يكن مسلمًا حتى يصلي إلى قبلة المسلمين (١).
الدليل الثالث:
أُمِر النبي ﷺ -بالاستقبال، وأَمَر النبي ﷺ -أمته بذلك.
(ح-٨٤٩) فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار،
عن عبد الله بن عمر، قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ -قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى الكعبة (٢).
(ح-٨٥٠) وروى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله ابن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة: أن رجلًا دخل المسجد، فصلى، ورسول الله ﷺ -في ناحية المسجد، فجاء فسلم عليه، فقال له: ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ. فرجع فصلى، ثم سلم، فقال: وعليك. ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ. قال في الثالثة: فأعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن … وذكر بقية الحديث (٣).
ورواه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله بن عمر به (٤).
ورواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله، حدثني سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فزاد يحيى بن سعيد القطان في الإسناد: أبا سعيد، ولم يذكر استقبال القبلة موضع الشاهد في الحديث (٥).
الدليل الرابع:
الإجماع على أن استقبال الكعبة شرط لصحة الصلاة.
قال ابن تيمية: «استقبال الكعبة البيت الحرام شرط لجواز الصلاة وصحتها، وهذا مما أجمعت الأمة عليه» (١).
وقال النووي في المجموع: «استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إلا في الحالين المذكورين -يعني في شدة الخوف، وفي النافلة في السفر- وهذا لا خلاف فيه بين العلماء من حيث الجملة» (٢).
ونفي الخلاف إن كان راجعًا إلى حال الخوف، والنافلة في السفر فمسلم، وإن كان راجعًا إلى قوله: استقبال القبلة شرط، فقد علمت أن مذهب الشافعية فيه وجهان، أحدهما: أن الاستقبال ركن، وكان النووي ممن نقل لنا الخلاف في الروضة والمجموع، ووثقت ذلك في الأقوال، والله أعلم.
كما حكي الإجماع على أن من ترك الاستقبال في صلاة الفريضة مع القدرة على الاستقبال، ولم يكن خائفًا، أن صلاته باطلة.
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه
стр. 2314
نحوها في صلاتهم هي الكعبة البيت الحرام بمكة، وأنه فَرْضٌ على كل من شاهدها وعاينها استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها، أو عالم بجهتها، فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى … » (١).
وقد حكى الإجماع أيضًا الكاساني في بدائع الصنائع (٢)، وابن حزم في مراتب الإجماع (٣)، وابن قدامة في المغني (٤).
الدليل الخامس:
(ح-٨٥١) روى أنه ﷺ -قال: لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه، ويستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر (٥).
ولو ثبت هذا لكان نصًّا في اعتبار استقبال القبلة شرطًا، لكنه لا يعرف في كتب الرواية.
وأما الدليل على سقوط الاستقبال بالعجز فهذا نتركه لعنوان مستقل إن شاء الله تعالى تحت عنوان: الحالات التي يسقط فيها الاستقبال، فانظره هناك.
• دليل من قال: الاستقبال لا يسقط بالنسيان:
هذا القول يرى أن استقبال القبلة من جنس المأمورات، والمأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالنسيان كحديث من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها.
بخلاف المنهيات، فيعذر فيها بالنسيان، كحديث أبي سعيد في خلع النبي ﷺ -نعليه، وهو في الصلاة حين أخبره جبريل أن بهما أذىً، وبنى على صلاته.
стр. 2315
وبعضهم يلحق به الجهل، لحديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة.
• وجه التفريق بينهما:
أن المقصود من المأمورات: إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها. والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلَّفِ بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه (١).
قال القاضي حسين: «ولأن تارك المأمور يمكنه تلافيه بإيجاد الفعل، فلزمه، ولم يعذر فيه، بخلاف المنهي إذا ارتكبه، فإنه لا يمكنه تلافيه؛ إذ ليس في قدرته نفيُ فعلٍ حصل في الوجود، فعذر فيه» (٢).
وهو معنى قول ابن تيمية في شرح العمدة: «الناسي والجاهل يجعل وجود ما فعله كعدمه؛ لأنه معفوٌّ عنه، فإذا كان قد فعل محظورًا، كان كأنه لم يفعله، فلا إثم عليه، ولا تلحقه أحكام الإثم، وإذا ترك واجبًا ناسيًا أو جاهلًا، فلا إثم عليه بالترك؛ لكنه لم يفعله، فيبقى في عهدة الأمر حتى يفعله، إذا كان الفعل ممكنًا» (٣). اه
وقد يتنازعون في بعض المسائل مثل أكل الصائم ناسيًا، أهو من باب فوات المأمور، لأن الإمساك هو الركن الوحيد المأمور به الصائم، فلا يوجد الصيام مع الأكل؛ لأنه ضده، كالحدث مناقض للطهارة، فإذا وجد، ولو سهوًا بطل، وهذا قول المالكية.
أم أن الأكل من باب ارتكاب المحظور، وهو قول الجمهور؟ (٤).
стр. 2316
ومثله: من أفطر ناسيًا في صيام يشترط فيه التتابع، فقيل: لا يعذر بالنسيان، وينقطع تتابعه، بناءً على أن التتابع من المأمورات.
وقيل: يعذر، وهو الصحيح، بناءً على أن قطع التتابع من المنهيات، والمنهيات يعذر فيها بالنسيان (١).
• ويناقش:
بأن الفقهاء يتفقون في أن النسيان عذر في رفع الإثم، فالناسي لا إثم عليه، ويختلفون في سقوط الطلب في ترك الشرط ناسيًا على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يسقط الشرط بالنسيان مطلقًا، سواء أكان من جنس المأمورات أم كان من جنس المنهيات، فنسيان الطهارة كنسيان استقبال القبلة، كالصلاة في الثوب النجس، لا يسقط شيء منها بالنسيان، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، ومسألتنا هذه فرع من مسائل كثيرة؛ لأن النسيان من باب المانع، فإذا تذكر فقد زال المانع (٢).
ولأن الأفعال التي تسقط بالنسيان لا يحسن عدها من الشروط، كما أن واجبات الصلاة التي تسقط بالنسيان لا تسمى أركانًا، فالتشهد الأول وإن كان جزءًا من ماهية الصلاة، لا يختلف عن التشهد الثاني، إلا أنه حين سقط التشهد الأول بالنسيان، وجُبِر بسجود السهو، لم يعد من أركان الصلاة بخلاف الثاني على قول.
القول الثاني: التفريق بين المأمورات والمنهيات، فإذا صلى، وهو محدث ناسيًا لم يسقط بالنسيان، وإذا صلى ناسيًا نجاسة ثوبه صحت صلاته؛ فالأول من باب فعل المأمور، والثاني: من باب ترك المحظور.
القول الثالث: أن ما كان مأخذ الوجوب ليس قويًّا، وكان في وجوبه نزاع قويٌّ سقط بالنسيان، ولو كان من باب المأمورات، وما كان مأخذ وجوبه قويًّا لم يسقط، وإن كان من باب المنهيات.
стр. 2317
فترتيب الفوائت يسقط بالنسيان عند الأئمة الأربعة، وهو من باب المأمورات، والتسمية في الوضوء يرى أحمد -في رواية- وجوبها مع الذكر، وتسقط بالنسيان، والتسمية على الذبيحة تسقط بالنسيان عند المالكية والحنابلة، والكلام في الصلاة ناسيًا يبطل الصلاة عند الحنفية، وإن كان من المنهيات خلافًا للجمهور.
وكشف العورة يعده بعض الفقهاء من المنهيات، ويبطل به الصلاة، إما مطلقًا كالشافعية، أو بشرط أن يكون فاحشًا بزمن طويل.
• دليل من قال: يسقط الاستقبال بالنسيان:
الدليل الأول:
(ح-٨٥٢) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،
عن عمران بن الحصين، قال: سلم رسول الله ﷺ -في ثلاث ركعات، من العصر، ثم قام، فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلَّم (١).
قال ابن رجب: «دخول الحجرة يلزم منه الانحراف عن القبلة بالكلية؛ لأن الحجرة كانت عن يساره» (٢).
وترجم البخاري لحديث سهو النبي ﷺ -من مسند ابن مسعود، فقال في صحيحه: باب ما جاء في القبلة، ومن لم ير الإعادة على من سها، فصلى إلى غير القبلة.
قال ابن رجب: «مقصود البخاري: أن استدبار القبلة والانحراف عنها في الصلاة سهوًا عن غير تعمد، لا تبطل به الصلاة، كما دل عليه حديث سجود السهو، وقد نص عليه أحمد وغيره، فيستدل بذلك على أن من صلى إلى غير القبلة، عن غير تعمد، أنه لا تبطل صلاته بذلك، ولا إعادة عليه» (٣).
стр. 2318
الدليل الثاني:
القياس على الكلام في الصلاة ساهيًا، كما في حديث سهو النبي ﷺ ، وكلام ذي اليدين للرسول ﷺ ، وجواب الرسول ﷺ .
قال ابن رجب: «وقصة ذي اليدين يستدل بها على أن كلام الناسي لا يبطل؛ كما هو قول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايات عنه.
وعلى أن العمل الكثير في الصلاة نسيانًا يعفى عنه، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي» (١).
• دليل من قال: يسقط الاستقبال بالنسيان وتستحب الإعادة في الوقت:
أما الأدلة على سقوط الاستقبال بالنسيان فقد ذكرتها فيما سبق.
وأما استحباب الإعادة في الوقت، فهذا بناء على أصل عند المالكية فرعوا عليه مسائل كثيرة، وقد ناقشته فيما مضى، وبينت أنهم تارة يرون الإعادة في الوقت في ترك كل واجب في العبادة، ليس شرطًا، ولا ركنًا فيها.
ويكون التعليل عندهم: إما لجبر النقص الذي حصل بترك الواجب، أو مراعاة للخلاف (٢).
ويشكل عليه أن الإعادة بنية الفرض، فكيف يكون فعل الصلاة على جهة الاستحباب، فالنية ومفعولها لا يتفقان حكمًا.
ولأنه يصلي الأولى بنية أنها فرضه، ثم يصلي الإعادة بنية أنها فرضه، فيكون صلى الفرض مرتين، وعلى أصول المالكية لا إشكال في صلاة الفرض مرتين، والتعيين أيهما فرضه ليس إلى المصلي على الصحيح.
وبعضهم يرى الإعادة في الوقت دليلًا على أن المتروك مستحب، وليس بواجب، ويكون تعليل الإعادة: طلبًا للكمال، ما دام الوقت قائمًا، ولم أقف على قول يقول: إن الاستقبال ليس بواجب.
стр. 2319
قال القرطبي: الكمال يستدرك في الوقت استدلالًا بالسنة فيمن صلى وحده، ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة، أنه يعيد معهم (١).
• دليل من قال: الاستقبال ركن:
هذا القول يرى أن الشروط تتقدم على الصلاة، كالطهارة وستر العورة، فلم تكن أركانًا، بل هي شرائط، بخلاف وجوب استقبال القبلة فإنه يختص بالصلاة، ولا يجب تقدمه على عقدها (٢).
• ويناقش:
لا نسلم أن الاستقبال لا يتقدم الصلاة، بل هو متقدم عليها، وليس جزءًا من ماهيتها.
قال ﷺ -في حديث المسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر … الحديث متفق عليه.
فقوله: (إذا قمت إلى الصلاة) إشارة إلى النية، وهي شرط على الصحيح، وسيأتي الخلاف فيها إن شاء الله تعالى.
وقوله (فأسبغ الوضوء) إشارة إلى الطهارة، وهي شرط أيضًا بالاتفاق.
وقوله (ثم استقبل القبلة، فكبر) فكانت النية والوضوء والاستقبال أفعالًا سابقةً على الدخول في الصلاة، لأنها كلها سابقة للتحريمة، وما كان سابقًا لتكبيرة الإحرام فهو ليس جزءًا من الصلاة، لهذا عدت هذه الأفعال من الشروط، بخلاف الركن من قيام وركوع وسجود فهذه جزء من حقيقة الصلاة، فعدت من الأركان، والله أعلم.
• الراجح:
أرى أن الاستقبال واجب مع القدرة، ويسقط بالعجز، والخوف، والنسيان، فإذا صحت صلاة المخطئ في القبلة، صحت صلاة ناسي القبلة، ولا يصح قياس نسيان القبلة على نسيان الحدث؛ بجامع أن كُلًّا منهما من المأمورات، فلا تسقط بالنسيان؛ لأن من ظن بقاء طهارته، فصلى، فتبين أنه محدث وجبت عليه إعادة الصلاة، ومن تحرَّى القبلة، فصلى، فتبين أنه مخطئ لم يُعِدْ،
стр. 2320
وهل سقوطه بالخطأ وبالنسيان يلحقه بالواجبات، أم هو من الشروط التي تسقط بالخطأ والنسيان، هذا محل اجتهاد، وليس في المسألة نص قاطع، ولعل الأقرب إلحاقه بالواجبات، والله أعلم.
* * *
стр. 2321
الفصل الثاني في اشتراط الاستقبال للمتنفل على الأرض
المدخل إلى المسألة:
• لا فرق في وجوب استقبال القبلة بين الفرض والنفل إذا كان المتنفل مقيمًا على الأرض، ولم يكن سائرًا.
• الأصل أن النوافل كالفرائض فيما يتعلق بالشرائط إلا بدليل، ولم أقف على خلاف في أن المتنفل إذا كان مقيما على الأرض أنه يجب عليه استقبال القبلة سواء أكان في حضر، أم سفر.
• سقوط الاستقبال عن المتنفل حال السير؛ لتعذر الجمع بين التنفل مستقبلًا القبلة، واستمراره في السير، بخلاف المقيم على الأرض فلا معنى لترك الاستقبال؛ لاستواء الجهات في حقه.
[م-٢٩٧] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن المتنفل إذا كان مقيمًا على الأرض أنه يجب عليه استقبال القبلة، سواء أكان في حضر أم في سفر (١).
قال ابن قدامة: «استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، ولا فرق بين الفريضة
стр. 2322
والنافلة؛ لأنه شرط للصلاة، فاستوى فيه الفرض والنفل، كالطهارة؛ ولأن قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] عام فيهما جميعًا» (١).
قال السرخسي في المبسوط: «الفرض والنفل في وجوب استقبال القبلة سواء» (٢).
وقال اللخمي في التبصرة: «النفل لمن كان في الحضر أو السفر وهو على الأرض في استقبال القبلة والفرض سواء، ولو تنفل رجل في المسجد الحرام خارج الكعبة إلى غير الكعبة وولاها ظهره لعوقب» (٣).
وترتب العقاب دليل على أنها ليست من مسائل الخلاف.
وقال إمام الحرمين: «الأصل أن النوافل كالفرائض فيما يتعلق بالشرائط» (٤).
وإنما اختلفوا في مسألتين:
في الرجل إذا كان خارج المصر، وكان راكبًا، فهل له أن يتنفل، أم يشترط له أن يكون مسافرًا سفرًا تقصر فيه الصلاة.
كما اختلفوا في المسافر الماشي، هل يلحق بالراكب في جواز النافلة وهو يسير؟
ولم أقف على خلاف في أن المتنفل إذا كان مقيما على الأرض أنه يجب عليه استقبال القبلة، سواء أكان في حضر، أم سفر، والله أعلم.
قال البغوي: «لا يجوز لأحد أن يصلِّي فريضة، ولا نافلة … إلا متوجهًا إلى الكعبة إلا في حالتين:
الحال الأولى: حال المقاتلة؛ إذا كان القتال مباحًا، يجوز ترك استقبال القبلة فيها في الفرض والنَّفل جميعًا.
الحالة الثانية: صلاة النافلة في السفر، يجوز متوجهًا إلى الطريق حال السَّير؛ راكبًا كان، أو ماشيًا» (٥).
* * *
стр. 2323
الفصل الثالث في المواضع التي يسقط فيها استقبال القبلة
المبحث الأول سقوط الاستقبال بالخوف والعجز
المدخل إلى المسألة:
• قبلة الخائف جهة أمنه حيثما كان وجهه، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، [البقرة: ٢٣٩]. وحذف المتعلق ليَعُمَّ، فيشمل الخوف حال القتال، ومن اللصوص وقطاع الطرق، ومن السباع، ومن تفويت ما يخاف تفويته.
• الصلاة هي الغاية، والشروط بمنزلة الوسيلة لها، فلا تترك الغاية بالعجز عن تحصيل الوسيلة.
• لا فرق في سقوط الاستقبال بالخوف بين الفرض والنفل، وهذا بالاتفاق.
• إذا سقط الاستقبال بالعجز أو بالخوف انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة إذا قدر.
[م-٢٩٨] اتفق الفقهاء على أن الخوف عذر يسقط به استقبال القبلة في صلاة الفرض والنفل، فإذا خاف على نفسه، أو على ماله، أو خاف من سبع صلى حيث كانت وجهته، راجلًا وراكبًا (١).
واختلفوا في وجوب الإعادة:
стр. 2324
فقيل: لا يعيد أبدًا، وهو مذهب الحنفية والأصح عند الحنابلة (١).
لأن قبلة الخائف جهة أمنه، ولأن التوجه شرط في حال الإمكان، وأما في حال الخوف فهو غير مكلف، فجاز أن يتوجه إلى الجهة التي هو سائر فيها، لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
قال في البحر الرائق: «والخائف يصلي إلى أي جهة قدر؛ لأن الاستقبال شرط زائد يسقط عند العجز» (٢).
وقيل: تجب الإعادة أبدًا، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٣).
وتعليل الوجوب؛ لجبر النقص الحاصل بترك الشرط.
وقيل: تستحب الإعادة ما دام في الوقت إن خاف من لِصٍّ أو سبعٍ، وهذا مذهب المالكية (٤).
وقد تكلمت فيما سبق عن وجه استحباب الإعادة في الوقت عند المالكية
стр. 2325
إذا ترك ما هو واجب أو مستحب، وإنما لم يقولوا بالوجوب أبدًا مع أن المتروك شرط؛ لأن الشرط لم يعد شرطًا مع عذر الخوف، والله أعلم.
ومثل الخائف العاجز، كما لو كان مربوطًا إلى غير القبلة، أو مريضًا وليس عنده من يديره إلى القبلة (١).
والصحيح أن الشرط إذا سقط بالعجز أو بالخوف انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة من أجل تركه.
واختلفوا في المسايفة (الالتحام بالقتال):
فقيل: يصلي، ويسقط الاستقبال، ولا يعيد إذا أمن، وبه قال المالكية والحنابلة، والأصح عند الشافعية (٢).
وقيل: يصلي حال المسايفة، ويعيدها بعد ذلك، اختاره العراقيون من الشافعية، وحكوه عن ظاهر نص الشافعي (٣).
وقال الحنفية: لا يصلي أحد حال المسايفة (٤).
جاء في مختصر القدوري: «ولا يقاتلون في حال الصلاة فإن فعلوا ذلك بطلت صلاتهم، وإن اشتد الخوف صلوا ركبانًا وحدانًا يومئون بالركوع والسجود
стр. 2326
إلى أي جهة شاءوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة» (١).
ومعنى اشتداد الخوف عند الحنفية أن لا يدعهم العدو يصلون نازلين وليس معناه الصلاة حال الالتحام بالقتال؛ لأن الاقتتال عمل كثير يبطل الصلاة (٢).
وقال الأوزاعي ومكحول: من لم يقدر على الإيماء أَخَّرَ الصلاة حتى يصليها كاملة، ولا يجزئ عنها تسبيح ولا تهليل (٣).
• دليل من قال: الاقتتال يمنع الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٨٥٣) روى البخاري من طريق عيسى، حدثنا هشام، عن محمد، عن عبيدة،
عن علي ﵁، قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ : ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس (٤).
الدليل الثاني:
(ح-٨٥٤) ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة،
عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب، جاء يوم الخندق، بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر، حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي ﷺ : والله ما صليتها. فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. وهذا لفظ البخاري (٥).
الدليل الثالث:
(ح-٨٥٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد
стр. 2327
ابن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد،
عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هويًا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كفينا القتال، وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أمر النبي بلالًا فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب، فصلاها كما يصليها في وقتها (١).
[صحيح] (٢).
(ح-٨٥٦) وروى أحمد عن هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة بن عبد الله،
عن أبيه، أن المشركين شغلوا النبي يوم الخندق عن أربع صلوات، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، قال: فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء (٣).
[رجاله ثقات، وأكثر العلماء على أن رواية أبي عبيدة من أبيه في حكم المتصل] (٤).
• وأجيب عن هذه الأدلة بأجوبة منها:
الجواب الأول: وهو أقواها: أن يوم الخندق قبل أن يشرع الله تعالى في صلاة الخوف قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
نسبه ابن رشد في بداية المجتهد إلى الجمهور، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، كما اختار ذلك جمع من المحققين كابن القيم، والحافظ في الفتح، والقرطبي في شرح مسلم، وابن القصار (٥).
стр. 2328
ورد الحنفية:
بأن الآية ليس فيها دليل على جواز الصلاة حال المقاتلة، وأما الأمر بالصلاة رجالًا أو ركبانًا فلا يلزم منه الصلاة حال المقاتلة؛ إذ لا تلازم بين الصلاة ركبانًا وبين الاقتتال، وأما الأمر بأخذ الأسلحة في صفة صلاة الخوف هو يدل على إباحة القتال الذي ليس هو من أعمال الصلاة، بل هو من المفسدات، فأفادت الآية حِلَّ إفساد الصلاة بهذا الفعل بعد أن كان حرامًا للضرورة (١)
الجواب الثاني: أن الرسول ﷺ -تركها نسيانًا، لا عمدًا، وكذا الصحابة لاشتغالهم بأمر العدو (٢).
(ح-٨٥٧) ويستدلون بإمكان النسيان بما رواه أحمد، قال: حدثنا موسى بن داود، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن يزيد، أن عبد الله ابن عوف حدثه،
أن أبا جمعة حبيب بن سباع -وكان قد أدرك النبي ﷺ -أن النبي ﷺ -عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: يا رسول الله ما صليتها، فأمر المؤذن، فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب.
[ضعيف] (٣).
ودعوى أن ترك الصلوات سببه النسيان خلاف ظاهر حديث أبي سعيد المتفق عليه، حيث علق الترك بالشغل، فلفظ الحديث: (شغلونا عن الصلاة الوسطى .. )
стр. 2329
وحديث: (أن المشركين شغلوا النبي ﷺ -عن أربع صلوات … ).
وقال ابن رجب: «اجتماع الصحابة كلهم على النسيان يوم الخندق بعيد جدًّا، إلا أن يقال: إن النبي ﷺ -هو الناسي، وأن الصحابة اتبعوه على التأخير من غير سؤال له عن سببه .... » (١).
الجواب الثالث: أن الرسول ﷺ -لم يُصَلِّ صلاة الخوف لأنه كان في الحضر، ولم ينقل أن النبي ﷺ -صلاها إلا أن يكون مسافرًا.
ورد: بأن السفر بالنسبة إلى صلاة الخوف وصف طردي وقع وفاقًا، وليس في النصوص ما يمنع من إقامتها في الحضر، وعلتها هي الخوف، لا السفر.
وحاول بعضهم رد هذه الأحاديث للاختلاف فيما بينها، فبعضها يذكر أن الفائتة صلاة العصر، وفي الموطأ الظهر والعصر، وفي المسند أنه أَخَّرَ ثلاث صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب.
وهذا الاعتراض ليس بشيء، فإن وقعة الخندق بقيت أيامًا، فكانت حوادث متفرقة (٢).
الدليل الرابع:
(ث-٢٢١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا همام، عن قتادة،
عن أنس، أنه قال: شهدت فتح تستر مع الأشعري، قال: فلم أُصَلِّ صلاة الصبح حتى انتصف النهار، وما سرني بتلك الصلاة الدنيا جميعًا (٣).
[صحيح] (٤).
ولم يُسَلِّم ابن حزم لهذا الأثر معتقدًا أنه من رواية مكحول، عن أنس، ولم يدركه، وأنه لو صح فليس فيها أنهم تركوها عارفين بخروج وقتها، بل كانوا ناسين لها بلا شك، ولا يجوز أن يظن بفاضل من عامة المسلمين غير هذا، فكيف بصحابة رسول الله ﷺ (٥).
стр. 2330
• ويناقش:
بأن الأثر في غاية الصحة، فهو من رواية عفان، عن همام، وهو من أثبت أصحابه، عن قتادة، عن أنس، فلا يشك أحد في صحة هذا الإسناد، واحتمال النسيان قد يرد من الواحد والاثنين، أما من الجيش فهو مستبعد جدًّا.
الدليل الخامس:
أن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله، وحال الاقتتال يكون الخوف شديدًا، فلا يمكنه من إقامة ذكر الله تعالى.
• ويناقش:
بأن إقامة ذكر الله، منها ما هو ركن، كقراءة الفاتحة، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مسنون، وكلها تسقط بالعجز، قال ﷺ : صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا …
• دليل الجمهور على مشروعية الصلاة حال الالتحام:
أما الدليل على سقوط الاستقبال بالعجز:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
أي: صلوا الصلاة (رجالًا) أي: ماشين على أرجلكم، أو ساعين عليها.
(أو ركبانًا) على الإبل وغيرها من المركوبات.
وحذف المُتَعلَّق ليعم الخوف، فيشمل الخوف من العدو حال القتال، والخوف من اللصوص، وقطاع الطرق، والخوف من السباع، فكل أمر يخاف منه فهو مبيح ما تضمنته الآية كالخوف من فوات ما يتضرر بفواته أو تفويته، وفي هذه الحال لا يلزمه استقبال القبلة، بل قبلته حيثما كان وجهه (١).
الدليل الثاني:
(ح-٨٥٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر ﵄، كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال:
стр. 2331
يتقدم الإمام وطائفة من الناس، فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة، استأخروا مكان الذين لم يصلوا، ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين، فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين، فإن كان خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ (١).
[شك نافع في رفعه، والراجح رفعه إلا قوله: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا أو ركبانًا فهو من قول ابن عمر موقوفًا عليه، وقد أدرجها بعضهم] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها).
الدليل الثالث:
ولأن القدرة هي مناط الأمر والنهي، وهي شرط التكليف، فكل من عجز عن عبادة، أو عن شرط من شروطها، أو عن ركن من أركانها سقطت عنه (١).
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
стр. 2344
(ح-٨٥٩) وقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: … إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (١).
وقال ابن تيمية: «واتفقوا على أن العبادات لا تجب إلا على مستطيع» (٢).
(ح-٨٦٠) وروى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب (حسين المعلم)، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ -عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (٣).
فإذا سقطت الأركان بالعجز، سقطت الشروط من باب أولى؛ لأن الأركان كالغاية والشروط كالوسائل لها.
• الراجح:
أن الخوف والعجز عذر يسقط به الاستقبال في الفرض والنفل، وإذا سقط التكليف لم يوجب الساقط إعادة الصلاة، ولأن من أُمِر شرعًا بالصلاة في الوقت، فامتثل الأمر، لم يكلف الإعادة، والله أعلم.
* * *
стр. 2345
المبحث الثاني في سقوط الاستقبال بالنسيان
المدخل إلى المسألة:
• النسيان عذر يسقط به الإثم بالاتفاق.
• إذا صحت صلاة المخطئ في القبلة، صحت صلاة الناسي لها؛ لأن النسيان قرين الخطأ في الأحكام.
• لا يصح قياس نسيان القبلة على نسيان الحدث؛ بجامع أن كلًّا منهما من المأمورات التي لا تسقط بالنسيان؛ لأن من ظن بقاء طهارته، فصلى محدثًا وجبت عليه إعادة الصلاة، ومن تحرى القبلة، فصلى، فتبين أنه مخطئ لم يُعِدْ.
• الأركان لا تسقط بالنسيان قولًا واحدًا، والشروط المجمع على شرطيتها، إن كان من جنس المأمورات لا تسقط بالنسيان، كالطهارة من الحدث، وما تنازع الناس في سقوطه بالنسيان من هذه الشروط راجع إلى ضعف مأخذ الشرطية.
• من صلى ناسيًا إلى غير القبلة يندب له الإعادة، ولا تجب، وهو من سقوط الوجوب بالنسيان عند المالكية (١).
[م-٢٩٩] اختلف الفقهاء في اعتبار النسيان عذرًا يسقط به استقبال القبلة:
فقيل: الاستقبال لا يسقط بالنسيان (٢)، فإن صلى الفرض ناسيًا أعاد أبدًا، وهذا مذهب الجمهور (٣)، وشهره ابن الحاجب من المالكية، واختاره
стр. 2346
ابن حزم الظاهري (١).
وقيل: يسقط بالنسيان مطلقًا، وهو وجه في مقابل الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: إن صلى ناسيًا بغير مكة، ولم يتذكر إلا بعد الفراغ منها أعاد في الوقت استحبابًا، وإن تبين له الخطأ، وهو فيها بطلت، وأعاد أبدًا، وشهره ابن رشد من المالكية (٣).
стр. 2347
وقال الدسوقي: «ومحله أيضًا إذا تبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة … وأما لو تبين فيها فإنها تبطل، ويعيد أبدًا قولًا واحدًا» (١).
والخلاف فيه بين الفقهاء يرجع إلى توصيف الاستقبال:
فالجميع يتفق أن الاستقبال من المأمورات الشرعية التي أمر النبي ﷺ -بها، وأمر النبي ﷺ -بها أمته، وليس من المحظورات.
(ح-٨٦١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار،
عن عبد الله بن عمر، قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ -قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى الكعبة (٢).
وجه الاستدلال: قوله: (وقد أمر أن يستقبل الكعبة).
(ح-٨٦٢) وروى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله ابن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة: أن رجلًا دخل المسجد، فصلى، ورسول الله ﷺ -في ناحية المسجد، فجاء فسلم عليه، فقال له: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ .... وفيه: قال النبي ﷺ -له: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن … وذكر بقية الحديث (٣).
وقد أجمع الفقهاء على أن من صلى إلى غير القبلة في صلاة الفرض عامدًا بطلت صلاته.
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه نحوها في صلاتهم هي الكعبة البيت الحرام بمكة، وأنه فرض على كل من شاهدها
стр. 2348
وعاينها استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها، وهو معاين لها، أو عالم بجهتها، فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى … » (١).
وقد حكى الإجماع أيضًا الكاساني في البدائع (٢)، وابن حزم في مراتب الإجماع (٣)، وابن قدامة (٤)، فكان الاستقبال مترددًا بين الشرط والوجوب.
والفقهاء مختلفون في ترك الشروط نسيانًا هل يوجب الإعادة؟
فقيل: يوجب الإعادة مطلقًا، في المأمورات والمنهيات.
وقيل: يوجب الإعادة منها ما كان من جنس المأمورات، بخلاف المنهيات فيعذر فيها بالنسيان كحديث أبي سعيد في خلع النبي ﷺ -نعليه، وهو في الصلاة حين أخبره جبريل أن بهما أذى، وبنى على صلاته.
وبعضهم يفرق بين الواجبات، فما كان مأخذه منها قويًّا أوجب الإعادة أبدًا، وما كان مأخذ الوجوب ضعيفًا لم يوجب الإعادة، وربما أوجب الإعادة في الوقت.
وقد تجَلَّت لنا أدلة هذه الأقوال ضمن خلاف الفقهاء في حكم استقبال القبلة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وإنما اقتضى التقسيم التذكير بالنسيان وحده، هل يكون عذرًا يسقط به الشرط، أو ليس بعذر؟ فلله الحمد على توفيقه وتسديده، والذي أميل إليه أن استقبال القبلة واجب للصلاة، وليس شرطًا؛ إذ لو كان شرطًا ما سقط بالخطأ، فإن الخطأ يرفع الإثم عن المكلف، وتبقى ذمته مشغولة بالأداء، كاشتراط الطهارة من الحدث، لا يسقط بالخطأ، ولا بالنسيان، والله أعلم.
* * *
стр. 2349
المبحث الثالث في سقوط الاستقبال عن المتنفل السائر
الفرع الأول سقوط الاستقبال عن المتنفل الراكب في السفر الطويل
المدخل إلى المسألة:
• لم يصح حديث في اشتراط افتتاح النافلة على الدابة إلى جهة القبلة.
• النصوص الكثيرة في الصحيحين وغيرهما في سقوط القبلة عن المتنفل الراكب مطلقة، لم تشترط التوجه إلى القبلة حال تكبيرة الإحرام، والمطلق يجري على إطلاقه.
• لو كان النبي ﷺ -يفتتح الصلاة إلى القبلة لتوافرت الهمم والدواعي على نقله.
• لو فرض صحة حديث أنس، أن الرسول ﷺ -كان إذا سافر، فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، فإنه حكاية فعل، والفعل لا يدل على الوجوب.
اخترت في العنوان لفظ (السائر): ليدخل فيه الراكب والماشي، ويخرج به المتنفل المقيم على الأرض، وقد سبق الكلام على هذا الأخير، وقد خصصت هذا المبحث للراكب في السفر الطويل، والباقي يأتي تبعًا إن شاء الله تعالى، فأقول.
[م-٣٠٠] لا خلاف بين العلماء في جواز تنفل المصلي على الدابة للمسافر سفرًا طويلًا تقصر فيه الصلاة حيث توجهت به، سواء أكان ذلك إلى القبلة أم لا (١)، ويقاس على الرواحل وسائل النقل المعاصرة.
стр. 2350
ومستند الإجماع أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرها ذكرنا طرفًا منها في المسألة السابقة من حديث عامر بن ربيعة في الصحيحين (١)، وابن عمر فيهما (٢)، وأنس في الصحيحين (٣)، وجابر في البخاري (٤).
واختلفوا: هل يلزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة؟
فقيل: لا يلزمه، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه عند الشافعية (٥).
وقال الشافعية والحنابلة: يلزمه التوجه إلى القبلة حال تكبيرة الإحرام، ثم يصلي إلى جهة سيره (٦).
واستثنى الحنابلة، وهو وجه عند الشافعية، فيما لو كان البعير مقطورًا، ويعسر على المصلي الاستدارة بنفسه، فيسقط عنه استقبال القبلة عند التحريم (٧).
وقيل: إن كان وجه الدابة إلى القبلة عند الهم بالتحريم تعين ذلك عليه، وإن كان وجهها إلى صوب الطريق، فلا يجب صرفها إلى القبلة، بل يتحرك كما تصادف الدابة، وإن كان وجه الدابة منحرفًا عن القبلة، وعن وجهته جميعًا، فلا يحرم بالصلاة، والدابة منحرفة عن الجهتين جميعًا، فإذا أراد الإحرام صرف وجه الدابة إلى جهة القبلة، فأحرم، وهو وجه ثالث عند الشافعية (٨).