← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وقيل: يبني على صلاته مطلقًا، وهو القديم من قولي الشافعي، ووجه في مذهب الحنابلة (١). وهذا إذا أمكنه تناول السترة دون استدبار القبلة، وإلا بطلت. وقيل: إن انتظر من يناوله إياها لم تبطل؛ وهو قول في مذهب الحنابلة؛ لأنه انتظار واحد كانتظار المسبوق (٢). وقيل: يكمل صلاته عاريًا، وهل يندب إعادتها في الوقت؟ قولان في مذهب المالكية (٣).

стр. 2277

• وجه القول بأنه يستتر ويبني مطلقًا: أن هذا التحرك لمصلحة الصلاة فاغتفر، وإنما يبطل الصلاة الحركة الكثيرة المتصلة لغير مصلحة الصلاة، فإن كانت يسيرة، أو كثيرة متفرقة، أو كثيرة متصلة لمصلحة الصلاة، فلا تبطلها، والله أعلم، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى موقف الفقهاء من الحركة الأجنبية في الصلاة. • وجه القول بإكمال صلاته عاريًا: أن دخوله في الصلاة كان مأذونًا فيه، وطلب السترة البعيدة سيترتب عليه إبطال العبادة، وما شرع فيه من العبادات على وجه مأذون فيه لا يصح إبطاله. • وأما وجه استحباب الإعادة في الوقت على أحد القولين: فهذا بناء على أصل عند المالكية فرعوا عليه مسائل كثيرة، وقد ناقشته فيما مضى، وبينت أنهم تارة يرون الإعادة في الوقت في ترك كل واجب للعبادة، ليس شرطًا ولا ركنًا فيها. ويكون التعليل عندهم: إما لجبر النقص الذي حصل بترك الواجب، أو مراعاة الخلاف (١). وكلا التعليلين قائمان في مسألتنا هذه. ولم تجب الإعادة؛ لأن المتروك ملحق بالواجبات، وإنما تجب الإعادة أبدًا لو كان المتروك شرطًا أو ركنًا في العبادة على قواعد المشهور من مذهب المالكية. ويشكل عليه أن الإعادة بنية الفرض، فكيف يكون فعل الصلاة على جهة الاستحباب، فالنية ومفعولها لا يتفقان حكمًا؟ ولأنه يصلي الأولى بنية أنها فرضه، ثم يصلي الإعادة بنية أنها فرضه، فيكون صلى الفرض مرتين، ولا يخرجهم من ذلك قولهم: إن الإعادة مستحبة، ولا قولهم: إن له أحدهما، والتعيين ليس للعبد. وبعضهم يرى الإعادة في الوقت دليلًا على أن المتروك مستحب، وليس بواجب، ويكون تعليل الإعادة: طلبًا للكمال ما دام الوقت قائمًا. قال القرطبي: «الكمال يستدرك في الوقت استدلالًا بالسنة فيمن صلى وحده،

стр. 2278

ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم» (١). • وجه قوله: يستأنف الصلاة: هذا القول الفقهي بناه أهله على أساس أن وجود السترة في أثناء الصلاة يجعل الستر واجبًا؛ لأن الستر لا يمكن أن يسقط مع القدرة عليه. وحين كان تحصيل السترة البعيدة سيترتب عليه عمل كثير، فلا يمكن القول بالبناء، فوجب الاستئناف. • الراجح من الخلاف: أن وجود السترة في أثناء الصلاة يوجب التستر بها والبناء على الصلاة إن كانت السترة قريبة، ولم يلزم من التستر بها عمل كثير. ويجب الاستئناف إن لزم من طلب السترة استدبار القبلة. فإن كانت السترة بعيدة جدًّا بحيث يلزم من طلب السترة حركات كثيرة لو فعلت في الصلاة بلا حاجة لأبطلتها، فهل يجب الاستئناف لوجود السترة، أم يمضي في صلاته لشروعه بها على وجه مأذون، وقياسًا على مسألة: ما لو وجد الأصل بعد الشروع بالبدل فإنه لا يوجب الرجوع إلى الأصل. أم يقال: يمضي إلى أخذ السترة ولا تضره الحركة الكثيرة؛ لأنها عملت لمصلحة الصلاة، فتغتفر، كالكلام لمصلحة الصلاة، فإن الإمام لو انصرف معتقدًا إكمال صلاته، وانصرف عن القبلة، وتحدث معه بعض الجماعة في وجود نقص في صلاته، وتحقق من النقص بسؤال جماعة المصلين فإن له أن يبني، فهذه المسألة تقاس عليها. هذا المسألة موضع تأمل، والله أعلم. * * *

стр. 2279

فرع لو صلى العاري ولم يعلم بوجود الثوب المدخل إلى المسألة: • العجز الشرعي كالعجز الحسي. • يسقط التكليف بالجهل مطلقًا؛ إذ التكليف تبع للعلم، ويسقط بالنسيان ما كان من المحظورات دون المأمورات. • إذا صلى كاشفًا لعورته ناسيًا مكان سترته، أيعد ذلك من ارتكاب المحظورات، أم هو معدود من ترك المأمورات؟ والأول يسقط بالنسيان بخلاف الثاني. • ستر العورة حالٌ ملازمة للمسلم قبل الصلاة، فإذا صلى كاشفًا لعورته عُدَّ واقعًا في المحظور، ولأن ستر العورة لا تشترط له النية كغالب المحظورات، وما كان من ترك المحظور فإنه يسقط بالنسيان. [م-٢٩٢] لو صلى العاري وكانت السترة بقربه، ولم يعلم بها إلا بعد الفراغ من الصلاة، ففيها قولان: الأول: الصحة، وبه قال أبو الحسن الكرخي من الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وأحد القولين عند الشافعية (١).

стр. 2280

الثاني: تجب الإعادة، وهو قول في مذهب المالكية، وأحد القولين عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).

стр. 2281

وخلاف الفقهاء في هذه المسألة نظير خلافهم في مسألة مشابهة: في الرجل يتيمم ناسيًا وجود الماء معه، وبعد الصلاة يتبين له وجوده، ولهم فيها قولان أيضًا. القول الأول: لا تلزمه الإعادة. وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (١)، ومالك في إحدى الروايتين عنه (٢)، ورواه أبو ثور عن الشافعي (٣)، واختاره ابن حزم ﵀، ورجحه ابن العربي من المالكية (٤). القول الثاني: لا تصح صلاته، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٥)، وإحدى الروايتين عن مالك (٦)، والصحيح من مذهب الشافعية (٧)، والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ (٨). إذا عرفنا ذلك نأتي لذكر الأدلة فيها: • دليل من قال: صلاته صحيحة: الدليل الأول: أن النسيان عجز شرعي لا يمكن معه استعمال السترة حال النسيان، فصحت

стр. 2282

صلاته كالعجز الحسي. الدليل الثاني: القياس على من صلى بالنجاسة ناسيًا أو جاهلًا، فالأصح أنه لا تلزمه الإعادة، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ -صلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف، قال: ما بالكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل أتاني، فأخبرني أن بهما أذى (١). فصح بناء آخر الصلاة على أولها التي صلاها، وهو متلبس بالنجاسة، ولو لم يعلم حتى فرغ من الصلاة لصحت الصلاة كلها. • دليل من قال: يعيد الصلاة: أن القواعد الشرعية تدل على أن النسيان والجهل يعذر بهما المرء في حق الله تعالى في باب المنهيات، دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة ولم يؤمر بالإعادة لجهله (٢)، وصلاته ﷺ -في نعليه، وبهما أذى

стр. 2283

حتى أخبره جبريل بذلك، وهو في الصلاة، فنزعهما، وبنى على صلاته (١)، بخلاف فعل المأمور فإنه حين رأى رجلًا في قدمه لمعة لم يصبها الماء، قال: ارجع فأحسن وضوءك (٢). وقال ﷺ -للمسيء صلاته كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ. والفرق بين المأمورات والمنهيات من حيث المعنى: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها، امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيها. ذلك أن فعل الناسي والجاهل يجعل وجوده كعدمه؛ لأنه معفو عنه، فإذا كان قد فعل محظورًا كان كأنه لم يفعله، فلا إثم عليه، ويصبح فعله العبادة كأنها خالية من فعل المحظور. وإذا ترك واجبًا ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه بالترك، لكنه إذا صار في حكم من لم يفعله يبقى في عهدة الأمر حتى يفعله إذا كان الفعل ممكنًا، وبهذا يظهر الفرق بين ستر العورة واجتناب النجاسة. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن من أسقط ستر العورة بالنسيان فله منزعان: المنزع الأول: أن هناك بعض المأمورات قال الفقهاء بسقوطها بالنسيان، كالتسمية في الوضوء، قال الحنابلة: تجب بالذكر، وتسقط بالنسيان. وقول الأئمة الأربعة عن سقوط الترتيب بين الفوائت بالنسيان، ومثلها التسمية على الذبيحة، فإن المالكية والحنابلة وبعض الفقهاء أسقطوا التسمية بالنسيان مع

стр. 2284

قولهم بوجوبها، وهي من المأمورات، ومثله اشتراط ستر العورة، وليس هذا غفلة من الفقهاء بأن هذه المسائل من باب فعل المأمور، وإنما السبب في ذلك أن كل مأمور قال الفقهاء بسقوطه بالنسيان، فإن هذا دليل على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، فهم يحتاطون من الناحيتين فيقولون بوجوبه قبل الفعل ويسقطونه بالنسيان لعدم قوة القول بالوجوب. فاشتراط ستر العورة: إن اعتبر من باب المأمورات، فقد أسقطه بعض المالكية بالنسيان؛ لضعف مأخذ الوجوب عندهم، وقد نقلت كلام الفقهاء في هذه المسألة عند الكلام على سقوط ترتيب الفوائت بالنسيان فارجع إليه. المنزع الثاني: أن هناك من يعتبر كشف العورة من باب ترك المحظور، فسقوطه بالنسيان جار على القواعد: • وحجتهم على اعتباره من باب فعل المحظور: أن ستر العورة هي حال ملازمة للمسلم حتى قبل أن يصلي، فإذا كشف عورته فقد وقع في المحظور، كما أن طهارة الثوب لم تعتبر من فعل المأمور؛ لأن الأصل أن ثياب المسلم طاهرة، فإذا تنجس فقد وقع في المحظور. ولأن ما كان من باب فعل المأمور تجب له النية كالصلاة، وما كان من باب ترك المحظور لم تجب له النية كالتخلي عن النجاسات، وترك الزنا. ويشكل عليه أن بعض المأمورات لا تجب له النية، وهو ملحق بالمأمورات، كاستقبال القبلة، إلا أن يقال: إن استقبال القبلة ليس هو الأصل في حال المصلي، كستر العورة وطهارة الثوب،، والله أعلم. فعلى كل حال إن اعتبرنا ستر العورة من باب فعل المأمور فقد علمتَ مأخذ سقوطه بالنسيان، وهو أن كل واجب قيل بسقوطه بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب عند الفقهاء. وإن اعتبرنا كشف العورة من باب المحظور، فيكون وجه سقوطه بالنسيان جاريًا على القواعد، والله أعلم.

стр. 2285

الوجه الثاني: هل يعتبر من نسي الثوب عاجزًا عن استعماله، أو ليس بعاجز؟ فإن اعتبرناه عاجزًا عن استعماله لم يكن تاركًا للمأمور، لأنه حينئذٍ لم يكن مأمورًا بما عجز عنه شرعًا، وكان المأمور به في هذه الحال هو الصلاة عاريًا، وإن اعتبرناه في حالة النسيان ليس بعاجز شرعًا، صدق عليه أنه ترك ما هو مأمور فيه، فلا يعذر بالجهل والنسيان، والصحيح أن من نسي وجود السترة أنه عاجز عن استعماله حالة نسيانه، وصلاته عاريًا إنما وقع في هذه الحالة، أعني حالة العجز، فلا يكون قد ترك المأمور؛ لأنه مخاطب أن يصلي قبل خروج الوقت، وقد عجز عن الوصول إلى السترة بذهوله عنها، فلا يكلف بالإعادة، والله أعلم. • الراجح: القول بصحة الصلاة، وسبق أن رجحت أن ستر العورة من واجبات الصلاة التي لا تبطل الصلاة بالتقصير فيها، وإن كان يأثم المتعمد، ولا يصح الاستدلال بأن كشف العورة منهيٌّ عنه، والنهي يدل على الفساد، فعلى التسليم بهذا القول المتنازع فيه أصوليًّا، فقد دلت الأحاديث على عدم بطلان الصلاة، وعرضتها في حكم ستر العورة في الصلاة، فارجع إليها إن شئت. والله أعلم. * * *

стр. 2286

الشرط السابع في استقبال القبلة تمهيد المبحث الأول في تعريف القبلة المدخل إلى المسألة: • قال الماوردي: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم، إلا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فإن المراد به الكعبة [م-٢٩٣] القِبْلَة: في الأصل الجهة يقال: من أين قِبْلَتُك؟ أي أين جهتك. وليس لفلان قبلة: أي جهة. قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. [البقرة: ١٤٨] أي يستقبلها. وكل شيء جعلته تلقاء وجهك فقد استقبلته. وقِبْلَة: على وزن فِعْلَة، من المقابلة، وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي عليها المقابل، نحو الجِلسة، والقِعدة، ثم صارت اسمًا للمكان المقابل المُتَوَّجه إليه للصلاة. وقد صارت القبلة عَلَمًا وحقيقة شرعية على الكعبة المشرفة، وعلى جهة استقبالها في الصلاة، لا يفهم منها غير ذلك، ولذلك قال بعض اللغويين: القبلة معروفة. قال ابن فارس: «سميت بذلك؛ لأن الناس يقبلون عليها في صلاتهم» (١). وسميت الكعبة كعبة؛ لارتفاعها عن الأرض، ومنه كعب الرجل. قال الهروي: كل شيء علا وارتفع، فهو كعب.

стр. 2287

وقيل: سميت بذلك لتربيعها، والتكعيب التربيع، وكل بيت مربع عند العرب فهو كعبة، قاله الجواهري وابن فارس (١). وقد تطلق الكعبة ويراد بها الحرم، قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. [المائدة: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] أي الحرم؛ لبلوغه قرب الكعبة، ولأن الحرم حريم البيت. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وليس المراد بالبيت الكعبة؛ أو المسجد؛ لأن البيت وما حوله منزه عن إراقة الدماء. وللفائدة: يطلق المسجد الحرام، ويراد به الكعبة، أو المسجد، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ [البقرة: ١٤٩]. ويطلق المسجد الحرام، ويراد به مكة خاصة، كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. [الإسراء: ١] وإنما أسري برسول الله ﷺ -من دور مكة، من بيت أم هانئ. ويطلق المسجد الحرام، ويراد به الحرم كله، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وحاضر المسجد قيل: مكة، وقيل: الحرم. قال الماوردي: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم، إلا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] فإن المراد به الكعبة (٢). * * *

стр. 2288

المبحث الثاني في قبلة المسلمين قبل الهجرة المدخل إلى المسألة: • قال القرطبي: أجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن. • الذي يُجْزَم به أن النبي ﷺ -صلى إلى بيت المقدس في المدينة ستة عشر شهرًا، ثم صُرِفَ إلى الكعبة. • كانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله ﷺ -ولم يتحول إليها بالاجتهاد حتى نزل عليه الوحي بذلك، فولاه الله قبلة كان يهواها ويرضاها. • كان النبي ﷺ -يصلي بمكة قبل الهجرة، ولم يتفق العلماء على قبلة صلاته حين ذاك، أكان يستقبل البيت، أم بيت المقدس؟ ولا يوجد نص صحيح في المسألة. [م-٢٩٤] مكث النبي ﷺ -في مكة ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة، وكان النبي ﷺ -يصلي، والمسلمون معه قبل الإسراء وبعد فرض الصلاة، وقد اختلف العلماء في القبلة حين ذاك، أكانت إلى بيت المقدس أم كانت إلى مكة؟ على أقوال: القول الأول: أن النبي ﷺ -كان أول صلاته إلى مكة ثم أُمِرَ بالتوجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة، فتكون القبلة نسخت مرتين. وهذا قول ابن عباس ﵄، وجماعة من العلماء (١). (ح-٨٤٢) وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أنبأ ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس قال: أوَّلُ ما نسخ لنا من القرآن فيما ذُكِر لنا -والله أعلم-

стр. 2289

شأن القبلة، قال تعالى: ﴿) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فاستقبل رسول الله ﷺ -فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فنسخها فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]. [منقطع، عطاء هو الخراساني، ولم يسمع من ابن عباس] (١).

стр. 2290

فقول ابن عباس: (فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق) إشارة إلى أنه كان أَوَّل صلاته إلى مكة، ثم تركه، ثم عاد إلى مكة. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم نحو ذلك (١). وقال ابن جريج: صلى أَوَّل ما صلى إلى الكعبة، ثم صُرِفَ إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلت الأنصار قبل قدومه ﷺ -إلى بيت المقدس ثلاث حجج، وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرًا، ثم وَجَّهَهُ الله إلى البيت الحرام (٢). •واستدل أصحاب هذا القول: الدليل الأول: (ح-٨٤٣) بما رواه البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما قدم رسول الله ﷺ -المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، فَوُجِّهَ نحو الكعبة .... الحديث (٣). وله شاهد من حديث أنس عند مسلم (٤).

стр. 2291

قال ابن عبد البر: «ظاهر هذا الحديث يدل على أنه لما قدم المدينة صلَّى إلى بيت المقدس، لا قبل ذلك، والله أعلم» (١). وقد يقال: الحديث تعرض لما بعد الهجرة، ولم يتعرض لما قبلها. ويلزم على هذا القول أن تكون القبلة نسخت مرتين. قال القرطبي: «أجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن، وأنها نسخت مرتين على أحد القولين» (٢). الدليل الثاني: (ح-٨٤٤) ما رواه الشافعي من طريق عبد العزيز بن محمد، عن عبد الرحمن ابن الحارث المخزومي، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ -قال: أمني جبريل عند باب البيت مرتين .... الحديث (٣). وجه الاستدلال: قال ابن رجب: «المصلي عند باب البيت لا يستقبل بيت المقدس إلا أن ينحرف عن الكعبة بالكلية، ويجعلها عن شماله، ولم ينقل هذا أحد» (٤). • ويجاب: بأن المحفوظ من لفظ الحديث قوله: (عند البيت) (٥).

стр. 2292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2294

القول الثاني: أن القبلة كانت إلى بيت المقدس من حين فرضت عليه الصلاة بمكة إلى أن قدم المدينة، ثم بالمدينة سبعة عشر شهرًا حتى صرفه الله إلى الكعبة (١). (ث-٢٢٠) روى الطبري في تفسيره من طريق همام، قال: حدثنا يحيى، قال: سمعت قتادة في قول الله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال: كانوا يصلون نحو بيت المقدس، ورسول الله ﷺ -بمكة قبل الهجرة، وبعد ما هاجر رسول الله ﷺ -صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم وُجِّه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام، فنسخها الله في آية أخرى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] إلى قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، قال: فَنَسَخَتْ هذه الآية ما كان قبلها (٢). وقال قتادة أيضًا: صلت الأنصار قبل قدومه ﷺ -المدينة نحو بيت المقدس حولين (٣). وإذا كانت الأنصار تصلي قبل الهجرة إلى بيت المقدس، ففي ذلك إشارة إلى أنهم فعلوا ذلك تأسيًا بالنبي ﷺ -أو امتثالًا لأمره. (ح-٨٤٥) وقد روى الطبراني في المعجم الكبير، قال: حدثنا أحمد بن زهير التستري، حدثنا محمد بن إدريس الرازي، حدثنا عبد الله بن محمد بن داود بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، حدثني سعد بن عمران بن هند بن سهل بن حنيف،

стр. 2295

عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن عثمان بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده عثمان بن سهل بن حنيف، يقول: كان رسول الله ﷺ -قبل أن يقدم من مكة يدعو الناس إلى الإيمان بالله، وتصديقًا به قولًا بلا عمل، والقبلة إلى بيت المقدس، فلما هاجر إلينا نزلت الفرائض، ونسخت المدينة مكة، والقول فيها، ونسخ البيت الحرام بيت المقدس، فصار الإيمان قولًا وعملًا (١). [ضعيف جدًّا] (٢). القول الثالث: جمع قوم بين القولين: بأنه كان يصلي إلى بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبينه، فلم يكن يستدبر الكعبة حتى هاجر إلى المدينة، فاستقبل بيت المقدس حتى حولت القبلة. (ح-٨٤٦) فقد روى أحمد من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ -يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرًا، ثم صُرِفَ إلى الكعبة. [الأعمش لم يسمع من مجاهد إلا أحاديث يسيرة، وقد عنعن] (٣).

стр. 2296

ويشكل عليه كيف كان يصلي ﵊ في بيته، وكيف كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون، وقد كانوا لا يجهرون بصلاتهم خوفًا من بطش كفار قريش. وقد كان النبي ﷺ -يقيم في غار حراء الليالي ذوات العدد، يتعبد فيها، فهل كان يصلي هناك؟ فإن كان يصلى، وهي أهم العبادات العملية، فإنه لا يمكنه أن يستقبل الكعبة وبيت المقدس في آن واحد. وإن كان لا يصلي باعتبار أن تعبده ذلك كان قبل النبوة، وكانت الصلاة قبل

стр. 2297

بعثة محمد ﵊ لا تصلى إلا في أماكن العبادة، والصلاة الشرعية إنما عرفت بعد البعثة، فالله أعلم. والذي يُجْزَمُ به أنه صلى إلى بيت المقدس في المدينة ستة عشر شهرًا، ثم صرف إلى الكعبة، وهذه المسألة هي من مباحث تاريخ التشريع، أحببت أن أشير إليها توطئة لمباحث اشتراط القبلة، والله أعلم. * * *

стр. 2298

المبحث الثالث في حكم التوجه إلى بيت المقدس المدخل إلى المسألة: • إذا كان النبي ﷺ -لم يتحول بالاجتهاد إلى الكعبة مع محبته لها حتى نزل عليه الوحي بذلك، فلن يتحول عن الكعبة إلى بيت المقدس بالاجتهاد. • ظاهر القرآن أن صلاته إلى بيت المقدس كان توجيهًا من الله، لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ فهو من جَعْلِ الله: أي من أمره وتشريعه. • على القول بأن توجهه إلى بيت المقدس كان باجتهاد من النبي ﷺ -فقد أقره الله سبحانه فصار تشريعًا. [م-٢٩٥] اختلف الفقهاء في صلاة النبي ﷺ -إلى بيت المقدس أكان فرضًا لا يجوز غيره، أم كان مخيرًا في توجهه إليها، فاختار بيت المقدس؛ لتأليف أهل الكتاب؟ على قولين: القول الأول: أن ذلك كان اختيارًا من رسول الله ﷺ ، وبه قال الحسن وعكرمة وأبو العالية وقتادة والسدي وزيد بن أسلم (١). وأن النبي ﷺ -تبع في ذلك شريعة من قبله من الأنبياء، ممن كانت قبلته إلى بيت المقدس. واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]

стр. 2299

فكان في ذلك تخيير، فاختار بيت المقدس (١). وقد نقل الطبري عن قوم أنهم قالوا: «إن هذه الآية أنزلها الله قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها تعالى ليعلم نبيه ﷺ -وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأن المشارق والمغارب لله » (٢). (ح-٨٤٧) وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أنبأ ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﵁ قال: أوَّلُ ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا -والله أعلم- شأن القبلة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فاستقبل رسول الله ﷺ -فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله إلى البيت العتيق، فنسخها فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]. [ضعيف] (٣). وجه الاستدلال: قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ظاهره: أن جميع الجهات قبلة، وقوله: (فاستقبل رسول الله ﷺ ، فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق)، ظاهره أن ذلك اختيارٌ من الرسول ﷺ . • ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن الحديث ضعيف.

стр. 2300

الجواب الثاني: أنه مخالف لرواية علي بن طلحة، عن ابن عباس. أخرجه الطبري في تفسيره من طريق عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس، قال: كان أوَّلُ ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ -لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت يهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ -بضعة عشر شهرًا، فكان رسول الله ﷺ -يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو، وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﵎: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ … الحديث (١). [ضعيف] (٢). فقوله: (لما هاجر … أمره الله أن يستقبل بيت المقدس) يفيد أن التوجه كان بأمر من الله له، وأن ذلك كان بعد هجرته ﵊. الجواب الثالث: أن تفسير الآية فيه خلاف كثير، وهذا القول هو أحدها، وقد أوصلها ابن الجوزي إلى ثمانية أقوال، وأشهرها أربعة (٣).

стр. 2301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2302

القول الثاني: أن التوجه لبيت المقدس من النبي ﷺ -كان عن أمر من الله له بذلك، وبه قال ابن عباس ﵄ (١).

стр. 2303

لقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾. فلو كان الأمر عن اختياره لما قلب وجهه في السماء يتحرى الأمر الإلهي بالتوجه إلى مكة والتي وصفها الله (قبلة ترضاها). وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣] فهو من جعل الله: أي أمره وتشريعه. وهذا القول هو ظاهر النصوص القرآنية، والله أعلم. وعلى كلا القولين فإن كان عن اجتهاد، فقد أقره الله فصار تشريعًا، والله أعلم. ومن قال بالتخيير اختلفوا فيه: أكان التخيير للناس بين القبلتين، فيكون التوجه إلى إحداهما فرضًا لا بعينه. وهذا ما فهمه الجصاص، حيث قال: وأي الوجهين كان فقد كان التوجه فرضًا لمن يفعله؛ لأن التخيير لا يخرجه من أن يكون فرضًا ككفارة اليمين أيهما كَفَّرَ به فهو الفرض، وكفعل الصلاة في أول الوقت وأوسطه وآخره (١). أم أن التوجه كان مأذونًا فيه لأي جهة شاء المصلي؟ قال قتادة: كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاؤوا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] ثم أمرهم النبي ﷺ -باستقبال بيت المقدس (٢). وأي الأقوال صح، فإن التشريع المجمع عليه، أن قبلة المسلمين هي الكعبة، وقد صلى المسلمون قبل ذلك إلى بيت المقدس، وأن هذا صار منسوخًا في شريعة الله، ولا يجوز لأحد أن يستقبل أي جهة غير الكعبة مع القدرة على ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 2304

الباب الأول في أحكام الاستقبال بالنسبة للصلاة سوف أتكلم إن شاء الله تعالى في أحكام القبلة في ثلاثة أبواب: ففي الباب الأول: سوف أخصصه في أحكام القبلة بالنسبة للصلاة، وأتعرض فيه إن شاء الله تعالى لأحكام الاستقبال بالنسبة للفرض والنفل نازلًا وماشيًا، وراكبًا، وفي الحضر والسفر. وفي الباب الثاني: سوف أتعرض فيه إن شاء الله تعالى لأحكام القبلة بالنسبة للكعبة، فأتكلم فيه في الصلاة داخلها وفوقها، وهل المطلوب إصابة عين القبلة أو جهتها، إلى غيره من المسائل المتعلقة بالكعبة. وفي الباب الثالث سوف أتعرض فيه إن شاء الله تعالى لأحكام القبلة بالنسبة للمستقبل (المصلي)، وسوف أتعرض فيه لما يطرق المصلي من اشتراط النية للاستقبال، وتصرفه فيما إذا تبين له الخطأ في اجتهاده، وما هو الموقف إذا عارضه غيره من المجتهدين، وما موقف المقلد إذا اختلف المجتهدون في القبلة، إلى غير ذلك من المسائل، أسأل الله وحده العون والتوفيق. * * *

стр. 2305

الفصل الأول في استقبال القبلة في الفرائض المدخل إلى المسألة: • أكثر العلماء على أن استقبال القبلة شرط، وحكي إجماعًا، وقيل: ركن، وقيل: واجب مع الذكر. • من صلى إلى غير القبلة من غير تعمد لم تبطل صلاته بذلك، ولا إعادة عليه؛ لانصراف النبي ﷺ -عن القبلة في قصة سهوه ﵊، وبنى على صلاته. • إذا صحت صلاة المخطئ في القبلة، صحت صلاة الناسي لها؛ لأن النسيان قرين الخطأ في الأحكام. • لا يصح قياس نسيان القبلة على نسيان الحدث؛ بجامع أن كُلًّا منهما من المأمورات التي لا تسقط بالنسيان؛ لأن من ظن بقاء طهارته، فصلى محدثًا وجبت عليه إعادة الصلاة، ومن تحرى القبلة، فصلى، فتبين أنه مخطئ لم يعد. [م-٢٩٦] اختلف الفقهاء في حكم استقبال القبلة في الفرائض: فقيل: الاستقبال في الفرائض شرط مع القدرة، فلا يسقط بالنسيان، فإن صلى ناسيًا أعاد أبدًا، وهذا مذهب الجمهور (١)، وشهره ابن الحاجب من المالكية، واختاره ابن حزم (٢).

стр. 2306

قال الشافعية: «التوجه شرط، فلا يسقط بجهل، ولا غفلة، ولا إكراه، ولا نسيان، فلو استدبر ناسيًا، وعاد عن قرب لم يضر» (١). وقال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: «شروط الصلاة لا تسقط بالنسيان» (٢). وقيل: شرط مع القدرة والتذكر، فيسقط بالعجز والنسيان مطلقًا، وهو وجه في مقابل الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: شرط بقيد القدرة والتذكر، فإن صلى ناسيًا بغير مكة، ولم يتذكر إلا بعد الفراغ منها أعاد في الوقت استحبابًا، وإن تبين له الخطأ، وهو فيها بطلت، وأعاد أبدًا، وشهره ابن رشد من المالكية (٤). قال ابن رشد: «وقد اختلف فيمن صلى إلى غير القبلة مستدبرًا لها، أو مُشَرِّقًا، أو مُغَرِّبًا عنها، ناسيًا، أو مجتهدًا، فلم يعلم حتى فرغ من الصلاة، فالمشهور في المذهب، أنه يعيد في الوقت .... » (٥).

стр. 2307

وقال الدسوقي: «ومحله أيضًا إذا تبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة … وأما لو تبين فيها فإنها تبطل، ويعيد أبدًا قولًا واحدًا» (١). وقيل: الاستقبال ركن، نص عليه صاحب التلقين من المالكية (٢)، ورجحه ابن القاص والقفال، ومال إليه إمام الحرمين (٣). وعده أبو البقاء الشافعي وجهًا ضعيفًا (٤). والفرق بين الشرط والفرض: أن الشرط خارج عن الماهية. والفرض - ويعبر عنه بالركن- داخل الماهية (٥). وهذا تفريق اصطلاحي، وإلا فالفرض جنس يشمل الواجب والشرط والركن. وقيل: الاستقبال ليس بركن، ولا شرط، بل واجب مع الذكر فقط، وهو

стр. 2308

ما رجحه ابن الرفعة في كفاية النبيه (١). هذه محصلة الخلاف، وخلاصته كالتالي: قيل: الاستقبال ركن، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية. وقيل: واجب مع الذكر، وهو مقتضى مذهب المالكية القائلين باستحباب الإعادة في الوقت في أحد القولين. وقيل: شرط، وهو مذهب الجمهور. والقائلون بالشرطية اختلفوا: فقيل: شرط مع القدرة، فلا يسقط بالنسيان. وقيل: شرط مع القدرة والتذكر، فيسقط بالنسيان، واستحب المالكية الإعادة في الوقت. وبعد الوقوف على الأقوال في المسألة، نأتي إلى استعراض أدلة السادة الفقهاء عليهم رحمة الله. • دليل من قال: الاستقبال شرط للصلاة على القادر: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. الدليل الثاني: (ح-٨٤٨) ما رواه البخاري من طريق منصور بن سعد، عن ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته (٢). [اختلف في رفعه ووقفه] (٣).

стр. 2309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2310

وجه الاستدلال: هذا الحديث يكشف موضع القبلة من الصلاة بل ومن الإسلام، ولهذا أُفْرِدَتْ القبلة بالذكر دون سائر شروط الصلاة، حتى أُطلق على أهل الإسلام لقب أهل القبلة، وصارت القبلة أمارة وشعارًا يحصل بها التمايز بين الإسلام وغيره من الأديان، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: ١٤٥]. وقد استنبط ابن القيم من مفهوم الحديث أن الرجل إذا صلى إلى الشرق، لم

стр. 2311

يكن مسلمًا حتى يصلي إلى قبلة المسلمين (١). الدليل الثالث: أُمِر النبي ﷺ -بالاستقبال، وأَمَر النبي ﷺ -أمته بذلك. (ح-٨٤٩) فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ -قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى الكعبة (٢). (ح-٨٥٠) وروى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله ابن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة: أن رجلًا دخل المسجد، فصلى، ورسول الله ﷺ -في ناحية المسجد، فجاء فسلم عليه، فقال له: ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ. فرجع فصلى، ثم سلم، فقال: وعليك. ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ. قال في الثالثة: فأعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن … وذكر بقية الحديث (٣). ورواه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله بن عمر به (٤). ورواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله، حدثني سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فزاد يحيى بن سعيد القطان في الإسناد: أبا سعيد، ولم يذكر استقبال القبلة موضع الشاهد في الحديث (٥).

стр. 2312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2313

الدليل الرابع: الإجماع على أن استقبال الكعبة شرط لصحة الصلاة. قال ابن تيمية: «استقبال الكعبة البيت الحرام شرط لجواز الصلاة وصحتها، وهذا مما أجمعت الأمة عليه» (١). وقال النووي في المجموع: «استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إلا في الحالين المذكورين -يعني في شدة الخوف، وفي النافلة في السفر- وهذا لا خلاف فيه بين العلماء من حيث الجملة» (٢). ونفي الخلاف إن كان راجعًا إلى حال الخوف، والنافلة في السفر فمسلم، وإن كان راجعًا إلى قوله: استقبال القبلة شرط، فقد علمت أن مذهب الشافعية فيه وجهان، أحدهما: أن الاستقبال ركن، وكان النووي ممن نقل لنا الخلاف في الروضة والمجموع، ووثقت ذلك في الأقوال، والله أعلم. كما حكي الإجماع على أن من ترك الاستقبال في صلاة الفريضة مع القدرة على الاستقبال، ولم يكن خائفًا، أن صلاته باطلة. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه

стр. 2314

نحوها في صلاتهم هي الكعبة البيت الحرام بمكة، وأنه فَرْضٌ على كل من شاهدها وعاينها استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها، أو عالم بجهتها، فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى … » (١). وقد حكى الإجماع أيضًا الكاساني في بدائع الصنائع (٢)، وابن حزم في مراتب الإجماع (٣)، وابن قدامة في المغني (٤). الدليل الخامس: (ح-٨٥١) روى أنه ﷺ -قال: لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه، ويستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر (٥). ولو ثبت هذا لكان نصًّا في اعتبار استقبال القبلة شرطًا، لكنه لا يعرف في كتب الرواية. وأما الدليل على سقوط الاستقبال بالعجز فهذا نتركه لعنوان مستقل إن شاء الله تعالى تحت عنوان: الحالات التي يسقط فيها الاستقبال، فانظره هناك. • دليل من قال: الاستقبال لا يسقط بالنسيان: هذا القول يرى أن استقبال القبلة من جنس المأمورات، والمأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالنسيان كحديث من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. بخلاف المنهيات، فيعذر فيها بالنسيان، كحديث أبي سعيد في خلع النبي ﷺ -نعليه، وهو في الصلاة حين أخبره جبريل أن بهما أذىً، وبنى على صلاته.

стр. 2315

وبعضهم يلحق به الجهل، لحديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة. • وجه التفريق بينهما: أن المقصود من المأمورات: إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها. والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلَّفِ بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه (١). قال القاضي حسين: «ولأن تارك المأمور يمكنه تلافيه بإيجاد الفعل، فلزمه، ولم يعذر فيه، بخلاف المنهي إذا ارتكبه، فإنه لا يمكنه تلافيه؛ إذ ليس في قدرته نفيُ فعلٍ حصل في الوجود، فعذر فيه» (٢). وهو معنى قول ابن تيمية في شرح العمدة: «الناسي والجاهل يجعل وجود ما فعله كعدمه؛ لأنه معفوٌّ عنه، فإذا كان قد فعل محظورًا، كان كأنه لم يفعله، فلا إثم عليه، ولا تلحقه أحكام الإثم، وإذا ترك واجبًا ناسيًا أو جاهلًا، فلا إثم عليه بالترك؛ لكنه لم يفعله، فيبقى في عهدة الأمر حتى يفعله، إذا كان الفعل ممكنًا» (٣). اه وقد يتنازعون في بعض المسائل مثل أكل الصائم ناسيًا، أهو من باب فوات المأمور، لأن الإمساك هو الركن الوحيد المأمور به الصائم، فلا يوجد الصيام مع الأكل؛ لأنه ضده، كالحدث مناقض للطهارة، فإذا وجد، ولو سهوًا بطل، وهذا قول المالكية. أم أن الأكل من باب ارتكاب المحظور، وهو قول الجمهور؟ (٤).
следующие страницы →