стр. 2346
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 30064
موسوعة أحكام الصلوات الخمس
دبيان الدبيان
Полный текст (10 314 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2347
وقال الدسوقي: «ومحله أيضًا إذا تبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة … وأما لو تبين فيها فإنها تبطل، ويعيد أبدًا قولًا واحدًا» (١).
والخلاف فيه بين الفقهاء يرجع إلى توصيف الاستقبال:
فالجميع يتفق أن الاستقبال من المأمورات الشرعية التي أمر النبي ﷺ -بها، وأمر النبي ﷺ -بها أمته، وليس من المحظورات.
(ح-٨٦١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار،
عن عبد الله بن عمر، قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ -قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى الكعبة (٢).
وجه الاستدلال: قوله: (وقد أمر أن يستقبل الكعبة).
(ح-٨٦٢) وروى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله ابن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة: أن رجلًا دخل المسجد، فصلى، ورسول الله ﷺ -في ناحية المسجد، فجاء فسلم عليه، فقال له: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ .... وفيه: قال النبي ﷺ -له: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن … وذكر بقية الحديث (٣).
وقد أجمع الفقهاء على أن من صلى إلى غير القبلة في صلاة الفرض عامدًا بطلت صلاته.
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه نحوها في صلاتهم هي الكعبة البيت الحرام بمكة، وأنه فرض على كل من شاهدها
стр. 2348
وعاينها استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها، وهو معاين لها، أو عالم بجهتها، فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى … » (١).
وقد حكى الإجماع أيضًا الكاساني في البدائع (٢)، وابن حزم في مراتب الإجماع (٣)، وابن قدامة (٤)، فكان الاستقبال مترددًا بين الشرط والوجوب.
والفقهاء مختلفون في ترك الشروط نسيانًا هل يوجب الإعادة؟
فقيل: يوجب الإعادة مطلقًا، في المأمورات والمنهيات.
وقيل: يوجب الإعادة منها ما كان من جنس المأمورات، بخلاف المنهيات فيعذر فيها بالنسيان كحديث أبي سعيد في خلع النبي ﷺ -نعليه، وهو في الصلاة حين أخبره جبريل أن بهما أذى، وبنى على صلاته.
وبعضهم يفرق بين الواجبات، فما كان مأخذه منها قويًّا أوجب الإعادة أبدًا، وما كان مأخذ الوجوب ضعيفًا لم يوجب الإعادة، وربما أوجب الإعادة في الوقت.
وقد تجَلَّت لنا أدلة هذه الأقوال ضمن خلاف الفقهاء في حكم استقبال القبلة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وإنما اقتضى التقسيم التذكير بالنسيان وحده، هل يكون عذرًا يسقط به الشرط، أو ليس بعذر؟ فلله الحمد على توفيقه وتسديده، والذي أميل إليه أن استقبال القبلة واجب للصلاة، وليس شرطًا؛ إذ لو كان شرطًا ما سقط بالخطأ، فإن الخطأ يرفع الإثم عن المكلف، وتبقى ذمته مشغولة بالأداء، كاشتراط الطهارة من الحدث، لا يسقط بالخطأ، ولا بالنسيان، والله أعلم.
* * *
стр. 2349
المبحث الثالث في سقوط الاستقبال عن المتنفل السائر
الفرع الأول سقوط الاستقبال عن المتنفل الراكب في السفر الطويل
المدخل إلى المسألة:
• لم يصح حديث في اشتراط افتتاح النافلة على الدابة إلى جهة القبلة.
• النصوص الكثيرة في الصحيحين وغيرهما في سقوط القبلة عن المتنفل الراكب مطلقة، لم تشترط التوجه إلى القبلة حال تكبيرة الإحرام، والمطلق يجري على إطلاقه.
• لو كان النبي ﷺ -يفتتح الصلاة إلى القبلة لتوافرت الهمم والدواعي على نقله.
• لو فرض صحة حديث أنس، أن الرسول ﷺ -كان إذا سافر، فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، فإنه حكاية فعل، والفعل لا يدل على الوجوب.
اخترت في العنوان لفظ (السائر): ليدخل فيه الراكب والماشي، ويخرج به المتنفل المقيم على الأرض، وقد سبق الكلام على هذا الأخير، وقد خصصت هذا المبحث للراكب في السفر الطويل، والباقي يأتي تبعًا إن شاء الله تعالى، فأقول.
[م-٣٠٠] لا خلاف بين العلماء في جواز تنفل المصلي على الدابة للمسافر سفرًا طويلًا تقصر فيه الصلاة حيث توجهت به، سواء أكان ذلك إلى القبلة أم لا (١)، ويقاس على الرواحل وسائل النقل المعاصرة.
стр. 2350
ومستند الإجماع أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرها ذكرنا طرفًا منها في المسألة السابقة من حديث عامر بن ربيعة في الصحيحين (١)، وابن عمر فيهما (٢)، وأنس في الصحيحين (٣)، وجابر في البخاري (٤).
واختلفوا: هل يلزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة؟
فقيل: لا يلزمه، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه عند الشافعية (٥).
وقال الشافعية والحنابلة: يلزمه التوجه إلى القبلة حال تكبيرة الإحرام، ثم يصلي إلى جهة سيره (٦).
واستثنى الحنابلة، وهو وجه عند الشافعية، فيما لو كان البعير مقطورًا، ويعسر على المصلي الاستدارة بنفسه، فيسقط عنه استقبال القبلة عند التحريم (٧).
وقيل: إن كان وجه الدابة إلى القبلة عند الهم بالتحريم تعين ذلك عليه، وإن كان وجهها إلى صوب الطريق، فلا يجب صرفها إلى القبلة، بل يتحرك كما تصادف الدابة، وإن كان وجه الدابة منحرفًا عن القبلة، وعن وجهته جميعًا، فلا يحرم بالصلاة، والدابة منحرفة عن الجهتين جميعًا، فإذا أراد الإحرام صرف وجه الدابة إلى جهة القبلة، فأحرم، وهو وجه ثالث عند الشافعية (٨).
стр. 2351
وقيل: يشترط التوجه للقبلة عند السلام أيضًا، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (١).
هذه أقوال المجتهدين في المسألة، وإليك بيان أدلتهم:
• دليل من قال: يفتتح الصلاة إلى القبلة:
(ح-٨٦٣) استدلوا بما رواه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، حدثنا ربعي بن عبد الله بن الجارود، حدثني عمرو بن أبي الحجاج، حدثني الجارود بن أبي سبرة،
حدثني أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ -كان إذا سافر، فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه (٢).
[حديث غريب لم يَرْوِهِ عن أنس إلا الجارود، ولا عن الجارود إلا عمرو بن أبي الحجاج، ولاعنه إلا ربعي بن عبد الله، وقد روى أنس الصلاة على الراحلة في الصحيحين وليس فيها استقبال القبلة عند الافتتاح، وهو المحفوظ] (٣).
стр. 2352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2355
• وأجيب عن الحديث بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
الذهاب إلى ضعف الحديث؛ لنكارته، حيث خالف فيه الضعيف رواية الثقات عن أنس، وهذا أرجو أن يكون قد جلاَّه تخريج الحديث، ولله الحمد.
стр. 2356
الجواب الثاني: الجمع بينه وبين سائر الأحاديث بأن يقال: حديث ربعي هذا حكاية فعل، والفعل محمول على الندب، وليس اعتباره شرطًا للصحة، فإذا تيسر للراكب أن يستقبل القبلة بلا مشقة عند ابتداء النفل استحب له التوجه إلى القبلة، وأحاديث الصحيحين دليل على الجواز.
الجواب الثالث:
سبيل الترجيح فهذا الحديث غاية ما فيه أن يكون حسنًا، والحسن أقل رتبة من الصحيح، فإذا عارضه حديث صحيح وجب الأخذ بالصحيح وتقديمه على الحديث الحسن، فكيف إذا عارضه جمع من أحاديث الصحيحين، فأحاديث الصلاة على الدابة جاءت من مسند عامر بن ربيعة بالصحيحين
ومن حديث ابن عمر فيهما، ومن حديث جابر في البخاري، وهذه الأحاديث لم تَسْتَثْنِ من ذلك تكبيرة الإحرام، ولا غيرها، وهي أصح من حديث أنس ﵁.
• دليل من قال: لا يجب الافتتاح إلى القبلة:
الدليل الأول:
استدلوا بأن أحاديث صلاة النبي على الدابة جاءت من مسند عامر بن ربيعة في الصحيحين
ومن حديث ابن عمر فيهما، ومن حديث جابر في البخاري.
وهذه الأحاديث لم تستثن من ذلك تكبيرة الإحرام، ولا غيرها، وهي أصح من حديث أنس.
فلو كان النبي ﷺ -يفتتح الصلاة إلى القبلة لتوافرت الهمم والدواعي على نقله.
• ونوقش:
بأن حديث أنس ليس معارضًا لأحاديث الصحيحين، بل هو مفسر لها، فأحاديث الصحيحين تؤكد صحة النافلة على الراحلة في السفر، ولم تَنْفِ افتتاح الصلاة إلى القبلة حتى يفترض المعارضة بينها وبين حديث أنس، ولا مانع أبدًا في الحكم أن يأتي حديث يدل على مشروعية عبادة من العبادات، وحديث آخر
стр. 2357
يبين شرطًا من شروطها، ولا يقال: هذا معارض لذاك، ولا يشترط أن يكون استثناء تكبيرة الإحرام متصلًا بأحاديث الجواز، خاصة إذا كانت من السنن الفعلية.
• ويرد على هذا النقاش بجوابين:
الأول: لو كان الاستقبال شرطًا لنقله لنا الصحابة رضوان الله عليهم ممن نقل لنا هذا التطوع على الدابة، فكيف لم ينقل عن أحد من الصحابة مثل هذا الشرط؟ أتراه كان يخفى مثله على فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم؟
الثاني: لو كان حديث أنس ﵁ من القوة لكان يمكن أن يقال: يجب أن يقيد به ما أطلق في تلك الأحاديث، ولكن حديث أنس حديث غريب في غالب طبقات إسناده، مخالف لما يروى عن أنس ﵁ من حديثه وفعله، والجارود الذي تفرد بهذا الحديث عن أنس ليس معروفًا بالرواية، وغالب مروياته على قلتها هي غرائب ومن قبيل الأحاديث الضعيفة أو الضعيفة جدًّا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
لو كان الافتتاح إلى القبلة شرطًا في صحة الصلاة: لكان كذلك حكم البناء؛ لأن حكم الابتداء والبناء لا يختلف في شرائط صحة الصلاة.
• ونوقش:
بأنه لا يمتنع أن يعتبر وقوع الشرط في أول العبادة والباقي يقع تبعًا، كالنية يجب ذكرها في أول الصلاة، ولا يضره عزوبها عن الذكر في بقية الأركان، خاصة أن تكبيرة الإحرام ليست كغيرها من التكبيرات.
الدليل الثالث:
أن السفر مظنة التخفيف، فشرع فيه القصر، والفطر، فإيجاب تحويل الدابة إلى القبلة في السفر فيه مشقة على المسافر والذي بنيت أحكامه على التخفيف
• وجه من قال: يجب التوجه إلى القبلة حال السلام:
أن السلام أحد طرفي الصلاة، فإذا وجب افتتاح الصلاة إلى القبلة عند الابتداء، وجب التوجه إليها عند الانتهاء.
стр. 2358
• ونوقش:
بأن السلام خروج من الصلاة فكان أخف من أثناء الصلاة، وإذا كان المصلي في أثنائها لا يلزمه التوجه، ففي حال الخروج منها أولى أن لا يلزمه، وليس كذلك حال الإحرام؛ لأنه ابتداء الدخول في الصلاة، وبه تنعقد فكان حكمه أغلظ (١).
• الراجح:
أنه لا يشترط افتتاح النافلة إلى القبلة، بل يصلي حيث توجهت به دابته، والله أعلم.
* * *
стр. 2359
الفرع الثاني في سقوط الاستقبال عن المتنفل الراكب في الحضر
المسألة الأولى في سقوط الاستقبال خارج المصر
المدخل إلى المسألة:
• سقوط الاستقبال عن المتنفل السائر في السفر معلل، وليس تعبديًّا.
• النفل مبني على التخفيف، فإذا جاز للمتنفل أن يصلي قاعدًا بلا عذر، والقيام من آكد أركان الصلاة، ومراعاة الركن أولى من مراعاة الشرط، جاز للسائر التنفل، ولو لم يكن مسافرًا.
• الحكمة الشرعية من سقوط الاستقبال في النافلة التقرب بكثرة النوافل، والعلة سيره على الأرض راكبًا وماشيًا، فإذا انقطع السير لزمه الاستقبال.
• الحاجة كما تمس إلى سقوط الاستقبال في السفر الطويل، كذلك تمس الحاجة إلى سقوطه في السفر القصير، بل هو الأغلب.
اخترت في العنوان لفظ: (خارج المصر) وهو أفضل من تعبير بعض الفقهاء: السفر القصير؛ لأن القصر والطول أمر نسبي، فقد يوصف السفر القصير حتى في سفر تقصر به الصلاة بالنسبة إلى غيره.
[م-٣٠١] اختلف الفقهاء في سقوط الاستقبال في الحضر خارج المصر
فقيل: يسقط الاستقبال، وهو مذهب الجمهور، وقول في مذهب المالكية (١).
стр. 2360
جاء في تحفة الفقهاء: «وأما صلاة التطوع فإنه تجوز على الدابة كيفما كان الراكب مسافرًا أو غير مسافر بعد أن يكون خارج المصر، وإن كان قادرًا على النزول» (١).
وقال مالك: لا يسقط الاستقبال إلا في مسافة يقصر فيها الصلاة، وحكي قولًا ثانيًا للشافعي (٢).
• حجة الجمهور:
الدليل الأول:
القياس على التيمم، فالله أجاز التيمم في كتابه للمريض والمسافر، بقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. ﴾. إلى قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].
فإذا جاز التيمم في قصير السفر وطويله جاز التنفل على الدابة كذلك؛ لأنه يقع على كل اسم سفر، وفرق بينه وبين القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثًا لأن تلك الرُّخص تتعلق بالفرض فيحتاط له باشتراط طويل السفر، والتنفل مبني على التخفيف، ولهذا جاز قاعدًا في الحضر مع القدرة على القيام والله أعلم
الدليل الثاني:
(ح-٨٦٤) روى الإمام مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن
стр. 2361
أبي سليمان، قال: حدثنا سعيد بن جبير،
عن ابن عمر ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ -يصلي، وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (١).
[انفرد بذلك عبد الملك بن أبي سليمان] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (فَأَيْنَمَا) شرط (تولوا) فعل الشرط. وقوله (فثم وجه الله): جواب الشرط، ومعنى الآية: فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فَثَمَّ قبلتكم، وأسماء الشرط من أسماء العموم، فيدخل في عمومه السفر الطويل والقصير، وكون الفعل من النبي ﷺ -وقع، وهو راجع من مكة، وهو من السفر الطويل، لا يقتضي تخصيص عموم الآية؛ لأنه موافق للعام في حكمه، وفرد من أفراده.
• ويناقش:
بأن المفسرين لم يتفقوا على تفسير الآية، وقد أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقوال، ونقلت منها أربعة أقوال. هذا أحدها، فارجع لهن إن شئت (٣).
الدليل الثالث:
أن النفل أوسع من الفرض، فإذا جاز للمتنفل أن يصلي قاعدًا بلا عذر، والقيام من آكد أركان الصلاة، ومراعاة الركن أولى من مراعاة الشرط، جاز للراكب
стр. 2362
والماشي التنفل في السفر القصير.
الدليل الرابع:
ولأن العلة في الجواز هو التردد ذهابًا وإيابًا، وهذا المعنى لا يختلف فيه بين السفر الطويل والقصير، فالحاجة كما تمس إلى فعل ذلك في الأسفار الطويلة تمس إلى فعلها في الأسفار القصيرة، بل هي الأغلب.
ولأن الحكمة الشرعية في جواز ذلك: هو تيسير تحصيل النوافل على العبد حتى لا ينقطع عن قضاء حوائجه بسبب المحافظة على أوراده وطاعاته، أو يحمله ذلك إلى قطع النوافل أوتقليلها، وهذا لا فرق فيه بين السفر الطويل والقصير، والله أعلم.
• حجة المالكية:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. [البقرة: ١٤٤].
وهذا النص على عمومه إلا أن يرد ما يخصصه، ولم ترد الرخصة إلا في السفر، فوجب الاقتصار فيها على ما ورد؛ لأن الأصل في العبادات الحضر، وقد نقل لنا ترك الاستقبال في سفر تقصر فيه الصلاة، ولم ينقل لنا من قول النبي ﷺ -ولا من فعله أنه فعل ذلك في الحضر، ولا في سفر لا تقصر فيه الصلاة.
والسفر إذا أطلق في النصوص الشرعية فإنما يراد به الحقيقة الشرعية التي تقصر فيها الصلاة، ويباح فيها الفطر؛ ولأن السفر مظنة التخفيف فكان التخفيف في ترك القبلة حكمه حكم الفطر والقصر، فينبغي أن تكون هذه الرخص كلها على طريقة واحدة، ولا يقاس غير السفر على السفر؛ لأنه ليس في معناه.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الأوصاف في النصوص تارة تذكر على سبيل الشرط، فتكون شرطًا في صحة العبادة، كاشتراط أن يكون ذلك في غير المكتوبة، وتارة تذكر، ولا تساق بطريقة الشرط، فلا يحسن أن تجعل شرطًا؛ لأن الأصل عدم الاشتراط، كذكر
стр. 2363
السفر في هذه النصوص، فالنصوص التي نقلت لنا هذه السنة كلها كانت من السنة الفعلية، تارة تأتي مطلقة دون ذكر وصف السفر، وتارة تفيد بأنه فعل ذلك في السفر، وهذه النصوص لا تقضي على النصوص المطلقة؛ لأنها فرد من أفرادها موافقة لها في حكمها، فلم تقتضِ تخصيصًا.
الوجه الثاني:
لو كان السفر شرطًا لصحة النافلة على الدابة لفهم ذلك الصحابة الذين نقلوا لنا هذه السنة من فعل الرسول ﷺ ، ولم أَقِفْ على نص واحد عن فقيه صحابي يشترط أن يكون ذلك في السفر، كما نقلوا لنا اشتراطهم أن يكون التطوع على الراحلة في غير الفريضة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القبلة آكد من القصر؛ لأن الصلاة تقصر في السفر، ولا يعدل فيها عن القبلة مع القدرة، فلما كان في السفر القصير لا يقصر، والقصر أضعف، فالقبلة أولى بألا تجوز في السفر القصير (١).
• ويناقش:
لا يسلم أن القبلة آكد من القصر، فالقصر لما كان يطال الأركان، وهي أشد من الشروط اشترط لها ما لا يشترط للشروط، ولذلك لا يسقط الركن بالخطأ، والقبلة تسقط بالخطأ، والقصر من أحكام الفرض، وترك الاستقبال من أحكام النافلة، والنفل أوسع من الفرض، وهذا القيام لا يسقط في الفرض مطلقًا، لا في سفر، ولا حضر، ويسقط القيام في النافلة مطلقًا، في السفر والحضر، ولو مع القدرة، فكان شبه القبلة بالقيام أشبه من شبه القبلة بالقصر. والله أعلم.
* * *
стр. 2364
المسألة الثانية في سقوط الاستقبال عن المتنفل داخل المصر
المدخل إلى المسألة:
• سقوط الاستقبال عن المتنفل السائر معلل، وليس تعبديًّا.
• النفل مبني على التخفيف، فإذا جاز للمتنفل أن يصلي قاعدًا بلا عذر، والقيام من آكد أركان الصلاة، ومراعاة الركن أولى من مراعاة الشرط، جاز للسائر التنفل، ولو كان داخل المصر.
• الحكمة الشرعية من سقوط الاستقبال في النافلة التقرب بكثرة النوافل، والعلة سيره على الأرض راكبًا وماشيًا، فإذا انقطع السير لزمه الاستقبال مطلقًا.
• الحاجة كما تمس إلى سقوط الاستقبال خارج المصر، كذلك تمس الحاجة إلى سقوطه داخل المصر، لأنه الأغلب.
• لما جاز التنفل على الدابة خارج المصر مما لا تقصر فيه الصلاة جاز فعل ذلك داخل المصر؛ لأن السفر لو كان قيدًا لقيد الفعل في مسافة تقصر فيها الصلاة.
[م-٣٠٢] اختلف الفقهاء في سقوط الاستقبال عن المتنفل الراكب داخل المصر:
فقيل: لا يسقط الاستقبال عن المتنفل الراكب داخل المصر، وهو قول جمهور الفقهاء (١).
وقولي: (داخل المصر) قيد خرج به السفر القصير الذي لا تقصر فيه الصلاة،
стр. 2365
فالجمهور على جواز ترك الاستقبال فيه كالسفر الطويل خلافًا لمالك، كما سبق بحثه ولله الحمد وحده.
وقيل: يسقط الاستقبال عن الراكب والماشي في الحضر والسفر، فله أن يتنفل على راحلته وعلى رجليه، وهو قول الطبري والإصطخري من الشافعية (١).
جاء في نهاية المطلب: «كان الإصطخري يتنفَّل على دابته، ويتردد في حارات بغداد» (٢).
وقيل: يسقط الاستقبال عن الراكب دون الماشي داخل المصر.
وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٣)، وظاهر اختيار البخاري في صحيحه (٤)، وحكي عن أنس ﵁ (٥).
стр. 2366
وسوف أبحث مسألة الماشي في مسألة مستقلة لهذا لن أعرض أدلة التفريق بين الراكب والماشي في هذا المبحث.
• دليل من قال: يسقط الاستقبال في الحضر مطلقًا للراكب والماشي:
استدلوا بالأدلة المطلقة والعامة التي تقول: إن النبي ﷺ -كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، والماشي مقيس عليه. من هذه النصوص:
الدليل الأول:
(ح-٨٦٥) ما رواه البخاري من طريق هشام قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن،
عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ -يصلي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة، نزل فاستقبل القبلة (١).
وجه الاستدلال:
أن الحديث مطلق، فيشمل السفر والحضر، ولم يستثْنِ إلا الفريضة، فلو كانت النافلة في الحضر مستثناة لذكرها.
• ويعترض:
بأن ابن خزيمة قد رواه في صحيحه من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير به، بلفظ: كنا مع النبي ﷺ -في غزوة، فكان يصلي التطوع على راحلته مستقبل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل، فاستقبل القبلة (٢).
ورواه أحمد عن عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ -يصلي على راحلته تطوعًا حيث توجهت به في السفر، فإذا أراد
стр. 2367
أن يصلي المكتوبة نزل عن راحلته، واستقبل القبلة.
• ويجاب:
بأن هشام الدستوائي لا يعدله أحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير، قال الإمام أحمد: هشام يرجع إلى كتاب، ولم يختلف على هشام في عدم ذكر السفر في روايته (١).
ويظهر من روايات حديث جابر أنه لا يحكي قصة واحدة، بل يحكي قضايا متعددة، فمرة يذكر غزوة بني المصطلق من خزاعة، ومرة يذكر أنه في غزوة أنمار وبعضها لا يذكر السفر.
(ح-٨٦٦) فروى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، حدثنا عثمان بن عبد الله ابن سراقة،
عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: رأيت النبي ﷺ -في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجهًا قِبَلَ المشرق متطوعًا (٢).
ورواه مسلم من طريق زهير، عن أبي الزبير،
عن جابر، قال: أرسلني رسول الله ﷺ -وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته، وهو يصلي على بعيره فكلمته، فقال لي بيده هكذا -وأومأ زهير بيده- ثم كلمته فقال لي هكذا -فأومأ زهير أيضًا بيده نحو الأرض- وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه،
стр. 2368
فلما فرغ قال: ما فعلتَ في الذي أرسلْتُك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي (١).
وفعلها في السفر بحكم يوافق المطلق لا يدل على تقييد الحكم بالسفر، ولم يأت نهي عن فعلها في الحضر، كما جاء النفي عن فعل الفريضة على الدابة، ولم يكن ذكر السفر في الأحاديث على سبيل الاشتراط حتى يفهم منه اختصاص الحكم به.
الدليل الثاني:
(ح-٨٦٧) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة،
عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ -يصلي على راحلته حيث توجهَتْ به (٢).
والحديث مطلق، فيشمل السفر وغيره.
• ويعترض:
بأن الحديث رواه مسلم، من طريق يونس، عن ابن شهاب (الزهري) به، بلفظ: أنه رأى رسول الله ﷺ -يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت (٣).
الدليل الثالث:
(ح-٨٦٨) ومنها: ما رواه البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، قال:
كان ابن عمر ﵄ يصلي على راحلته، ويوتر عليها، ويخبر أن النبي ﷺ -كان يفعله (٤).
ورواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،
ومن طريق مالك، عن عبد الله بن دينار، كلاهما عن ابن عمر به (٥).
стр. 2369
ورواه البخاري من طريق شعيب،
ورواه مسلم من طريق يونس كلاهما عن الزهري، قال: أخبرني سالم عن ابن عمر (١).
• ويعترض:
(ح-٨٦٩) أن البخاري قد رواه من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ -يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته (٢).
ورواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: قال سالم:
كان عبد الله بن عمر ﵄ يصلي على دابته من الليل، وهو مسافر ما يبالي حيث ما كان وجهه، قال ابن عمر: وكان رسول الله ﷺ -يسبح على الراحلة قِبَلَ أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (٣).
فالموقوف على ابن عمر أنه كان يصلي على دابته في السفر، فانظر كيف فهم ابن عمر من الحديث المطلق تقييده في السفر.
ورواه مسلم من طريق عبد العزيز بن مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن دينار،
قال: كان عبد الله بن عمر ﵄ يصلي في السفر على راحلته، أينما توجهت يومئ، وذكر عبد الله أن النبي ﷺ -كان يفعله (٤).
• دليل من قال: لا يتنفل في المصر:
الذين قالوا: لا يتنفل على الدابة في المصر، قدموا الروايات التي تذكر السفر في الروايات السابقة على الروايات المطلقة.
• وجه تقديم هذه الروايات على غيرها:
أن السفر قيد معتبر، وذلك أن السفر مظنة التخفيف، كما خفف عن المسافر شطر الصلاة الرباعية، وبعض السنن الرواتب، وأذن له في الفطر، فتحمل الروايات
стр. 2370
المطلقة على الروايات المقيدة.
ولأن الأصل استقبال القبلة، وقد أجمع العلماء على جواز ترك الاستقبال في السفر الطويل (١)، واختلفوا في الحضر، فإذا تردد الأمر، وصارت الروايات متعارضة، أخذنا بالمتيقن المتفق عليه، وتركنا المختلف فيه.
ولأن الأصل في العبادات الحضر، قال الأثرم: قيل لأحمد بن حنبل الصلاة على الدابة في الحضر فقال: أما في السفر فقد سمعنا، وما سمعت في الحضر (٢).
ولأن الأسفار التي حكى ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ -أنه صلى فيها على راحلته تطوعًا كانت مما تقصر فيها الصلاة، فكأن الرخصة خرجت على ذلك، فلا ينبغي أن تتعدى؛ لأنه شيء وقع عليه البيان، كأنه قال: إذا سافرتم مثل سفري هذا فافعلوا كفعلي هذا، ولعموم (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ولأن النصوص وردت بجواز التنفل على الدابة خارج المصر على خلاف القياس، وداخل المصر ليس في معناه؛ فلا يلحق به؛ لأن الحاجة إلى الركوب خارج المصر أغلب.
والقول بأنه على خلاف القياس ليس مسلمًا، وكونه خرج عن نظائره لمعنى اقتضاه لا يعني أنه على خلاف القياس.
ولأن الغالب من حال المقيم اللبث والاستقرار، فأنيط الحكم بالغالب، وهو وجوب الاستقبال.
وعلل بعض الفقهاء بأن النزول وربط الدابة خارج المصر فيه حرج، وليس كذلك داخل المصر (٣).
وهذا التعليل حين كانت الدواب وسيلة النقل، وأما الآن فوسيلة النقل السيارة والطائرة والقطار، ولله الحمد، وقد تكون هذه الوسائل لا تزال موجودة في بعض القرى النائية في العالم الإسلامي.
стр. 2371
• وأما وجه من قال بتقديم الروايات المطلقة:
هؤلاء استدلوا بعموم الأحاديث التي لم يصرح فيها بذكر السفر، وأن لفظ السفر في بعض الروايات ليس قيدًا، بل هو مفهوم لقب لا دلالة له، وهو ماشٍ على القاعدة التي تقول: لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل بكل منهما (١).
ولأن ما نقل من صلاة المصطفى ﷺ -في السفر فهو فرد من أفراده، لا يقتضي تقييدًا ولا تخصيصًا؛ فإذا جاء فرد من أفراد المطلق أو العام بما يوافق العام لم يقتضِ التقييد ولا التخصيص، بل هو جارٍ على وفق العمل بالعام والمطلق، وإنما التقييد لو كان هذا الخاص أو المقيد يخالف العام والمطلق في الحكم فيحتاج إلى إخراجه بالتخصيص والتقييد من حكم العام والمطلق.
ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، [البقرة: ٢٣٨]. لا يقتضي تخصيص الصلاة الوسطى بالمحافظة، فكذلك الشأن في هذه المسألة.
وقد قال ابن حزم: «وقد روينا عن وكيع عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يصلون على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت بهم، وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين ﵃ عمومًا في السفر والحضر» (٢).
ولأن النفل أوسع من الفرض، فإذا جاز للمتنفل أن يصلي قاعدًا بلا عذر، والقيام من آكد أركان الصلاة، ومراعاة الركن أولى من مراعاة الشرط، جاز للراكب والماشي التنفل في الحضر، ولو كان داخل المصر.
ولأن ذلك لو كان من أحكام السفر لاختص بالسفر الشرعي الذي يبيح القصر والفطر، وقد ذهب جماهير العلماء إلى جواز التنفل على الدابة للراكب والماشي في مطلق السفر ولو كان قصيرًا لا تقصر فيه الصلاة، ولا يباح به الفطر، ولم يخالف في ذلك إلا الإمام مالك ﵀.
قال الطبري نقلًا من فتح الباري: «لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك، وعلق
стр. 2372
الحافظ: ولم يتفق على ذلك عنه» (١).
ولأن العلة في الجواز ليس السفر، وإنما علة الجواز هو التردد ذهابًا وإيابًا راكبًا وماشيًا، وهذا المعنى لا يختلف فيه بين الحاضر والمسافر.
ولأن الحكمة الشرعية في جواز ذلك: هو تيسير تحصيل النوافل على العبد حتى لا ينقطع عن قضاء حوائجه بسبب المحافظة على أوراده وطاعاته، أو يحمله ذلك على ترك التنفل، والحرمان من الاستكثار من الطاعات، وهذا لا فرق فيه بين السفر وغيره، والله أعلم.
• الراجح:
الذي أميل إليه أن الحكم لا يتعلق بالسفر، بل هو من أحكام التنقل، فمن تنقل في سيارته أو تردد ماشيًا في طرق مدينته ذهابًا وإيابًا، وأحب أن يتنفل فله ذلك إذا كان ذلك لا يؤثر على قيادته من حيث الأمان والسلامة؛ لأن الاستقبال ليس أهم من القيام والركوع والسجود، وقد سقطت بالنفل، فسقط القيام بالقعود وسقط الركوع والسجود بالإيماء، فإذا كانت هذه الأركان التي من صلب العبادة، وهي أسها، تسقط بالنفل مطلقًا، فالاستقبال أولى، والله أعلم.
* * *
стр. 2373
الفرع الثالث في سقوط الاستقبال عن المتنفل الماشي
المدخل إلى المسألة:
• ثبتت الرخصة في المتنفل الراكب، والماشي مقيس عليه؛ لأن علة الرخصة سيره، وليس ركوبه.
• الأصح أن الرخصة تتعدى محلها إذا كانت معللة، فيقاس العفو عن يسير النجاسات بالعفو عن أثر الاستجمار، ويعطى من به سلس البول حكم المستحاضة في إلغاء أثر الحدث، ويحكم بطهارة الفأرة لعلة التطواف قياسًا على الهرة.
[م-٣٠٣] اختلف الفقهاء في سقوط الاستقبال عن الماشي إذا كان يسير إلى جهة يقصدها، ليخرج بذلك من يمشي بلا قصد جهة معينة:
فقيل: لا يصح التنفل ماشيًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وظاهر كلام الخرقي من الحنابلة (١).
وقيل: يصح. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (٢).
стр. 2374
واختلفوا في صفة صلاته:
فقيل: يمشي في صلاته إلا في تكبيرة الإحرام، والركوع، والسجود، فيتجه إلى القبلة، ويركع ويسجد إليها على الأرض، ولا يومئ بهما. وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
قال في المنهاج: والأظهر أن الماشي يتم ركوعه وسجوده، ويستقبل فيهما وفي إحرامه، ولا يمشي إلا في قيامه وتشهده.
وقيل: لا يمشي إلا في قيامه، وهو وجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يصلي ماشيًا ويومئ بالركوع والسجود كراكب، وهو وجه ثالث في مذهب الشافعية، والحنابلة (٣).
•دليل من قال: لا يتنفل ماشيًا:
الدليل الأول:
(ح-٨٧٠) روى أحمد، قال: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، قال: عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ابن عبد الله بن أنيس،
عن أبيه، قال: دعاني رسول الله ﷺ -فقال: إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني، وهو بعرنة، فأته فاقتله، قال: قلت: يا رسول الله، انعته لي حتى أعرفه، قال: إذا رأيته وجدت له إقشعريرة، قال: فخرجت متوشحًا بسيفي حتى وقعت عليه، وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلًا، وحين
стр. 2375
كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله ﷺ -من الإقشعريرة فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت، وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع، والسجود … (١).
[قصة عبد الله بن أنيس في قتل الهذلي حَسِنَةٌ بالمجموع، إلا أن الصلاة ماشيًا بالإيماء تفرد بها محمد بن إسحاق، وقد اضطرب في إسناده] (٢).
стр. 2376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2378
• ويجاب عن الحديث بجوابين:
الجواب الأول: شذوذ (ذكر الصلاة ماشيًا بالإيماء) حيث تفرد بها محمد بن إسحاق، وقد أبنت عن ذلك من خلال تخريج الحديث.
الجواب الثاني:
أن الحديث في صلاة الفرض، فلو صح هذا الحديث دليلًا على مسألة التطوع ماشيًا لصح دليلًا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] من باب أولى، وإذ لم تكن في الآية دلالة على مسألتنا لم يكن في هذا الحديث لو صح دليلًا على مسألتنا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
لم ينقل عن النبي ﷺ -أنه صلى ماشيًا، ولا عن صحابته رضوان الله عليهم، مع قيام السبب، وكثرة الأسفار، والأصل في العبادات الحضر، ولا يصح قياس الماشي على الراكب لعدة وجوه:
الوجه الأول: أن كل عبادة قام سببها على عهد النبي ﷺ ، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع فهي غير مشروعة.
الوجه الثاني: أن النص ورد في الراكب رخصة، والرخص لا يقاس عليها؛ لأنها خارجة عن القياس، فلا ترد إليه (١).
• ونوقش:
بأن الأصح من أقوال العلماء أن الرخصة تتعدى محلها إذا كانت معللة، فيقاس العفو عن يسير النجاسات بالعفو عن أثر الاستجمار، ويعطى من به سلس البول حكم المستحاضة في إلغاء أثر الحدث، ويحكم بطهارة الفأرة لعلة التطواف قياسًا على الهرة.
الوجه الثالث:
على القول بأن الرخص يقاس عليها، فإن الماشي ليس في معنى الراكب، لأن
стр. 2379
الراكب كالمتنفل جالسًا، وهذا يصح بلا عذر، بخلاف الماشي فإنه متحرك بنفسه، والعمل الكثير في الصلاة ينافيها.
• ويناقش:
بأن الراكب متحرك كالماشي، ولو كان الراكب في حكم الجالس لوجب عليه استقبال القبلة، فإن المتنفل جالسًا يجب عليه استقبال القبلة، والفرق أن الراكب متحرك بغيره، والماشي متحرك بنفسه، وهذا لا يحدث فرقًا، والقياس بين الراكب والماشي ليس في سقوط القيام، حتى يقال: الراكب كالمتنفل جالسًا، وإنما في سقوط الاستقبال وصحة إيماء بدلًا من السجود على الأرض، وهما محل القياس.
• دليل من قال: يصح التنفل من الماشي:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
الآية دليل على صحة صلاة الفريضة من الماشي في حال الخوف، فإذا تصور وجود صلاة صحيحة من الماشي في حال الخوف، تصور وجود مثل ذلك في النفل مطلقًا، ألا ترى أن الفريضة لما صحت من الراكب في حال الخوف صحت من الراكب في حال السفر مطلقًا؟
الدليل الثاني:
أن الماشي مسافر سائر فأشبه الراكب، فيقاس عليه بجامع التيسير حتى لا تتعطل النوافل؛ لأن الناس لا بد لهم من الأسفار وتقع الحاجة إلى الأسفار مشاةً كما تقع ركبانًا، فلو قلنا: لا يجوز النفل ماشيًا أدى إلى انقطاع الناس عن أحد أمرين: إما عن نوافلهم، وإما عن أسفارهم ومعايشهم، وهذا المعنى يعمُّ الراكبَ والماشي.
• وجه وجوب استقبال القبلة عند الإحرام:
كل دليل ساقه العلماء على وجوب افتتاح الراكب صلاته إلى القبلة استدلوا به هنا؛ لأن الماشي أولى بالوجوب من الراكب؛ لسهولة استقبال القبلة عليه، وحتى ينعقد ابتداء الصلاة إلى القبلة، وقد ذكرنا الأدلة في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
стр. 2380
• وجه وجوب استقبال القبلة حال الركوع والسجود:
الماشي سوف ينقطع سيره سواء أركع وسجد إلى الأرض أم أداهما بالإيماء، فاستوى في حقه التوجه إلى القبلة والعدول عنها، فلزمه التوجه، بخلاف الراكب فإن سيره لا ينقطع؛ لهذا شرع له أن يومئ بهما إلى أي جهة توجه.
• ويناقش:
بأن الإيماء يكون بالرأس، وهو لا يوجب قطعًا للسير.
• وجه سقوط الجلوس للتشهد:
أن الجلوس للتشهد سوف يقطع سيره، ويبتعد عنه رفقته؛ نظرًا لطوله، فألحق بالقيام.
• وجه من قال: يلزمه الجلوس للتشهد:
بأن القائم يسهل عليه المشي، فسقط عنه التوجه فيه بخلاف التشهد فإنه يعقب السجود، والجلسة بين السجدتين، هو قد سجد وجلس على الأرض، فكان مشي الجالس ليس بسهولة مشي القائم، فلزمه التشهد على الأرض متوجهًا إلى القبلة.
• الراجح:
الخلاف قوي بين المانع والمجيز، والأدلة والتعاليل متقابلة، وإن كنت أميل إلى القول بالجواز، وعلى القول بصحة التنفل من الماشي فالراجح فيه أنه كالراكب في كل شيء، فلا يلزمه الافتتاح إلى القبلة، ويكفيه الإيماء بالركوع والسجود، والله أعلم.
* * *
стр. 2381
المبحث الرابع سقوط الاستقبال في صلاة الوتر على الدابة
المدخل إلى المسألة:
• ثبت بالدليل الصحيح صلاة النبي ﷺ -الوتر على الدابة وهو دليل على عدم وجوبه خلافًا للحنفية.
• لا نزاع أن صلاة الوتر على الأرض أفضل، ولهذا كان النبي ص أحيانًا ينزل عن دابته ليوتر.
• لو لم يرد في الوتر نص صريح في فعله على الدابة لكان القياس يقتضيه؛ لأن الوتر ليس من جنس الواجب حتى يمنع فعله على الدابة.
[م-٣٠٤] لا خلاف في جواز النوافل على الرواحل في السفر الطويل.
واختلفوا في الوتر:
فقال الحنفية: لا يوتر على الراحلة (١).
وقال الجمهور: يوتر عليها كباقي السنن (٢).
والخلاف في هذه المسألة راجع إلى اختلافهم في حكم الوتر:
فمن رأى أن الوتر واجب كالحنفية قالوا: يجري مجرى الفرائض، فلا يجوز أن يوتر قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا أن يصليه على راحلته.
ومن قال: إن الوتر ليس بواجب، كالجمهور قالوا: يصلي الوتر على الراحلة،
стр. 2382
стр. 2383
• ويجاب:
بأن الحديث لو صح لكان دليلًا على فضيلة الوتر على الأرض، ولا ينفي جواز الوتر على الراحلة، كيف وقد صح بذلك الحديث!.
الدليل الثاني:
(ث-٢٢٢) ما رواه أحمد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير،
أن ابن عمر كان يصلي على راحلته تطوعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل، فأوتر على الأرض (١).
[صحيح] (٢).
• وأجيب
قال ابن حجر: «وليس ذلك بمعارض؛ لكونه أوتر على الراحلة؛ لأنه لا نزاع أن صلاته على الأرض أفضل … » (٣).
(ث-٢٢٣) وقد روى الدارقطني من طريق الحسن بن محمد الصباح، حدثنا إسماعيل بن علية، به، بلفظ:
كان ابن عمر يصلي على راحلته تطوعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض، قال: وقال نافع: كان ابن عمر ربما أوتر على راحلته، وربما نزل.
стр. 2384
[صحيح] (١).
فهذه زيادة من نافع تبين أن ابن عمر ربما فعل هذا وربما فعل هذا، فليس فعله على الأرض منافيًا لجواز فعله على الراحلة، والصلاة على الدابة رخصة فمن أخذ بها فحسن، ومن أخذ بالعزيمة فأوتر على الأرض كان أحسن.
الدليل الثالث:
(ث -٢٢٤) روى الطبري في تهذيب الآثار: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني منصور، عن إبراهيم، قال: كانوا يصلون على ظهور رواحلهم أينما توجهت إلا الفريضة والوتر.
[صحيح من قول إبراهيم] (٢).
ولا حجة فيه؛ لأن قول إبراهيم إن كان يقصد به فعل الصحابة، وهو الظاهر؛ لأن الاحتجاج إنما هو بفعلهم، فقد قال علي بن المديني: إبراهيم لم يَلْقَ أحدًا من أصحاب النبي ﷺ … وقد رأى أبا جحيفة وزيد بن أرقم، وابن أبي أوفى، ولم يسمع منهم (٣).
فكيف يعارض مثل هذا الأحاديث المسندة في الصحيحين؟
وإن كان إبراهيم يقصد بذلك التابعين فلا حجة في فعل التابعي، والله أعلم.
الدليل الرابع:
استدل الحنفية بأدلة يرون أنها تفيد وجوب الوتر، وإذا كان الوتر واجبًا لم يصح فعله على الراحلة، كسائر الفرائض؛ لوجوب القيام واستقبال القبلة.
وسوف نعرض لأدلتهم عند الكلام على حكم الوتر، فذاك هو موضع بحثها.
وهي أدلة: إما صريحة ضعيفة، أو صحيحة غير صريحة.
стр. 2385
• حجة الجمهور على جواز الوتر على الراحلة:
(ح-٨٧٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن يسار، أنه قال:
كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فقال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت، فأوترت، ثم لحقته، فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح، فنزلت، فأوترت. فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله أُسوة حسنة؟ فقلت: بلى، والله. قال: فإن رسول الله ﷺ -كان يوتر على البعير (١).
• وأجاب الحنفية عن هذا الحديث بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن ذلك قبل أن يكون الوتر واجبًا، فتكون صلاة الوتر على الراحلة منسوخًا، وبه قال الطحاوي من الحنفية (٢).
• ورد هذا الجواب:
لا نسلم أن الوتر واجب، وليس هذا محل بحث حكم الوتر، واحتجاج ابن عمر بفعل النبي ﷺ -كان بعد موته فدل على أن هذه السنة محكمة لم تنسخ.
الجواب الثاني:
قال بعض المعاصرين من الحنفية: «لم يكن -يعني ابن عمر- يفرق بين الوتر وصلاة الليل، وكان يطلق الوتر على المجموع، فيمكن أن يكون ما ذكره من وتره على الدابة هي صلاة الليل، وما ذكره عند الطحاوي أنه كان ينزل لها هي وتر الحنفية، وبه يحصل الجمع بين الروايتين» (٣).
ويرد عليه:
(ح-٨٧٣) بما رواه مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ -يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر