← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

البيت، ولم يُصَلِّ، وسبق ذكر حديث أسامة في أدلة القول السابق. ولا يقبل القول بأن المثبت مقدم على النافي، ذلك أن كلَّا من الأثرين فيه إثبات أيضًا، فأثر أسامة والفضل تضمنا إثباتًا ونفيًا: فأثبتا أن النبي ﷺ -كبر في نواحي البيت، ودعا واستغفر، وتضمنا نفيًا بأنه لم يُصَلِّ. بينما أثر بلال تضمن إثبات الصلاة، ولم يتعرض لذكر الدعاء والاستغفار والتكبير في نواحي البيت، وما تضمن نفيًا وإثباتًا مقدم على ما تضمن إثباتًا فقط (١). وقد علم ابن عباس بخبر بلال، ولم يعتمده، وابن عباس من أفقه الصحابة ﵁، وهو يعلم أكثر من غيره أن المثبت مقدم على النافي، ولم يستعمله كأداة للترجيح. وإن كان الترجيح للعدد فخبر أسامة والفضل مقدم على خبر بلال، ولو كان النبي ﷺ -قد صلى داخل البيت، فلماذا تحرى الصلاة مباشرة بعد خروجه منه، وعلى أقل الأحوال أن يكون الخبران متعارضين فيتساقطا، وإذا تعارض أثر بلال مع أثر أسامة والفضل بن عباس، فالأصل في العبادات المنع حتى تثبت المشروعية بدليلٍ سالمٍ من المعارضة، والله أعلم. (ح-٨٨٦) وقد روى أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، وعن مجاهد بن جبر، عن عبد الله بن عباس، حدثني أخي الفضل بن عباس وكان معه حين دخلها: أن رسول الله ﷺ ، لم يُصَلِّ في الكعبة، ولكنه لما دخلها وقع ساجدًا بين العمودين، ثم جلس يدعو (٢). [رجاله ثقات إلا ابن إسحاق، فإنه صدوق، وإبراهيم بن سعد من أثبت أصحاب ابن إسحاق وله عناية خاصة بتتبع صيغ ابن إسحاق، إلا أني أخشى من تفرد ابن إسحاق بمثل هذا] (٣).

стр. 2452

وقد كان بلال حاجبًا على الباب، فربما وقع نظره على النبي ﷺ -وهو ساجد يدعو، فظن أنه يصلي. • ويجاب عن هذا الاعتراض بوجهين: الوجه الأول: أن ما أثبته حديث أسامة والفضل لا سبيل لرده، وكذا ما أثبته حديث بلال، وإنما النقاش فيما نفياه، هل يعارض به ما أثبته حديث بلال؟ هذا هو البحث، وهو محل الخلاف، والقاعدة تقول: المثبت مقدم على النافي، والله أعلم. قال الإمام البخاري: «روى الفضل بن عباس أن النبي ﷺ ، لم يُصَلِّ في الكعبة. وقال بلال: قد صلى، فأخذ بقول بلال، وترك قول الفضل» (١).

стр. 2453

الوجه الثاني: أن الفضل بن عباس ينقل واقعة أخرى غير الواقعة يوم الفتح، فلا سبيل لاعتبار العدد مرجحًا، فيوم الفتح دخل البيت أسامة، وبلال، وعثمان بن طلحة مع النبي ﷺ ، ودخول الفضل مع النبي ﷺ -كان في واقعة أخرى، سواء اعتبرنا ذلك يوم الفتح، أم كان ذلك في حجة الوداع، حيث أردف معه الفضل بن عباس. (ح-٨٨٧) أما ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا غير واحد، وابن عون عن نافع، عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله ﷺ -البيت، ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال، فأمر بلالًا فأجاف عليهم الباب، فمكث فيه ما شاء الله ثم خرج، فقال ابن عمر: فكان أول من لقيت منهم بلالًا فقلت: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: هاهنا بين الأسطوانتين (١). [فهذا انفرد به هشيم، وقد خولف في ذكر الفضل بن عباس] (٢).

стр. 2454

الاعتراض الثالث: يحتمل أن يكون صلى بمعنى دعا، كما قال أسامة، ويحتمل أن يكون صلى الصلاة الشرعية، وإذا احتمل هذا وهذا سقط الاحتجاج به (١). وفي تاريخ الأزرقي نقلًا من فيض الباري: «أنه سأل ابن عباس ﵄ عن الصلاة في البيت، فقال: فيه صلاة، إلا أنها ليست ذات ركوع وسجود، بل هي تكبير، وتسبيح، واستغفار … » (٢). (ح-٨٨٨) وقد روى البخاري من طريق أيوب، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ -لما قدم أَبَى أن يدخل

стр. 2455

البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم، وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ : قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط. فدخل البيت، فكبر في نواحيه، ولم يُصَلِّ فيه (١). وصلاة الجنازة صلاة شرعية، وقوامها التكبير، والدعاء، والقراءة، وليس فيها ركوع ولا سجود. • ويجاب بأكثر من وجواب: الجواب الأول: أن الصلاة لها حقيقة شرعية ولغوية، وإذا ورد لفظ الصلاة في نصوص الشارع حملت على الحقيقة الشرعية إلا بقرينة. الجواب الثاني: لا يتصور أن ابن عمر كان يريد السؤال عن الدعاء، فإن الدعاء عبادة غير مختصة بزمان أو مكان، وإنما كان حرص ابن عمر على معرفة حكم الصلاة في جوف الكعبة. الجواب الثالث: أن ابن عمر فهم من جواب بلال مشروعية الصلاة في جوف الكعبة، بما يدل على أن السؤال كان عن الصلاة الشرعية، وكان ابن عمر يصلي في جوف الكعبة، ويتحرى المكان الذي أخبره بلال أن النبي ﷺ -صلى فيه: (ح-٨٨٩) فقد روى البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا دخل الكعبة، مشى قِبَلَ الوجه حين يدخل، ويجعل الباب قِبَلَ الظهر، يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبَلَ وجهه قريبًا من ثلاث أذرع، فيصلي، يتوخى المكان الذي أخبره بلال: أن رسول الله ﷺ -صلى فيه، وليس على أحد بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء (٢). الجواب الرابع: أن ابن عمر قد جاء عنه في الصحيح القول بأنه نسي أن يسأله

стр. 2456

كم صلى من سجدة، إشارة إلى أن المسؤول عنه هو الصلاة الشرعية. (ح-٨٩٠) فقد روى البخاري من طريق يونس، أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ -أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، مردفًا أسامة بن زيد، ومعه بلال ومعه عثمان بن طلحة .... فمكث فيها نهارًا طويلًا، ثم خرج، فاستبق الناس، وكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا، فسأله أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه قال عبد الله: فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة (١).

стр. 2457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2460

الجواب الخامس: يحتمل تعدد الواقعة، وهذا ليس بممتنع، فالرسول ﷺ -دخل مكة أكثر من مرة، وهذا الاحتمال راجح في نقل الفضل بن عباس، فإن الفضل دخل معه في واقعة، وفي واقعة أخرى دخل أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، وقد أبنت عن ذلك فيما سبق بشذوذ رواية هشيم والتي ذكرتْ أن الفضل كان مع أسامة وبلال وعثمان، والله أعلم. الجواب السادس: أن الحديث ليس نصًّا في اشتراط استقبال جزء من البناء لصحة الصلاة في الكعبة أوفوقها، فيحتمل هذا، ويحتمل أن صحة الصلاة في الكعبة لاستقباله جزءًا من فضاء الكعبة، ولذلك لو انهدمت الكعبة لا قدر الله صح استقبال من في المشرق والمغرب لتلك البقعة، ولو كانت خالية من البناء، كما دللت على ذلك في أدلة القول الأول، فالبناء إنما هو علامة على البقعة المقدسة، لا شرطٌ في الاستقبال، والشرف إنما هو للبقعة، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾. والبناء لا قيمة له إلا بكونه قائمًا على هذه البقعة المباركة، والله أعلم.

стр. 2461

الدليل الثاني: (ث-٢٢٧) ما رواه مسلم من طريق عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان … أجمع ابن الزبير رأيه على أن ينقض الكعبة … فجعل ابن الزبير أعمدة، فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه … الحديث قطعة من حديث طويل (١). وجه الاستدلال: فكون ابن الزبير جعل أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه إنما صنع ذلك ليصلي الناس إلى تلك الستور، وتكون قبلة لهم؛ فدل على أن المقصود بالاستقبال البناء. قال الأزرقي في أخبار مكة: «لم يقرب ابن عباس مكة حين هدمت الكعبة حتى فرغ منها، وأرسل إلى ابن الزبير: لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب، واجعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها ويصلوا إليها. ففعل ذلك ابن الزبير» (٢). قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها ويصلى إليها لا بد أن تكون شيئًا منصوبًا شاخصًا وأن العرصة ليست قبلة، ولم ينقل أن أحدًا من السلف خالف في ذلك، ولا أنكره» (٣). • وأجيب: هذا رأي لابن عباس، ووافقه عليه ابن الزبير، وخالفهما جابر وزيد، فقالا: صلوا إلى موضعها، فهي القبلة (٤).

стр. 2462

• الراجح: أن الواجب استقبال البقعة، وأن عُلُوَّها كقرارها إذا توجه إليه المصلي صحت صلاته، والبناء علامة على البقعة، والأفضل الاحتياط اعتبارًا لخلاف ابن عباس ﵄، وخروجًا من الخلاف، والله أعلم. وقد تعرضت ضمن نقاش هذه المسألة عرضًا إلى مسألتين: وهما الصلاة داخل الكعبة، وفوقها، ولم تقصدا بالبحث، وإنما كانت أدلة هاتين المسألتين جزءًا من أدلة هذه المسألة، ومتفرعة منها، وذكرهما عرضًا لا يغني عن البحث فيهما استقلالًا؛ لمعرفة مذاهب الفقهاء فيهما على وجه التفصيل، كما يتفرع عن هذه المسألة أيضًا مسألة: العلو والنزول عن الكعبة، وسوف أعرض لهذه المسائل بعون الله وتوفيقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * * *

стр. 2463

المبحث الأول في العلو والنزول عن محاذاة الكعبة المدخل إلى المسألة: • محاذاة الكعبة ليست بشرط بدليل صحة الصلاة على جبل أبي قبيس. • إذا صحت الصلاة مع العلو عن الكعبة، صحت الصلاة مع النزول عن محاذاتها، فالهواء تابع للقرار، والقرار ثابت إلى الأرض السابعة، قال ﷺ : من ظَلَمَ قيد شِبْرٍ من الأرض طُوِّقَهُ من سبع أرضين. متفق عليه (١). [م-٣١٥] علمنا خلاف العلماء في المقصود بالاستقبال: هل هو البقعة، أو البناء، أو جملة البناء والبقعة، فإذا علا عن محاذاة الكعبة، أو نزل كما لو صلى في دور تحت أرض الحرم، فهل يصح استقباله؟ فذهب الجمهور، وهو قول في مذهب المالكية: إلى أن الكعبة من الأرض السابعة إلى عنان السماء (٢). جاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا يضر علو عن الكعبة، كالمصلي على جبل أبي قبيس، ولا يضر نزول عنها، كمن في حفرة في الأرض، فنزل بها عن مسامتتها؛ لأن الجدار لا أثر له، والمقصود البقعة وهواؤها» (٣).

стр. 2464

وقال المالكية: «لو صلى في حفرة تحت الكعبة أو جنبها لم تصح صلاته قولًا واحدًا (١)، وفي الصلاة إلى هواء الكعبة فقط دون البناء فيه قولان، والقول بالصحة مخرج على جواز الصلاة من فوق جبل أبي قبيس» (٢). جاء في منح الجليل: «إن قيل: صِحَّةُ صلاة من على أبي قبيس ونحوه من الجبال المحيطة بمكة المشرفة مشكلة؛ لارتفاعها عن البيت ومن بمكة ونحوها، وشرط صحة صلاته استقبال عين الكعبة. قلت: صحتها بناء على الاكتفاء باستقبال هوائها، وهو متصل منها إلى السماء. وأيضًا استقبالها مع الارتفاع عنها ممكن، كإمكانه ممن على الأرض فيها» (٣). والتعليل الثاني هو الأظهر، مع قول الدسوقي: «المأمور استقبال جملة البناء، لا بعضه، ولا الهواء، وهو المعتمد» (٤) وعليه فإنما صَحَّت الصلاة من فوق جبل أبي قبيس؛ لأن جملة البناء والهواء بين يديه، وإن لم يكن محاذيًا. وهو صريح عبارة القرافي، قال في الذخيرة: «والفرق بين الصلاة على ظهرها، وعلى أبي قبيس: أن المصلي على أبي قبيس مستقبل بوجهه جملة البناء والهواء بخلاف ظهرها» (٥). وجاء في الشرح الصغير: «الواجب استقبال البناء» (٦).

стр. 2465

مع قوله قبل ذلك: «وهي: أي القبلة: عين الكعبة: أي ذاتها لمن بمكة، ومن في حكمها ممن يمكنه المسامتة كمن في جبل أبي قبيس، فيستقبلها بجميع بدنه» (١). فاعتبر الصلاة من فوق جبل أبي قبيس لإمكان المسامتة النظرية، وليس لاستقبال مجرد الهواء. وجاء في التبصرة للخمي: «لو نوى الصلاة إلى ما فوق خاصة لم تجزئه الصلاة» (٢). وهو مبني على أن الفرض استقبال البناء، وليس الهواء. وهذه المسألة متفرعة عن المسألة السابقة: وهي المقصود بالاستقبال: العرصة، أو البناء، أو هما معًا. وقد ذكرنا أدلتها في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد. * * *

стр. 2466

المبحث الثاني في الصلاة داخل الكعبة وفوقها الفرع الأول في صلاة الفريضة داخل الكعبة المدخل إلى المسألة: • جواز النافلة في الكعبة دليل على صحة الفريضة فيها، لأنه لم يحفظ في الشرع نهي عن صلاة الفريضة داخل البيت، وما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل. • لما صح استقبال بعض البيت بالنفل واستدبار بعضه دل ذلك على صحته في الفرض؛ لأن الاستقبال في النفل إنما سقط عن الراكب بالاتفاق، وعن الماشي على الصحيح، ولم يسقط الاستقبال عن القائم على الأرض. • صح عن النبي ﷺ -أنه قال لعائشة: (صَلِّي في الحجر)، وهو مطلق، لم يفرق بين النافلة والمكتوبة، والحجر من البيت، وهو دليل على صحة استقبال جزء من البيت، وإن استدبر جزءًا آخر منه. • ترك النبي ﷺ -صلاة الفريضة داخل البيت؛ أتركه ذلك باعتبار أن الفريضة لا تصح داخل البيت، أم أن ذلك كان بسبب أن النبي ﷺ -يصلي الفريضة جماعة، والصلاة بجميع الناس في الكعبة متعذر، وتخصيص الإمام بالصلاة في الكعبة غير سائغ، وتخصيص بعض المأمومين بالصلاة فيها دون بعض فيه إيحاش؟ (١). [م-٣١٦] اختلف العلماء في صلاة الفريضة داخل الكعبة: فقيل: تصح الفريضة داخل الكعبة. وهو مذهب الحنفية، وبه قال الشافعية إلا

стр. 2467

أنهم اشترطوا أن يستقبل شاخصًا منها، وهو رواية عن أحمد (١). جاء في مسائل الكوسج للإمام أحمد: «قلت له: الصلاة في جوف الكعبة قال: لا بأس بها» (٢). وقيل: تكره الصلاة داخل الكعبة، ونسبه القاضي عبد الوهاب البغدادي للإمام مالك، واختاره الجلاب في التفريع، وابن عبد البر في الكافي، وقال الدسوقي في حاشيته: وهو الراجح (٣).

стр. 2468

وقيل: تحرم صلاة الفريضة داخل الكعبة، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، اختاره خليل في مختصره، وفي التوضيح، والدردير في الشرح الكبير، والخرشي، وابن جزي في القوانين، وشهره القاضي تقي الدين الفاسي، واختاره ابن جرير الطبري، والإمام إسحاق (١). وذهب أكثر المالكية إلى إعادة الصلاة إن فعل على خلاف بينهم: فقيل: يعيد ما دام في الوقت مطلقًا، سواء أصلى عامدًا أم ناسيًا، أم جاهلًا، وهو المعتمد (٢). وقيل: إن كان ناسيًا أعاد في الوقت، وإن كان عامدًا أو جاهلًا أعاد أبدًا، في الوقت وغيره (٣). جاء في المدونة: «بلغني عن مالك أنه سئل عن رجل صلى المكتوبة في الكعبة قال: يعيد ما كان في الوقت، وقال مالك: وهو مثل من صلى إلى غير القبلة يعيد ما كان في الوقت» (٤). واتفق الحنابلة مع المالكية بأن الفريضة لا تصح داخل الكعبة أو فوقها،

стр. 2469

واختلف الحنابلة في تعليل المنع على قولين: أحدهما: أن المنع؛ لأن استقبال جميع البيت شرط، ورجحه ابن تيمية في شرح العمدة (١). وهذا يتفق مع تعليل المالكية. الثاني: أن المنع حتى لا يستدبر شيئًا من البيت،، فإن وقف على منتهاها بحيث لم يَبْقَ وراءه شيء منها، أو قام خارجها وسجد فيها صحت الفريضة؛ لأنه استقبل طائفة من الكعبة غير مستدبر لشيء منها، فصحت كما لو صلى إلى أحد أركانها، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد (٢). وقال أشهب: «تجوز الفريضة في الكعبة، ولا تستحب، وإن فعل فلا إعادة عليه» (٣). فصارت الأقوال ترجع إلى قولين: صحة الفريضة في الكعبة، على خلاف، أتستحب، أم تجوز بلا استحباب؛ لترك النبي ﷺ -فعلها داخل الكعبة، أو تصح مع الكراهة؟ والقول الثاني: التحريم. والخلاف في هذه المسألة راجع إلى اختلاف الفقهاء في مسألتين: المسألة الأولى: اختلافهم في تعليل الحكم، فالنص أمر بالتوجه نحو البيت. والسؤال: أيشترط استيعاب البيت بالتوجه إلى القبلة، أم لا يشترط؟ فمن قال: يشترط استيعاب جميع البيت منع من الصلاة داخله. وعلى القول بأنه لا يشترط الاستيعاب: هل المقصود بالاستقبال البقعة، فلو

стр. 2470

استقبل الهواء صحت صلاته، أم المقصود بالاستقبال البناء: بعضه أو كله على خلاف بينهما، أم المقصود بالاستقبال مجموع البقعة والبناء معًا؟ وقد فصلت خلاف الفقهاء في هذه المسألة، فلله الحمد، كما فصلت الخلاف في استقبال الهواء والقرار. وإذا ترجح استقبال جزء من البيت، أيجوز مطلقًا، أم يجوز بشرط ألا يستدبر بعض البيت إذا استقبل بعضه؟ لأن عندهم أن استدبار جزء من البيت مفسد لما استقبل منه. المسألة الثانية: الاختلاف في الموقف من الآثار: قال ابن رشد: «ورد في ذلك حديثان متعارضان كلاهما ثابت: أحدهما: حديث ابن عباس قال: لما دخل رسول الله ﷺ -البيت دعا في نواحيه كلها ولم يُصَلِّ حتى خرج، فلما خرج ركع ركعتين في قِبَلِ الكعبة وقال: هذه القبلة. والثاني: حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ -دخل الكعبة هو وأسامة ابن زيد وعثمان بن طلحة وبلال بن رباح، فأغلقها عليه ومكث فيها، فسألت: بلالًا حين خرج، ماذا صنع رسول الله ﷺ -فقال: جعل عمودًا عن يساره وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، ثم صلى. فمن ذهب مذهب الترجيح أو النسخ قال: إما بمنع الصلاة مطلقًا إن رجح حديث ابن عباس، وإما بإجازتها مطلقًا إن رجح حديث ابن عمر، ومن ذهب مذهب الجمع بينهما حمل حديث ابن عباس على الفرض وحديث ابن عمر على النفل، والجمع بينهما فيه عسر، فإن الركعتين اللتين صلاهما ﵊ خارج الكعبة، وقال هذه القبلة هي نفل» (١). وقد ناقشت دلالة هذين الحديثين على مسألتنا حين الكلام على مسألة: المعتبر في الاستقبال. وجواز النافلة في البيت دليل على صحة الفريضة فيه؛ لأنه لم يحفظ في الشرع نهي عن صلاة الفريضة داخل البيت، ولأن الاستقبال لازم للنافلة في حق الحاضر

стр. 2471

إذا لم يكن راكبًا ولا ماشيًا، فلو صلى نافلة خارج الكعبة ولم يستقبل القبلة بطلت بالإجماع. وقد ترك النبي ﷺ -صلاة الفريضة داخل البيت؛ أتركه ذلك باعتبار أن الفريضة لا تصح داخل البيت، أم أن ذلك كان بسبب أن النبي ﷺ -يصلي الفريضة جماعة، والصلاة بجميع الناس في الكعبة متعذر، وتخصيص الإمام بالصلاة في الكعبة غير سائغ، وتخصيص بعض المأمومين بالصلاة فيها دون بعض فيه إيحاش؟ كما قاله العراقي في طرح التثريب (١)، والله أعلم. • الراجح من الخلاف: أن الصلاة داخل الكعبة باستقبال بعض البيت صحيح، وأنه لا يشترط استيعاب البيت، وأن الفريضة والنافلة سواء، وانظر لزامًا لاستكمال البحث في هذه المسألة مسألة: ما المعتبر في استقبال القبلة: البقعة، أم البناء، أم هما معًا؟ فقد تعمدت اختصار المسألة لكون هذه المسألة فرعًا عن تلك، إلا أنه لما كانت الأقوال فيها تفصيلات لم أتطرق إليها في أصل المسألة، أفردتها في البحث، والله الموفق، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * * *

стр. 2472

الفرع الثاني في صلاة النافلة داخل الكعبة المدخل إلى المسألة: • رواية ابن عمر عن بلال عن النبي ﷺ -أنه صلى في الكعبة أولى من رواية ابن عباس، عن أسامة، أن رسول الله ﷺ -لم يُصَلِّ فيها؛ لأن بلالًا مثبت، والمثبت مقدم على النافي. • المأمور باستقبال الكعبة لم يؤمر باستقبال جميعها، وإنما توجه الخطاب إليه باستقبال بعضها، والمصلي في جوفها قد استقبل جهة منها. • صح عن النبي ﷺ -أنه قال لعائشة: (صلي في الحجر)، والحجر من البيت، وهو دليل على صحة استقبال جزء من البيت، وإن استدبر جزءًا آخر منه. • استدبار جزء من البيت لا يضاد الاستقبال؛ لأن ما استدبره من البيت لم يعتبره قبلة حتى يؤثر ذلك في صلاته. • ترك النافلة في جوف الكعبة بعلة استدبار جزء من البيت تقديم للنظر على النص، ولا اجتهاد مع النص. • حكم الاستقبال والاستدبار تبع للشرع، فمن الاستدبار ما هو سنة كالاستدبار حال خطبة الجمعة، وبعد فراغ الإمام من صلاة الجماعة، ومنه ما هو منهي عنه كالاستقبال والاستدبار حال قضاء الحاجة، ومن الاستقبال ما هو شرط كاستقبال القبلة للصلاة، ومنه ما هو سنة كالاستقبال حال الدعاء والذبح. [م-٣١٧] اختلف الفقهاء في صلاة النافلة في الكعبة، على أقوال: فقيل: يصح النفل بأنواعه، وهو مذهب الحنفية، وأشهب، وابن عبد الحكم

стр. 2473

من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (١). وقيل: لا يصح مطلقًا، وهو قول ابن عباس، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن جرير الطبري، وأصبغ من المالكية، وبعض أهل الظاهر (٢). وقال المالكية: لا يصلى فيها النفل المؤكد: كالوتر، وركعتي الفجر وركعتي الطواف الواجب فإن وقع صح، ويصلى فيها النفل غير المؤكد: كأربعٍ قبل الظهر، وركعتي الطواف المندوب، والضحى، والنفل المطلق (٣).

стр. 2474

وقيل: تكره صلاة النفل في الكعبة، وهو قول في مذهب الحنابلة (١)، وقال به بعض المالكية في النفل المؤكد على التفصيل السابق في مذهبهم (٢). فصارت الأقوال أربعة: قيل: الصحة مطلقًا، وقيل: التحريم مطلقًا، وقيل: الكراهة مطلقًا. وقيل: بالتفريق بين النفل المؤكد، وبين النفل المطلق وغير المؤكد: فالأول لا يصلى في الكعبة، على خلاف في المنع أهو للتحريم أم للكراهة؟ بخلاف النفل المطلق وغير المؤكد فيصلى في الكعبة. وهذا التفصيل من مفردات مذهب المالكية، والله أعلم. وفي مذهب الحنابلة قولان في مقابل المشهور من مذهبهم، أسردها للوقوف على جميع الأقوال: أحدها: يصح النفل إن كان جاهلًا بالنهي، وإلا لم يصح. ولعلهم يقصدون جاهلًا بالحكم؛ لأنه لا يحفظ نهي عن الصلاة في الكعبة، وهذا القول يرجع إلى القول بالمنع، واعتبار الجهل عذرًا. وهذا القول لو توجه إلى فعل الفريضة لقيل: يصح إن كان جاهلًا فإن الصحة تعني سقوط القضاء، أما النافلة فالحنابلة لا يرون وجوب النفل بالشروع فيه، حتى يقال: إن الصحة تعني سقوط القضاء. وقيل: يصلي في البيت إذا دخل وجاهه، كما فعل النبي ﷺ ، ولا يصلي حيث يشاء، وهي نزعة ظاهرية (٣). وإذا كان النبي ﷺ -قد صلى في الكعبة على رواية بلال ﵁، فلا بد

стр. 2475

أن يكون ذلك في موضع من الكعبة، ولا خصوصية لهذا الموضع إلا بدليل، كما قال النبي ﷺ -في وقوفه في عرفه: وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف. وكأن هذا القول مبني على أن الأصل في الصلاة في البيت المنع، فيقتصر في صحة النافلة على المكان الذي فعلت فيه، ولو قيل بتفضيل هذا المكان على غيره، ربما قيل له وجه، أما النهي عن الصلاة مطلقًا إلا ذلك الموضع، فهو قول ضعيف جدًّا، والله أعلم. وكنت قد تعرضت لأدلة هذه المسألة عرضًا ضمن مسألتين تقدمتا، الأولى: المعتبر في القبلة: البقعة أم البناء، أم الجميع. ومسألة: صلاة الفريضة في الكعبة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وقد رأيت أن أنقل كلامًا جيدًا لابن عبد البر لمن يريد ألا يعود إلى المسألتين السابقتين: يقول الحافظ في التمهيد: «رواية ابن عمر عن بلال عن النبي ﷺ -أنه صلى في الكعبة أولى من رواية ابن عباس عن أسامة أن رسول الله ﷺ -لم يُصَلِّ فيها؛ لأنها زيادة مقبولة، وليس قول من قال: لم يفعل بشهادة، وهذا أصل من أصول الفقه في الشهادة إذا تعارضت في نحو هذا، فأثبت قوم شيئًا ونفاه آخرون، كان القول قول المثبت دون النافي؛ لأن النافي ليس بشاهد، هذا إذا استويا في العدالة والإتقان، والقول في قبول زيادة الزائد في أخبار على نحو هذا؛ لأن الزيادة كشهادة مستأنفة … ثم ساق بإسناده رواية ابن عمر عن بلال، وقد خرجتها فيما سبق، وأثرًا عن عمر ﵁ يؤيد ذلك، ثم انتقل إلى عرض الأقوال الفقهية المختلفة … ثم قال ابن عبد البر: «واحتج -يعني المانعين- بقول ابن عباس: أُمِرَ الناس أن يصلوا إلى الكعبة، ولم يؤمروا أن يصلوا فيها. قال ابن عبد البر: لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين: إما أن يكون من صلى في الكعبة صلاته تامة فريضة كانت أو نافلة؛ لأنه قد استقبل بعضها وليس عليه إلا ذلك. أو تكون صلاته فاسدة فريضة كانت أو نافلة من أجل أنه لم يحصل له استقبال

стр. 2476

بعضها إذا صلى داخلها إلا باستدبار بعضها، ولا يجوز ذلك عند من ذهب إلى أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده في كل باب. والصواب من القول في هذا الباب عندي قول من أجاز الصلاة كلها في الكعبة إذا استقبل شيئًا منها؛ لأنه قد فعل ما أُمِرَ به، ولم يَأْتِ ما نُهِيَ عنه؛ لأن استدبارها ههنا ليس ضَّد استقبالها؛ لأنه ثابت معه في بعضها، والضد لا يثبت مع ضده، ومعلوم أن المأمور باستقبال الكعبة لم يؤمر باستقبال جميعها، وإنما توجه الخطاب إليه باستقبال بعضها، والمصلي في جوفها قد استقبل جهة منها وقطعة وناحية فهو مستقبل لها بذلك وقد ثبت عن النبي ﷺ -أنه صلى فيها ركعتين، وهو المبين عن الله مراده، وكل موضع يجوز فيه صلاة النافلة جازت فيه صلاة الفريضة قياسًا ونظرًا إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، على أنه لا يجب لأحد أن يتعمد صلاة الفريضة فيها، ولو صلى فيها ركعتين نافلة لم يكن بذلك بأس، فإن صلى أحد فيها فريضة فلا حرج ولا إعادة. فإن قيل: إن النافلة قد تجوز على الدابة للمسافر إلى غير القبلة ولا تجوز كذلك الفريضة، فَلِمَ قِيسَتْ النافلة على الفريضة؟ قيل له ذلك موضع مخصوص بالسنة؛ لضرورة السفر، كما تجوز صلاة الفريضة للخائف المطلوب راكبًا مستقبل القبلة وغير مستقبلها؛ لضرورة الخوف وليس ذلك بمبيح له الصلاة المفروضة على الدابة في حال الأمن من غير ضرورة ولا بمبيح ذلك له ترك استقبال القبلة من غير ضرورة، وكذلك الصلاة على الدابة للمتطوع المسافر ليس ذلك بمبيح له الصلاة النافلة ولا الفريضة على الأرض إلى غير القبلة في الحضر؛ لأنها في السفر حال ضرورة خصت بالسنة والإجماع وأما غير ذلك مما تنازع فيه العلماء من هذا الباب فالواجب ألا يفرق بين صلاة النافلة والفريضة، كما أنها لا تفترق في الطهارة، واستقبال القبلة، وقراءة القرآن، والسهو، وسائر الأحكام» (١).

стр. 2477

وكلام ابن عبد البر قد ناقشته بتوسع كما قلت في مبحثين: أحدهما: في الكلام على: (المعتبر في القبلة). والثاني: في (صلاة الفريضة في الكعبة) فارجع إليه إن شئت، لتقف على أصل الخلاف في الصلاة في الكعبة، فريضةً ونفلًا، والله أعلم. * * *

стр. 2478

الفرع الثالث في الصلاة فوق الكعبة المدخل إلى المسألة: • تحريم الصلاة فوق الكعبة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، فإذا صُلِّي إليها، وفيها، صحت الصلاة فوقها. • لو كانت الصلاة فوقها حرامًا لنهى عنه الشرع كما نهى عن الصلاة إلى القبر، وما كان ربك نسيًّا. • محاذاة الكعبة ليست بشرط بدليل صحة الصلاة على جبيل أبي قبيس. • هواء الكعبة تابع للقرار، والقرار ثابت إلى الأرض السابعة، قال ﷺ : من ظلم قيد شِبْرٍ من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين. متفق عليه (١). • لا يشترط استيعاب جميع البيت بالاستقبال؛ لصحة النافلة في جوف الكعبة. • الأصل عدم اشتراط استقبال شاخص من الكعبة. [م-٣١٨] اختلف العلماء في الصلاة فوق الكعبة: فقيل: تصح الصلاة فوق الكعبة مطلقًا فرضها ونفلها، ولو بلا سترة مع الكراهة لما فيه من ترك التعظيم للبيت، وهذا مذهب الحنفية (٢).

стр. 2479

• دليل الصحة عند الحنفية: تقدم ذكر أدلتهم في المسائل الماضية، والحكم مبني عندهم على اعتبار أن القبلة عندهم هي البقعة دون البناء، ولا يشترط استيعاب جميع البيت بالاستقبال، فيكفي استقبال بعضه، وما استدبره من البيت مما لم يعتبره قبلة له لا يوجب فسادًا لصلاته، وقد فصلت كل ذلك في أكثر من مسألة متقدمة، فانظره هناك. • دليل الكراهة عند الحنفية: (ح-٨٩١) ما رواه الترمذي من طريق يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ -نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في الْمَزْبَلَةِ، والمجزرة، وَالْمَقْبَرَةِ، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله (١). [ضعيف جدًّا] (٢). ولما في الصلاة فوقها من ترك التعظيم لها. وقال الشافعية والحنابلة: تصح إذا صلى وبين يديه شاخص منها، قدر الشافعية بقدر مؤخرة الرحل: ثلثي ذراع فأكثر (٣).

стр. 2480

والحكم عند الشافعية مبني على أن المعتبر في القبلة البناء، فمن صلى فوقها، ولم يكن ثَمَّةَ شاخصٌ منها يصلي إليه، فقد صلى على البيت، ولم يُصَلِّ إليه. وقد فصلت أدلتهم في مسألة: المعتبر في القبلة، فانظره هناك. وقال المالكية: «لا يصح فرض على ظهرها، فيعاد أبدًا، والصلاة فيها أخف من الصلاة على ظهرها؛ لأن من صلى الفرض فيها أعاد في الوقت، ومن صلاه عليها أعاد أبدًا، واختار القاضي عبد الوهاب أنه يعيد في الوقت، والأول هو المشهور. ويلحق بالفرائض النفل المؤكد: كالوتر، وركعتي الفجر وركعتي الطواف الواجب، ويصلى على ظهرها النفل غير المؤكد: كأربع قبل الظهر، وركعتي الطواف المندوب، والضحى، والنفل المطلق» (١). بناء على أن المأمور به استقبال جملة البناء، لا بعضه، ولا الهواء. وقال محمد بن عبد الحكم وأشهب: «من صلى فوق ظهر الكعبة لا إعادة عليه» (٢). وقد ذكرت أدلتهم في مسألة: المعتبر في القبلة، فارجع إليه. • والراجح: أن الصلاة فيها وفوقها صحيحة، والفرض كالنفل، وسواء اسْتَقْبَلَ شاخصًا منها، أم استقبل هواءها فصلاته صحيحة، وإن كان أحب إلي أن يستقبل شاخصًا منها خروجًا من خلاف ابن عباس، والله أعلم. * * *

стр. 2481

المبحث الثالث في استقبال حجر إسماعيل المدخل إلى المسألة: • بعض الحجر من البيت، جاء ذلك بنصوص متفق عليها، ومقطوع بصحتها. • إذا استقبل المصلي من الحجر ما اتفقت عليه الروايات أنه من البيت صحت صلاته، دون ما وقع الاختلاف فيه. • تحول الصحابة وهم في الصلاة حين بلغهم أن القبلة حولت، ولم يترددوا في قبول ذلك بحجة أنه من أخبار الآحاد، فكذلك الشأن في أحاديث استقبال الحجر. • لم يختلفوا على أن خمسة أذرعٍ من الحجر ملحق بالبيت، والراجح رواية الستة، وهي لا تعارض رواية من قال: قريبًا من سبعة أذرعٍ، فإن العرب تارة يحذفون الكسر، وتارة يجبرونه، وقد علمنا من بقية الرويات أن الزيادة بمقدار شبر. [م-٣١٩] ذهب الحنفية والمالكية والصحيح من قولي الشافعية: أنه لو صلى إلى الحجر دون الكعبة لم تجزئه صلاته، وبه قال ابن عقيل وابن حامد من الحنابلة، وجزم به أبو المعالي في المكي (١). وقال الحنابلة: تجزئه صلاته، وذلك في مقدار ستة أذرع منه، وبه قال اللخمي من المالكية (٢).

стр. 2482

• وجه قول المنع: علل بعض المالكية بأن استقبال الحجر دون الكعبة يبطل الصلاة، ولو تيقن كونه من البيت؛ لأن المقصود استقبال بنائه لا بقعته (١). • وعلل الحنفية والشافعية المنع: بأن إلحاق الحطيم من البيت مظنون، لأنه ثبت بخبر الآحاد، بخلاف فرضية استقبال القبلة فإنه مقطوع به، فلا يترك القطعي للمظنون (٢). والتفريق بين خبر الآحاد وغيره تفريق لا دليل عليه، وقد تحول الصحابة وهم في الصلاة حين بلغهم أن القبلة حولت، ولم يترددوا في قبول ذلك بحجة أنه من أخبار الآحاد. • وعلل بعض المالكية المنع: بأن الصلاة إلى الحجر باطلة؛ لعدم القطع بأنه منه (٣). يريد للاختلاف في مقدار ما يدخل من الحجر في البيت، وما يخرج منه (٤): ففي بعض النصوص أن الحجر من البيت: (ح-٨٩٢) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الأحوص، حدثنا أشعث، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ﵂، قالت: سألت النبي ﷺ -عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم (٥).

стр. 2483

ورواه مسلم من طريق شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء به، قالت عائشة: سألت رسول لله ﷺ -عن الحجر؟ وساق الحديث بمعنى حديث أبي الأحوص .... (١). فأبانت رواية مسلم عن تفسير الجدر، وأن المراد به الحجر. قال ابن حجر: «ظاهره أن الحجر كله من البيت» (٢). وروى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا قرة بن خالد، عن عبد الحميد بن جبير المكي من آل شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: حدثتنا عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، أصلي في الكعبة؟ فقال: صلي في الحجر، فإنه من الكعبة، أو قال: من البيت (٣). والدلالة من هذا الحديث كالدلالة من الذي قبله، فإن ظاهره أن الحجر كله من الكعبة. • ويجاب: بأن المطلق من النصوص يحمل على المقيد منها، والتي ذكرت أن الحجر بعضه من البيت، على خلاف في تقدير بعضه: فرواه مسلم من طريق سعيد بن ميناء، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة مرفوعًا: … وفيه: ولزدت فيها ستة أذرع من الحجر (٤). ورواه البخاري من طريق جرير بن حازم، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة … وفيه: قال يزيد: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل. قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: هاهنا، قال: جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها (٥).

стр. 2484

ورواه مسلم من طريق الحارث بن عبد الله، عن عائشة … وفيه: أن النبي ﷺ -أراها قريبًا من سبعة أذرع من البيت (١). ورواه مسلم من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: ابن الزبير، سمعت عائشة تقول: … وفيه: لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع … فزاد فيه ابن الزبير خمسة أذرع (٢). وقال الحافظ في الفتح: ولسفيان بن عيينة في جامعه … عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن الزبير ستة أذرعٍ وشبر (٣). • ويجاب بأن الكلام فيما اتفقت الروايات على أنه من البيت إذا استقبله، لا فيما وقع الاختلاف فيه. فالخمسة لم يختلفوا عليها، والراجح رواية الستة، وهي لا تعارض رواية الحارث في قوله: قريبًا من سبعة أذرع، فإن العرب تارة يحذفون الكسر، وتارة يجبرونه، وقد علمنا أن الزيادة بمقدار شبر (٤). • دليل الحنابلة على جواز التوجه إلى الحجر: الدليل الأول: (ح-٨٩٣) فقد روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا قرة بن خالد، عن عبد الحميد بن جبير المكي من آل شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: حدثتنا عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، أصلي في الكعبة؟ فقال: صلي في الحجر، فإنه من الكعبة، أو قال: من البيت (٥).

стр. 2485

[صحيح] (١). وإذا كان الحجر من البيت، فقد أمرنا الله بالتوجه إلى البيت. • ونوقش: بأن لفظ البيت أطلق على القواعد الموجودة يوم نزول الخطاب، وهي الموجودة الآن، والحجر ليس منها. • ورد هذا النقاش: قولكم: (لفظ البيت أطلق على القواعد الموجودة وقت نزول الخطاب) غير مسلم مع قول النبي ﷺ : فإن الحجر من الكعبة، أو من البيت، وقول النبي ﷺ -لعائشة: صلي في الحجر. الدليل الثاني: (ح-٨٩٤) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ -قال لها: يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، فبلغت به أساس إبراهيم. فذلك الذي حمل ابن الزبير ﵄ على هدمه، قال يزيد: وشهدت ابن الزبير حين هدمه، وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة، كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ها هنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها (٢). ورواه مسلم من طريق سليم بن حيان، عن سعيد يعني ابن ميناء، قال: سمعت عبد الله بن الزبير، يقول: حدثتني خالتي، يعني عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين: بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها

стр. 2486

حيث بنت الكعبة (١). (ح-٨٩٥) ورواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن عبيد ابن عمير، والوليد بن عطاء، يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب يعني ابن الزبير، سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث: بلى أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ : إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع، هذا حديث عبد الله بن عبيد … الحديث (٢). • ونوقش هذا: بأن الحجر كونه من البيت لا يعني أن يأخذ حكمه في التوجه إلى القبلة؛ لأن الحجر بخروجه عن الكعبة في البناء لم يبق قبلة؛ فهو يشبه القرآن المنسوخ تلاوة، حيث يكون حكمه ثابتًا، ولا تجوز الصلاة به، ولأن القبلة ما بني للاستقبال، والحجر ليس كذلك، وإن كان من البيت، ولأنه في المشاهدة والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام، وإنما وردت أحاديث بأنه كان من البيت فعمل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف به دون الاكتفاء بالصلاة إليه احتياطًا للعبادتين (٣). • ويناقش: بأن البيت كله قبلة، وكونه أخرج من البيت لقصور النفقة، فلم يخرج حكمه، وإذا كانت الصلاة فيه تأخذ حكم الصلاة في جوف الكعبة فالتوجه إليه يأخذ حكم التوجه للكعبة، واعتباره من البيت بالطواف دون القبلة تفريق ليس مبنيًّا على نظر صحيح، ولا دليل صريح، والخلاف فيه ليس مسوغًا لبطلان الصلاة إليه، والله أعلم.

стр. 2487

• الراجح: أن بعض الحجر من البيت، وأن من صلى متوجهًا إليه فإن صلاته صحيحة، والله أعلم. * * *

стр. 2488

المبحث الرابع في استقبال القبلة ببعض بدنه المدخل إلى المسألة: • الصف البعيد عن الكعبة تصح صلاته، ونعلم قطعًا أن حجم الكعبة لا يقابل الجميع، ولو قرب الصف لخرج عن سمت الكعبة. • إذا كان الالتفات لا يبطل الاستقبال، وقد خرج جزء من الجسم عن مواجهة الكعبة، فكذلك إذا خرج بعض الجسم عن استقبال الكعبة. • لو قيل: إذا استقبل بأكثر بدنه القبلة صحت صلاته؛ لأن للأكثر حكم الكل. [م-٣٢٠] إذا استقبل بجميع بدنه بعض البيت صحت صلاته، ولا إشكال؛ لأن التوجه لا يشترط استيعاب البيت. قال الماوردي في الحاوي الكبير: «المستقبل لبعض الكعبة بجميع بدنه كالمستقبل لجميع الكعبة» (١). واختلفوا في الرجل يستقبل البيت ببعض بدنه. فقال المالكية والشافعية في الأصح، والحنابلة في المشهور: الواجب أن يستقبلها بجميع بدنه، حتى لا يخرج شيء منه عنها، فإن خرج شيء منه عنها لم تَصِحَّ صلاته (٢). قال ابن عقيل الحنبلي: «لو خرج بعض بدنه عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته» (٣).

стр. 2489

لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فالوجه: مفرد مضاف، فيعم، والقصد الذات، فَوَلِّ ذاتك نحو الكعبة، فصار الاستقبال مضافًا إلى جميع بدن المصلي، فإذا استقبلها ببعض جسمه صدق عليه أنه ما استقبلها، وإنما الذي استقبلها بعض وجهه، وخروج بعض بدنه عن الكعبة كخروج جميعه؛ لأن البدن كله يصلي. وهذا لا يعارض ما سيأتي إن شاء الله في حكم الملتفت عن القبلة بوجهه، دون صدره وقيل: دون قدميه أن صلاته صحيحة، فتلك مسألة أخرى (١). وقيل: تصح صلاته إذا استقبل البيت ببعض وجهه، وهو وجه مرجوح في مذهبي الشافعية والحنابلة (٢). جاء في فتح العزيز: «لو وقف على طرف من أطراف البيت، وبعض بدنه في محاذاة ركن، والباقي خارج، ففي صحة صلاته وجهان: أحدهما: تصح؛ لأنه توجه إلى الكعبة بوجهه، وحصل أصل الاستقبال. وأصحهما: لا تصح … » (٣). ولأن الصف البعيد عن الكعبة تصح صلاته، ونعلم قطعًا أن حجم الكعبة

стр. 2490

لا يقابل الجميع، ولو قرب الصف لخرج عن سمت الكعبة. وقياسًا على الالتفات، فإذا كان الالتفات لا يبطل الاستقبال، وقد خرج جزء من الجسم عن مواجهة الكعبة، فكذلك هذه المسألة، والله أعلم. ولا شك أن الأَسَدَّ هو أن يحاذِيَ البيت بجميع بدنه. يقابله: من خرج عن الاستقبال بالكلية، فهذا لا صلاة له. وبين هذا وهذا مواقف بعضها أَسَدُّ من بعض، فأرجو أن يقوم السديد مقام الأَسَدِّ، وأن يعفى عن خروج اليسير من البدن عن القبلة كما عفي عن يسير النجاسة، ويسير العورة، ونحوها. وإن كنت أطالب بفعل الأسد قبل الصلاة احتياطًا لركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، أما إذا صلى وانتهى فالاحتياط ألا يحكم بفساد صلاته إلا بشيء لا يمكن دفعه، وبرهانٍ من نَصٍّ أو إجماعٍ، أو قول صحابي لا مخالف له من الصحابة، والله أعلم. * * *
следующие страницы →