• وجه القول بوجوب الجلوس في الصلاة:
هذا القول بنى مذهبه على أنه لا يمكن تحقيق المصلحتين إلا بتفويت إحداهما، وقد وجد أن تحصيل ستر العورة مقدم على تحصيل أركان الصلاة من وجهين:
الأول: أن ستر العورة حق مركب: فهو حق لله، ولهذا يجب مراعاته في الخلوة، وفي الظلمة، وحق للناس أيضًا، بحيث لا يتسبب لهم بالنظر المحرم، بخلاف أركان الصلاة فهو حق خاص لله.
والثاني: أن ستر العورة فرض في الصلاة وفي غيرها، بخلاف أركان الصلاة فهي من فرائض الصلاة لا غير، والعذر يسقطها.
• الراجح:
أرى أنه إن صلى وحده صلى قائمًا، ويتم الركوع والسجود، وإن صلى بحضرة الناس صلى جالسًا، والقول بأنه يصلي قاعدًا لوجوب ستر العورة في الظلمة والخلوة، وأن ستر العورة حق لله، هذا يسلم مع القدرة على الستر، وأما مع العجز فيسقط عنه تحصيل السترة، قال في مجمع الأنهر: «هذا مسلم في حالة الاختيار، أما في حالة الاضطرار فيكتفى به» (١). والله أعلم.
* * *
стр. 2242
الفرع الثاني في صلاة العراة إذا كانوا جماعة
المدخل إلى المسألة:
• النظر إلى العورات من تحريم الوسائل، فهو محرم لغيره تبيحه الحاجة.
• إذا أحرز العاري جسده عن النظر خارج الصلاة كما لو كان العراة في بيوتهم أو متفرقين لم تجب عليهم الجماعة؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
• إذا سقطت الجماعة لحضور الطعام ومطالبة الدائن سقطت بالعجز عن السترة من باب أولى.
• صلاة الجماعة مختلف في وجوبها، وستر العورة متفق على وجوبها، ومراعاة المتفق عليه أولى من مراعاة المختلف فيه.
• إذا اجتمع العراة قبل الصلاة لم يتفرقوا لأجل الصلاة، بل تجب عليهم الجماعة؛ لأن الحرز من النظر، وهم في الصلاة أكثر منه وهم خارج الصلاة.
[م-٢٨٣] إذا اجتمع عراة للصلاة فإن كانوا عميًا، أو في ظلمة بحيث لا يرى بعضهم بعضًا صلوا جماعة، وحكي إجماعًا.
قال النووي: «لو كانوا عميًا أو في ظلمة، استحبت لهم الجماعة بلا خلاف» (١).
ونص المالكية على أنه يجب عليهم تحصيل الظلام بطفء سراج أو الدخول إلى مكان مظلم إلا لضرورة (٢).
بناء على قاعدة: ما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب.
وأما إذا كان العراة يرى بعضهم بعضًا، فقد اختلفوا:
стр. 2243
فقيل: يصلون فرادى متباعدين، على خلاف بينهم هل ذلك على سبيل الأفضلية، وهو الأصح في مذهب الحنفية والقديم من قول الشافعي.
أو ذلك على سبيل الوجوب وهو مذهب المالكية؟
فإن لم يمكن تفرقهم صلوا جماعة صفًّا واحدًا، واختلفوا في القيام:
فقال الحنفية: يصلون جلوسًا أفضل، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، وقدمه ابن جزي في القوانين.
وقال المالكية والشافعية: يصلون قيامًا غَاضِّينَ أبصارَهُم، واختاره عبد الحق وخليل وغيرهما (١).
стр. 2244
جاء في مختصره: «ومن عجز صلى عريانًا، فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين وإلا تفرقوا، فإن لم يمكن صلوا قيامًا غَاضِّينَ وإمامهم وسطهم» (١).
وقال الشافعي في الجديد: الجماعة والانفراد سواء، وهو نص الأم (٢).
وقال ابن الماجشون «يصلون جماعة صفًّا واحدًا، وحكى الخراسانيون استحبابه في أحد الأوجه عند الشافعية، وأوجبه الحنابلة في المشهور، إلا أنهم استحبوا صلاتهم جلوسًا بالإيماء، كما مر معك في صلاة العاري منفردًا» (٣).
وقال ابن عقيل من الحنابلة: «يصلون جلوسًا وجوبًا» (٤).
• دليل من قال: تسقط الجماعة عن العراة:
الدليل الأول:
ستر العورة في الصلاة شرط أو واجب على الأعيان، والصلاة في الجماعة سنة على الكفاية، فترك الجماعة في الصلاة أولى من ترك ستر العورة فيها (٥).
وهذا الدليل إنما يأتي على مذهب من يرى صلاة الجماعة سنة، ولا يلزم
стр. 2245
الحنابلة القائلين بوجوب صلاة الجماعة، وسوف يأتي البحث إن شاء الله تعالى في حكم الجماعة في الصلاة في مظانه من هذا الكتاب.
الدليل الثاني:
أن السنة في الجماعة للرجال، أن يتقدم إمامهم، وإذا صلى العراة جماعة توسطهم إمامهم، فإذا تعذرت الجماعة على الوجه المسنون؛ فالوجه تركها، كذا حكاه العراقيون من الشافعية (١).
الدليل الثالث:
إذا كانت الجماعة تسقط من الرائحة الخبيثة، كأكل الكراث والبصل، فلأن تسقط من كشف العورات، وما يسوء المرءَ كشْفُهُ من باب أولى.
• دليل الحنابلة على وجوب الجماعة:
الدليل الأول:
من القواعد الأصولية المسلمة أن العام يجب العمل به على عمومه، والمطلق مثله، والأدلة التي توجب الجماعة عامة، ولا مخصِّص يخرج العراة،، والعجز عن تحصيل السترة لا يكون سببًا في سقوط ما يقدر عليه مما يجب للصلاة كالجماعة.
وهذا الاستدلال يناقش من وجهين:
الأول: أنه يلزم من يقول بوجوب الجماعة، ولا يلزم من ينازع في ذلك كجمهور الفقهاء، والله أعلم.
الثاني: القول بأن العام والمطلق يشمل حتى الحالات النادرة فيه نزاع أصولي، فكيف إذا كان في المسألة عمومات وأقيسة أخرى تقابلها تدل على سقوط الجماعة.
الدليل الثاني:
إذا صلى العاري وحده فقد اجتمع له ترك الجماعة، وصلاته عاريًا؛ بخلاف ما إذا صلى جماعة فإنه لا يفوته إلا السترة، والابتعاد لا يعود لمصلحة الصلاة، فهو يصلي عاريًا بكل حال صلى منفردًا أو جماعة، وإنما الابتعاد لدفع ما يخشى من
стр. 2246
النظر، والحرز من النظر في الصلاة أكثر منه خارج الصلاة؛ لأن في الصلاة شغلًا، وهم يقفون صفًّا واحدًا، فلا يتمكن من النظر إلى بقية الصف وهو يصلي، وإذا كان ما ابتلي به يشترك معه غيره كان الجميع حريصًا على غض بصره.
الدليل الثالث:
إذا شرعت الجماعة حال الخوف مع تعذر الاقتداء بالإمام في بعض الصلاة والحاجة إلى مفارقته، وفعل ما يبطل الصلاة في غير تلك الحال، فأولى أن يشرع هنا (١).
• ويناقش:
يمكن قلب القياس بقياس آخر، فيقال: سقطت الجماعة بأقل من الخوف، فقد سقطت بحضور الطعام، وسقطت عنه إذا اشتهى أكل ما له رائحة خبيثة من المباحات، فمن باب أولى أن تسقط عنه الجماعة بسبب ما يلحقه من أذى بكشف عورته.
• دليل من قال: يصلي قائمًا:
ذكرنا أدلتهم في صلاة العاري إذا صلى منفردًا في الفصل الذي قبل هذا، فارجع إليه إن شئت.
• دليل من قال: يصلي جالسًا:
ذكرنا أدلتهم في صلاة العاري إذا صلى منفردًا في الفصل الذي قبل هذا، فارجع إليه إن شئت.
• الراجح:
العاري لو كان في بيته لم تلزمه صلاة الجماعة ولو كان يصلي مع عراة مثله؛ لسقوط الجماعة بمثل هذا العذر، وإذا كانت الجماعة تسقط لحضور الطعام، والخوف من الدائن، فهذا أولى.
أما إذا كانوا عراة مجتمعين، وسيتفرقون من أجل الصلاة، ثم يعودون إلى الاجتماع معًا مرة أخرى فأرى أن يصلوا جماعة؛ لأني كما قدمت أن اشتغالهم
стр. 2247
بالصلاة حرز لهم من نظر بعضهم إلى بعض، خاصة أنهم سوف يصلون صفًّا واحدًا، لا يمكن للمصلي النظر إلا لمن كان بجانبه، والله أعلم، حتى لو كان المصلي لا ينفك من النظر إلى من بجانبه فإن النظر غير المتعمَّد عفو، والنظر إلى العورات من المحرم لغيره، والحاجة تبيحه، وأي حاجة أعظم من كونه يصلي فريضته جماعة، والله أعلم.
* * *
стр. 2248
المبحث الثالث في موقف الإمام إذا صلى العراة جماعة
المدخل إلى المسألة:
• القول ببطلان الصلاة إذا تقدم إمام العراة عليهم قول ضعيف؛ لأن البطلان يحتاج إلى دليل، والأصل صحة الصلاة.
• النظر إلى عورة الإمام أو المأموم أو إلى عورة نفسه أو إلى عورة من هو خارج الصلاة محرم، ولا تبطل به الصلاة؛ لأن التحريم لا يختص بالصلاة.
• الأئمة الأربعة متفقون على أن إمام العراة يقف بينهم على خلاف في وجوب ذلك، فقال الحنابلة: يجب، وهو المعتمد عند المالكية، وقال غيرهم بالاستحباب.
• لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بأن الأفضل أن يتقدم إمام العراة عليهم إلا في حالتين: أن يكون العراة عميًا أو في ظلمة.
[م-٢٨٤] عرفنا كلام أهل العلم في حكم صلاة الجماعة على العراة في الفصل السابق:
فمنهم من قال: تجوز الجماعة، والانفراد أفضل كالحنفية.
ومنهم من قال: ترك الجماعة واجب إلا إذا كان لا يمكنهم التفرق كالمالكية.
ومنهم من قال: يجب أن يصلوا جماعة مطلقًا، كالحنابلة.
ومنهم من قال بالتخيير كالشافعية.
فإذا صلوا جماعة سواء أكان ذلك من قبيل الجواز، أم الوجوب، أم لعدم إمكان التفرق فأين يقف إمامهم؟
ذهب الأئمة الأربعة إلى أن الإمام يقف وسطهم ما لم يكونوا عميًا أو في ظلمة، فإن تقدمهم:
стр. 2249
فقيل: الفعل جائز، والصلاة صحيحة، وهو مذهب الحنفية والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: الفعل حرام، والصلاة صحيحة، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٢).
стр. 2250
وقيل: الفعل حرام، والصلاة باطلة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: تبطل صلاة المأموم إن تعمد النظر إلى عورة إمامه أو عورة نفسه مطلقًا، فإن لم يتعمد فلا بطلان مطلقًا، سواء أكان عالمًا أنه في صلاة أم لا، وهذا كله ما لم يشغله ذلك، أو يتلذذ به، وإلا بطلت؛ لأن اللذة تنزل منزلة الأفعال الكثيرة.
ولا تبطل الصلاة بالنظر إلى عورة شخص آخر غير نفسه وغير إمامه مطلقًا، حتى ولو تعمد النظر لها، ولو كان عالمًا بأنه في صلاة؛ لأنه لا علاقة للمنظور له بالصلاة، وقد نسب الدسوقي هذا التفصيل لسحنون، وضعفه (٢).
وقيل: في التفريق بين النظر إلى عورة الإمام، وبين النظر إلى عورة نفسه.
فإن تعمد النظر إلى عورة إمامه بطلت مطلقًا.
وإن تعمد النظر إلى عورة نفسه بطلت بشرط أن يكون عالمًا أنه في صلاة، فإن نسي كونه في صلاة فلا بطلان، وهذا قول ثالث في مذهب المالكية (٣).
стр. 2251
• منشأ الخلاف:
من نظر إلى أن كَفَّ النظر عن رؤية العورة واجب، وتقدم الإمام سنة، فلا يرتكب الحرام لتحصيل سنة، ولا سبيل إلى قطع هذا إلا بتحريم تقدم الإمام، أو أن يغمض المأموم بصره، وهو مكروه في الصلاة من حيث هو، رأى وجوب تأخر الإمام، على خلاف بينهم في بطلان الصلاة إن خالف وتقدم.
والخلاف يرجع إلى حكم تعمد ترك الواجب في الصلاة، فالمالكية في المشهور لا يبطلها خلافًا للحنابلة، وسبق بحث المسألة بأدلتها.
ومن نظر إلى أن تقدم الإمام سنة الصلاة، وستر العورة سقط بالعجز، والنظر يحرزه غض البصر، رأى أن تقدم الإمام من قبيل الجواز، وإن لم يكن الأفضل.
وإذا جاز في أحد القولين أن يصلوا أكثر من صف؛ لضيق المكان، فتقدم الإمام بمنزلة الصف الأول إن لم يكن آكد.
ومن رأى من المالكية أن الغض بمثابة الساتر، فإذا ترك الغض صار بمنزلة من صلى عريانًا مع القدرة على الستر أبطل الصلاة وأوجب الإعادة أبدًا، وهذا أضعفها، وهو مخالف للمعتمد في مذهب المالكية.
ومن فرق بين النظر إلى عورة الإمام وعورة نفسه، وبين النظر إلى عورة غيرهما بنى هذا التفريق إلى أن المحرم المؤثر في إبطال الصلاة ما كان متعلقًا بذات الصلاة بخلاف نظر غير المصلي، فإنه وإن كان معصية إلا أنه لا علاقة له بالصلاة.
ومن فرق بين النظر إلى عورة إمامه فأبطلها بالعمد مطلقًا وبين عورة نفسه فاشترط للبطلان مع العمد علمه أنه في صلاة بنى ذلك على أن النظر إلى عورة غيره محرم مطلقًا، فأبطل الصلاة إذا تعمد النظر سواء أكان عالمًا أنه في صلاة أم لا، بخلاف النظر إلى عورته فإن النظر إليها لا يحرم خارج الصلاة، لهذا اشترط للبطلان أن يكون عالمًا بأنه في صلاة؛ لأنه إذا كان ذاهلًا عن صلاته لم يتعمد
стр. 2252
ارتكاب المحرم، فلم تبطل، والله أعلم.
• الراجح من الخلاف:
أما القول ببطلان الصلاة بتقدم الإمام فهو قول ضعيف؛ لأن البطلان يحتاج إلى دليل، والأصل صحة العبادة، وستر العورة قد سقط بالعجز، ومجرد النظر إلى الحرام في الصلاة لا يبطلها؛ لأن النظر إلى الحرام لا يختص بالصلاة، فالصلاة صحيحة، والفعل محرم.
قال النووي: «فإن نظروا لم يؤثر في صحة صلاتهم» (١).
ولم أقف على قول يقول: إن الأفضل أن يتقدم الإمام، وإنما هم متفقون على أن الإمام يكون وسطهم إما على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب، ومن قال للإمام أن يتقدم إنما يرى ذلك على سبيل الجواز، وإذا ضعف القول بالتحريم، ولم يوجد قول باستحباب تقدم إمام العراة، صار القول بجواز تقدمه هو القول الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 2253
المبحث الرابع إذا لم يتمكن العراة أن يصلوا صفًا واحدًا
المدخل إلى المسألة:
• درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، والكف عن الحرام المجمع عليه أولى من تحصيل الواجب المختلف فيه.
• الصلاة صَفًّا واحدًا ولو صلوا جماعات كثيرة أولى من الصلاة جماعة واحدة ولو كثرت الصفوف.
• إذا صلوا صَفًّا واحدًا حصلت مصلحتان: فضل الجماعة، وإحراز البصر عن النظر إلى عورات المصلين.
• إذا صَلَّى العراة أكثر من صف غاية ما فيه تكثير الجماعة، وهو ليس بواجب، والتعرض للنظر إلى عورات المصلين، وهو حرام.
• النظر إلى العورة تبيحه الحاجة.
[م-٢٨٥] إذا صلى العراة في جماعة فالمشروع في حقهم أن يصلوا صَفًّا واحدًا، وإمامهم وسطهم (١).
فإن ضاق المكان، أيصلون جماعة واحدة، أم يصلون صَفًّا واحدًا، ولو صلوا جماعات؟
فقيل: يصلون جماعة واحدة، ولو كثرت الصفوف، وهو مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، وصححه ابن تيمية (٢).
стр. 2254
قال العمراني في البيان: «إن صلوا جماعة وقف الإمام وسطهم، وكانوا صَفًّا واحدًا؛ لأن ذلك أغض لأبصارهم، فإن لم يمكن إلا صفين صلوا صفين، وغضوا أبصارهم» (١).
• ويستدل لهذا القول:
(ح-٨٣٩) بما رواه البخاري في صحيحه من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم،
عن سهل بن سعد، قال: كان رجال يصلون مع النبي ﷺ -عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا. ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ -أذن للنساء أن يصلين خلف الرجال، وأمر بتأخير المتابعة من أجل غض البصر عن عورات الرجال، وصف النساء بمنزلة الصف الثاني من الرجال.
• ويناقش:
بأن ما كان يظهر من الرجال ربما يكون أسفل الفخذ من جهة الركبة، فهو ليس عورة في أصح قولي العلماء، وإن اعتبر عورة فهو من العورة المخففة، ولهذا لم يأمر النبي ﷺ -الرجال بتأخير المتابعة وأمر بهذا النساء؛ لأن نظر النساء إلى الرجال، ونظر الرجال إلى النساء أضيق من نظر الجنس الواحد بعضه إلى بعض، والله أعلم.
وقيل: يصلون جماعتين فأكثر، وهذا هو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وهو المذهب عندهم (٣).
стр. 2255
جاء في كشاف القناع: «فإن كان المكان ضيقًا صلوا جماعتين فأكثر، بحسب ما يتسع له المكان، كالنوعين» (١).
• وجه هذا القول:
أن الصلاة صَفًّا واحدًا تجتمع فيها مصلحتان:
الأولى: القيام بفريضة الجماعة؛ لأن الجماعة تحصل باثنين فأكثر.
والثانية: إحراز البصر من النظر إلى عورات المصلين.
ولو صلوا صفوفًا كثيرة غاية ما فيه تكثير الجماعة، وذلك فضيلة، في مقابل الخوف من نظر المتأخر إلى عورة المتقدم، وهو محرم إجماعًا، ولا يمكن إحراز النظر إلا بتغميض البصر، وفيه مشقة لا تخفى، فتفوت فضيلة تكثير الجماعة في مقابل إحراز البصر من النظر المحرم، والله أعلم.
• الراجح:
أن الصلاة صَفًّا واحدًا ولو كثرت الجماعة، أولى من الصلاة جماعة واحدة صفوفًا كثيرة، ولو قيل بأن الترجيح يختلف بين العراة إذا كانوا شبابًا مردًا، وبين الشيوخ الكبار لكان له وجه، وهو وإن لم يقل به أحد لكن يمكن تخريجه على التفريق بين العراة إذا كانوا كلهم رجالًا، أو كان معهم نساء، والله أعلم.
* * *
стр. 2256
المبحث الخامس في صلاة العراة إذا كان معهم نساء
المدخل إلى المسألة:
• الاتفاق بين الأئمة الأربعة على أن النساء العاريات لا يصلين مع الرجال العراة، بل يصلي كل جنس وحده، وإنما الخلاف بينهم، أيصلي كل نوع فرادى أم جماعة؟
• وجوب ابتعاد النساء العاريات عن الرجال العراة مع القدرة عليه.
•النظر إلى العورات محرم متفق على تحريمه، والجماعة مختلف في وجوبها، ومراعاة الحرام المتفق عليه أولى من مراعاة الواجب المختلف فيه.
[م-٢٨٦] ذهب الحنفية والمالكية إلى أن حكم النساء العاريات حكم الرجال، لا يصلين جماعة، وإنما يصلين فرادى (١).
جاء في أسهل المدارك: «إن كان معهم في هذه الحالة نساء ينبغي أن يصلي الرجال ثم النساء، أي فرادى قائمات راكعات ساجدات، وتصرف كل طائفة وجهها عن الأخرى» (٢).
стр. 2257
قال ابن شاس في الجواهر: «لا فرق في هذا بين الرجال والنساء» (١).
وقال الشافعية والحنابلة: يصلي كل نوع لأنفسهم جماعة؛ لئلا يرى بعضهم عورة بعض، وإن كانوا في ضيق صلى الرجال واستدبرهم النساء، ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال (٢).
فيحصل لكل طائفة تحصيل الجماعة مع عدم رؤية كل جنس للآخر.
قال النووي: «إذا اجتمع نساء عاريات فالجماعة مستحبة لهن بلا خلاف؛ لأن إمامتهن تقف وسطهن في حال اللبس أيضًا، وإن اجتمع نساء ورجال عراة لم يصلوا جميعًا لا في صف، ولا في صفين بل يصلي الرجال ويكون النساء جالسات خلفهم مستدبرات القبلة ثم يصلي النساء ويجلس الرجال خلفهن» (٣).
وقال ابن قدامة: «فإن كان مع الرجال نساء عاريات تنحين عنهم؛ لئلا يرى بعضهم بعضًا، ويصلين جماعة أيضًا كالرجال، إلا أن الجماعة في حقهن أدنى منها في حق الرجال، كما لو كانوا غير عراة. فإن كان الجميع في مجلس، أو في مكان ضيق، صلى الرجال، واستدبرهم النساء، ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال؛
стр. 2258
لئلا يرى بعضهم عورات بعض» (١).
فعلى هذا يكون الاتفاق بين الأئمة الأربعة على أن النساء لا يصلين مع الرجال، بل يصلي كل نوع وحده، وإنما الخلاف بينهم، هل يصلي كل نوع فرادى أو جماعة؟
فالحنفية والمالكية ذهبوا إلى أنهم يصلون فرادى، على اختلاف بينهم في مسألتين: هل ذلك على سبيل الاستحباب أو الوجوب؟
وهل يصلون قعودًا بالإيماء، أو قيامًا بإتمام الركوع والسجود؟
ورأى الشافعية والحنابلة أنهم يصلون جماعة إن أمكن، الرجال وحدهم، والنساء وحدهن، فإن ضاق المكان صلى الرجال وحدهم، واستدبرهم النساء، ثم عكسوا، كاختلافهم في الرجال العراة هل يصلون فرادى أو جماعة، وقد ذكرنا أدلتهم فيما سبق
وإنما منع الفقهاء من صلاة النساء مع الرجال؛ لأن النساء العاريات لا يمكن لَهُنَّ أن يَكُنَّ في صف واحد مع الرجال حتى لا ترى عوراتهن؛ لأن مصافة النساء للرجال غير جائزة مطلقًا، لا في حال التستر التام ولا في حال العري.
وكذلك صلاتهن خلف الرجال غير ممكنة أيضًا؛ لتعري الرجال أمامهن، وقد أمر النبي ﷺ -النساء كما في حديث سهل بن سعد عند البخاري، بتأخير الرفع من السجود، لاحتمال انكشاف يسير غير مقصود في زمن يسير جدًّا، فربما وقع نظر الواحدة منهن على جزء من العورة المخففة، وربما كان انكشافًا مظنونًا غير متيقن، ومع ذلك أمرهن بتأخير الرفع من السجود ولو أدى ذلك إلى ترك سنة المتابعة، فما بالك بالتعري الكامل، الذي لا يمكن علاجه بتأخير المتابعة، والله أعلم.
* * *
стр. 2259
المبحث السادس في إعادة صلاة العاري إذا وجد سترة
المدخل إلى المسألة:
• الواجبات تسقط بالعجز، والقدرة شرط التكليف.
• ما سقط عن المكلف لا تعاد الصلاة بسببه.
• كل من أدى فرضه امتثالًا لأمر الشارع فقد أدى وظيفة الوقت، فلا تلزمه الإعادة كالمستحاضة؛ ولأن ما ترتب على المأذون غير مضمون.
• الأصل عدم الإعادة إلا بدليل، ولم يثبت أمر من الشارع للعاري إذا صلى عاجزًا عن ستر العورة أن يعيد صلاته إذا قدر على السترة.
• الأركان تسقط بالعجز ولا يؤمر بالإعادة إذا استطاع، فالشروط المختلف في شرطيتها كستر العورة من باب أولى.
• إذا كانت صلاة العاري صحيحة فلا حاجة للإعادة، وإن كانت فاسدة فلا معنى للأمر بها.
[م-٢٨٧] اختلف الفقهاء في الرجل إذا صلى عاريًا لعدم السترة، هل يعيد الصلاة إذا قدر عليها؟
فقيل: لا يعيد مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة، وأحد القولين لابن القاسم، من المالكية (١).
стр. 2260
وظاهر كلام الحنفية يفيد أنه لو وجد ثوبًا بعد الصلاة فلا إعادة عليه (١). لكن نبَّه ابن نجيم إلى أنه ينبغي أن يفصل بأن يقال: إن كان العذر من قبل الله تعالى لم تجب الإعادة، وإن كان من قبل العبد كما لو غُصِب ثوبه فتجب الإعادة (٢).
جاء في مواهب الجليل: «إن لم يجد ثوبًا إلا بعد فراغه من الصلاة فلا إعادة عليه» (٣).
وقال ابن قدامة: «ليس على من صلى في هذه الحال إعادة؛ لأنه شرط من شرائط الصلاة عجز عنه فسقط، كما لو عجز عن استقبال القبلة فصلى إلى غيرها» (٤).
وقيل: يعيد مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: يعيد في الوقت، فإن خرج فلا إعادة، وجعله المازري هو المذهب عند
стр. 2261
المالكية، واعتبره الدردير في الشرح الكبير هو المعتمد، وهو قول ابن القاسم في المدونة (١).
وقال الشافعية: يصلي قائمًا يتم الركوع والسجود ولا يعيد، فإن صلى قاعدًا لزمته الإعادة، وهذا مذهب الشافعية (٢).
قال السيوطي: «وأما العاري: فالمذهب أنه يتم الركوع والسجود، ولا إعادة عليه وقيل: يومئ، ويعيد» (٣).
وقيل: إن كان من قوم عادتهم العري لم تجب الإعادة، وإن كانوا لا يعتادونه فتلزمهم الإعادة، وهو قول ضعيف في مذهب الشافعية (٤).
وهذا التفصيل حكاه الخراسانيون وجهًا، وهو مبني على أن العري عذر نادر، فيشترط لسقوط الإعادة أن يكون التعري عادة متكررة حتى يلحق بالأعذار العامة، وأما من يرى أن العري من الأعذار العامة، وهو الراجح في مذهب الشافعية فلا يفصل هذا التفصيل، ولذا قال عنه النووي: وهو شاذ ضعيف والله أعلم (٥).
• دليل من قال: لا يعيد:
الدليل الأول:
حكى الإجماعَ أبو حامد الغزالي، ونقله عنه النووي، قال في المجموع: «قال الشيخ أبو حامد: لا يجب عليه الإعادة، ولا أعلم فيه خلافًا. قال النووي:
стр. 2262
يعني: بين المسلمين» (١).
وهذا التوضيح من النووي إشارة إلى أن حكاية الإجماع من الغزالي ليست بين أصحاب المذهب الشافعي، وإنما يريد به الإجماع العام.
الدليل الثاني:
الأصل عدم وجوب الإعادة، لأن الإعادة لا تجب إلا بأمر جديد، ولم يثبت أمر من الشارع يأمر المصلي إذا صلى عاجزًا عن ستر العورة بأن يعيد صلاته.
الدليل الثالث:
جميع التكاليف يشترط لوجوبها القدرة على الفعل وتسقط بالعجز، فإذا أوجبنا الإعادة لم يسقط الفرض بالعجز، وهو خلاف قواعد الشرع والقياس.
والعبرة في وقت العجز وقت أداء الصلاة؛ لأنه وقت وجوبها على الصحيح، وقياسًا على فاقد الماء يصلي بالتيمم، ثم يجد الماء بعد فراغه من الصلاة، وقبل خروج الوقت فإنه لا يعيد (٢).
قال ابن تيمية: «الجنب والمسافر إذا عدم الماء تيمم، وصلى، ولا إعادة عليه باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم» (٣).
ولعل قول ابن تيمية ﵀: لا إعادة عليهم يقصد نفي الوجوب عند الأئمة الأربعة، وأما استحباب الإعادة فهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
وقال بوجوب الإعادة عطاء وطاوس والقاسم بن محمد، ومكحول، وابن سيرين، والزهري، وربيعة (٥).
الدليل الرابع:
الأركان أهم من الشروط، فإذا كانت الأركان المتفق على ركنيتها تسقط
стр. 2263
بالعجز ولا يؤمر بالإعادة إذا استطاع كمن صلى قاعدًا لعجزه، فالشروط المختلف في شرطيتها كستر العورة من باب أولى.
فكل من أدَّى فرضه امتثالًا لأمر الشارع، فقد أدى وظيفة الوقت فلا تلزمه الإعادة، كالمستحاضة، ومن به سلس البول، وكالمسافر يحبس الماء خوفًا على نفسه من العطش، يتيمم ويصلي، كل هؤلاء إذا صلوا على حسب تمكنهم لم تجب عليهم إعادة، فالعاري العاجز عن السترة مثلهم لا إعادة عليه (١).
الدليل الخامس:
تكليف الناس بالصلاة، ثم تكليفهم بإعادتها خلاف القياس، فإن كانت الصلاة صحيحة فلا وجه للإعادة، وإن كانت باطلة فلماذا يؤمر الناس بالإقدام على الصلاة مع العلم بفسادها.
• ونوقش:
بأن هذه ليست صلاة، وإن كانت تشبه الصلاة، كالإمساك في رمضان لمن أفطر عمدًا، فإمساكه يشبه الصيام، ولا يعتبر صيامًا.
وقال بعضهم: الصلاة المفعولة في الوقت مع الخلل فاسدة كالحجة الفاسدة التي يجب المضي فيها، والقضاء.
• ورد هذا:
أما القول بأنها ليست صلاة فهذا بعيد جدًّا؛ وأما تشبيه الصلاة بالحج الفاسد، فلا يصح، ذلك لأن الفساد يتطرق إلى الحج بعد الدخول فيه، فلا يؤمر المكلف بالإقدام على حج فاسد ابتداء، بخلاف صلاتكم هذه فإن المكلف يؤمر بالإقدام عليها مع الحكم بفسادها، فافترقا، ثم أن الفقهاء القائلين بوجوب الإعادة قد اختلفوا في أي الصلاتين تعتبر فريضته:
فقيل: فرضه الصلاة الثانية، وإذا كان كذلك فلماذا يؤمر بالأولى وهي لن تكون فرضه.
стр. 2264
وقيل: فرضه الأولى، ويقال: لماذا وجب عليه الإعادة مع أن الأولى فرضه؟
وقيل: إحداهما لا بعينها، وهذا لا يسلم من إشكال، كيف يصلي مع عدم الجزم بأن هذه الصلاة هي فريضته.
والرابع: قالوا: كلتاهما فرض، وهذا مشكل كيف يكون عليه في وقت واحد فرضان. والله أعلم (١).
الدليل السادس:
أن الله لم يفرض على عبده أن يصلي فرضًا واحدًا مرتين بنية الفريضة، ولا فرض عليه في اليوم أكثر من خمس صلوات.
(ح-٨٤٠) فقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن حسين، حدثنا عمرو بن شعيب، حدثني سليمان، مولى ميمونة، قال:
أتيت على ابن عمر وهو بالبلاط، والقوم يصلون في المسجد، قلت: ما يمنعك أن تصلي مع الناس، أو القوم؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ -قال: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين (٢).
[صحيح تفرد به حسين المعلم عن عمرو بن شعيب] (٣).
• دليل من قال: يعيد الصلاة مطلقًا:
يمكن تخريج هذا القول على الرواية المشهورة في المذهب في الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره، حيث قال أحمد في إحدى الروايتين: يصلي بالنجس ويعيد؛ لاستدراك الخلل الحاصل بترك الشرط (٤).
стр. 2265
وإن كان هذا القول قد خرج على تلك المسألة فهو ضعيف؛ لأن الصلاة بالثوب النجس على الأصح لا تلزمه الإعادة، وكان الأولى أن يخرج حكم صلاة العاري على الصلاة في الثوب المحرم جاهلًا أو ناسيًا، حيث قال الحنابلة: لا يعيد؛ لأنه لا تحريم مع النسيان، فكذلك صلاة عادم السترة عاريًا، لا يعيد؛ حيث لا تحرم الصلاة عليه في هذه الحال، لأنه لا وجوب مع العجز.
• دليل من قال: يعيد في الوقت:
الدليل الأول:
الإعادة في الوقت هذا أصل من أصول المالكية، تبنوه وفرعوا عليه مسائل كثيرة في استحباب الإعادة في الوقت إذا كان المتروك واجبًا أو مستحبًّا؛ لجبر النقص في الأول، وطلب الكمال للثاني، بخلاف الأركان والشروط فإن فواتها يوجب الإعادة أبدًا في الوقت وغيره.
وقد ناقشت أصلهم هذا في مسألة سابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
قال إسماعيل في المبسوط كما في شرح التلقين: «كل ما يرى مالك الإعادة فيه في الوقت فإنما هو استحباب» (١). اه
يقصد أن الإعادة مستحبة، ولا يلزم منه أن يكون المتروك مستحبًّا -والذي شرع بسببه إعادة الصلاة - بل قد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، كما نقلت لك.
فترك الشروط، والفروض (الأركان) توجب الإعادة أبدًا في الوقت وغيره.
وترك الواجبات والمستحبات توجب الإعادة في الوقت فقط.
وفي أحد القولين للمالكية أن تعمد ترك السنن المؤكدة يوجب الإعادة مطلقًا في الوقت وغيره كترك الشروط والأركان، والمشهور الأول (٢).
стр. 2266
الدليل الثاني:
إذا لزمت الإعادة في قول على من صلى بثوب نجس أو حرير لزمت الإعادة لمن صلى عريانًا من باب أولى؛ لأن التعري أضعف منهما.
قال الخرشي: «قال بعضهم وهو الجاري على تقديم النجس والحرير على التعري؛ لأنه إذا لزمت الإعادة من صلى فيهما مع تقديمهما على التعري فلتلزم مع التعري الأضعف منهما أحرى وأما على تقديم التعري عليهما فلا إشكال» (١).
• دليل من قال: إن كان من عادتهم العري لم يعيدوا، وإلا أعادوا الصلاة:
هذا القول مبني على أن الأعذار النادرة التي لا تدوم يعاد منها الصلاة لعدم المشقة، بخلاف الأعذار العامة كصلاة المريض قاعدًا، أو الأعذار النادرة الدائمة كمن به سلس بول، وكالمستحاضة، فهؤلاء لا يؤمرون بالإعادة لوجود المشقة بالتكرار، والمشقة توجب التيسير.
ولما كان التقعيد هكذا رتبنا الإعادة على التفصيل: إن كان العري من عادتهم صار العذر ملحقًا بالأعذار العامة أو النادرة الدائمة، فلا إعادة، وإلا وجبت الإعادة (٢).
• ويجاب من وجهين:
الوجه الأول:
قال ابن تيمية: «لا فرق بين العذر النادر والمعتاد، وما يدوم، وما لا يدوم، وقد اتفق المسلمون على أن المسافر إذا عدم الماء صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه، وعلى أن العريان إذا لم يجد سترة صلى، ولا إعادة عليه، وعلى أن المريض يصلي بحسب حاله» (٣).
ويستدل لقول ابن تيمية في عدم التفريق بين العذر المعتاد وغيره بصلاة المرأة المستحاضة، حيث لم يوجب عليها الإعادة، وعذر الاستحاضة ليس معتادًا؛ لأنه
стр. 2267
دم مرض، والأصل الصحة، ولم يقيد ترك القضاء بأن يكون دم الاستحاضة دائمًا، وكذلك الرجل يعدم الماء، فيتيمم، فإنه لا يعيد، ولو كان تيممه عن فرض واحد، والله أعلم.
الوجه الثاني:
على التسليم بهذا التقعيد فإن العري ليس من الأعذار النادرة.
قال الشيرازي: «العري عذر عام، وربما اتصل ودام، فلو أوجبنا الإعادة لشق وضاق» (١).
• دليل من قال: إن صلى قاعدًا لزمته الإعادة:
لما ترك المصلي القيام وإتمام الركوع والسجود مع قدرته على هذه الأفعال، تطرق الخلل إلى صلاته، فصارت بحاجة لاستدراك ذلك الخلل الواقع بالعبادة بالإعادة، والله أعلم.
• ونوقش هذا:
إذا كان هذا خللًا يوجب القضاء فلماذا يصحح للمصلي أن يفعله من الأصل، فما ترتب على المأذون فهو غير مضمون، فكوننا نأمره بالصلاة في الوقت، ثم نوجب عليه القضاء هذا تناقض لا تأتي به الشريعة.
• الراجح:
أن العاجز عن ستر العورة لا تجب عليه الإعادة إذا صلى، وكل من فعل فعلًا امتثالًا للشرع لا يؤمر بالقضاء؛ لأن الصلاة الأولى إن كانت فرضه سقط الطلب عنه، ولم تجب عليه الإعادة، وإن لم تكن فرضه لم يؤمر بفعلها، والله أعلم.
* * *
стр. 2268
فرع في وجوب شراء ما يستر به عورته
المدخل إلى المسألة:
• ستر عورة العاري كإطعام الجائع حق البدن على المكلف فإن عجز وجب ذلك على المجتمع.
• إذا كان الشراء أو الاستئجار وسيلة لتحصيل الواجب وجب على المكلف؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
• ستر العورة حق لله وحق للناس، فلا يجوز للإنسان مسلمًا كان أو غير مسلم أن يخرج في الأسواق عاريًا، ولهذا كان الخطاب بستر العورة لبني آدم، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ﴾. [الأعراف: ٢٦]
[م-٢٨٨] إذا كان عاريًا، لا ثوب له، وهو يقدر على شراء ثوب، هل يلزمه شراؤه؟
هذه المسألة داخلة ضمن الواجبات البدنية التي يتوقف القيام بها على الاستطاعة المالية، كقدرة فاقد الماء على شرائه للوضوء أو الغسل، وقدرة مريد الحج على توفير الزاد والراحلة، ومثله مسألتنا: قدرة فاقد السترة على شراء ما يستر به عورته.
فقيل: لا يجب عليه شراؤه، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (١).
فقيل: يجب عليه شراؤه إذا وجده بثمن مثله، وهو مذهب الجمهور وأحد القولين في مذهب الحنفية (٢)، نص عليها الشافعية والحنابلة، وهي مخرجة عند
стр. 2269
غيرهم على قولهم في وجوب شراء الماء لتحصيل الطهارة من وضوء وغسل، بل إن مسألة ستر العورة أولى بالتحصيل من شراء الماء، ذلك أن ستر العورة يجب في الصلاة وفي خارجها، بخلاف الطهارة من الحدث فلا تجب لغير الصلاة.
ولأن ستر العورة حق لله وحق للناس، فلا يجوز للإنسان أن يخرج في أسواق المسلمين عاريًا، بخلاف طهارة الحدث فهي حق لله خاصة.
ولذلك قال النووي: «لو احتاج إلى شراء الثوب والماء للطهارة، ولم يمكنه إلا أحدهما اشترى الثوب؛ لأنه لا بدل له، ولأنه يدوم» (١).
تنبيه: قال الشافعية والحنابلة: الاستئجار بمنزلة الشراء (٢)، وهو ظاهر؛ لأن المقصود تحصيل السترة تملكًا للعين أو تملكًا للمنفعة.
[م-٢٨٩] فإن زاد عن ثمن المثل بيعًا أو شراء فاختلفوا:
فقيل: لا يجب عليه الشراء مطلقًا، بل يستحب وبه قال الشافعية (٣).
وقيل: إن كانت الزيادة يسيرة بمقدار ما يتغابن به الناس بمثله، ولا تجحف بماله، وجب الشراء، وإن كانت فاحشة لم يجب، وهذا مذهب الحنابلة (٤).
وقال به الحنفية في مسألة شراء الماء للوضوء، وهذه المسألة مقيسة عليها، بل هي أولى من شراء الماء للوضوء كما سيأتي بيانه عند الترجيح (٥).
قال صاحب الفائق من الحنفية: «ولو قدر بشرائه بثمن مثله لم يذكروه وينبغي
стр. 2270
أن يلزمه قياسًا على شراء الماء» (١).
وقيل: إن كان ذا مال كثير، ولا تجحف به الزيادة لزمه الشراء، ولو كانت الزيادة كثيرة، وإن كانت الزيادة تضر به لم يلزمه الشراء، هو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقال المالكية في الرجل لا يجد الماء: إن كان قليل الدراهم تيمم، أي حتى ولو عرض الماء بثمن المثل، وإن كان يقدر على الشراء فليشتره ما لم يرفعوا عليه في الثمن، ومسألتنا مخرجة عليها.
واختلف المالكية في المقدار الذي إذا رفع امتنع من الشراء، فقيل: إذا زيد عليه أكثر من الثلث، لم يلزمه، وإن كانت الزيادة من الثلث فأقل لزمه شراؤه، اختاره عبد الحق من المالكية (٣).
وأكثر المالكية يجعلون الزيادة على الثلث في كثير من الأمور فرقًا بين القليل والكثير.
• حجة من فرق بين الزيادة اليسيرة والفاحشة:
أن التفريق بين الغبن اليسير والغبن الفاحش مقرر في الشرع، وأن الناس قد يقع بينهم مثل ذلك في معاملاتهم، ولا يعدون ذلك موجبًا لفسخ البيع، فكذلك في
стр. 2271
البيع والشراء الواجب لمصلحة شرعية، إذا وقع فيه زيادة يسيرة وجب تحصيله، ولم تمنع تلك الزيادة من وجوب الشراء.
• حجة من قال: إذا زاد الثمن عن المثل لم يجب الشراء:
أن ما وضعه الشارع وهو حق له مبني على المسامحة، فإذا زاد عن ثمن المثل لم يكلف تحصيله.
وهذا قد يصح في شراء الماء للطهارة، فإنه حق شرعي محض، وأما شراء السترة فهو حق لله، وحق للناس كما تقدم، فإذا عجز المسلم عن ستر عورته انتقل الوجوب إلى بيت مال المسلمين إن كان موجودًا، أو إلى الناس باعتبار أن ذلك من فروض الكفايات، فكسوة العاري وإطعام الجائع فرض على القادر من الناس، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
• وحجة من قال: يجب الشراء ولو زاد عن المثل ما لم تضر الزيادة بماله:
أن الزيادة إذا كانت لا تضر بماله كما لو كان ماله وفيرًا فيجب عليه تحصيله؛ ولو زاد على ثمن المثل؛ لأن المال إذا ذهب لتحصيل شرط الصلاة لم يكن مبذرًا ولا مسرفًا؛ وذلك لأنه صرفه في أعظم الأعمال بعد الشهادتين، وهو الصلاة.
ولأن الإسراف والتقتير أمر نسبي، يحكمه يسار المجتمع وفقره، وتقدير ذلك راجع إلى العرف.
وأما إذا كان يضر بماله فلا يلزمه الشراء؛ لأن النصوص القطعية دلت على حرمة مال المسلم، وأن حرمة ماله كحرمة نفسه، والضرر في النفس مسقط، فكذلك الضرر في المال (١).
• حجة المالكية بأن الزيادة على الثلث كثير:
(ح-٨٤١) ما رواه البخاري من طريق عامر بن سعد،
عن سعد، قال: كان النبي ﷺ -يعودني، وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال،
стр. 2272
أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس … الحديث، والحديث رواه مسلم (١).
ومع أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يستثني الإنسان من ماله مقدار الثلث، وبين أن يأخذ الأجنبي من ماله الثلث فأكثر، كما أن هذا قيل في باب الوصية، فسحب هذا الحكم على كل شيء في أبواب الفقه، في العبادات والمعاوضات، فيجعل ما زاد على الثلث كثيرًا في كل شيء فيه تكلف، وفيه قياس أمور على أخرى دون أن يكون هناك علة جامعة.
• الراجح من الخلاف:
من قال: لا يجب عليه الشراء إذا زاد عليه أدنى زيادة عن سعر المثل فهذا قول ضعيف.
وبقي الترجيح بين قول من يقول: إن الغبن إذا كان فاحشًا لا يجب الشراء، وقول من يوجبه ولو كان الغبن فاحشًا إذا كان ذا مال، وكانت الزيادة لا تضره، فهذان القولان لهما حظ من النظر.
وإن كنت أرى أن المشتري يحق له أن يأخذه بسعر مثله من البائع، ولا يستحق البائع تسليم الزيادة الفاحشة، لأنها استغلال لحاجته، خاصة إذا كان البائع تاجرًا، وليس مجرد مالك لا يرغب في البيع أصلًا إلا أن يعرض عليه ما يدفعه للبيع، وكانت الزيادة ليست نتيجة لكثرة الطلب على الماء، فاستغلال التجار لحاجة الشخص، ورفع السعر على المحتاج بزيادة فاحشة عمل محرم، فإن منعه كان ما يأخذه البائع محرمًا عليه، وجاز الشراء من المحتاج لدفع حاجته، ولا يجب عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 2273
المبحث السابع إذا وجدت السترة أثناء الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• إذا وجد ما يستر به عورته في أثناء الصلاة لزمه الستر.
• وجود السترة في أثناء الصلاة لا يبطل أولها إذا كانت قريبة منه وأمكنه الستر.
• كل من دخل في صلاته باجتهادٍ سائغٍ وشَرَعَ في العبادة على وجه مأذون له فيه ثم تبين له الخطأ في أثناء الصلاة فإنه ينتقل، ويبني.
• الحركة الكثيرة لأخذ السترة، أتؤثر في صحة بناء آخر الصلاة على أولها؛ لأنه عمل أجنبي كثير، أم يقال: تغتفر الحركة لمصلحة الصلاة ولو كانت كثيرة؟
• إذا دخل في الصلاة عاريًا ثم وجد سترة بعيدة عن مصلاه، أيمضي في صلاته؛ لأنه شرع في العبادة على وجه مأذون فيه، وابتعاد السترة عذر؛ وليس له إبطال العبادة بعد الشروع فيها، أم يستأنف صلاته، أم يمضي إلى السترة ويستتر بها، ويبني على صلاته؛ لأن الحركة الكثيرة لمصلحة الصلاة مغتفرة، وتخريجًا للمسألة على الرعاف إذا حدث في الصلاة، وعلى البناء على الحدث في أحد القولين؟
[م-٢٩٠] من دخل في الصلاة عريانًا، ثم وجد سترة قريبة منه حال الصلاة:
فقيل: يستأنف صلاته مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، وقول سحنون من المالكية (١).
стр. 2274
وقيل: يبني مطلقًا، بعيدة كانت السترة أو قريبة، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: إن كانت السترة قريبة منه أخذها واستتر، وكمل صلاته، وهذا قول الجمهور، على خلاف بينهم فيما لو ترك الاستتار مع قرب السترة.
فقال المالكية: صلاته صحيحة، ويعيد الصلاة ندبًا في الوقت (٢).
وقال الشافعية: تبطل صلاته، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (٣).
وحد القرب والبعد قيل: التقدير بالعرف، وهو مذهب الحنابلة.
وحده المالكية بقرب المشي للسترة.
• منشأ الخلاف:
من قال: وجود السترة في أثناء الصلاة يمنع البناء؛ بنى ذلك على أن آخر الصلاة أقوى من أولها، والأقوى لا يبنى على الأضعف.
ولأنه بمنزلة الرجل يتيمم، ثم يجد الماء في أثناء الصلاة فإن صلاته تبطل.
ولأن الفرق بين وجود السترة بعد الصلاة وفي أثنائها: أن ظهور السترة في أثنائها كظهور الخطأ في الدليل قبل بت الحكم فإنه يجب الاستئناف إجماعًا، وبعدها كظهور الخطأ بعد بت الحكم وتنفيذه.
ومن قال: يمكنه البناء على صلاته: بنى مذهبه على اعتبار أن أول الصلاة صحيح؛ لأن الستر قد سقط عنه بالعجز، وكما استدار الصحابة رضوان الله عليهم في أثناء الصلاة لما أخبروا بتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولم يستأنفوا.
فإن قيل: إن أول صلاتهم كان صحيحًا.
فالجواب وكذلك صلاة العاري قبل وجود السترة كان صحيحًا، والتكليف بالستر لم تشغل به الذمة إلا من حين وجد الإمكان، لهذا أمكن بناء آخرها على أولها.
стр. 2275
ولأنه عمل قليل فلا يمنع البناء.
وقياسًا على الرجل يكتشف النجاسة في نعليه، وهو في الصلاة، فإنه يخلعهما، ويبني، وصلاته قبل العلم صحيحة، وإن كان الأذى موجودًا من أول الصلاة. وهذا هو الأقوى.
قال النووي: «إذا وجد الستر في أثناء صلاته لزمه الستر بلا خلاف» (١).
وحكاية الإجماع قد يتوجه لوجوب الستر، وأما البناء على الصلاة فقد علمت ما فيها من الخلاف، والله أعلم.
وأما توجيه قول المالكية بأنه لو ترك السترة مع قربها صحت صلاته، وندب له الإعادة في الوقت:
فمن قال من المالكية: إن ستر العورة سنة، وهو أحد الأقوال في المذهب، فلا إشكال.
ومن رجح أن ستر العورة من واجبات الصلاة، فإنه يرى أن ترك الواجب في العبادة ولو كان ذلك عمدًا لا يبطلها، بخلاف ترك الركن أو الشرط، وسبق الكلام عليه في حكم ستر العورة، وهي مسألة خلافية.
ولأنه دخل في الصلاة بوجه جائز، فلا منافاة بين وجوب الستر ابتداء، وندب الإعادة على قواعد المذهب (٢).
[م-٢٩١] وإن كانت السترة بعيدة منه بحيث يحتاج إلى زمن طويل أو عمل كثير.
فقيل: يستأنف مطلقًا، وهو قول في مذهب المالكية، والمذهب عند الحنابلة، والجديد من قولي الشافعي، وهو المذهب عندهم، وبه قطع العراقيون (٣).
стр. 2276
وقيل: يبني على صلاته مطلقًا، وهو القديم من قولي الشافعي، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
وهذا إذا أمكنه تناول السترة دون استدبار القبلة، وإلا بطلت.
وقيل: إن انتظر من يناوله إياها لم تبطل؛ وهو قول في مذهب الحنابلة؛ لأنه انتظار واحد كانتظار المسبوق (٢).
وقيل: يكمل صلاته عاريًا، وهل يندب إعادتها في الوقت؟ قولان في مذهب المالكية (٣).
стр. 2277
• وجه القول بأنه يستتر ويبني مطلقًا:
أن هذا التحرك لمصلحة الصلاة فاغتفر، وإنما يبطل الصلاة الحركة الكثيرة المتصلة لغير مصلحة الصلاة، فإن كانت يسيرة، أو كثيرة متفرقة، أو كثيرة متصلة لمصلحة الصلاة، فلا تبطلها، والله أعلم، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى موقف الفقهاء من الحركة الأجنبية في الصلاة.
• وجه القول بإكمال صلاته عاريًا:
أن دخوله في الصلاة كان مأذونًا فيه، وطلب السترة البعيدة سيترتب عليه إبطال العبادة، وما شرع فيه من العبادات على وجه مأذون فيه لا يصح إبطاله.
• وأما وجه استحباب الإعادة في الوقت على أحد القولين:
فهذا بناء على أصل عند المالكية فرعوا عليه مسائل كثيرة، وقد ناقشته فيما مضى، وبينت أنهم تارة يرون الإعادة في الوقت في ترك كل واجب للعبادة، ليس شرطًا ولا ركنًا فيها.
ويكون التعليل عندهم: إما لجبر النقص الذي حصل بترك الواجب، أو مراعاة الخلاف (١).
وكلا التعليلين قائمان في مسألتنا هذه.
ولم تجب الإعادة؛ لأن المتروك ملحق بالواجبات، وإنما تجب الإعادة أبدًا لو كان المتروك شرطًا أو ركنًا في العبادة على قواعد المشهور من مذهب المالكية.
ويشكل عليه أن الإعادة بنية الفرض، فكيف يكون فعل الصلاة على جهة الاستحباب، فالنية ومفعولها لا يتفقان حكمًا؟
ولأنه يصلي الأولى بنية أنها فرضه، ثم يصلي الإعادة بنية أنها فرضه، فيكون صلى الفرض مرتين، ولا يخرجهم من ذلك قولهم: إن الإعادة مستحبة، ولا قولهم: إن له أحدهما، والتعيين ليس للعبد.
وبعضهم يرى الإعادة في الوقت دليلًا على أن المتروك مستحب، وليس بواجب، ويكون تعليل الإعادة: طلبًا للكمال ما دام الوقت قائمًا.
قال القرطبي: «الكمال يستدرك في الوقت استدلالًا بالسنة فيمن صلى وحده،
стр. 2278
ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم» (١).
• وجه قوله: يستأنف الصلاة:
هذا القول الفقهي بناه أهله على أساس أن وجود السترة في أثناء الصلاة يجعل الستر واجبًا؛ لأن الستر لا يمكن أن يسقط مع القدرة عليه.
وحين كان تحصيل السترة البعيدة سيترتب عليه عمل كثير، فلا يمكن القول بالبناء، فوجب الاستئناف.
• الراجح من الخلاف:
أن وجود السترة في أثناء الصلاة يوجب التستر بها والبناء على الصلاة إن كانت السترة قريبة، ولم يلزم من التستر بها عمل كثير.
ويجب الاستئناف إن لزم من طلب السترة استدبار القبلة.
فإن كانت السترة بعيدة جدًّا بحيث يلزم من طلب السترة حركات كثيرة لو فعلت في الصلاة بلا حاجة لأبطلتها، فهل يجب الاستئناف لوجود السترة، أم يمضي في صلاته لشروعه بها على وجه مأذون، وقياسًا على مسألة: ما لو وجد الأصل بعد الشروع بالبدل فإنه لا يوجب الرجوع إلى الأصل.
أم يقال: يمضي إلى أخذ السترة ولا تضره الحركة الكثيرة؛ لأنها عملت لمصلحة الصلاة، فتغتفر، كالكلام لمصلحة الصلاة، فإن الإمام لو انصرف معتقدًا إكمال صلاته، وانصرف عن القبلة، وتحدث معه بعض الجماعة في وجود نقص في صلاته، وتحقق من النقص بسؤال جماعة المصلين فإن له أن يبني، فهذه المسألة تقاس عليها. هذا المسألة موضع تأمل، والله أعلم.
* * *
стр. 2279
فرع لو صلى العاري ولم يعلم بوجود الثوب
المدخل إلى المسألة:
• العجز الشرعي كالعجز الحسي.
• يسقط التكليف بالجهل مطلقًا؛ إذ التكليف تبع للعلم، ويسقط بالنسيان ما كان من المحظورات دون المأمورات.
• إذا صلى كاشفًا لعورته ناسيًا مكان سترته، أيعد ذلك من ارتكاب المحظورات، أم هو معدود من ترك المأمورات؟ والأول يسقط بالنسيان بخلاف الثاني.
• ستر العورة حالٌ ملازمة للمسلم قبل الصلاة، فإذا صلى كاشفًا لعورته عُدَّ واقعًا في المحظور، ولأن ستر العورة لا تشترط له النية كغالب المحظورات، وما كان من ترك المحظور فإنه يسقط بالنسيان.
[م-٢٩٢] لو صلى العاري وكانت السترة بقربه، ولم يعلم بها إلا بعد الفراغ من الصلاة، ففيها قولان:
الأول: الصحة، وبه قال أبو الحسن الكرخي من الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وأحد القولين عند الشافعية (١).
стр. 2280
الثاني: تجب الإعادة، وهو قول في مذهب المالكية، وأحد القولين عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).