصحيح عن استقبال الرجل القبلة بمذاكيره

стр. 2234

في غيرهما، كحال الجماع، والاستحمام، ونحوهما، وأما التعليل بأن القبل يظهر دائمًا فظاهر. وقيل: يتخير أيهما شاء، وهو قول في مذهب الحنفية، وقال به بعض المالكية، وهو وجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد (١). لاستوائهما، ولا مرجح، وقد تعارض الأمران، وتقابل الأصلان، ولا بُدَّ من احتمال اختلالٍ في الوجهين جميعًا، فلا تحصل أحدهما إلا بتفويت الآخر، فكانا متساويين. وقيل: إن المرأة تستر القبل، والرجل يقدم ستر الدبر، وهذا وجه انفرد به القاضي حسين من الشافعية (٢). وقال في المبدع: «ويتوجه أن يستر آلة الرجل إن كان هناك امرأة، وآلتها إن كان هناك رجل» (٣)، وهو أخص من قول القاضي حسين. وقيل: ستر أكثرهما أولى، وهو قول في مذهب الحنابلة، قال المرداوي في تصحيح الفروع: لو قيل بالوجوب على هذا الوجه لكان متجهًا، وإن محل الخلاف في غير هذه الصورة لكان له وجه (٤). والخلاف في تقديم القبل والدبر على الفخذ وفي تقديم أحدهما على الآخر إنما هو خلاف على سبيل الاستحباب، وهو مذهب الجمهور. قال المرداوي: «بلا نزاع أعلمه، والخلاف إنما هو في الأولوية» (٥). وجاء في حاشية ابن عابدين نقلًا من النهر الفائق: «الظاهر أن الخلاف في الأولوية، والتعليل يفيد أنه لو صلى بالإيماء تعين ستر القبل، ثم فخذه، ثم بطن المرأة وظهرها، ثم الركبة، ثم الباقي على السواء» (٦).

стр. 2235

بل قال العمراني في البيان: «إن خالف، وستر بذلك فخذه، أو سائر عورته غير الفرجين جاز؛ لأن حكم الجميع واحد، وإن كان قد خالف المستحب» (١). وهذا الذي قاله العمراني مرجوح حتى في مذهب الشافعية كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل: إن التقديم على سبيل الوجوب، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية. قال النووي: «ما ذكرناه من تقديم القبل والدبر أو أحدهما على الفخذ وغيره ومن تقديم أحدهما على الآخر هل هو مستحب أم واجب؟ فيه وجهان: أصحهما الوجوب، وأنه شرط (٢)، وهو مقتضى كلام الأكثرين كما في الروضة» (٣). أما تقديم الفرج على الفخذ فلأنه أغلظ، وكشفه أفحش، وهو داخل في حد العورة بلا خلاف خلافًا للفخذ ففي عورته نزاع مر معنا في بابه. وأما تقديم أحد الفرْجَيَنْ على الآخر فتقدم ذكر التعليل. • الراجح: أن تقديم الفرْجَيْنِ على غيرهما واجب، وتقديم أحدهما على الآخر على سبيل الاستحباب إلا أن يكون الناس أمامه فيقدم ستر القبل دفعًا للنظر، أو العكس فيقدم ستر الدبر، والله أعلم. * * *

стр. 2236

المبحث الثاني في صفة صلاة العاجز عن ستر عورته الفرع الأول في صلاة العاري إذا كان منفردًا المدخل إلى المسألة: • العجز عن شروط الصلاة لا يسقط الصلاة وهذا بالاتفاق. • الصلاة بأركانها غاية، والشرائط من التوابع، فلا يُخَلَّ بالغايات رعايةً للتوابع. • مفسدة العري لا تزول كلها بالقعود. • الأصل تقديم المتفق عليه على المختلف فيه، فالركوع والسجود أركان متفق على وجوبها، بخلاف سترة العورة فهو شرط مختلف فيه، ومع العجز لا يبقى واجبًا. • مراعاة الأركان مقدمة على مراعاة الشروط؛ لأن الأركان جزء من ماهية الصلاة بخلاف الشروط. • قال ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، فالأركان داخلة تحت قدرة العاري من قيام وركوع وسجود فلا تسقط عن العاري بخلاف السترة. [م-٢٨٢] إذا عجز عن ستر عورته لزمته الصلاة، على الأصح (١)، واختلفوا في صفة صلاته: فقيل: يصلي قاعدًا استحبابًا، ويومئ بالركوع والسجود، فإن صلى قائمًا أجزأه، وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).

стр. 2237

وقال الشافعية في وجه: يتخير، إن شاء صلى قاعدًا، وإن شاء صلى قائمًا (١). واختلفوا في صفة الجلوس: فقال الحنفية: يفترش الرجل وتتورك المرأة كما يقعد في الصلاة. وقيل: يقعد، ويمد رجليه إلى القبلة، ويضع يديه على عورته الغليظة، وهو قول في مذهب الحنفية (٢). وقال الحنابلة: الأَوْلَى أن يضم إحدى فخذيه على الأخرى، قال في الإنصاف: وهي الصحيحة من المذهب، واختارها ابن قدامة في المغني (٣). وقيل: يتربع أَوْلَى، وهي رواية ثانية عن أحمد (٤). وقيل: يلزمه أن يصلي قائمًا يركع ويسجد، ولا يومئ بهما، وهو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها الآجري (٥). وقيل: يلزمه أن يصلي جالسًا، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل من الحنابلة، ووجه عند الشافعية اختاره المزني. وهل يأتي بالسجود أو يومئ به وبالركوع؟ قولان عند الشافعية والحنابلة (٦).

стр. 2238

وقال الشافعية: إن صلى بالإيماء بالركوع والسجود، فالأصح أنه يعيد الصلاة إذا قدر، وهذا التفريع عندهم على القول المرجوح (١). • سبب الخلاف: اختلف الفقهاء أي الأمرين أولى بالمراعاة: المحافظة على ستر العورة ولو فاتت بعض الأركان في الصلاة أم الأولى المحافظة على الأركان بأن يصلي قائمًا، ويتم الركوع والسجود، باعتبار أن ستر العورة من الشروط المختلف في شرطيتها بين العلماء؟ وعلى القول بأنها شرط فهي من التوابع. أو يتخير بينهما؛ لاستوائهما، ففي القعود ستر العورة المغلظة، وفي القيام أداء لهذه الأركان العظيمة في الصلاة (٢). • وجه استحباب تقديم ستر العورة، وصحة الصلاة قائمًا: أن ستر العورة أهم من أداء الأركان لوجهين: أحدهما: أن ستر العورة فرض في الصلاة وغيرها، والأركان فرائض الصلاة لا غير، فالستر وجب لحق الصلاة وحق الناس، والأركان لحق الصلاة فقط، ولأن الستر لا خلف له، والإيماء والقعود خلف عن الأركان.

стр. 2239

الثاني: أن سقوط هذه الأركان إلى الإيماء جائز في النوافل من غير ضرورة، كالمتنفل على الدابة، وستر العورة من القادر لازم في كل حال، فكانت مراعاته أولى. ولأنه إذا جاز سقوط القيام لحفظ العورة، فهي في حال السجود أفحش، فكان سقوطه أولى. وأما وجه القول بجواز صلاته قائمًا؛ لأنه وإن ترك فرض الستر، فقد كمل الأركان الثلاثة، وهي القيام والركوع والسجود، فصار له غرض صحيح في ترك ستر العورة، فجاز ذلك (١). • دليل من قال: يجب أن يصلي قائمًا يركع ويسجد: الدليل الأول: (ح-٨٣٧) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن عمران بن الحصين، قال: كان بي الناصور، فسألت النبي ﷺ ، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (٢). فقوله: (صَلِّ قائمًا) مطلق، لم يفرق بين العريان وغيره. • ويناقش: بأن المطلق والعام لا يشمل بإطلاقه وعمومه الحالات النادرة، خاصة حالة العجز. الدليل الثاني: (ح-٨٣٨) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ -عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا (٣). ورواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان به، وقال: من ضيق الأزر (٤).

стр. 2240

وجه الاستدلال: فاحتاط النبي ﷺ -لعورة النظر من قبل النساء خاصة، فأمرهن بتأخير المتابعة المستحبة احتياطًا للنظر، ولم يحتط ﵊ لعورة الصلاة، حيث لم يأمر الرجال بالصلاة جلوسًا، ولم يأمرهم بالاتزار فقط بدلًا من جعل الثوب مع ضيقه يقوم مقام الإزار والرداء، ويغطي قدرًا من البطن والصدر لا يضر المصلي كشفه، مع أنه ﷺ -أرشد جابرًا ﵁ بقوله: (وإن كان ضيقًا فاتزر به) رواه البخاري، فدل الحديث على أن القيام والركوع والسجود أهم من ستر العورة. الدليل الثالث: أن الصلاة غاية وهي تتكون من مجموع أركانها، والشروط تابعة ووسيلة إليها، فإذا تعارض تحصيل الغاية بتحصيل الوسيلة والتابع قدمت الغاية؛ فلا يضيع شيء من أركان الصلاة من أجل تحصيل توابعها (١). قال إمام الحرمين: «الصلاة هي العبادة المقصودة، والشرائط تجب لها، فلا ينبغي أن يُخل بالأركان رعايةً لشرطٍ، ثم العري لا يزول كله بالقعود» (٢). هذا وجه من وجوه تقديم الأركان على ستر العورة. ونظر القرافي المالكي إلى وجه آخر من وجوه الترجيح وهو تقديم المتفق عليه على المختلف فيه، قال في الذخيرة: «النصوص الدالة على وجوب الركوع والسجود وأنها أركان متفق عليها، والسترة شرط مختلف فيه، والأركان مقدمة على الشروط، والمجمع عليه مقدم على المختلف فيه» (٣). الدليل الرابع: على القول باستواء الركن والشرط، فإنه لا يَحْسُنُ أن يُسْقِطَ الإنسان ثلاثة أركان من أجل تحصيل فرض واحد، هذا على التسليم باستوائهما على ضعفه.

стр. 2241

• وجه القول بوجوب الجلوس في الصلاة: هذا القول بنى مذهبه على أنه لا يمكن تحقيق المصلحتين إلا بتفويت إحداهما، وقد وجد أن تحصيل ستر العورة مقدم على تحصيل أركان الصلاة من وجهين: الأول: أن ستر العورة حق مركب: فهو حق لله، ولهذا يجب مراعاته في الخلوة، وفي الظلمة، وحق للناس أيضًا، بحيث لا يتسبب لهم بالنظر المحرم، بخلاف أركان الصلاة فهو حق خاص لله. والثاني: أن ستر العورة فرض في الصلاة وفي غيرها، بخلاف أركان الصلاة فهي من فرائض الصلاة لا غير، والعذر يسقطها. • الراجح: أرى أنه إن صلى وحده صلى قائمًا، ويتم الركوع والسجود، وإن صلى بحضرة الناس صلى جالسًا، والقول بأنه يصلي قاعدًا لوجوب ستر العورة في الظلمة والخلوة، وأن ستر العورة حق لله، هذا يسلم مع القدرة على الستر، وأما مع العجز فيسقط عنه تحصيل السترة، قال في مجمع الأنهر: «هذا مسلم في حالة الاختيار، أما في حالة الاضطرار فيكتفى به» (١). والله أعلم. * * *

стр. 2242

الفرع الثاني في صلاة العراة إذا كانوا جماعة المدخل إلى المسألة: • النظر إلى العورات من تحريم الوسائل، فهو محرم لغيره تبيحه الحاجة. • إذا أحرز العاري جسده عن النظر خارج الصلاة كما لو كان العراة في بيوتهم أو متفرقين لم تجب عليهم الجماعة؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. • إذا سقطت الجماعة لحضور الطعام ومطالبة الدائن سقطت بالعجز عن السترة من باب أولى. • صلاة الجماعة مختلف في وجوبها، وستر العورة متفق على وجوبها، ومراعاة المتفق عليه أولى من مراعاة المختلف فيه. • إذا اجتمع العراة قبل الصلاة لم يتفرقوا لأجل الصلاة، بل تجب عليهم الجماعة؛ لأن الحرز من النظر، وهم في الصلاة أكثر منه وهم خارج الصلاة. [م-٢٨٣] إذا اجتمع عراة للصلاة فإن كانوا عميًا، أو في ظلمة بحيث لا يرى بعضهم بعضًا صلوا جماعة، وحكي إجماعًا. قال النووي: «لو كانوا عميًا أو في ظلمة، استحبت لهم الجماعة بلا خلاف» (١). ونص المالكية على أنه يجب عليهم تحصيل الظلام بطفء سراج أو الدخول إلى مكان مظلم إلا لضرورة (٢). بناء على قاعدة: ما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب. وأما إذا كان العراة يرى بعضهم بعضًا، فقد اختلفوا:

стр. 2243

فقيل: يصلون فرادى متباعدين، على خلاف بينهم هل ذلك على سبيل الأفضلية، وهو الأصح في مذهب الحنفية والقديم من قول الشافعي. أو ذلك على سبيل الوجوب وهو مذهب المالكية؟ فإن لم يمكن تفرقهم صلوا جماعة صفًّا واحدًا، واختلفوا في القيام: فقال الحنفية: يصلون جلوسًا أفضل، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، وقدمه ابن جزي في القوانين. وقال المالكية والشافعية: يصلون قيامًا غَاضِّينَ أبصارَهُم، واختاره عبد الحق وخليل وغيرهما (١).

стр. 2244

جاء في مختصره: «ومن عجز صلى عريانًا، فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين وإلا تفرقوا، فإن لم يمكن صلوا قيامًا غَاضِّينَ وإمامهم وسطهم» (١). وقال الشافعي في الجديد: الجماعة والانفراد سواء، وهو نص الأم (٢). وقال ابن الماجشون «يصلون جماعة صفًّا واحدًا، وحكى الخراسانيون استحبابه في أحد الأوجه عند الشافعية، وأوجبه الحنابلة في المشهور، إلا أنهم استحبوا صلاتهم جلوسًا بالإيماء، كما مر معك في صلاة العاري منفردًا» (٣). وقال ابن عقيل من الحنابلة: «يصلون جلوسًا وجوبًا» (٤). • دليل من قال: تسقط الجماعة عن العراة: الدليل الأول: ستر العورة في الصلاة شرط أو واجب على الأعيان، والصلاة في الجماعة سنة على الكفاية، فترك الجماعة في الصلاة أولى من ترك ستر العورة فيها (٥). وهذا الدليل إنما يأتي على مذهب من يرى صلاة الجماعة سنة، ولا يلزم

стр. 2245

الحنابلة القائلين بوجوب صلاة الجماعة، وسوف يأتي البحث إن شاء الله تعالى في حكم الجماعة في الصلاة في مظانه من هذا الكتاب. الدليل الثاني: أن السنة في الجماعة للرجال، أن يتقدم إمامهم، وإذا صلى العراة جماعة توسطهم إمامهم، فإذا تعذرت الجماعة على الوجه المسنون؛ فالوجه تركها، كذا حكاه العراقيون من الشافعية (١). الدليل الثالث: إذا كانت الجماعة تسقط من الرائحة الخبيثة، كأكل الكراث والبصل، فلأن تسقط من كشف العورات، وما يسوء المرءَ كشْفُهُ من باب أولى. • دليل الحنابلة على وجوب الجماعة: الدليل الأول: من القواعد الأصولية المسلمة أن العام يجب العمل به على عمومه، والمطلق مثله، والأدلة التي توجب الجماعة عامة، ولا مخصِّص يخرج العراة،، والعجز عن تحصيل السترة لا يكون سببًا في سقوط ما يقدر عليه مما يجب للصلاة كالجماعة. وهذا الاستدلال يناقش من وجهين: الأول: أنه يلزم من يقول بوجوب الجماعة، ولا يلزم من ينازع في ذلك كجمهور الفقهاء، والله أعلم. الثاني: القول بأن العام والمطلق يشمل حتى الحالات النادرة فيه نزاع أصولي، فكيف إذا كان في المسألة عمومات وأقيسة أخرى تقابلها تدل على سقوط الجماعة. الدليل الثاني: إذا صلى العاري وحده فقد اجتمع له ترك الجماعة، وصلاته عاريًا؛ بخلاف ما إذا صلى جماعة فإنه لا يفوته إلا السترة، والابتعاد لا يعود لمصلحة الصلاة، فهو يصلي عاريًا بكل حال صلى منفردًا أو جماعة، وإنما الابتعاد لدفع ما يخشى من
следующие страницы →