← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

المبحث الرابع سقوط الاستقبال في صلاة الوتر على الدابة المدخل إلى المسألة: • ثبت بالدليل الصحيح صلاة النبي ﷺ -الوتر على الدابة وهو دليل على عدم وجوبه خلافًا للحنفية. • لا نزاع أن صلاة الوتر على الأرض أفضل، ولهذا كان النبي ص أحيانًا ينزل عن دابته ليوتر. • لو لم يرد في الوتر نص صريح في فعله على الدابة لكان القياس يقتضيه؛ لأن الوتر ليس من جنس الواجب حتى يمنع فعله على الدابة. [م-٣٠٤] لا خلاف في جواز النوافل على الرواحل في السفر الطويل. واختلفوا في الوتر: فقال الحنفية: لا يوتر على الراحلة (١). وقال الجمهور: يوتر عليها كباقي السنن (٢). والخلاف في هذه المسألة راجع إلى اختلافهم في حكم الوتر: فمن رأى أن الوتر واجب كالحنفية قالوا: يجري مجرى الفرائض، فلا يجوز أن يوتر قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا أن يصليه على راحلته. ومن قال: إن الوتر ليس بواجب، كالجمهور قالوا: يصلي الوتر على الراحلة،

стр. 2382

ويصليه إن شاء قاعدًا، مع القدرة على القيام كسائر السنن (١). • حجة الحنفية: الدليل الأول: (ح-٨٧١) ما رواه الطحاوي من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أن رسول الله ﷺ -كان يفعل كذلك (٢). [شاذ تفرد به حنظلة] (٣).

стр. 2383

• ويجاب: بأن الحديث لو صح لكان دليلًا على فضيلة الوتر على الأرض، ولا ينفي جواز الوتر على الراحلة، كيف وقد صح بذلك الحديث!. الدليل الثاني: (ث-٢٢٢) ما رواه أحمد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، أن ابن عمر كان يصلي على راحلته تطوعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل، فأوتر على الأرض (١). [صحيح] (٢). • وأجيب قال ابن حجر: «وليس ذلك بمعارض؛ لكونه أوتر على الراحلة؛ لأنه لا نزاع أن صلاته على الأرض أفضل … » (٣). (ث-٢٢٣) وقد روى الدارقطني من طريق الحسن بن محمد الصباح، حدثنا إسماعيل بن علية، به، بلفظ: كان ابن عمر يصلي على راحلته تطوعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض، قال: وقال نافع: كان ابن عمر ربما أوتر على راحلته، وربما نزل.

стр. 2384

[صحيح] (١). فهذه زيادة من نافع تبين أن ابن عمر ربما فعل هذا وربما فعل هذا، فليس فعله على الأرض منافيًا لجواز فعله على الراحلة، والصلاة على الدابة رخصة فمن أخذ بها فحسن، ومن أخذ بالعزيمة فأوتر على الأرض كان أحسن. الدليل الثالث: (ث -٢٢٤) روى الطبري في تهذيب الآثار: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني منصور، عن إبراهيم، قال: كانوا يصلون على ظهور رواحلهم أينما توجهت إلا الفريضة والوتر. [صحيح من قول إبراهيم] (٢). ولا حجة فيه؛ لأن قول إبراهيم إن كان يقصد به فعل الصحابة، وهو الظاهر؛ لأن الاحتجاج إنما هو بفعلهم، فقد قال علي بن المديني: إبراهيم لم يَلْقَ أحدًا من أصحاب النبي ﷺ … وقد رأى أبا جحيفة وزيد بن أرقم، وابن أبي أوفى، ولم يسمع منهم (٣). فكيف يعارض مثل هذا الأحاديث المسندة في الصحيحين؟ وإن كان إبراهيم يقصد بذلك التابعين فلا حجة في فعل التابعي، والله أعلم. الدليل الرابع: استدل الحنفية بأدلة يرون أنها تفيد وجوب الوتر، وإذا كان الوتر واجبًا لم يصح فعله على الراحلة، كسائر الفرائض؛ لوجوب القيام واستقبال القبلة. وسوف نعرض لأدلتهم عند الكلام على حكم الوتر، فذاك هو موضع بحثها. وهي أدلة: إما صريحة ضعيفة، أو صحيحة غير صريحة.

стр. 2385

• حجة الجمهور على جواز الوتر على الراحلة: (ح-٨٧٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن يسار، أنه قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فقال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت، فأوترت، ثم لحقته، فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح، فنزلت، فأوترت. فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله أُسوة حسنة؟ فقلت: بلى، والله. قال: فإن رسول الله ﷺ -كان يوتر على البعير (١). • وأجاب الحنفية عن هذا الحديث بأجوبة منها: الجواب الأول: أن ذلك قبل أن يكون الوتر واجبًا، فتكون صلاة الوتر على الراحلة منسوخًا، وبه قال الطحاوي من الحنفية (٢). • ورد هذا الجواب: لا نسلم أن الوتر واجب، وليس هذا محل بحث حكم الوتر، واحتجاج ابن عمر بفعل النبي ﷺ -كان بعد موته فدل على أن هذه السنة محكمة لم تنسخ. الجواب الثاني: قال بعض المعاصرين من الحنفية: «لم يكن -يعني ابن عمر- يفرق بين الوتر وصلاة الليل، وكان يطلق الوتر على المجموع، فيمكن أن يكون ما ذكره من وتره على الدابة هي صلاة الليل، وما ذكره عند الطحاوي أنه كان ينزل لها هي وتر الحنفية، وبه يحصل الجمع بين الروايتين» (٣). ويرد عليه: (ح-٨٧٣) بما رواه مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ -يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر

стр. 2386

عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (١). فقد جمع ابن عمر ﵄ بين النافلة والوتر والفريضة، وكيف يظن بابن عمر وهو معدود من فقهاء الصحابة بأنه لا يفرق بين الوتر وصلاة الليل، وهي مسألة يعرفها عوام المسلمين؟ • الراجح: صحة صلاة الوتر على الدابة، ولو لم يرد فيه نص صريح لكان القياس يقتضيه لأن الوتر ليس من جنس الواجب حتى يمنع فعله على الدابة، والله أعلم. * * *

стр. 2387

المبحث الخامس يشترط لسقوط الاستقبال ألا تنحرف الدابة عن جهة سيره المدخل إلى المسألة: • المتنفل الراكب في السفر يسقط عنه التوجه إلى القبلة، وهذا بالاتفاق، • إذا سقط التوجه إلى القبلة، أيسقط عنه إلى بدل، فتكون قبلته جهة سيره، أم يسقط إلى غير بدل فتصح الصلاة أنى توجهت به راحلته؟ الظاهر الثاني. • لا يثبت البدل إلا بنص؛ لأن شروط العبادة توقيفية، ولا يوجد في النصوص أن جهة سير المتنفل أصبحت بمنزلة القبلة لغيره. • جهة السير لا يمكن أن تعطى حكم القبلة، وذلك لأن القبلة: تعني الكعبة عينًا أو جهة، ولا يقوم مقام الكعبة شيء. • القياس أن التوجه إلى القبلة إذا سقط سقط إلى غير بدل، لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. [البقرة: ١١٥]. [م-٣٠٥] اشترط الفقهاء للتنفل على الدابة أن يقصد موضعًا معينًا، كي يجعل المكان الذي توجه إليه كالقبلة في حقه، فلا يتنفل على الدابة من كان هائمًا على وجهه، وهو ما يسميه الفقهاء راكب التعاسيف؛ قال الحنفية: لعدم الضرورة. وقال الشافعية: لأنه عابث، فلا يليق به الترخص (١).

стр. 2388

وقال الحنابلة: لأن السياحة لغير موضع معين مكروهة، فيكون السفر ليس مباحًا، ويشترط للترخص أن يكون لأمر مباح، ولهذا يمنعونه من القصر والفطر في رمضان (١). وهذه التعاليل كلها مبنية على أن التمتع بالرخص يشترط فيه الإباحة، وهي مسألة خلافية. ومرجع الخلاف: هل الرخصة من باب الإعانة، والعاصي ومرتكب المكروه لا يستحق أن يعان، أم هي تخفيف عام فتتناوله؟ فالنصوص في الرخص مطلقة، تشمل المطيع والعاصي كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٤٨]. ولا يقيد النصوص الشرعية إلا نص أو إجماع. وقد بسطت ذلك في كتابي موسوعة الطهارة، عند الكلام على المسح على الحائل، فارجع إليه إن شئت، إذا تنبهتَ لذلك نأتي إلى تفصيل مسألتنا: [م-٣٠٦] إذا انحرفت الدابة به عن جهة سيره، فإن كان ذلك إلى القبلة، فلا شيء عليه؛ قال النووي: بلا خلاف (٢). ولأن الأصل في فرضه جهة القبلة (٣). ولأنه بمنزلة من انتقل من الرخصة إلى العزيمة. وإذا كان انحراف الدابة إلى غير جهة القبلة، ففيه التفصيل التالي: إن كان ذلك عامدًا من غير عذر ولا سهو بطلت صلاته. قال النووي في المجموع: بلا خلاف (٤). وكأن الفقهاء جعلوا جهة سيره بمنزلة القبلة، فكان الانحراف عنها عمدًا بمنزلة الانحراف عن القبلة الأصلية.

стр. 2389

ولولا حكاية الإجماع التي ساقها النووي، ولم أقف على ما يخالف ذلك لقلت: للنظر حظ في هذه المسألة، لأن جهة السير لا يمكن أن تعطى حكم القبلة، وذلك لأن القبلة: تعني الكعبة عينًا أو جهة، ولا يقوم مقام الكعبة شيء، وإذا سقط التوجه إلى القبلة سقط إلى غير بدل. وحديث ابن عمر في الصحيحين: كان النبي ﷺ -يصلي في السفر على راحلته حيث توجهَتْ به .... الحديث (١). فقوله: (حيث توجهت به) عام في جميع الجهات، فلولا هيبة الإجماع لجزمت بأن الانحراف عن جهة السير لا أثر لَهُ في صحة النافلة على الدابة، ولا يوجد نص في وجوب التوجه إلى جهة السير، والأصل عدم الوجوب. وإن كان انحرافه لضرورة: كأن يكون ذلك لغلبة دابته، أو لخطئه، أولسهوه: فقيل: لا شيء عليه مطلقًا، حتى ولو طال انحرافه، وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية وفي مذهب الحنابلة (٢). جاء في حاشية الدسوقي: «إن كان انحرافه لضرورة كظنه أنها طريقه، أو غلبته الدابة فلا شيء عليه» (٣). وقال ابن الرفعة: «وإن لم يتعمده بل فعله ساهيًا، أو جاهلًا لم تبطل عند العراقيين، طال الزمان أو قصر» (٤). • وجه هذا القول: بأنه معذور، فهو في حكم العاجز عن استقبال القبلة. وقيل: إن طال بطلت صلاته، وإن عاد عن قرب فلا شيء عليه، ويسجد للسهو وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، وبه قال الحنابلة في المشهور إلا أنهم

стр. 2390

قالوا: يسجد إن كان عذره السهو (١). • مبنى هذا القول: أن جهة السير التي سلكها في طريقه قائمة مقام القبلة، فالانحراف عنها يأخذ حكم الانحراف عن القبلة، والانحراف عن القبلة منافٍ للصلاة، فلا فرق فيه بين المعذور وغير المعذور، وإنما الفرق فيه بين الزمن اليسير والزمن الكثير، فالزمن الكثير تبطل به الصلاة؛ لأن الصلاة لا تحتمل الفصل الطويل بخلاف القصير. وقياسًا على كلام الناسي، حيث لا تبطل الصلاة بقليله، وتبطل بكثيره على الأصح عند الشافعية والمالكية. ولأن اليسير مَعْفُوٌّ عنه في الشريعة. وقياسًا على كشف العورة في الصلاة، فإن اليسير عفو مطلقًا، والكثير مبطل إن طال زمن الانكشاف، وقد ذكرنا أدلة ذلك في كشف العورة. وشرع له سجود السهو في الانحراف القصير: لأن انحراف الدابة إن كان عن سهو: فهو من فعله حقيقة، فيحتاج إلى جبر صلاته، وهذا التعليل على قول الحنابلة. وإن كان بسبب جموح الدابة فإن فعل الدابة منسوب إليه؛ لارتباط صلاته بها، فيسجد للسهو، وهذا التعليل على قول الشافعية. وقيل: لا يسجد للسهو إلا أن يتطاول زمان السهو، وحكي هذا القول عن نص الشافعي، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 2391

قال النووي في المجموع: «إذا لم تبطل في صورة النسيان، فإن طال الزمان سجد للسهو، وإن قصر فوجهان: الصحيح المنصوص لا يسجد» (١). • وجه هذا القول: أن الانحراف إذا كثر كان بحاجة إلى جبر ذلك بالسجود، بخلاف ما إذا كان الانحراف قصيرًا، فإنه عفو، وما عفي عنه فلا حاجة لجبره، والله أعلم. وقيل: يسجد إذا عدل هو بالدابة ساهيًا، فإن عدلت به الدابة لم يسجد. وهو قول في مذهب الحنابلة. • وجهه: إذا عدل هو بالدابة ساهيًا، شرع له السجود؛ لأنه من فعله وإذا عدلت به الدابة لم يسجد؛ لأنَّ فعل الدابة ليس منسوبًا إليه. هذه هي أهم الأقوال في المسألة مع تعليلاتها: • وخلاصتها: أن الانحراف إذا كان إلى القبلة لا يبطل الصلاة. وإلى غير القبلة، فإن كان عمدًا بطلت مطلقًا. وإن كان معذورًا: فقيل: لا تبطل مطلقًا. وقيل: في التفريق بين الزمن اليسير والطويل، فالأول لا يبطل بخلاف الثاني. وعلى القول بالتفريق: فقيل: يسجد للسهو إن عاد عن قرب. وقيل: عكسه: لا يسجد، إلا أنْ يتطاول زمن الانحراف. وقيل: بالتفريق بين أن يعدل هو بالدابة ساهيًا، وبين أن تعدل به الدابة، فيسجد للأول دون الثاني، والله أعلم.

стр. 2392

• الراجح: أرى أن أقرب الأقوال هو مذهب المالكية، وأن انحرافه إن كان عمدًا عالمًا بطلت صلاته، وإن قال أحد بعدم البطلان ففيه قوة، وإن كان عن عذر فلا شيء عليه، لا فرق بين السهو وجموح الدابة، وغلبة النوم، والله أعلم. * * *

стр. 2393

المبحث السادس في اشتراط طهارة الدابة لسقوط الاستقبال المدخل إلى المسألة: • كانت الحمير والبغال تركب على عهد رسول الله ﷺ ، ولا بد أن يصيب الراكبَ شيءٌ من عرقها، ولعابها، ولو كانت نجسة لبينه النبي ﷺ ، وَلَنِقُلَ تَوَقِّي الصحابة لذلك. • إذا كان السرج الذي يقعد عليه الراكب نجسًا، فإن اعتبار طهارته من اعتبار طهارة بقعة المصلي. • عموم الأدلة في وجوب طهارة البقعة تشمل الفراش مطلقًا، سواء أكان على الأرض، أم كان على الدابة، وتشمل الفرض كما تشمل النفل. • الرخصة في الصلاة على الدابة في النفل مقصورة على صحة الصلاة عليها بالإيماء، وترك التوجه إلى القبلة، وليس فيها ما يدل على الترخص بالصلاة على النجاسة. [م-٣٠٧] الفقهاء مختلفون في طهارة أعيان الحيوان المركوبة: فهناك من الفقهاء من يقول بطهارة كل حيوان حي، حتى الكلب والخنزير، كالمالكية. وقريب من قول المالكية مذهب الشافعية، إلا أنهم يستثنون الكلب والخنزير، فيقولون بنجاستهما. وإذا كان الكلب والخنزير من الحيوانات غير المركوبة، فهذا يعني أنهم يلتقون مع المالكية في طهارة كل حيوان مركوب. وعليه فالمالكية والشافعية لا يناقشون اشتراط طهارة الدابة المركوبة، لطهارتها عندهم، ولكنهم يبحثون وجوب طهارة ما يفرش على الدابة من سرج وركاب،

стр. 2394

وهل يكفي طهارة الجزء الذي يجلس عليه، ولو كان الجزء الذي يومئ إليه نجسًا إذا كان لا يباشره؟ هذه المسألة داخلة في مسألة: اشتراط طهارة البقعة التي يصلى عليها، وسوف تأتينا إن شاء الله تعالى دراسة اشتراط الطهارة كشرط مستقل له مباحثه. وتوقف الحنفية في طهارة الحمار والبغل من الحيوانات المركوبة. وذهب الحنابلة في المشهور إلى نجاسة الحمار والبغل، وكل حيوان لا يؤكل لحمه إلا الهر وما دونه في الخلقة فطاهر (١). وعليه فالحنفية والحنابلة يبحثون اشتراط طهارة الدابة للصلاة عليها، إذا كان المركوب نجسًا. والسؤال: أتصح الصلاة فوق الحيوان النجس إذا باشر بدنُ المصلي بدنَ الحيوان النجس، أم أن هذا مما يعفى عنه؛ لقيام الحاجة؟ وهل يكفي أن يضع حائلًا فوق الدابة من سرج وركاب لتصح صلاته على الدابة؟ والخلاف فيه يتنزل على اختلافهم في الأرض النجسة إذا بُسِط عليها ثوب طاهر، هل يمكنه الصلاة فوقها؟ وللفقهاء فيها ثلاثة أقوال، سوف نعرض لها إن شاء الله تعالى عند الكلام على شرط الطهارة (٢).

стр. 2395

فإذا عرفنا منزع المسألة عند القوم، نأتي على ذكر خلافهم: فقيل: لا يشترط طهارة الحيوان، ولا طهارة السرج، ولا الركاب (١)، وبه قال أكثر الحنفية، وهو الأصح في مذهبهم، وقال في الخلاصة: إنه ظاهر المذهب (٢). • وجه قول الحنفية: أن الراكب إذا ترك الركوع والسجود مع إمكانهما على الأرض، جاز ترك الشرط المتعلق بالطهارة؛ لأن الركن أقوى من الشرط. ويمكن أن يضاف بأن الطهارة من النجاسة مختلف في شرطيتها، بخلاف الركوع والسجود فإنهما جزء من ماهية الصلاة، وهما غاية، والطهارة وسيلة، فإذا سقط المتفق عليه، سقط المختلف عليه من باب أولى. وقيل: المعتبر طهارة المحل الذي يصلي عليه، نحو سرج وركاب، وهو قول

стр. 2396

في مذهب الحنفية، وهو مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (١). • وحجة هذا القول: (ح-٨٧٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ -يصلي على حمار، وهو موجه إلى خيبر (٢). فإن كان هذا دليلًا على طهارة الحمار، فالدلالة فيه واضحة، إذ كانت الحمير والبغال تركب على عهد رسول الله ﷺ ، ولا بد أن يصيب الراكبَ شيءٌ من عرقها، ولعابها، ولو كانت نجسة لبينه النبي ﷺ ، ولنقل توقي الصحابة لذلك، وهذا هو توجيه الدليل على مذهب المالكية والشافعية.

стр. 2397

وإن كان الحمار نجسًا كما هو عند الحنابلة، فإن الحديث دليل على الرخصة في الصلاة على الدابة النجسة، فكان اعتبار طهارة المركوب مما يشق على الناس، فألغي اعتبار مثل ذلك دفعًا للحرج. وأما إذا كان السرج الذي يقعد عليه الراكب نجسًا، فإن اعتبار طهارته من اعتبار طهارة بقعة المصلي، فإن عموم الأدلة في اشتراط طهارة البقعة تشمل الفراش مطلقًا، سواء أكان على الأرض، أم كان على الدابة، وتشمل الفرض كما تشمل النفل. وقد أمر النبي ﷺ -بصب ماء على بول الأعرابي حين بال في المسجد، والحديث في الصحيحين (١). وخلع النبي ﷺ -نعليه، وهو في الصلاة حين أخبره جبريل أن بهما أذى كما في حديث أبي سعيد الخدري (٢). وحكى صاحب كتاب رحمة الأمة، وابن قاسم في حاشيته على الروض المربع الإجماع على وجوب الوقوف على بقعة طاهرة (٣). وسوف يأتينا بحث هذه المسألة عند التعرض لاشتراط الطهارة بإذن الله تعالى، فانظر أدلته هناك. وقيل: تمنع النجاسة الصلاة، إن كانت في موضع جلوسه، وإن كانت على الركاب لم تمنع، وهو قول في مذهب الحنفية (٤). • الراجح: في البحث مسألتان: الأولى: طهارة الحيوان المركوب، فهذه ليست بشرط على الصحيح؛ لأن

стр. 2398

جميع الحيوانات المركوبة طاهرة العين، ولكن لو قدر أن الحيوان المركوب تنجس، فيأخذ حكم الصلاة عليه حكم الصلاة على بقعة متنجسة، والأقوال ثلاثة: قيل: شرط، وقيل: واجب، وقيل: سنة، وأصحها أوسطها، وأنه يجب على المصلي أن يصلي على مكان طاهر، فإن صلى على شيء نجس لم تبطل صلاته. المسألة الثانية: أن الرخصة في الصلاة على الدابة في النفل مقصورة على صحة الصلاة عليها بالإيماء، وترك التوجه إلى القبلة، وليس فيها ما يدل على الترخص بالصلاة على فراشها لو كان نجسًا، فما يفرش على ظهر الدابة من سراجٍ، وإكافٍ يجب أن يكون طاهرًا. وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى بحث المسألة عند الكلام على شرط الطهارة، أسأل الله العون والتوفيق. * * *

стр. 2399

المبحث السابع سقوط الاستقبال في الصلاة على السفينة المدخل إلى المسألة: • الأصل في النفل التوسعة، فلا يكلف بالانحراف إلى القبلة إذا كان في ذلك مشقة عليه. • الحكمة من سقوط الاستقبال في التنفل على الدابة التكثر من النوافل، وهذا المعنى موجود في السفينة. • إذا انحرفت السفينة عن القبلة، وأمكنه التحول إليها بلا مشقة، كان للسفينة حكم التنفل على الأرض، فيلزمه التوجه إليها، وإلا كان لها حكم الصلاة على الدابة. [م-٣٠٨] ركاب السفينة إما ربان وإما ركاب: فالملاح فيه ثلاثة أقوال: قيل: يلزمه استقبال القبلة مطلقًا، وهو اختيار الرافعي من الشافعية (١). وقيل: لا يلزمه مطلقًا، لا في فرض ولا في نفل؛ لحاجته لتسيير السفينة، وهذا مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يلزمه في الفرض دون النفل، قياسًا على الماشي؛ لأن فرض الاستقبال

стр. 2400

عليه في النافلة سيقطعه إما عن النافلة، وإما عن عمله وسيره، وهذا مذهب الشافعية (١). وقول الحنابلة أصوب حين كانت الرياح هي من تحكم توجه السفينة، والملاحة تعتمد بعد الله على مراقبة النجوم والشمس، ويُنْظر دور الملاح في السفن الحديثة، أتحتاج إلى الملاح كالقديم، أم أنها تقاد ذاتيًّا، والإشراف على الملاحة لا يحتاج إلى تفرغ كالملاحة في القديم، والاتجاهات تحكمها اليوم أجهزة مرتبطة بالأقمار الصناعية، وتعطي تنبيهًا إذا تغيرت جهةالسفينة؟ فإن كان دوره اختلف عن القديم، فيمكن اعتبار القول بالتفريق بين النفل والفرض قول وسط، وهو أصوب الأقوال، والله أعلم. واختلفوا في ركاب السفينة من غير الملاح: فقيل: لا يسقط استقبال القبلة في السفينة مطلقًا، لا في فرض، ولا نفل، فإن استدارت السفينة، وهي سائرة استدار إلى القبلة، وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، نص عليه في المدونة، ومذهب الشافعية (٢).

стр. 2401

قال ابن عبد البر: «ولا يتنفل في السفينة إلى غير القبلة» (١). وقيل: في التفريق بين الفرض والنفل، فينحرف إلى القبلة في الفرض، ولا يجب ذلك في النفل، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، اختاره ابن حبيب، والأصح عند الحنابلة (٢). وقيل: يسقط الاستقبال مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة في مقابل الأصح (٣). وقيل: لا يصلي الفريضة في السفينة إلا حيث لا يستطيع الخروج منها، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤). • وسبب الخلاف: أن الرخصة في ترك الاستقبال جاء في التنفل على الدابة، فمنهم: من منع قياس السفينة على الدابة؛ إما لأنه يرى في أصوله: منع القياس على الرخص، وهي مسألة خلافية. جاء في التنبيه على مبادئ التوجيه: «ومبناه على الخلاف في القياس على

стр. 2402

الرخص: هل يقاس عليها أم لا؟» (١). والصحيح القياس إذا كان حكم الرخصة معللًا، وتنظر المسألة في كتب الأصول. وإما لأنه يمنع الإلحاق؛ لوجود فارق بين الدابة والسفينة، فالسفينة تشبه الأرض، لكون الراكب فيها يحكم نفسه، ويمكنه أن ينحرف إلى القبلة إذا انحرفت السفينة، والدابة لا يمكنه ذلك. ومن أجاز التنفل في السفينة إلى غير القبلة دون الفرض؛ رأى أن النفل الأصل فيه التوسعة، فلا يكلف بالانحراف إلى القبلة؛ لأن في ذلك مشقة عليه، والله أعلم. • الراجح: أرى أن مذهب الحنابلة وسط، فهو يشترط الاستقبال للفرض، ويدور باتجاه القبلة إذا استدارت السفينة، ويوسع في النفل بناء على القاعدة التي تقول: النفل أوسع من الفرض، ولأن التخفيف في النفل مدعاة إلى التكثر منه، وهو مقصود للشارع، والله أعلم. * * *

стр. 2403

الباب الثاني في أحكام الاستقبال بالنسبة للكعبة الفصل الأول في فرض المكي بالنسبة للكعبة المبحث الأول في فرض المكي المشاهد للكعبة المدخل إلى المسألة: • من اقترب من الكعبة كان فرضه استقبال عين الكعبة استقبالًا محسوسًا مقطوعًا به؛ لأن من أمكنه القطع لم يأخذ بالظن. • من بَعُد عن الكعبة، وهو يشاهدها، فهل محاذاته لعينها حقيقية بالجسد، أو هي محاذاة بصرية؟ قولان، أصحهما الثاني بدليل صحة صلاة الصف الطويل. • الصف كلما اقترب من الكعبة صار قصيرًا، وكلما ابتعد أصبح طويلًا، مع أن حقيقة المحاذاة لا تختلف بالقرب والبعد. • أمر الله تعالى من يشاهد الكعبة بالاستقبال، ومثل ذلك محاذاة الحجر حال الطواف، والحكم فيه يتعلق بظاهر المحاذاة، لا حقيقته، كما تحصل المسامتة للنجوم مع البعد، وإن لم يكن محاذيًا حقيقة، ولكنه مسامتًا ببصره؛ فالجسم الصغير كلما زاد بعده اتسعت جهته، كغرض الرماة. [م-٣٠٩] من كان يشاهد الكعبة عن قرب فالفرض استقبال عينها (١).

стр. 2404

قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا (١). لأن من لم يستقبلها مع معاينتها فقد تيقن انحرافه عنها، وذلك غير جائز، ولا خلاف فيه (٢). ولأن الاجتهاد مع المعاينة أخذ بالظن، مع إمكان اليقين، وإذا أمكن القطع لم يَصِرْ إلى الظن. ولأن الاستقبال إذا كان شرطًا في صحة الصلاة، كما دلَّلتُ على ذلك في مسألة مستقلة، فإن انتفاء الشرط يعني انتفاء المشروط. قال الأثرم: «سألت أحمد بن حنبل عن قول عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة، فقال: هذا في كل البلدان إلا مكة عند البيت، فإنه إن زال عنه بشيء، وإن قلَّ، فقد ترك القبلة» (٣). واتفقوا على أن حكم من اقترب من الكعبة، أنه يلزمه أن يكون استقباله محسوسًا مقطوعًا به. فإن بعد عن الكعبة، وهو يشاهدها، فهل محاذاته لعينها حقيقية بالجسد، أو هي محاذاة بصرية متوهمة؟ قولان لأهل العلم: أحدهما: أن المحاذاة بصرية، وليست حقيقية بالجسد. وهذا قول بعض المالكية، وبعض الشافعية. ودلَّل هؤلاء على كلامهم: بأن الصف كلما اقترب من الكعبة صار قصيرًا، وكلما ابتعد أصبح طويلًا، مع أن حقيقة المحاذاة لا تختلف بالقرب والبعد. يقول إمام الحرمين: «ولو اقترب صف من البيت، واصطفوا، فقد لا يحاذي الكعبة منهم من في جهة الاستقبال إلا عشرون أو نيف وعشرون، ويخرج طرف الصف إن زادوا … فلا تصح صلاة الخارجين عن المحاذاة في القرب؛ لخروجهم

стр. 2405

عن الاستقبال، وهذا بين. ولو بعدوا، ووقفوا في أخريات المسجد، فقد يبلغ الصف ألفًا، وهم معاينون للكعبة، وصلاتهم صحيحة، ونحن على قطعٍ نعلم أن حقيقة المحاذاة نفيًا وإثباتًا لا تختلف بالقرب والبعد، ولكن المتبع في ذلك وفي نظائره حكم الإطلاق والتسمية، لا حقيقة المسامتة، وإذا قرب الصف واستطال، وخرج طرفه عن المحاذاة لم يُسَمَّ الخارجون مستقبلين، وإذا استأخر الصف، وبعُد سُمُّوا مستقبلين، وهذه الأحكام مأخوذة في وضع الشرع من التسميات، والإطلاقات» (١). وذكر بعض المالكية: أنه يكفي الرائي أن يتوهم المقابلة والمحاذاة، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما تحصل المسامتة للنجوم مع البعد، فهو لا يكون محاذيًا حقيقة، ولكنه مسامتٌ ببصره؛ لأن الجسم الصغير كلما زاد بعده اتسعت جهته، كغرض الرماة (٢). قال خليل في التوضيح: «وتبقى المسامتة على هذا بالبصر، لا بالجسم» (٣). وقال القرافي: «إن الصف الطويل أجمع الناس على صحة صلاته، مع أنه خرج بعضه عن السمت قطعًا؛ فإن الكعبة عرضها عشرون ذراعًا، وطولها خمسة وعشرون ذراعًا على ما قيل، والصف الطويل مائة ذراع فأكثر، فبعضه خارج عن السمت قطعًا، فقولهم: إن القاعدة استقبال السمت مشكل» (٤). ثم خرج من هذا بقاعدة، فقال القرافي: «القاعدة: وهي أن الله تعالى إنما أمر بالاستقبال العادي دون الحقيقي مع البعد، ومع القرب الاستقبال الحقيقي» (٥). قلت: ومثل ذلك محاذاة الحجر بالطواف، فإن الحكم يتعلق بظاهر المحاذاة، لا حقيقته، وقد استحسن بعض العلماء أن يضع خطًّا للتوصل إلى حقيقة المحاذاة،

стр. 2406

فشق ذلك على الطائفين وأربك جموعهم؛ لأن الطائف سيتوقف عن الطواف ليتحرى إصابة الخط، والخط مستتر تحت أقدام الطائفين فمع كثرة الزحام يتدافع الطائفون؛ ليتمكنوا من رؤية الخط، فحين رأى من وضعَ ذلكَ آثارَ مخالفة السنة أمر برفع الخط، وقد أحسنوا إذ فعلوا. وقال بعضهم: إن الصف الطويل محاذٍ حقيقة لا اسمًا. جاء في شرح مشكل الوسيط: «لا يقدح في القول بالعين صحة صلاة الصف الطويل؛ لأنه كلما بعدت المسافة كثر المحاذي للعين حقيقة، ألا ترى أن النار المشتعلة على رأس جبل يقف من لا يُحْصَى من الخلق في محاذاتها بحيث يكون كل واحد منهم محاذيًا لعينها حتى لو مدَّ من موضعه خيطًا إليها لاتَّصَلَ الخيط بها نفسها» (١). وهذا القول هو ظاهر مذهب الحنابلة، فقد نص الحنابلة بأنه إذا حال بين المصلي والكعبة حائل حادث ليس أصليًّا، فلا بد من تيقنه محاذاة الكعبة ببدنه بنظره إلى الكعبة. فأوجبوا المحاذاة بالبدن والنظر (٢). وإذا كان هذا الواجب في حق من لا يرى الكعبة، فكيف بمن يراها عن بعد. والقولان يتفقان على صحة الصلاة، وإنما يختلفون في توصيف محاذاة الكعبة، فبعضهم يقول: هي محاذاة بصرية لا حقيقية، وآخرون يقولون هي محاذاة حقيقية بالجسد. وقال الشافعية والحنابلة: إن في معنى المعاين من نشأ بمكة، وتيقن إصابة الكعبة، وإن لم يشاهدها حال الصلاة (٣). * * *

стр. 2407

المبحث الثاني في فرض المكي إذا وجد حائل بينه وبين الكعبة المدخل إلى المسألة: • كل من لا يقدر على معاينة مكة، ولا على من يخبره عنها بيقين لفظًا أو دلالةً، كالمحراب أصاب الجهة بالاجتهاد. • الحائل الحادث عن معاينة الكعبة كالأصلي على الصحيح؛ لأن الحكم يتعلق بمشقة المعاينة، لا على صفة الحائل. • الظن الأقوى مقدم على الظن الضعيف؛ فاستخبار أهل البلد عن القبلة فوق التحري مطلقًا، أخبروا عن يقين، أم عن ظن. • المحاريب المتفقة السالمة من الطعن بمنزلة العلم. [م-٣١٠] الرجل المكي إما أن يكون مقيمًا بمكة، أو قادمًا عليها من غير أهلها: فإن كان نشأ بمكة، أو أقام بها كثيرًا، فذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يلزمه إصابة العين بيقين، وإن لم يكن مشاهدًا للكعبة (١).

стр. 2408

قال العمراني في البيان: «ضرب يتيقن إصابة الكعبة، وإن لم يكن مشاهدًا لها، كمن نشأ بمكة، فإنه يعلم بجري العادة القِبْلَة، ويتيقنها، وإن غاب عنها في بيته … » (١). وقال في شرح منتهى الإرادات: «لأن من نشأ بمكة، أو أقام بها كثيرًا يمكنه اليقين» (٢). والقدرة على اليقين تمنع الاجتهاد؛ لأن الظن لا يصار إليه مع إمكان اليقين. وإن كان قادمًا عليها من غير أهلها لم يَتَحَرَّ في حالين: الحال الأولى: أن يجد من يخبره عن القبلة من أهل مكة، ممن تقبل شهادته (٣)، على خلاف بين الفقهاء: فقيل: لا يتحرى مطلقًا، سواء أكان يخبره عن اجتهاد، أم عن يقين، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (٤). قال الزيلعي في تبيين الحقائق: «إذا كان بحضرته من يسأله عنها، وهو من أهل المكان، عالم بالقبلة، فلا يجوز له التحري؛ لأن الاستخبار فوق التحري» (٥). ولأن أهل كل موضع أعرف بقبلتهم من غيرهم. قال ابن عابدين: «أهل البلد لهم علم بجهة القبلة المبنية على الأمارات الدالة عليها … فكان فوق الثابت بالتحري» (٦). يقصدون بالتحري ميل القلب بلا أمارة. وتعليل الحنفية بأنه يمتنع المصير إلى الظني مع إمكان ظنٍّ أقوى منه، دليل

стр. 2409

على أنه لا فرق عندهم في خبر المخبر عن القبلة، أكان يخير عن يقين، أم كان يخبر عن اجتهاد؟ (١). وقال الشافعية والحنابلة في الأصح: «إن أخبره عن يقين، أو مشاهدة لم يَتَحَرَّ، وإلا اجتهد» (٢). واحتجوا بأن المجتهد فرضه الاجتهاد، لا يقلد مجتهدًا آخر. وقيل: يجوز تقليد المجتهد إن ضاق الوقت، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). لأنه لما ضاق الوقت، صار التقليد في حكم الضرورة، والضرورة تبيح الممنوع. وسوف أناقش هذه المسألة في فصل مستقل إن شاء الله تعالى في مبحث الدلالة على القبلة. الحال الثانية: إذا وجد القادم إلى مكة محاريب منصوبة متفقة، ليس بينها اختلاف، سالمة من الطعن، وتكررت فيها الصلاة لم يصح معها التحري في قول الجمهور، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).

стр. 2410

فجعل جمهور الفقهاء هذه المحاريب بهذه الشروط بمنزلة الخبر عن علم. قال النووي في الروضة: «قد يكون الخبر صريحَ لفظٍ، وقد يكون دلالةً، كالمحراب المعتمد» (١). وقال ابن قدامة في الكافي: «الحاضر في قرية، أو من يجد من يخبره عن يقين ففرضه التوجه إلى محاريبهم، أو الرجوع إلى خبرهم؛ لأن هذا بمنزلة النص، فلا يجوز الرجوع إلى الاجتهاد معه، كالحاكم إذا وجد النص» (٢). وقال الزيلعي: «ولا يجوز التحري مع المحاريب» (٣). وقال القرافي: «يشترط فيها ألا تكون مختلفة، ولا مطعونًا عليها من أهل العلم» (٤). وسوف أتعرض إن شاء الله تعالى عن حكم الدلالة على القبلة بالمحاريب المنصوبة في مسألة مستقلة. [م-٣١١] فإن لم يجد الرجل القادم إلى مكة من يخبره عن القبلة، ولم يشاهد محاريب منصوبة، ولم يتمكن من معاينة الكعبة، أيكون الفرض في حقه إصابة العين بيقين، أم يكفيه الاجتهاد؟ وعلى القول بالاجتهاد: أيتحرى إصابة العين، أم يتحرى إصابة الجهة؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم على أقوال منها: القول الأول: يلزمه إصابة العين بيقين، ولا يكفيه الاجتهاد في إصابة عينها، ونص عليه مشايخ الحنفية من أصحاب المتون، وهو الراجح في مذهب المالكية (٥).

стр. 2411

جاء في كنز الدقائق: «فللمكي فرضه إصابة عينها، ولغيره إصابة جهتها» (١). قال الزيلعي في تبيين الحقائق قوله: «(فللمكي فرضه إصابة عينها) … لا فرق بين أن يكون بينها وبينه حائل من جدار، (ولغيره إصابة جهتها): أي لغير المكي فرضه إصابة جهة الكعبة، وهو قول عامة المشايخ، وهو الصحيح» (٢). القول الثاني: قال بعض الحنفية: من كان بينه وبين الكعبة حائل، فالأصح أنه كالغائب، له أن يجتهد، والأَوْلَى أن يصعد على مثل جبل ليصل إلى اليقين. نص عليه في معراج الدراية، ورجحه ابن نجيم في البحر الرائق، وضعف القول السابق (٣).

стр. 2412

القول الثالث: قال الشافعية والحنابلة: إن كان بينه وبين معاينة الكعبة حائل أصلي كالجبل فله الاجتهاد في إصابة العين قولًا واحدًا (١). وإن كان الحائل طارئًا من بناء ونحوه، ففيه وجهان: أحدهما: يجتهد في إصابة العين كالحائل الأصلي، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره الشيرازي، والرافعي، وابن الصباغ، والشاشي، والبغوي من الشافعية (٢). وقيل: فرضه إصابة العين، وليس له الاجتهاد، وبه قطع الغزالي، والقاضي أبو الطيب، والماوردي، والجرجاني، وهو ظاهر نص الشافعي؛ وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣). هذه هي الأقوال في المسألة، وهي ترجع إلى ثلاثة أقوال: قيل: يلزمه إصابة العين مطلقًا.

стр. 2413

وقيل: هو في حكم الغائب عن مكة مطلقًا، إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصلي، وكذا حائل حادث على الأصح، فيجتهد، على خلاف: أيجتهد في إصابة الجهة، وهو قول الحنفية، أم يجتهد في إصابة العين، وهو الأصح في مذهب الشافعية؟. وقيل: إن كان الحائل أصليًّا لزمه إصابة العين بالاجتهاد (بالظن)، وإن كان حادثًا لزمه إصابة العين بيقين. • وسبب الخلاف يرجع إلى مسألتين: إحداهما: ما قاله خليل في التوضيح: «إن نظرت إلى الحرج، وهو منفي عن الدين، كما قال الله تعالى أجزت الاجتهاد، وإن نظرت إلى أنه قادر على اليقين لم يجز له الاجتهاد» (١). الثانية: على القول بالاجتهاد، فمن قال: إن القبلة هي البيت، وقد دل النص على وجوب التوجه إلى البيت، وهو إجماع مع القرب؛ لتيقنه، وظن مع البعد؛ لتعذره، فاستقبال البيت غاية، والجهة إنما شرعت؛ باعتبارها وسيلة لإصابة العين: أوجب أن يكون الاجتهاد لإصابة العين، ويكفيه الظن. ومن قال: يجتهد في إصابة الجهة، رأى أن العين لما استحال تيقنها عادة أسقط الشرع اعتبارها، وأقام مظنتها -التي هي الجهة- مقامها، والله أعلم (٢). وبعد توفيق الله سبحانه في فهم الأقوال وتصورها، أنتقل إلى ذكر أدلة المسألة. • حجة من قال: فرضه إصابة العين مطلقًا: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وجه الاستدلال: بأن الشطر إن كان هو النحو، أو القبالة، أو القصد، أو النصف، فذلك غير الجهة، فكانت الآية فيها دلالة على أن الفرض استقبال العين، إما حسًّا لمن كان معاينًا لها، أو كان في مكة، وإما اجتهادًا لمن كان بعيدًا عن مكة.

стр. 2414

• ويجاب بجوابين: الجواب الأول: (ح-٨٧٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا المعلى بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ -قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة (١). [ضعفه أحمد، وصححه الترمذي، وصحح الدارقطني وقفه على عمر] (٢).

стр. 2415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →