← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2422

والموقوف على عمر ﵁ كافٍ في الاستدلال، كيف والقائل هو عمر الخليفة الراشد. ويعضده حديث أبي أيوب في الصحيحين: ولكن شرقوا أو غربوا، وسوف نسوق إسناده في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. فدل على أنه لا يكون هناك انحراف عن القبلة حتى يصيب جهة المشرق أو المغرب، وأن الانحراف اليسير عن القبلة لا يكفي. فدل على أن القبلة هي الجهة، وليست العين. • ورد هذا الجواب: بأن الحديث يخاطب أهل المدينة، بقوله: ما بين المشرق والمغرب قبلة، فهو في غير مسألتنا. وعلى التسليم بأن ذلك يشمل مسألتنا فقد يجد فرقًا من يرى أن القبلة هي

стр. 2423

إصابة عين الكعبة، بأن يقال: لا يلزم من القول بأن الانحراف اليسير يضر في الصلاة أن يقال به في قضاء الحاجة، ذلك أن النهي غير الأمر، فالنهي عن التوجه للجهة حال قضاء الحاجة قد يكون من باب الاحتياط خوفًا من إصابة ما هو مقصود بالنهي، وهو العين، بخلاف تحري إصابة العين في الصلاة، فهو مأمور بتحصيله، فكان الانحراف اليسير يؤثر في الحكم، فقياس الابتعاد عنها على الأمر بإصابتها فيه فرق، فالأول أوسع من الثاني. الجواب الثاني: لو كانت الآية نصًّا في دلالة استقبال العين للزم ذلك حتى البعيد عن مكة؛ لأن الآية تقول: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وإصابة عينها، وهو غائب عنها غيب لا يمكن الاطلاع عليه، فكان التكليف به تكليفًا بما ليس بمقدور المكلف، فلا يجوز اشتراطه. الدليل الثاني: بأن المكي قادر على تحصيل اليقين، والقدرة على اليقين تمنع الاجتهاد؛ لأنه ظن؛ والمصير إلى الدليل الظني مع إمكان اليقين لا يجوز. وإذا كان القادر على الاستخبار لا يتحرى، فإذا امتنع المصير إلى ظني لإمكان ظني أقوى منه فكيف يترك اليقين مع الظن؟ (١). • ويناقش: على التسليم بأنه قادر على تحصيل إصابة العين، فإن المشقة تجلب التيسير، وإذا كان البعيد عن مكة فرضه الجهة، ويتعذر عليه إصابة العين، فكذلك الغائب عن الكعبة، ولأنا لو ألزمناه صعود الجبل للزم من كان بينه وبين الكعبة ميل أو ميلان: أن يمضي إليها ويشاهدها، ولو ألزمناه ذلك لم ينفصل عمن بينه وبين الكعبة مسيرة يوم أو أكثر أن يمضي إليها، فسقط ذلك عن الجميع (٢).

стр. 2424

جاء في التوضيح لخليل: «إن نظرت إلى الحرج، وهو منفي عن الدين، كما قال الله تعالى أجزت الاجتهاد، وإن نظرت إلى أنه قادر على اليقين لم يجز له الاجتهاد» (١). • دليل من قال: الغائب عن مشاهدة الكعبة بمنزلة الغائب عن مكة: قالوا: إن التكليف بالمعاينة مع امتناع المشاهدة فيه مشقة كبيرة، وما جعل عليكم في الدين من حرج. ولا فرق في حائل أصلي أو حادث، فكلاهما يحجب المشاهدة، والمشقة التي تحصل بالأصلي تحصل بالحادث. • دليل من فرق بين الحائل الأصلي والحادث: تكليفه إصابة عين الكعبة مع وجود الحائل الأصلي كالجبل فيه حرج ومشقة، والحرج مدفوع شرعًا وقدرًا عن هذه الأمة. وأما إن كان الحائل حادثًا فيلزمه إصابة العين؛ لأن الفرض في مثل هذا الموضع قبل حدوث البناء إنما هو المعاينة دون الاجتهاد، فلا يتغير بما طرأ من البناء. • ويناقش: بأن القول بأن الفرض لا يتغير بما طرأ من البناء هذه دعوى في محل النزاع، والحكم يتعلق بمشقة المعاينة، وهو لا يختلف فيه الأصلي عن الحادث، ولذلك لو زال المانع الأصلي انتقل الفرض إلى وجوب المعاينة، ولا يصح أن يقال: لا عبرة بما طرأ اعتبارًا بالأصل. • الراجح: الخلاف يتعلق بمسألة: إصابة الكعبة، أيسقط بالمشقة، أم لا يسقط حتى تتعذر الإصابة؟ الراجح أن المشقة معتبرة في تخفيف الأحكام في الجملة، ومن هنا فرق بعض

стр. 2425

الفقهاء بين من نشأ بمكة، وبين القادم إليها اعتبارًا بالمشقة، وإذا اعتبرنا أن إصابة العين يسقط بالمشقة فهذا مشروط بألا يجد الرجل من يخبره عن القبلة بيقين، فهذا مقدم على الاجتهاد، والله أعلم. * * *

стр. 2426

الفصل الثاني في صفة الاستقبال لمن كان خارج مكة المبحث الأول في صفة الاستقبال لمن كان في المدينة المدخل إلى المسألة: • القبلة في مسجد النبي ﷺ -نصبها الرسول ﷺ ، وأقرَّها الوحي، وأجمعت عليها الأمة، فكانت القبلة فيها نصًّا وإجماعًا • لا يلزم من ثبوت قبلة المدينة بالوحي أن تكون على عين الكعبة؛ لاحتمال كونها على الجهة. • قوله ﷺ -في النهي عن استقبال القبلة حال البول والغائط: (ولكن شرقوا أو غربوا) مخاطبًا أهل المدينة، فدل على أنا ما بينهما قبلة. • صح عن عمر ﵁ أنه قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة، فدل على أن القبلة في المدينة إلى الجهة، وليست إلى العين، وأن الانحراف اليسير في القبلة لا يؤثر في صحة الصلاة، ما لم يكن قريبًا من الكعبة، والله أعلم. [م-٣١٢] القبلة في مسجد النبي ﷺ -نصبها الرسول ﷺ ، وأقرها الوحي، وأجمعت عليها الأمة، فكانت القبلة فيها نصًّا وإجماعًا. وعليه اختلفوا في فرض المدني: فقيل: المدني كالمكي يلزمه إصابة عين الكعبة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة (١).

стр. 2427

لأن القبلة فيها مقطوع بها، فلو انحرف انحرافًا يسيرًا عن قبلة المسجد النبوي بطلت صلاته. جاء في الجوهرة النيرة على مختصر القدوري: «ومن كان بالمدينة ففرضه العين؛ لأنه يقدر على إصابتها بيقين» (١). جاء في الذخيرة للقرافي: «الواقف بالمدينة يتنزل محرابه ﵇ في حقه منزلة الكعبة، فلا يجوز له الاجتهاد بالتيامن والتياسر؛ لأنه منصوب بالوحي، ومباشرة المعصومَيْنِ: رسول الله ﷺ -وجبريل ﵇، وإجماع الأمة، وهي

стр. 2428

معصومة أيضًا، فيقطع بصحته، وخطأ مخالفه، فلا معنى للاجتهاد» (١). وجاء في المبدع: «حكم من كان بالمدينة في استقبال قبلة النبي ﷺ -حكم من كان بمكة؛ لأنه لا يقر على الخطأ» (٢). وقيل: يلزمه الاجتهاد في إصابة جهة الكعبة، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول عند الحنابلة (٣). قال ابن عابدين: «لا يلزم من ثبوتها -يعني قبلة المدينة- بالوحي أن تكون على عين الكعبة؛ لاحتمال كونها على الجهة» (٤). وجاء في الاستذكار: «وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن قول عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة، فقال: هذا في كل البلدان إلا مكة عند البيت فإنه إن زال عنه بشيء وإن قل فقد ترك القبلة» (٥). وقال ابن رجب: «وكذلك القبلة لا تحتاج إلى حساب، ولا كتاب، وإنما تعرف في المدينة وما سامتها من الشام والعراق وخراسان بما بين المشرق والمغرب» (٦). • وحجة هذا القول: (ح-٨٧٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي،

стр. 2429

عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ -قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشأم، فوجدنا مراحيض بنيت قِبَلَ القبلة، فننحرف ونستغفر الله تعالى، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ -قال: شرقوا أو غربوا مخاطبًا أهل المدينة، فدل على أَنَّ ما بينهما قبلة. وقال عمر ﵁: ما بين المشرق والمغرب قبلة، روي عنه متصلًا ومنقطعًا، وسبق تخريجه، والحمد لله (٢). فدل على أن القبلة في المدينة إلى الجهة، وليست إلى العين، وأن الأمر واسع، وأن الانحراف اليسير في القبلة لا يؤثر في صحة الصلاة، إلا أن يكون قريبًا من الكعبة، والله أعلم. (ث-٢٢٥) وروى حرب الكرماني في مسائله، من طريق معتمر بن سليمان، عن محمد بن فضاء، عن أبيه، عن جده، قال: أتيت عثمان بن عفان ﵁ فسمعته يقول: كيف يخطئ الرجل الصلاة، وما بين المشرق والمغرب قبلة؛ ما لم يَتَحَرَّ المشرق عمدًا (٣). [ضعيف] (٤). وهذا هو القول الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 2430

المبحث الثاني في صفة الاستقبال لمن كان خارج مكة والمدينة مدخل إلى المسألة: • قال ابن شاس: القادر على معرفة القبلة يقينًا لا يجوز له الاجتهاد، والقادر على الاجتهاد لا يجوز له التقليد. • المصلي خارج مكة فَرْضُه الاجتهاد؛ لأن تكليفه باليقين تكليف بما لا يطاق؛ لأن إصابة عينها وهو غائب عنها غيب لا يُطَّلَعُ. •الغاية هو استقبال البيت، والجهة وسيلة إلى ذلك. • لما استحال تيقن إصابة العين لمن كان خارج مكة عادة أسقط الشرع اعتبارها، وأقام مظنتها -التي هي الجهة- مقامها، فتحولت الجهة من كونها وسيلة إلى كونها غاية. [م-٣١٣] إذا كان المصلي خارج مكة ففرضه الاجتهاد (الظن)؛ لأن تكليفه باليقين تكليف بما لا يطاق (١). وهل يجتهد في إصابة العين، أو في إصابة الجهة؟ قولان: فقيل: الفرض في حقه إصابة الجهة، وهو مذهب الحنفية، واختاره من المالكية الأبهري والقاضي أبو محمد، ونسب القول به لابن رشد، وعليه أكثر المالكية، واعتبره الدسوقي هو المشهور، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، اختاره المزني، وهو المشهور عند الحنابلة (٢).

стр. 2431

قال الباجي في المنتقى: «اختلف متأخرو أصحابنا، هل يلزمه أن يجتهد في إصابة الجهة أو العين؟ قال القاضي أبو محمد وأكثر أصحابنا: إنه إنما يلزمه الاجتهاد في إصابة الجهة» (١). وقيل: فرضه الاجتهاد في إصابة عين الكعبة، وهو قول الجرجاني من الحنفية، وابن القصار من المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وهو رواية عن أحمد، اختارها أبو الخطاب، وذكر أبو المعالي أنه المشهور (٢). قال ابن شاس: «وهل مطلوبه في الاجتهاد الجهة أو السمت والعين؟ قولان للشيخ أبي بكر والقاضي أبي الحسن» (٣). وقال النووي في المجموع: «وفي فرض المجتهد ومطلوبه قولان: … أصحهما عينها، اتفق العراقيون، والقفال، والمتولي، والبغوي على تصحيحه» (٤). • وسبب الخلاف: سبب الخلاف بينهما راجع إلى ما تقدم من أن الأحكام على قسمين:

стр. 2432

مقاصد، ووسائل: فالغاية هو استقبال البيت، والجهة وسيلة إلى ذلك، وإذا لزم القريب إصابة العين لزم البعيد الاجتهاد في إصابة العين؛ لأنه إنما يتوصل بالاجتهاد إلى ما كان يلزمه باليقين. ومن قال: يجتهد في إصابة الجهة، رأى أن العين لما استحال تيقنها عادة أسقط الشرع اعتبارها، وأقام مظنتها -التي هي الجهة- مقامها، فتحولت الجهة من كونها وسيلة إلى كونها غاية، والله أعلم (١). • وأما ثمرة الخلاف عند الفقهاء: فقال الحنفية: «ثمرة الخلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة في حق الغائب، أو نية الجهة تكفيه على قول من يرى وجوب النية» (٢). وعلل بعض فقهاء الحنفية حصر الثمرة في النية قائلًا: «لأن إصابة عينها، وهو غائب عنها غيب لا يُطَّلع، فكان التكليف بها تكليفًا بما ليس بمقدور، فلا يجوز اشتراطها» (٣). وإذا كان الاستقبال يصح بلا نية على الصحيح عند الحنفية بل عند الجمهور، كانت هذه الثمرة محدودة جدًّا. وثمرة الخلاف عند المالكية: إذا اجتهد، فأخطأ، فعلى القول بأن الفرض الجهة يعيد في الوقت، وعلى القول بأن الفرض الاجتهاد في إصابة العين: يعيد أبدًا. وقال ابن الحق: «إن هذا الخلاف لا ثمرة له كما صرح به المازري، وأنه لو اجتهد وأخطأ فإنما يعيد في الوقت على القولين، وأما ما قاله الشارح فهو غير صواب؛ لأن القبلة على كلا القولين قبلة اجتهاد، والأبدية عندنا (يقصد: الإعادة أبدًا في الوقت وغيره) إنما هو في الخطأ في قبلة القطع» (٤)، يقصد لمن يعاين الكعبة، أو كان في مكة.

стр. 2433

ثمرة الخلاف عند الشافعية والحنابلة: أن التيامن والتياسر يؤثر إن كان فرضه الاجتهاد في إصابة العين، ولا يؤثر إن كان فرضه الاجتهاد في إصابة الجهة؛ لضيق الأولى وسعة الثانية (١). هذا ما يتعلق بأقوال المسألة، وسبب الخلاف، وثمرته، وأما ما ذكره الفقهاء من أدلة على المسألة، فإليك ما وقفت عليه منهم. • دليل من قال: الاجتهاد في إصابة الجهة: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. قال القاضي عبد الوهاب المالكي: الشطر النحو (٢). الدليل الثاني: (ح-٨٧٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا المعلى بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ -قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة (٣). [ضعفه الإمام أحمد وصححه الترمذي، وصحح الدارقطني وقفه على عمر ﵁] (٤). والموقوف كافٍ في الاحتجاج، فالصحيحُ قولُ الصحابي -لا سيما إذا كان فقيهًا- حجةٌ، ويتأكد ذلك إذا كان خليفة راشدًا. الدليل الثالث: (ح-٨٧٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ -قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشأم، فوجدنا

стр. 2434

مراحيض بنيت قِبَلَ القبلة، فننحرف، ونستغفر الله تعالى، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال من الحديث: قوله: (شرقوا أو غربوا) فجعل ما بين المشرق والمغرب قبلة، وهو دليل على اعتبار الجهة، وهذا هو الذي فهمه أبو أيوب راوي الحديث ﵁، فإنه كان ينحرف عن القبلة ويستغفر الله دون أن يسبق ذلك تَحَرٍّ، هل أصاب المرحاض عينها أو جهتها؟ • ويناقش: بأن ترك التوجه للجهة حال قضاء الحاجة قد يكون من باب الاحتياط، والمقصود العين، فيكون كلما ابتعد قاضي الحاجة عن جهة الكعبة تحقق الابتعاد عن العين، بخلاف تحري إصابة العين في الصلاة، فهو مأمور بفعله، والانحراف اليسير يؤثر فيه، فلا يصح القياس، والله أعلم. الدليل الرابع: حرم الكعبة صغير، فيستحيل أن يتوجه إليه أهل الدنيا، فكان لابد من القول بالاكتفاء بالجهة، ولهذا تصح صلاة الصف الطويل إذا بعدوا عن الكعبة ومعلوم أن بعضهم خارجون عن المحاذاة القطعية (٢). • ويناقش: بأن كون الكعبة حرم صغير، لا يمتنع أن يصيب المجتهد عينها؛ لأن الحرم الصغير كلما ازداد القوم عنه تباعُدًا، ازدادوا له محاذاة؛ مثل غرض الرُّماة، ومركز الدائرة (٣). ورد: بأن محاذاة البعيد محاذاة بصرية، وليست قطعية، لأن المحاذاة القطعية لا تختلف بين القريب والبعيد. الدليل الخامس: عين الكعبة مع البعد يتعذر إصابتها؛ لأنه غيب، لا يطلع عليه إلا الله،

стр. 2435

والتكليف به محال. • دليل من قال: الاجتهاد في إصابة العين: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، من غير فصل بين حال المشاهدة والغيبة. الدليل الثاني: (ح-٨٧٩) ما رواه البخاري من طريق ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس، قال: لما دخل النبي ﷺ -البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم يُصَلِّ حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة (١). • ويناقش: قوله ﷺ -هذه القبلة: أي لمن كان يعاين الكعبة، وأما الغائب فقبلته جهتها. الدليل الثالث: ولأن لزوم الاستقبال لحرمة الكعبة، وهذا المعنى في العين، لا في الجهة. الدليل الرابع: لما لزم القريب من الكعبة إصابة عينها بيقين، لزم البعيد عنها في اجتهاده تحري عينها؛ لأنه إنما يتوصل بالاجتهاد إلى ما كان يلزمه باليقين. • الراجح: أن الاستقبال يتعلق بإصابة الجهة، وليس بإصابة العين لمن كان بعيدًا، بدليل قوله ﷺ -في الحديث: ولكن شرقوا أو غربوا، فجعل ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة، والله أعلم * * *

стр. 2436

الفصل الثالث المعتبر في الاستقبال المدخل إلى المسألة: • محاذاة الكعبة ليست شرطًا للاستقبال فلو صلى على أبي قبيس صحت صلاته وإن لم يكن محاذيًا للكعبة. • استقبل النبي ﷺ -بعض البيت حين صلى النافلة في جوف الكعبة، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، فدل على أن استقبال جميع البيت ليس شرطًا في صحة الصلاة. • لما صح استقبال بعض البيت بالنفل واستدبار بعضه دل ذلك على صحته في الفرض؛ لأن الاستقبال في النفل إنما سقط عن الراكب بالاتفاق، وعن الماشي على الصحيح، ولم يسقط الاستقبال عن القائم على الأرض. • إذا استقبل بكل بدنه بعض البيت، وهو خارج الكعبة صحت صلاته، فكذلك إذا استقبل بعض البيت بكل بدنه، وهو في جوف الكعبة، أو فوق سطحها. • قال النبي ﷺ -لعائشة: (صَلِّي في الْحِجْرِ)، وهو مطلق، لم يفرق بين النافلة والمكتوبة وهو دليل على صحة استقبال جزء من البيت، وإن استدبر جزءًا آخر منه. [م-٣١٤] اختلف الفقهاء في المعتبر في الاستقبال: فقال الحنفية والحنابلة في المشهور: المقصود بالاستقبال (البقعة) وأما البناء فلا أثر له. على خلاف بينهما في جواز استدبار بعض البيت. فقال الحنفية: لا يشترط استيعاب البيت بالاستقبال، فلو صلى الفريضة داخل الكعبة، أو فوقها صحت، ولو بلا سترة، وهو رواية عن أحمد، واختارها الآجري،

стр. 2437

وصاحب الفائق (١). وقال الحنابلة: «لا تصح الفريضة داخل الكعبة أو فوقها، واختلفوا في التوجيه على وجهين: فقيل: المانع حتى لا يستدبر شيئًا من البيت،، فإن وقف على منتهاها بحيث لم يَبْقَ وراءه شيء منها، أو قام خارجها وسجد فيها صحت الفريضة؛ لأنه استقبل طائفة من الكعبة غير مستدبر لشيء منها، فصحت كما لو صلى إلى أحد أركانها، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد» (٢). وقيل: لا تصح الفريضة فوق الكعبة؛ لأن استقبال جميع البيت شرط، ورجحه ابن تيمية في شرح العمدة (٣). وقال المالكية: «المقصود بالاستقبال جميع البناء، لا بعضه، ولا الهواء، قال الدسوقي: وهو المعتمد» (٤).

стр. 2438

وقال الشافعية: «المقصود بالاستقبال بعض بنائها» (١). قال العمراني: «وإن صلى على ظهر الكعبة، فإن لم يكن بين يديه سترة متصلة بالبيت لم تصح صلاته» (٢). فصارت أقوال المذاهب ترجع إلى ثلاثة أقوال: أحدها: المقصود بالاستقبال بعض البقعة والهواء، دون البنيان، على خلاف في جواز استدبار بعض البيت. والثاني: المقصود بعض بنائها. والثالث: المقصود جملة البناء، لا بعضه، ولا الهواء. • حجة من قال: القبلة البقعة، ولا أثر للبناء: الدليل الأول: تطلق الكعبة على البقعة والبناء، فإما أن تكون القبلة البناء فقط، أو العرصة فقط (البقعة خالية من البناء)، أو البناء بشرط حصولها في تلك البقعة. ولا يمكن القول بأن القبلة هي البناء فقط؛ لأنه بالاتفاق لو نقل البناء إلى موضع آخر، وتوجه إليه أحد في الصلاة ما صحت صلاته. ولا يمكن أن يقال: الكعبة هي البناء بشرط حصولها في تلك البقعة؛ لأن الكعبة لو انهدمت -لا قدر الله- وبقيت العرصة خالية من البناء، فإن أهل المشرق والمغرب لو توجهوا إلى ذلك الجانب لصحت صلاتهم، وكانوا مستقبلين القبلَةَ، فلم يَبْقَ إلا أن يقال: القبلة هي البقعة، والواقف في العرصة أو على سطح الكعبة قد استقبل جزءًا من أجزاء ذلك الخلاء، فيكون مستقبلًا للقبلة، فوجب أن تصح صلاته (٣).

стр. 2439

• ويناقش: لا يلزم من القول بصحة صلاة أهل المشرق وأهل المغرب إذا انهدمت الكعبة -لا قدر الله-، وبقيت العرصة خالية من البناء أن يكون هذا دليلًا على أن المطلوب في الاستقبال العرصة، وليس البناء؛ لأنه ليس في قدرة أهل المشرق وأهل المغرب إقامة شاخص في الكعبة يستقبلونه، وهم في المشرق والمغرب، فهذا تكليف بالمحال؛ لأن فرض استقبال القبلة يسقط بالعجز كالخائف والمحبوس بين حائطين وغيرهما وقد قال النبي ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ولا تسقط الصلاة والطواف لعدم وجود شاخص أصلًا إذا تعذر في تلك الساعة الطواف والصلاة إلى بناء، كما لا يمتنع الصلاة لتعذر شيء من شروطها وأركانها. قال ابن تيمية: «وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا أن البناء إذا زال صحت الصلاة إلى هواء البيت مع قولهم: إنه لا يصلي على ظهر الكعبة ومن قال هذا يفرق بأنه إذا زال لم يَبْقَ هناك شيء شاخص مستَقْبَل، بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل ولا يلزم من سقوط استقبال الشيء الشاخص إذا كان معدومًا سقوط استقباله إذا كان موجودًا، كما فرق بين حال إمكان نصب شيء، وحال تعذر ذلك، وكما يفرق في سائر الشرائط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز» (١). الدليل الثاني: أن الرجل لو صلى على جبل أبي قبيس جازت صلاته بالاتفاق، وليس بين يديه شيء من بناء الكعبة فدل أنه لا معتبر للبناء. • ويناقش: الفرق بين الصلاة إلى البقعة ليس عليها بناء، وبين الصلاة على أبي قبيس أن المصلي على أبي قبيس مستقبل بوجهه جملة البناء والهواء، فالكعبة كلها بين يديه قبلة شاخصة وإن لم تكن محاذية له، فإن المحاذاة ليست شرطًا للاستقبال، بخلاف استقبال مجرد العرصة، فإنه يستقبل الهواء فقط.

стр. 2440

• حجة من قال: القبلة جميع البيت: الدليل الأول: قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. قال ابن تيمية: «أي نحوه وتلقاءه بإجماع أهل العلم؛ لأن الشطر له معنيان، هذا أحدهما: والآخر بمعنى النصف، وذلك المعنى ليس مرادًا فتعين الأول» (١). وإذا كان الله قد فرض تولية الوجه نحو الكعبة وذلك إنما يتحقق باستقبال جميعها، ومن صلى في الكعبة أو عليها لم يُصَلِّ إليها، فإذا استقبل بعضها فليس بِمُوَلٍّ وجهه إلى الكعبة، بل إلى بعض ما يسمى كعبة، وأبعد من ذلك إذا استقبل جزء الهواء العاري عن البناء. ولأن البيت لا يطلق إلا على ما له سقف وحيطان، وهذا المعنى لا يتحقق إلا في جملة البيت ببنيانه. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] كما قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فلما وجب على الطائف أن يطوف به كله، وجب على المصلي أن يستقبله كله، واستقبال جميعه يحصل بأن تكون القبلة كلها أمامه، فأمر الله بالطواف به، كما أمر بالصلاة إليه (٢). الدليل الثالث: (ح-٨٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق بن نصر، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس، قال: لما دخل النبي ﷺ -البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم

стр. 2441

يُصَلِّ حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قِبَلِ الكعبة، وقال: هذه القبلة (١). ورواه مسلم من طريق همام، حدثنا عطاء، عن ابن عباس أن النبي ﷺ -دخل الكعبة، وفيها سِتُّ سَوَارٍ، فقام عند سارية فدعا، ولم يُصَلِّ (٢). وهذه متابعة من همام لابن جريج. وجه الاستدلال بالحديث من وجهين: الأول: كون النبي ﷺ -ترك الصلاة فيه، وما تركه المصطفى ﷺ -فالسنة تركه. الثاني: قوله ﷺ : (هذه القبلة) إشارة إلى المجموع، فلا بد أن يستقبلها كلها، لا بعضها، ومن صلى فيها أو عليها لم يستقبلها كلها.

стр. 2442

• ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: قوله ﷺ : (هذه القبلة) بيان للقبلة لجملتها، لا لصفة استقبالها (١). الجواب الثاني: أن الحديث له منطوق ومفهوم: فمنطوق قوله ﷺ : (هذه القبلة): أن جميع الكعبة هي القبلة، وهو مقطوع به، لا نزاع فيه. ومفهومه: أن بعض الكعبة ليس بقبلة، والمفهوم لا عموم له؛ لأن دلالته ليست لفظية، بدليل أنه لو استقبل بكل بدنه بعض البيت، وهو خارج الكعبة صحت صلاته، فكذلك إذا استقبل بعض البيت بكل بدنه، وهو في جوف الكعبة، أو فوق سطحها طالما أن استقبال جميع البيت ليس شرطًا. الجواب الثالث: أن حديث ابن عباس ليس فيه أكثر من كون النبي ﷺ -لم يُصَلِّ في البيت، ونفي وقوع الصلاة لا يمنع جوازها، ولو كانت الصلاة فيها أو فوقها لا تصح لجاء النص في بيان ذلك، والأصل صحة الصلاة فيها وفوقها، لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، فقوله: (بيتي) مفرد مضاف يشمل الكعبة والمسجد، وإخراج بقعة منه يحتاج إلى نص من الشارع، ولا يوجد نص ينهى عن الصلاة في الكعبة، ولا فوقها. وعموم حديث (جُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا)، والعام جارٍ على عمومه حتى يرد من الشارع ما يخصص بعض أفراده، وعدم الفعل ليس نصًّا حتى تخصص به النصوص، والله أعلم. الجواب الرابع: قال ابن عبد البر: «رواية ابن عمر عن بلال أن رسول الله ﷺ -صَلَّى في الكعبة

стр. 2443

ركعتين أولى من رواية ابن عباس، عن أسامة أن رسول الله ﷺ -لم يُصَلِّ فيها؛ لأن من نفى شيئًا وأثبته غيره لم يعد شاهدًا، وإنما الشاهد المُثْبِتُ لا النافي، وهذا أصل من أصول الفقه في الشهادات إذا تعارضت» (١). وسوف أسوق حديث بلال في أدلة الشافعية إن شاء الله تعالى، فدل على أن بعض البيت يكون قبلة أيضًا. فإن قيل: «على التسليم بتقديم رواية بلال على رواية أسامة، فإن هذا في النفل، قال القرطبي: «لا نعلم خلافًا بين العلماء في صحة النافلة في الكعبة» (٢). ولم يثبت في الفرض أنه صلى متوجهًا لبعضها، وقد قال ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي. فالترك سنة كالفعل. ولأن قياس الفرض على النفل من قياس الأعلى على الأدنى، فلا يصح القياس. ولأن النفل أوسع من الفرض، ولذلك جاز للمتنفل أن يصلي قاعدًا بلا عذر، والقيام من آكد أركان الصلاة، ومراعاة الركن أولى من مراعاة الشرط، وجاز أن يتنفل على الراحلة إلى غير القبلة. فيقال في الجواب على هذا: بأن الشريعة أثبتت التسوية بين الفرض والنفل في جميع الشرائط والأحكام؛ من الطهارة، والسترة، والاستقبال، وإيجاب الفرض من القراءة، والركوع والسجود، إلا ما استثناه الشارع للمشقة، كترك الاستقبال على الراحلة بالاتفاق في السفر، أو في حال المشي على الصحيح، وكترك القيام في صلاتها، وما عداهما فالأصل التسوية بينهما. (ح-٨٨١) فقد روى الشيخان من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ -يسبح على الراحلة قِبَلَ أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (٣).

стр. 2444

فلولا قول الراوي: (غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة) لكان الحكم يشمل الفريضة، ولم يحفظ في النصوص الشرعية النهي عن صلاة الفريضة داخل الكعبة، ولا تخصيص الجواز بالنافلة، والأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض. الدليل الرابع: (ح-٨٨٢) ما رواه الترمذي من طريق يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود ابن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ -نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله (١). [ضعيف جدًّا] (٢).

стр. 2445

الدليل الخامس: (ح-٨٨٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ -قدم مكة، فدعا عثمان بن طلحة، ففتح الباب، فدخل النبي ﷺ -وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، ثم أغلق الباب … الحديث (١). وجه الاستدلال: حيث أقر النبي ﷺ -إغلاق الكعبة، ولو كانت موضعًا للعبادة لما أقر إغلاقها، لمنافاته مقصود العبادة منها، وهذا دليل على أن المقصود من الكعبة الصلاة إليها والطواف حولها، لا فيها. • ويناقش: بأن إغلاق الكعبة لكونه مكانًا محدودًا، فلو فتح لتزاحم الناس عليه، وتضرر بذلك كثير من الناس، وإذا اعتبرنا جزءًا من الحِجْر داخلًا في الكعبة كما هو الصحيح، فإن جزءًا من الكعبة ظل مفتوحًا من عهد الرسول ﷺ -إلى يومنا هذا، وما زال الناس يدخلون فيه، ويصلون، ويخرجون منه بسلاسة، ولو كان هذا الجزء ليس موضعًا للعبادة لجاء البيان من النبي ﷺ -تحذيرًا للأمة من الصلاة في موضع لا تصح الصلاة فيه، فلما لم يَأْتِ مثل ذلك علم أنه موضع للعبادة، والله أعلم.

стр. 2446

بل جاء في السنة الإذن الصريح بالصلاة في الحجر، وأن الصلاة فيه كالصلاة في جوف الكعبة. (ح-٨٨٤) فقد روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا قرة بن خالد، عن عبد الحميد بن جبير المكي من آل شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: حدثتنا عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، أصلي في الكعبة؟ فقال: صلي في الحجر، فإنه من الكعبة، أو قال: من البيت (١). [صحيح] (٢).

стр. 2447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2448

فقوله: (صلِّي في الحجر) مطلق، لم يفرق بين النافلة والمكتوبة والمنذورة، وهو دليل على صحة استقبال جزء من البيت، وإن استدبر جزءًا آخر منه. • حجة الحنابلة في كون استدبار البيت لا يجوز: الدليل الأول: (ث-٢٢٦) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع قال: أخبرنا مسعر، عن سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: لا تجعل شيئًا من البيت خلفك وأْتَمَّ به جميعًا (١). [صحيح] (٢). • ونوقش: بأن هذا رأي لابن عباس ﵄، فهو لا يرى الصلاة في جوف الكعبة مطلقًا: الفرض والنفل حتى يستقبل جميع البيت، وقد خالفه ابن عمر وبلال من الصحابة، والصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول أحدهم حجة على الآخر، فيُلْتَمَسُ مُرَجِّحٌ لقول أحدهم من أدلة أخرى. الدليل الثاني: قالوا: المصلي إذا استقبل بعض البيت فقد استدبر بعضه، فليس وصفه باستقباله بأولى من وصفه باستدباره، فمن استدبر بعض القبلة لم تصح صلاته؛ لأن استدبار القبلة ينافي الاستقبال المطلق فلم يصح.

стр. 2449

• ويناقش من أكثر من وجه: الأول: القول بأن استدبار بعض البيت ينافي الاستقبال دعوى في محل النزاع، فأين الدليل؟ الثاني: أن اعتباره مستقبلًا ومستدبرًا في نفس الوقت اعتبارٌ للضدين، فلا يصح هذا القول. الثالث: ولأن المصلي خارج الكعبة لا يتصور أن يقابل جميع جهات البيت، فعلم أن الواجب استقبال جزء منها، فما كان عن يمين ما استقبل من البيت، أو عن يساره فليس مستقبلًا له، ويكون حكم ما استدبر من البيت في حكم ما كان عن يمين ما استقبل من جهات البيت ويساره إذا كان خارجًا منه. الرابع: أن قولكم: لا يجوز استدبار شيء من البيت هذا نظر في مقابل النص، فقد دلت السنة على صحة مثل ذلك في النفل، ولا يصح دعوى اختصاص ذلك في النفل، فإنه لو استدبر المصلي القبلة جملة في النفل، ولم يكن راكبًا، ولا ماشيًا بطلت صلاته بالاتفاق، قال السرخسي في المبسوط: «الفرض والنفل في وجوب استقبال القبلة سواء» (١). وقال اللخمي في التبصرة: «النفل لمن كان في الحضر أو السفر وهو على الأرض في استقبال القبلة والفرض سواء، ولو تنفل رجل في المسجد الحرام في خارج الكعبة إلى غير الكعبة وولاها ظهره لعوقب» (٢). وترتب العقاب دليل على أنها ليست من مسائل الخلاف. وقال إمام الحرمين: «الأصل أن النوافل كالفرائض فيما يتعلق بالشرائط» (٣). وقال ابن قدامة: «استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، ولا فرق بين الفريضة والنافلة؛ لأنه شرط للصلاة، فاستوى فيه الفرض والنفل، كالطهارة؛ ولأن قوله

стр. 2450

تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] عام فيهما جميعًا» (١). فلما صح استقبال بعض البيت بالنفل واستدبار بعضه دل ذلك على صحته في الفرض؛ لأن الاستقبال إنما سقط عن الراكب بالاتفاق، وعن الماشي على الصحيح، ولم يسقط الاستقبال عن القائم في الحرم. • دليل من قال: يكفي استقبال شاخص منها: الدليل الأول: (ح-٨٨٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه قال: دخل رسول الله ﷺ -البيت هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول من وَلَجَ، فلقيت بلالًا فسألته: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين (٢). وجه الاستدلال بالحديث مركب من وجهين: أحدهما: أن الصلاة داخل الكعبة إنما صحت؛ لأنه صلى إلى جزء من البيت، فأجزأه، كما لو صلى خارج البيت قبالة الباب، وهو مفتوح، فإنه لا يستقبل إذا كان عاليًا غير جدار واحد منه. الثاني: أن ما كان قبلة للنفل صح أن يكون قبلة للفرض إلا بدليل يدل على اختصاص النفل عن الفرض، ولا دليل. • واعترض على الحديث باعتراضات، منها: الاعتراض الأول: أن هذا في النفل، والفرض أعلى من النفل فلا يقاس عليه، وسبق مناقشة هذا الاعتراض. الاعتراض الثاني: أن ابن عباس قد نقل عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس أن النبي ﷺ -دعا في

стр. 2451

البيت، ولم يُصَلِّ، وسبق ذكر حديث أسامة في أدلة القول السابق. ولا يقبل القول بأن المثبت مقدم على النافي، ذلك أن كلَّا من الأثرين فيه إثبات أيضًا، فأثر أسامة والفضل تضمنا إثباتًا ونفيًا: فأثبتا أن النبي ﷺ -كبر في نواحي البيت، ودعا واستغفر، وتضمنا نفيًا بأنه لم يُصَلِّ. بينما أثر بلال تضمن إثبات الصلاة، ولم يتعرض لذكر الدعاء والاستغفار والتكبير في نواحي البيت، وما تضمن نفيًا وإثباتًا مقدم على ما تضمن إثباتًا فقط (١). وقد علم ابن عباس بخبر بلال، ولم يعتمده، وابن عباس من أفقه الصحابة ﵁، وهو يعلم أكثر من غيره أن المثبت مقدم على النافي، ولم يستعمله كأداة للترجيح. وإن كان الترجيح للعدد فخبر أسامة والفضل مقدم على خبر بلال، ولو كان النبي ﷺ -قد صلى داخل البيت، فلماذا تحرى الصلاة مباشرة بعد خروجه منه، وعلى أقل الأحوال أن يكون الخبران متعارضين فيتساقطا، وإذا تعارض أثر بلال مع أثر أسامة والفضل بن عباس، فالأصل في العبادات المنع حتى تثبت المشروعية بدليلٍ سالمٍ من المعارضة، والله أعلم. (ح-٨٨٦) وقد روى أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، وعن مجاهد بن جبر، عن عبد الله بن عباس، حدثني أخي الفضل بن عباس وكان معه حين دخلها: أن رسول الله ﷺ ، لم يُصَلِّ في الكعبة، ولكنه لما دخلها وقع ساجدًا بين العمودين، ثم جلس يدعو (٢). [رجاله ثقات إلا ابن إسحاق، فإنه صدوق، وإبراهيم بن سعد من أثبت أصحاب ابن إسحاق وله عناية خاصة بتتبع صيغ ابن إسحاق، إلا أني أخشى من تفرد ابن إسحاق بمثل هذا] (٣).

стр. 2452

وقد كان بلال حاجبًا على الباب، فربما وقع نظره على النبي ﷺ -وهو ساجد يدعو، فظن أنه يصلي. • ويجاب عن هذا الاعتراض بوجهين: الوجه الأول: أن ما أثبته حديث أسامة والفضل لا سبيل لرده، وكذا ما أثبته حديث بلال، وإنما النقاش فيما نفياه، هل يعارض به ما أثبته حديث بلال؟ هذا هو البحث، وهو محل الخلاف، والقاعدة تقول: المثبت مقدم على النافي، والله أعلم. قال الإمام البخاري: «روى الفضل بن عباس أن النبي ﷺ ، لم يُصَلِّ في الكعبة. وقال بلال: قد صلى، فأخذ بقول بلال، وترك قول الفضل» (١).

стр. 2453

الوجه الثاني: أن الفضل بن عباس ينقل واقعة أخرى غير الواقعة يوم الفتح، فلا سبيل لاعتبار العدد مرجحًا، فيوم الفتح دخل البيت أسامة، وبلال، وعثمان بن طلحة مع النبي ﷺ ، ودخول الفضل مع النبي ﷺ -كان في واقعة أخرى، سواء اعتبرنا ذلك يوم الفتح، أم كان ذلك في حجة الوداع، حيث أردف معه الفضل بن عباس. (ح-٨٨٧) أما ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا غير واحد، وابن عون عن نافع، عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله ﷺ -البيت، ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال، فأمر بلالًا فأجاف عليهم الباب، فمكث فيه ما شاء الله ثم خرج، فقال ابن عمر: فكان أول من لقيت منهم بلالًا فقلت: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: هاهنا بين الأسطوانتين (١). [فهذا انفرد به هشيم، وقد خولف في ذكر الفضل بن عباس] (٢).

стр. 2454

الاعتراض الثالث: يحتمل أن يكون صلى بمعنى دعا، كما قال أسامة، ويحتمل أن يكون صلى الصلاة الشرعية، وإذا احتمل هذا وهذا سقط الاحتجاج به (١). وفي تاريخ الأزرقي نقلًا من فيض الباري: «أنه سأل ابن عباس ﵄ عن الصلاة في البيت، فقال: فيه صلاة، إلا أنها ليست ذات ركوع وسجود، بل هي تكبير، وتسبيح، واستغفار … » (٢). (ح-٨٨٨) وقد روى البخاري من طريق أيوب، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ -لما قدم أَبَى أن يدخل

стр. 2455

البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم، وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ : قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط. فدخل البيت، فكبر في نواحيه، ولم يُصَلِّ فيه (١). وصلاة الجنازة صلاة شرعية، وقوامها التكبير، والدعاء، والقراءة، وليس فيها ركوع ولا سجود. • ويجاب بأكثر من وجواب: الجواب الأول: أن الصلاة لها حقيقة شرعية ولغوية، وإذا ورد لفظ الصلاة في نصوص الشارع حملت على الحقيقة الشرعية إلا بقرينة. الجواب الثاني: لا يتصور أن ابن عمر كان يريد السؤال عن الدعاء، فإن الدعاء عبادة غير مختصة بزمان أو مكان، وإنما كان حرص ابن عمر على معرفة حكم الصلاة في جوف الكعبة. الجواب الثالث: أن ابن عمر فهم من جواب بلال مشروعية الصلاة في جوف الكعبة، بما يدل على أن السؤال كان عن الصلاة الشرعية، وكان ابن عمر يصلي في جوف الكعبة، ويتحرى المكان الذي أخبره بلال أن النبي ﷺ -صلى فيه: (ح-٨٨٩) فقد روى البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا دخل الكعبة، مشى قِبَلَ الوجه حين يدخل، ويجعل الباب قِبَلَ الظهر، يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبَلَ وجهه قريبًا من ثلاث أذرع، فيصلي، يتوخى المكان الذي أخبره بلال: أن رسول الله ﷺ -صلى فيه، وليس على أحد بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء (٢). الجواب الرابع: أن ابن عمر قد جاء عنه في الصحيح القول بأنه نسي أن يسأله
следующие страницы →