حيث بنت الكعبة (١).
(ح-٨٩٥) ورواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن عبيد ابن عمير، والوليد بن عطاء، يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال:
وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب يعني ابن الزبير، سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث: بلى أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ : إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع، هذا حديث عبد الله بن عبيد … الحديث (٢).
• ونوقش هذا:
بأن الحجر كونه من البيت لا يعني أن يأخذ حكمه في التوجه إلى القبلة؛ لأن الحجر بخروجه عن الكعبة في البناء لم يبق قبلة؛ فهو يشبه القرآن المنسوخ تلاوة، حيث يكون حكمه ثابتًا، ولا تجوز الصلاة به، ولأن القبلة ما بني للاستقبال، والحجر ليس كذلك، وإن كان من البيت، ولأنه في المشاهدة والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام، وإنما وردت أحاديث بأنه كان من البيت فعمل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف به دون الاكتفاء بالصلاة إليه احتياطًا للعبادتين (٣).
• ويناقش:
بأن البيت كله قبلة، وكونه أخرج من البيت لقصور النفقة، فلم يخرج حكمه، وإذا كانت الصلاة فيه تأخذ حكم الصلاة في جوف الكعبة فالتوجه إليه يأخذ حكم التوجه للكعبة، واعتباره من البيت بالطواف دون القبلة تفريق ليس مبنيًّا على نظر صحيح، ولا دليل صريح، والخلاف فيه ليس مسوغًا لبطلان الصلاة إليه، والله أعلم.
стр. 2487
• الراجح:
أن بعض الحجر من البيت، وأن من صلى متوجهًا إليه فإن صلاته صحيحة، والله أعلم.
* * *
стр. 2488
المبحث الرابع في استقبال القبلة ببعض بدنه
المدخل إلى المسألة:
• الصف البعيد عن الكعبة تصح صلاته، ونعلم قطعًا أن حجم الكعبة لا يقابل الجميع، ولو قرب الصف لخرج عن سمت الكعبة.
• إذا كان الالتفات لا يبطل الاستقبال، وقد خرج جزء من الجسم عن مواجهة الكعبة، فكذلك إذا خرج بعض الجسم عن استقبال الكعبة.
• لو قيل: إذا استقبل بأكثر بدنه القبلة صحت صلاته؛ لأن للأكثر حكم الكل.
[م-٣٢٠] إذا استقبل بجميع بدنه بعض البيت صحت صلاته، ولا إشكال؛ لأن التوجه لا يشترط استيعاب البيت.
قال الماوردي في الحاوي الكبير: «المستقبل لبعض الكعبة بجميع بدنه كالمستقبل لجميع الكعبة» (١).
واختلفوا في الرجل يستقبل البيت ببعض بدنه.
فقال المالكية والشافعية في الأصح، والحنابلة في المشهور: الواجب أن يستقبلها بجميع بدنه، حتى لا يخرج شيء منه عنها، فإن خرج شيء منه عنها لم تَصِحَّ صلاته (٢).
قال ابن عقيل الحنبلي: «لو خرج بعض بدنه عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته» (٣).
стр. 2489
لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
فالوجه: مفرد مضاف، فيعم، والقصد الذات، فَوَلِّ ذاتك نحو الكعبة، فصار الاستقبال مضافًا إلى جميع بدن المصلي، فإذا استقبلها ببعض جسمه صدق عليه أنه ما استقبلها، وإنما الذي استقبلها بعض وجهه، وخروج بعض بدنه عن الكعبة كخروج جميعه؛ لأن البدن كله يصلي.
وهذا لا يعارض ما سيأتي إن شاء الله في حكم الملتفت عن القبلة بوجهه، دون صدره وقيل: دون قدميه أن صلاته صحيحة، فتلك مسألة أخرى (١).
وقيل: تصح صلاته إذا استقبل البيت ببعض وجهه، وهو وجه مرجوح في مذهبي الشافعية والحنابلة (٢).
جاء في فتح العزيز: «لو وقف على طرف من أطراف البيت، وبعض بدنه في محاذاة ركن، والباقي خارج، ففي صحة صلاته وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأنه توجه إلى الكعبة بوجهه، وحصل أصل الاستقبال.
وأصحهما: لا تصح … » (٣).
ولأن الصف البعيد عن الكعبة تصح صلاته، ونعلم قطعًا أن حجم الكعبة
стр. 2490
لا يقابل الجميع، ولو قرب الصف لخرج عن سمت الكعبة.
وقياسًا على الالتفات، فإذا كان الالتفات لا يبطل الاستقبال، وقد خرج جزء من الجسم عن مواجهة الكعبة، فكذلك هذه المسألة، والله أعلم.
ولا شك أن الأَسَدَّ هو أن يحاذِيَ البيت بجميع بدنه.
يقابله: من خرج عن الاستقبال بالكلية، فهذا لا صلاة له.
وبين هذا وهذا مواقف بعضها أَسَدُّ من بعض، فأرجو أن يقوم السديد مقام الأَسَدِّ، وأن يعفى عن خروج اليسير من البدن عن القبلة كما عفي عن يسير النجاسة، ويسير العورة، ونحوها.
وإن كنت أطالب بفعل الأسد قبل الصلاة احتياطًا لركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، أما إذا صلى وانتهى فالاحتياط ألا يحكم بفساد صلاته إلا بشيء لا يمكن دفعه، وبرهانٍ من نَصٍّ أو إجماعٍ، أو قول صحابي لا مخالف له من الصحابة، والله أعلم.
* * *
стр. 2491
المبحث الخامس في الدلالة على القبلة
الفرع الأول حكم تعلم أدلة القبلة
المدخل إلى المسألة:
• طلب الشارع منا التوجه إلى القبلة، فقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وترك لنا وسيلة تحقيق ذلك، سواء أحصل لنا ذلك باجتهادنا أم باجتهاد غيرنا، وهذا دليل على أن تعلم أدلة القبلة من فروض الكفاية.
• إذا لم يجد المصلي من يقلده وجب عليه تعلم أدلة القبلة، كما لو أراد سفرًا في الصحراء، وليس معه من يعرف علامات القبلة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
• لو وجب تعلم أدلة القبلة وجوبًا عينيًّا لوجب تعلم النجوم، فإنها من أخص علاماتها، ولا يوجد نص مرفوع بتعلم النجوم.
• إذا صح تقليد المؤذن في دخول الوقت، صح التقليد في التوجه إلى القبلة من باب أولى؛ لأن الخطأ في دخول الوقت يوجب إعادة الصلاة، بخلاف الخطأ في التوجه إلى القبلة، فلا يوجب الإعادة.
[م-٣٢١] اختلف الفقهاء في حكم تعلم أدلة القبلة:
فقيل: تعلمها فرض عين، وهو ظاهر كلام المالكية، والأصح عند الرافعي والبغوي من الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة إلا أن الحنابلة قالوا: يستحب تعلمها قبل دخول الوقت، فإذا دخل الوقت، وخفيت عليه لزمه تعلم أدلة القبلة،
стр. 2492
ويقلد إن ضاق الوقت (١).
وهذا التفصيل عند الحنابلة لا يخرج قولهم عن القول بأنه واجب عيني، لأن الاستحباب الذي عبروا به إنما هو قبل دخول الوقت: أي قبل وجود سبب الوجوب، فإذا دخل الوقت وجب عليه تعلم أدلة القبلة، ولا يقلد إلا إذا ضاق الوقت.
• دليل من قال بالوجوب العيني:
الدليل الأول:
أن التقليد لا يسوغ مع القدرة على الاجتهاد.
وقال القرافي: «ظاهر كلام أصحابنا أن التوجه للكعبة لا يسوغ فيه التقليد مع القدرة على الاجتهاد، ونَصُّوا على أن القادر على التعلم يجب عليه التعلم، ولا يجوز له التقليد، ومعظم أدلة القبلة في النجوم، فيجب تعلم ما تُعْلَمُ به القبلة كالفرقدين والجَدْيِ وما يجري مجراها في معرفة القبلة، وظاهر كلامهم أن تعلم
стр. 2493
هذا القسم فرض عين على كل أحد» (١).
الدليل الثاني:
أن دلائل القبلة يمكن لكل مكلف معرفتها، بخلاف دقائق المسائل فوجب عليه تعلمها كما يجب تعلم أركان الصلاة وشرائطها (٢).
وقيل: تعلمها من فروض الكفايات، وهو مذهب الحنفية، وقال به بعض المالكية، وقول في مذهب الشافعية (٣).
جاء في البزازية نقلًا من مجمع الأنهر: «وتعلم علم النجوم لمعرفة القبلة وأوقات الصلاة لا بأس به والزيادة حرام» (٤).
جاء في الفواكه الدواني: «ويجب على كل مكلف أن يتعلم أدلة القبلة إن لم يجد من يقلده» (٥).
فلو كان واجبًا عينيًّا لوجب تعلمه وجد من يقلده أو لم يوجد.
واستدلوا على ذلك:
بأن الشارع طلب منا التوجه إلى القبلة، فقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وترك لنا وسيلة تحقيق ذلك، سواء أحصل لنا ذلك باجتهادنا أم باجتهاد غيرنا.
وقيل: فرض كفاية إلا أن يريد سفرًا، واختاره النووي من الشافعية (٦).
وهذا القيد لولا أن النووي جعله قولًا مستقلًا لجعلته لا يخرج عن القول بأنه فرض كفاية؛ لأن جعله وجوبًا عينيًّا في السفر لا يجعله قولًا مستقلًا، فكل فروض الكفايات تكون عينية إذا لم يجد المكلف من يقوم بفرض الكفاية.
قال النووي في المجموع: «في تعلم أدلة القبلة ثلاثة أوجه:
стр. 2494
أحدها: أنه فرض كفاية ....
والثالث: وهو الأصح أنه فرض كفاية إلا أن يريد سفرًا فيتعين لعموم حاجة المسافر وكثرة الاشتباه عليه» (١).
فالأمر لا يتعلق بالسفر، وإنما الأمر معلق بعدم وجود من يقوم بفرض الكفاية، ولهذا حمل السبكي القول بأنه فرض عين في السفر على سفر يقل فيه العارفون بأدلتها دون ما يكثر فيه كركب الحاج فهو كالحضر (٢).
فصار الخلاف على قولين: فرض عين وفرض كفاية، وما ذكره الحنابلة من اشتراط دخول الوقت للوجوب العيني أو اشتراط السفر عند الشافعية فذلك تفصيل لا يجعل منها أقوالًا مستقلة، والله أعلم.
• الراجح من الخلاف:
القول بأنه فرض كفاية هو الأقرب؛ إذ لم ينقل أن النبي ﷺ -ثم السلف بعده ألزموا آحاد الناس تعلمها في حق مقيم ولا مسافر بخلاف شروط الصلاة وأركانها، ولو وجب تعلم أدلة القبلة لوجب تعلم النجوم، فإنها من أخص علاماتها، ولا يوجد نص مرفوع بتعلم النجوم.
نقل الأثرم عن أحمد كما في فتح الباري لابن رجب: قيل له: قبلة أهل بغداد على الجدي؟ فجعل ينكر أمر الجدي، وقال: أيش الجدي؟ ولكن على حديث عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة (٣).
* * *
стр. 2495
الفرع الثاني في الدلالة على القبلة بمعرفة الكواكب
المدخل إلى المسألة:
• قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها.
• قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. والهداية إنما تكون للمقاصد، والصلاة من أهم المقاصد.
قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. وهذا كله تنبيه على وجوه تحصيل المصالح من الكواكب، ومن أهم المصالح: إقامة الصلاة على الوجه المشروع.
• كل ما أفضى إلى المطلوب فتعلمه مطلوب شرعًا وهذه الأمور تعلمها يفضي إلى إقامة الصلوات المكتوبة فتكون مطلوبة
• النجوم علامات زمانية يستدل بها على فصول السنة، وعلامات مكانية يستدل بها على الجهات، ومنها جهة القبلة.
• يستدل بالشمس على وقت الصلاة، فالصبح بطلوع الفجر الصادق، والظهر بزوال الشمس، والعصر بكون ظل كل شيء مثله، والمغرب بغروبها، والعشاء بغياب الشفق، وكل هذه المظاهر الكونية متعلقة بالشمس.
• يستدل بالشمس على معرفة الجهات، حيث يدرك المشرق والمغرب من طلوعها وغروبها، وإذا عرف المشرق والمغرب عُرِفَ الشمال والجنوب.
[م-٣٢٢] قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧].
وقال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. [النحل: ١٦].
стр. 2496
فأخبر الله تعالى أن النجوم طرق لمعرفة الأوقات والمسالك ولولاها لم يَهْتَدِ بعض الناس إلى استقبال الكعبة
(ث-٢٢٨) وروى البخاري معلقًا قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له (١).
وهذه الثلاث منصوص عليها في كتاب الله تعالى، وليس في هذه الآيات ما يدل على حصر فوائد النجوم بهذه الأمور الثلاثة، والمحذور هو دعوى أن لهذه النجوم تأثيرًا في المقادير الكونية، والحوادث الأرضية، كما يزعم المنجمون ويَدَّعُون فيها قراءة المغيبات، فهذا شرك بالله، وتكذيب له سبحانه، فهو وحده الذي يعلم الغيب، ويُجْرِي المقادير.
فالذي يهمنا من علم النجوم معرفتنا لها أنها علامات زمانية يستدل بها على فصول السنة وأوقات البذر والحصاد والغرس.
وعلامات مكانية يستدل بها على معرفة أوقات الصلاة وجهات الشمال والجنوب.
قال تعالى: ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧].
أي خلقها للاهتداء بها، والخطاب عام لكل الناس، وإذا كانت هذه هي الغاية من خلقها كان تعلمها مطلوبًا شرعًا حيث لا تتم الهداية بها إلا بذلك.
قال القرافي: والهداية إنما تكون للمقاصد، والصلاة من أهم المقاصد (٢).
وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. [النحل: ١٦].
على ثلاثة أقوال:
«الأول: أن الألف واللام في قوله تعالى ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ للجنس. والمراد به جمع النجوم ....
الثاني: أن المراد به الثريا.
الثالث: أن المراد به الجدي والفرقدان.
стр. 2497
فأما جميع النجوم فلا يهتدي بها إلا العارف بمطالعها، ومغاربها، والمفرق بين الجنوبي والشمالي منها؛ وذلك قليل في الآخِرِين.
وأما الثريا: فلا يهتدي بها إلا من يهتدي بجميع النجوم.
وإنما الهدى لكل أحد بالجدي والفرقدين؛ لأنهما من النجوم المنحصرة المطلع، الظاهرة السمت، الثابتة في المكان، فإنها تدور على القطب الثابت دورانًا محصلًا، فهي أبدًا هدى الخلق في البر إذا عميت الطرق، وفي البحر عند مجرى السفن، وعلى القبلة إذا جهل السمت» (١).
فإذا كانت علامة القبلة في النجوم لعامة المسلمين محصورة في القطب والجدي، فسوف أتعرض لهما بشيء من التفصيل.
فالقطب: نجم صغير في بنات نعش الصغرى بين الجدي والفرقدين، وهو أقرب إلى الجدي (٢).
وحول القطب مجموعة من النجوم على هيئة سمكة، ذيلها الجدي، ورأسها الفرقدان، تدور على القطب كفراشة الرحى، في كل يوم وليلة دورة، نصفها بالليل، ونصفها بالنهار في الزمن المعتدل، فيكون الفرقدان عند طلوع الشمس في مكان الجدي عند غروبها، ويمكن الاستدلال بها في أوقات الليل وساعاته وغيره من الأزمنة لمن عرفها، وعرف كيفية دورانها، والقطب وسط الفراشة لا يبرح مكانه دائمًا.
والقطب خفي لا يراه إلا حاد البصر في الليالي غير المقمرة، ويستدل عليه بالجدي.
وقد نص الفقهاء على اعتبار القطب من أقوى الأدلة لمعرفة جهة الشمال، فإذا عرف الإنسان جهة الشمال حدد باقي الجهات (٣).
وأطلق ابن الأثير الجدي على القطب في شرحه لمسند الشافعي، وتبعه ابن الملقن (٤).
стр. 2498
وهو خلاف قول أكثر أهل العلم (١).
قال ابن يونس: «القطب نجم خفي وسط السمكة التي تدور عليه وتدور عليها بنات نعش الصغرى والكبرى، ورأس السمكة أحد الفرقدين وذَنَبُهَا الجدي» (٢).
فمن جعل القطب بين عينيه فقد صار الجنوب بين كتفيه، والمشرق على يمينه والمغرب على يساره ....
فإذا استقبلت القبلة جعلته في دمشق خلف ظهرك، وقيل: ينحرف في دمشق وما قاربها إلى جهة المشرق قليلًا.
وفي اليمن قبالة وجهك مما يلي جانبك الأيسر.
وفي مصر وما قاربها خلف أذنك اليسرى؛ لأن قبلتهم بين الجنوب والشرق.
وفي نجد والعراق وقزوين وما وراءها خلف أذنك اليمنى
وكلما صعدت في الديار المصرية جنوبًا ملت إلى المشرق وكلما انحدرت شمالًا ملت إلى الجنوب … (٣).
ومن العلامات الكونية الدالة على القبلة الشمس والقمر ومنازلهما (٤).
قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥].
стр. 2499
وقال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]، وهذا كله تنبيه على وجوه تحصيل المصالح من الكواكب، ومن أهم المصالح: إقامة الصلاة على الوجه المشروع.
ولأن القاعدة: أن كل ما أفضى إلى المطلوب فهو مطلوب وهذه الأمور مفضية إلى إقامة الصلوات المطلوبة فتكون مطلوبة (١).
أما الاستدلال بالشمس على القبلة:
فكما يستدل بالشمس على وقت الصلاة، من طلوع الفجر الصادق، وزوال الشمس، وكون ظل كل شيء مثله، وغروب الشمس، وغياب الشفق، وكل هذه المظاهر الكونية متعلقة بالشمس، فكذلك يستدل بالشمس على معرفة الجهات، حيث يدرك المشرق والمغرب من طلوعها وغروبها، وهذا من البدهيات.
وقال القرافي: «زوالها يعين الشمال والجنوب، فإنها لا تزول أبدًا إلا قبالة القطب، فمستقبلُها حينئذٍ بالديار المصرية والشامية يكون الجنوب أمامه، والشمال خلفه، والمشرق والمغرب عن يساره ويمينه، فإذا انقسمت لك الجهات الأربع في بلدك وأنت تعلم الكعبة في أي جهة من جهات بلدك استقبلْها، كما تقول في الديار المصرية: الكعبة منها ما بين المشرق والجنوب، وهي أقرب إلى المشرق» (٢).
فمن كان في الشام فإن طلوع الشمس على يسار المصلي، وغروبها عن يمينه، وعكسه اليمن: حيث يكون شروقها على يمين المصلي، وغروبها عن يساره، ومن كان في نجد أوالعراق يكون شروقها خلف المصلين، وغروبها أمامهم.
ومن الطرق للدلالة على القبلة عن طريق الشمس تحديد القبلة حين تكون الشمس عمودية على الكعبة في أيام معينة من السنة.
فمن المعلوم للناس المهتمين بالفلك أن الشمس تكون عمودية فوق الكعبة مرَّتين في السَّنة، بحيث لا يكون للكعبة فيها ظل.
أحدهما: يوم ٢٩ مايو في الساعة ٩: ١٨ بالتوقيت العالمي، الساعة ١٨: ١٢ بتوقيت مكة المكرمة.
стр. 2500
والثاني: في يوم ١٦ يوليه، الساعة ٩: ٢٧ بالتوقيت العالمي، الساعة: ٢٧: ١٢ بتوقيت مكة المكرمة.
فإذا كانت الشمس عمودية على الكعبة فإن ذلك يعني أن الشمس فوق الكعبة مباشرة بحيث لو قام شاخص من الكعبة وانتصب للسماء ليستقبله أهل الأرض لكان يشير إلى الشمس، وهذا يعني أن استقبال الشمس في تلك اللحظة استقبال لعين الكعبة.
ويمكن الاستفادة من هذه الظاهرة الكونية لتحديد اتجاه القبلة أوتصحيحه في كل البلاد والأماكن بنصف الكرة الأرضية المضاءة بالشمس في هذين اليومين، فما عليهم في هذين اليومين إلا أحد طريقين:
إما رصد اتِّجاه الشمس، ثم توجيه المساجد إلى جهة الشمس في تلك اللحظة بعد تحويل التوقيت العالمي أو توقيت مكة المكرمة إلى التوقيت المحلي.
وإما وضع شاخص عمودي على الأرض ومراقبة ظله حتى إذا كانت الشمس عمودية على الكعبة فإن اتجاه الكعبة سيكون في الجهة المعاكسة لظل ذلك الشاخص آنذاك.
وأما الاستدلال بالقمر على القبلة:
فإن موقع القمر وطرفيه يحددان أول الشهر وآخره، وجهة المشرق والمغرب:
فالقمر لا يزال قوسًا في غالب الشهر إلا حين يكون بدرًا في منتصف الشهر، وموقعه حين يكون بدرًا: يكون في أول الليل إلى المشرق، وفي آخر الليل إلى المغرب.
وأما بقية الشهر حين يتقوس القمر، ويكون له طرفان:
فإن طرفيه أول الشهر إلى المشرق واستدارته من جهة المغرب.
وآخر الشهر يكون طرفاه إلى المغرب، واستدارته إلى جهة المشرق.
وتعليل هذه الظاهرة أن الاستدارة تكون علامة على جهة الشمس، ففي النصف الأول يتلقى القمر ضوء الشمس من جهة المغرب حيث تغرب الشمس قبله، فيكون قوس القمر من جهتها، وفي النصف الأخير من الشهر يتلقى القمر ضوء الشمس من جهة الشرق، فيكون قوس القمر من جهتها، والله أعلم.
وموقع القمر أول الشهر في النصف الغربي من السماء، حيث تسبقه الشمس بالغروب، فتجده في أول الشهر قريبًا من الشمس في المغرب، ولا يزال في كل ليلة
стр. 2501
يتأخر عن الشمس وفي النصف الأخير من الشهر يكون القمر في النصف الشرقي من السماء، ويستمر بالتأخر في الطلوع إلى أن يختفي القمر ليلًا في الليلتين الأخيرتين من الشهر (١).
وهناك علامات أخرى ذكرها الفقهاء، ولكنها ليست من القوة والثبات، ولا يهتدي لها إلا أناس مختصون:
من ذلك معرفة القبلة بدلالة الرياح:
فالصَّبَا: ريح حارة يبسة تهب من مطلع الشمس. وسميت بالصبا؛ لأن العرب كانت تنصب بيوتها من جهة المشرق، والبيت إنما يميل إليه قاصده لجهة بابه، والميل: هو الصبا: ومنه سميت الصابئة؛ لأنهم مالوا إلى عبادة النجوم، ذكر ذلك القرافي.
قال أبو صخر الهذلي:
إذا قلتُ هذا حينَ أسلُو يهيجُني … نسيمُ الصَّبا من حيث يَطَّلِعُ الفَجْر
ويقابل الصَّبَا: الدَّبُور: وهي ريح باردة رطبة، تهب من المغرب، ولما كان باب البيت ينزل منزلة الوجه من الإنسان، وكانت تنصبه العرب جهة المشرق، كان ظهر البيت دبره، لهذا سميت الريح الغربية دبورًا.
وربما سميت الصبا قبولًا؛ لأنها استقبلت الدبور (٢).
ومنه قوله ﵇: نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وأُهِلكَتْ عَادٌ بالدَّبور. متفق عليه.
يريد رسول الله ﷺ -بقوله (نصرت بالصبا) ما أنعم الله به عليه في معركة الأحزاب فإنهم حين حاصروا المدينة يوم الخندق هبت ريح الصبا، فقلعت خيامهم، وكفأت قدورهم، وضربت وجوههم بالحصى والتراب، وألقى الله في قلوبهم الرعب (٣)
وبقي ريح الشمال: وهي ريح يابسة باردة.
وريح الجنوب: وهي حارة رطبة.
стр. 2502
وكل ريح بين ريحين من هذه تسمى نكباء؛ لتنكبها عن كل واحد منهما، فالرياح حينئذٍ ثمانية: أربع أصول، وأربع نواكب، فإذا علمت ريحًا من هذه الرياح تعينت لك الجهات الأربع (١).
وقيل: النكباء: بين الصبا والجنوب.
والخروق: بين الشمال والدبور (٢).
ولكل ريح صفاتها وخصائصها التي يعرفها أهلها.
قال بعض الحنابلة: «الاستدلال بالرياح عسر إلا في الصَّحَارَى، وأما بين الجبال والبنيان فإنها تدور، فتختلف، وتبطل دلالتها، ولهذا قال أبو المعالي من الحنابلة: الاستدلال بها ضعيف» (٣).
ومثل الاستدلال بالقبلة في الجبال، الاستدلال بها عن طريق معرفة مجرى الأودية، ونحوها، والله أعلم.
فعلامات القبلة كما تكون سماوية كالنجوم، والشمس، والقمر، وهي أظهر العلامات، تكون أيضًا علامات أرضية كالجبال، والأنهار، وهي من أضعف العلامات؛ لأنها تختلف باختلاف البلاد، فرب طريق إلى جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل، أو شماله، أو وراءه أو قدامه، فيعلم ذلك، ويفهمه، ويهتدي به إلى القبلة، وقد يعلم من مجرى النهر الاتجاه إلى القبلة، فنهر النيل يأتي من جنوب القارة إلى شمالها، وإذا عرف الشمال والجنوب اهتدى إلى القبلة، والله أعلم.
يقول صاحب الإنصاف: مما يستدل به إلى القبلة الأنهار الكبار غير المحدودة، فكلها بخلقة الأصل تجري من مهب الشمال من يمنة المصلي إلى يسرته على انحراف قليل إلا نهرًا بخرسان، ونهرًا بالشام عكس ذلك … (٤).
* * *
стр. 2503
الفرع الثالث في الدلالة على القبلة بالبوصلة والأدوات الحديثة
المدخل إلى المسألة:
? المطلوب معرفة القبلة، والوسيلة لتحقيق ذلك لها حكم الغاية.
? أمرنا الشارع بالتوجه إلى القبلة حال الصلاة، وترك لنا الوسيلة لمعرفة القبلة، فكل وسيلة تفضي إلى المطلوب فهي مطلوبة.
? جواز العمل بالآلات الحديثة التي تحدد القبلة، وإنما لم يجب العمل بها باعتبار أن العمل بها يرجع إلى العمل بالحساب.
? إذا لم يجب العمل بالحساب في الأهِلَّةِ، كدخول الشهر وخروجه وصيام رمضان والإفطار لم يجب العمل بها في معرفة القبلة.
? نفي الوجوب لا يعني نفي الجواز؛ لأن التكليف بالحساب كان من أجل طبيعة هذه الأمة، وأنها أمة أمية، فرفع عنها هذا التكليف تسهيلًا ودفعًا للحرج.
? إذا جاز العمل بالحساب في دخول أوقات الصلوات عن طريق التقويم الفلكي، والساعات الدقيقة، جاز العمل بالحساب في معرف القبلة من باب أولى.
[م-٣٢٣] من الوسائل المهمة للدلالة على القبلة ما يعرف بالبوصلة، وهي أنواع:
فمنها ما يحدد لك جهة الشمال من الجنوب، وتقوم على عقربين يشبهان عقارب الساعة، أحدهما يتجه إلى الشمال، والآخر يتجه إلى الجنوب، وتسمى (بيت الإبرة) وإذا عرفت الجهات الأربع عليك أن تقوم بنفسك بتحديد جهة القبلة، وبهذه العلامة اهتدى الملاحون قديمًا إلى الجهات التي يقصدونها، قبل انتشار الأجهزة الحديثة التي تتصل بالأقمار الصناعية، وتعطي خرائط دقيقة للملاحة على الأرض.
ومنها: بوصلة تحدد لك القبلة عن طريق دليل يحمل أرقامًا، فما عليك إلا أن
стр. 2504
تعرف الرقم الخاص بمنطقتك، فمثلًا تبدأ من القارة (آسيا) ثم البلد (السعودية) ثم المنطقة (القصيم) فإذا اهتديت إلى رقم القصيم عليك أن تقوم بوضع الإبرة الخاصة بالجهاز على رقم منطقتك ليعطيك سهمًا يكشف لك اتجاه القبلة.
وثالث: يعمل عن طريق الأقمار الصناعية، يحدد لك القبلة مباشرة بمجرد الارتباط بالأقمار الصناعية، وهذا أسهل، ومن ذلك الهواتف الذكية، وخرائط قوقل، وبعض البرامج الخاصة والتي تُعْنَى بأوقات الصلوات، يكون من ضمن خدماتها تحديد القبلة للمصلي، وبعضها يحتاج إلى الارتباط بشبكة النت.
ونوع رابع يشتغل على الشمس، والقمر كساعة العصر.
والسؤال: هل يجب العمل بهذه الآلات لمعرفة القبلة، باعتبار أن لهذه الوسائل حكم غاياتها، فإذا كان المكلف يجب عليه معرفة القبلة، فالوسيلة تأخذ حكم الغاية؟
فالشرع أمرنا بالتوجه نحو المسجد الحرام حيثما كنا، قال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وترك لنا الشارع وسائل تحقيق هذه الغاية، فكل وسيلة تفضي إلى المطلوب فهي مطلوبة شرعًا.
وسبق لنا الخوض في حكم تعلم أدلة القبلة: هل تعلمها فرض عين، أو فرض كفاية، أو فرض عين لمن أراد أن يسافر، وعلم أنه لا يجد أحدًا يقلده في سفره، أو أن تعلمها مستحب فقط؟
وإذا كان الراجح في تعلم أدلة القبلة أنها على الكفاية بما يحقق قيام الصلاة فإن الذي ينبغي الاتفاق عليه، ولا يختلف عليه أحد هو جواز العمل بهذه الآلات، وإنما لم يجب العمل بها باعتبار أن العمل بها يرجع إلى العمل بالحساب، وإذا لم يجب العمل بالحساب في الأهلة، كدخول الشهر وخروجه، وصيام رمضان والإفطار منه لم يجب العمل بها في معرفة القبلة.
ونفي الوجوب لا يعني نفي الجواز؛ لأن التكليف بالحساب كان من أجل طبيعة هذه الأمة، وأنها أمة أمية، فرفع عنها هذا التكليف تسهيلًا ودفعًا للحرج،
стр. 2505
لا أن الحساب ليس فعالًا في الدلالة على القبلة، والحساب اليوم معمول به في دخول أوقات الصلوات عن طريق التقويم الفلكي، والساعات الدقيقة، وقد أثبتت هذه الأجهزة دقتها في تعريف القبلة، واليوم حركات الطيران والملاحة البحرية تقوم على الله ثم عليها، فثبت أن دلالة هذه الأجهزة قطعية، ونسبة الخطأ فيها نادر، ويرجع إلى سوء تطبيقها من قِبَلِ المستخدم، وليس منها، وعلى فرض أن تكون دلالتها ظنية، فالظن كافٍ في تحصيل القبلة، وقد أصبحت إدارات الأوقاف في السعودية تعمل بموجبها لتحديد قبلة المساجد الجديدة، إشارة إلى قطعية دلالتها على جهة القبلة.
ويكاد الباحث يجزم أن دلالة هذه الآلات على القبلة في القوة كدلالة القطب على الشمال لثبوته فيه، والله أعلم.
* * *
стр. 2506
الفرع الرابع في الدلالة على القبلة بالاستخبار عنها
المسألة الأولى في الشروط التي يجب توفرها في المخبر عن القبلة
الشرط الأول في اشتراط عدالة المخبر
المدخل إلى المسألة:
• المقصود بالعدالة هنا مطلق العدالة، وهو عدم العلم بالمفسق، وليس المراد ثبوت العدالة المطلقة، فكل من لم يثبت جرحه، ولو لم تُعْلَمْ عدالته يقبل خبره.
• أمرنا بالتثبت من خبر الفاسق، والمستور ليس بمحَقَّقِ الفسق؛ لأنه مجهول الحال.
• لا يقاس الإخبار بالقبلة على الإخبار بالرواية، والتي يشترط فيها ثبوت العدالة الباطنة؛ لأن الرواية شريعة عامة، فيحتاط للملة؛ صونًا لها أن يزاد فيها ما ليس منها، ما لا يحتاط لغيرها.
[م-٣٢٤] إذا أخبر الرجل العدل عدالة ظاهرة وباطنة عن القبلة فخبره مقبول بالاتفاق، سواء أكان رجلًا أم امرأة، حرًّا أم عبدًا (١).
حيث جعلوا خبره من باب الرواية، لا من باب الشهادة، والرواية يكفي فيها نقل العدل، ولو كان واحدًا.
واختلفوا في المستور ممن لم يثبت جرحه ولم تعلم عدالته:
стр. 2507
فقيل: لا يقبل خبر المستور، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة.
قال الإسنوي: «يشترط في المخبر أن يكون عدلًا فلا تقبل رواية الفاسق، ولا المستور على الصحيح» (١).
وفي الإنصاف للمرداوي: «الصحيح من المذهب: أنه يشترط في المخبر أن يكون عدلًا ظاهرًا وباطنًا … » (٢).
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
ومفهوم ﴿جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ قبول كلام غير الفاسق، ومفهوم الشرط من أقوى الدلالات عند الجمهور.
وهذا الاستدلال بالآية إنما يلزم من يقول بالاستدلال بمفهوم المخالفة، والحنفية لا يقولون به.
وقد دلت السنة على قبول خبر العدل، كتحول الصحابة عن القبلة وهم في الصلاة حين أخبروا بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
(ح-٨٩٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عبد الله بن دينار،
عن عبد الله بن عمر، قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ -قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى الكعبة (٣).
وقيل: يقبل خبر المستور، ممن لم تثبت عدالته، ولا جرحه، وهو قول في مقابل الأصح في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، وبه قال الحنفية: إذا غلب على ظنه صدقه (٤).
стр. 2508
قال في الإنصاف: «ويكفي مستور الحال أيضًا، صححه ابن تميم وجزم به في الرعاية الصغرى، والحاويين» (١).
ولأن المقصود بالعدالة هنا مطلق العدالة، وهو عدم العلم بالمفسق،، وليس المراد ثبوت العدالة، أي العدالة المطلقة، فإذا لم يثبت جرحه، ولو لم تعلم عدالته قبل خبره؛ لأننا أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، والمستور ليس بمحقق الفسق؛ لأنه مجهول الحال.
ولأن التثبت من خبر الفاسق في الآية هل هو مطلوب مطلقًا، أو مطلوب إذا كان يترتب على قبوله ما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
وقبول خبره في القبلة لا يُخْشَى فيه ما حَذَّرَتْ الآية منه.
فالتثبت من خبر الفاسق ليس رَدًّا لقوله، وإنما هو جبر لصفة النقص القائمة بالمخبر إذا ترتب على قبول خبره عقاب للآخرين، كما طُلِبَ أربعةُ شهودٍ لثبوت الزنا، وإن كان القتل، وهو أعظم منه يثبت بشاهدين؛ لأن الزنا لما كان يصعب الوقوف على تحقق وقوعه من الرجل والمرأة دفع احتمال الخطأ بتكرار الشهود.
ولا يقاس الإخبار بالقبلة على الإخبار بالرواية، والتي يشترط فيها ثبوت العدالة الباطنة؛ لأن الرواية شريعة عامة، فيحتاط للملة؛ صونًا لها أن يزاد فيها ما ليس منها، ما لا يحتاط لغيرها؛ ولأن أحكام الشريعة تعم، وضرر الخطأ فيها أعظم بخلاف الإخبار عن القبلة والأذان، ونجاسة الماء ونحوها، فشأنها أقل، وضرر الخطأ فيها محدود، فاكتفي بالعدالة الظاهرة.
ولأن اشتراط العدالة الباطنة في مثل هذه الأخبار قد لا يتيسر، فخفف ذلك، بخلاف حمل الشريعة ورواية أحاديثها، فيتشدد في شروط الرواية لما قد علمت، ولذلك لما احتاج الأئمة إلى رواية المبتدع قبلوها صونًا للشريعة من الضياع، وردوا رواية الداعية إذا كان ما يرويه مؤيدًا لبدعته، وإن كان المبتدع ناقص العدالة، لكنه لما كان متأولًا متدينًا ببدعته قبلوا روايته.
стр. 2509
قال ابن قدامة: «ولا خلاف في الاعتداد بأذان من هو مستور الحال، وإنما الخلاف فيمن هو ظاهر الفسق» (١).
وإذا كان هذا في دخول وقت الصلاة، وشأن الوقت أعظم من شأن القبلة؛ لأنه لو اجتهد فصلى قبل الوقت لم تصح، لأن الوقت سبب الوجوب، ولو اجتهد في القبلة فأخطأ صحت صلاته، والله أعلم.
* * *
стр. 2510
فرع في قبول خبر الفاسق إذا أخبر عن القبلة
المدخل إلى المسألة:
• لم يأمر الله سبحانه برد خبر الفاسق وتكذيبه جملة، وإنما أمر بالتبَيُّن، فإذا قامت قرائن وغلب على الظن صدقه عمل بقوله.
• لو أخبر جماعة من الفساق بلا مواطأة عن جهة القبلة قبل خبرهم؛ لأن العدد قرينة يُقويِّ جانب الصدق.
• خبر الفاسق مقبول إذا كان فسقه ليس بسبب الكذب.
• لا يقاس الإخبار بالقبلة على الإخبار بالرواية، والتي يشترط فيها ثبوت العدالة؛ لأن الرواية شريعة عامة، فيحتاط للملة ما لا يحتاط لغيرها
• إذا صح اجتهاد الفاسق لنفسه في معرفة القبلة، وهو مبني على ظن، صح قبول خبره لغيره المبني على العلم واليقين.
• خبر الفاسق إذا تعذر الوقوف عليه من جهة غيره قبل قوله كإخباره بنجاسة ماء أو طهارته، أو حرمة طعام أو حله.
• إذا جاز الأخذ بالظن إذا تعذر العلم بالقبلة، جاز اعتماد خبر الفاسق عند تعذر خبر العدل.
[م-٣٢٥] اختلف الفقهاء في الفاسق غير المتأول إذا أخبر عن القبلة (١):
стр. 2511
فقيل: لا يقبل، ومذهب المالكية والحنابلة، والمشهور عند الشافعية (١).
قال الدردير في الشرح الصغير: «ولا عبرة بإخبار الكافر والفاسق» (٢).
وقال النووي: «وأما الفاسق ففيه طريقان: المشهور أنه لا يقبل خبره هنا، كسائر أخباره، وبهذا قطع البغوي والأكثرون … » (٣).
• واستدلوا على هذا:
بأن الإخبار عن القبلة إن اعتبر بالرواية أو بالشهادة، فالفاسق لا تقبل روايته ولا شهادته.
ولأن الخبر أمانة، والفاسق تتطرق له التهمة، فقد لا يتحرز من الكذب.
وقيل: يقبل مطلقًا، وهو وجه في مذهب الشافعية (٤).
• وجه القول بقبول خبره:
بأن الفاسق غير متهم بإخباره عن القبلة، فلا يوجد ما يوجب رد الخبر.
وإذا صح اجتهاد الفاسق لنفسه في معرفة القبلة، وهو مبني على ظن، صح قبول خبره المبني على العلم واليقين.
ولهذا قال ابن تميم من الحنابلة: يصح التوجه إلى قبلته في بيته.
ولعل توجيه هذا القول: بأنه غير متهم في اجتهاده لنفسه، فسوف يمحض النصح لها.
وتعقبه في الرعاية الكبرى، وقال: «إن كان هو عملها فهو كإخباره بها» (٥).
وقال الحنفية: «إن غلب على الظن صدقه قبل قوله» (٦).
стр. 2512
• وجه قول الحنفية:
أن هناك فرقًا بين قبول خبر الفاسق في الرواية، وبين الإخبار بجهة القبلة، أو بنجاسة ماء أو طهارته، أو حرمة طعام أو حله، فنقل الفاسق للحديث غير مقبول أصلًا، وقع في قلب السامع صدقه أم لا؛ احتياطًا للدين وصيانة له عن التحريف والتبديل، بخلاف إخباره عن جهة القبلة، أو عن حرمة طعام أو حله، أو نجاسة ماء أو طهارته حيث يقبل إذا تأيد بأكبر الرأي؛ لأن ذلك أي الحرمة والحل والنجاسة والطهارة أمر خاص ربما يتعذر الوقوف عليه من جهة غيره، فإذا انْضَمَّ إليه غلبة الظن بصدقه قبل قوله، ولأن الله سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه جملة، وإنما أمر بالتبين، فإذا قامت قرائن وغلب على الظن صدقه عمل بقوله، من باب تحكيم الرأي للضرورة (١).
• الراجح:
أن خبر الفاسق مقبول إذا كان فسقه ليس بسبب الكذب، وكثير من الفساق يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري، وفسقه لضعفه أمام بعض الشهوات، فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق، وبه قال ابن القيم ﵀ (٢).
ولو أخبر جماعة من الفساق بلا مواطأة عن جهة القبلة قبل خبرهم؛ لأن العدد قرينة يقوي جانب الصدق (٣).
ومنطوق الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الأمر بالتبين، عند خبر الفاسق الواحد، فلا يدخل في الآية خبر الفاسقين، وذلك أن خبر الاثنين، يوجب من الاعتقاد، ما لا يوجبه الواحد، ومع الكثرة فقد يوجب العلم.
* * *
стр. 2513
الشرط الثاني في اشتراط إسلام المخبر
المدخل إلى المسألة:
• خبر الكافر مقبول بالإجماع في المعاملات (١)، ومثله خبر الطبيب الكافر، ولا يقبل خبره بالإجماع في أمور الديانات المعتمدة على الاعتقاد، والأصح قبول خبره في أمور الديانات المعتمدة على الحس كالإخبار عن القبلة إذا غلب على الظن صدقه.
• استأجر النبي ﷺ -رجلًا مشركًا ليدله على الطريق في هجرته إلى المدينة، وأعطاه بعيره وبعير أبي بكر ليأتي بهما بعد ثلاث إلى غار ثور، وهذا ائتمان على النفس والمال، ودلالة القبلة كدلالة الطريق.
• إذا جاز اعتماد محاريب الكفار في معرفة الجهة، جاز قبول خبرهم إذا غلب على الظن صدقهم.
[م-٣٢٦] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن الكافر لا يقبل خبره عن القبلة، وحكاه بعضهم إجماعًا (٢).
قال النووي: «ولا يقبل خبر الكافر في القبلة بلا خلاف» (٣).
قال الرازي: «واتفقوا على أنه لا بد من شرطين: الإسلام والعقل، فلا عبرة في هذا الباب بقول الكافر والمجنون … » (٤).
стр. 2514
ولأن إخبار الكافر لا يقبل في الديانات؛ لأنه غير ملتزم بها، فلا يؤتمن، ولا يلزم المسلم بقوله.
ولأن خبره عن القبلة إن كان من باب الرواية فهو ليس من أهلها، أو كان من باب الشهادة فكذلك.
وإذا وجب التثبت عند خبر المسلم الفاسق فيلزم بطريق الأولى عدم اعتبار خبره.
وقيل: يجوز قبول خبر الكافر، وهو وجه عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
قال الزركشي في خبايا الزوايا: «حكى الخطابي وجهًا أنه يجوز العدول عن الوضوء إلى التيمم بقول الطبيب الكافر، كما يجوز شرب الدواء من يده، وهو لا يدري أهو داء أم دواء، حكاه الرافعي في باب الوصية، وهو يرد قول النووي في المجموع: واتفقوا على أنه لا يقبل خبر الكافر» (٢).
وجاء في الفتاوى الهندية: من أرسل رسولًا مجوسيًا أو خادمًا، فاشترى لحمًا، فقال: اشتريته من يهودي، أو نصراني، أو مسلم وسعه أكله (٣).
والدليل على ذلك:
أن النبي ﷺ -استأجر رجلًا مشركًا ليدله على الطريق في هجرته إلى المدينة، وأعطاه بعيره وبعير أبي بكر ليأتي بهما بعد ثلاث إلى غار ثور، وهذا ائتمان على النفس والمال، ودلالة القبلة كدلالة الطريق.
وإذا جاز اعتماد محاريب الكفار في معرفة الجهة، جاز قبول خبرهم إذا غلب على الظن صدقهم.
ولأن لخبر الكافر أثرًا في تغليب الظن، وإدراك القبلة بالظن كاف لوجوب العمل.
ولأن الإسلام ليس بشرط لثبوت الصدق؛ إذ الكفر لا ينافي الصدق؛ لأن الكافر إذا كان مترهبًا عدلًا في دينه معتقدًا لحرمة الكذب تقع الثقة بخبره، كما لو
стр. 2515
أخبر عن أمر من أمور الدنيا، بخلاف الفاسق فإن جراءته على فعل المحرمات مع اعتقاد تحريمها تزيل الثقة عن خبره.
ولأننا إذا لم نتمكن من معرفة القبلة إلا بقبول خبر الكافر كان قبول خبره من باب الضرورة الجائزة، كما أجاز الشرع قبول شهادة الكافر في الوصية إذا مات المسلم في السفر ولم يكن عنده مسلم، وأوصى وأشهد كافرين، فإن الشهادة حينئذٍ تقبل.
وتوسط الماوردي، فقال: «يجوز أن يتعلم المسلم من الكافر علم دلائل القبلة، ثم يتولى المسلم الاجتهاد لنفسه في تحديد جهة القبلة» (١).
لأنه اعتمد في القبلة على اجتهاد نفسه، لا على خبر الكافر.
وتعقب ذلك الشاشي، فقال: «إذا لم يقبل خبر الكافر في القبلة، لم يقبل في أدلتها إلا أن يوافق عليها مسلم، وسكون نفسه إلى خبره لا يوجب أن يعول عليه الحكم» (٢).
• والراجح:
قبول خبر الكافر إذا ترجح صدقه، ولم يجرب عليه الكذب.
* * *
стр. 2516
الشرط الثالث في اشتراط أن يكون المخبر مكلفًا
المدخل إلى المسألة:
• إذا صحت إمامة الصبي في الصلاة، وكان مؤتمنًا على شروطها، وواجباتها، قبل خبره في القبلة من باب أولى؛ لأن الصلاة مقصد، والقبلة وسيلة، والعناية بالمقاصد أولى من العناية بالوسائل.
• يقبل خبر الصبي في كل ما طريقه الحس والمشاهدة كدلالة الأعمى على القبلة بخلاف ما طريقه الاجتهاد، فإن أهليته قاصرة، ولهذا لم تقبل ذمته التكليف.
• كثير من أطفال المسلمين يحفظون كتاب الله قبل بلوغ العاشرة، فكونه يحفظ جهة القبلة من باب أولى.
• الإخبار عن المحسوسات لا يحتاج فيها إلى انتصاب أهلية الاجتهاد، وإنما يحتاج إلى تمييز، وهو كامل التمييز.
[م-٣٢٧] إذا أخبر البالغ العاقل المسلم عن القبلة قبل خبره، فلا يقبل خبر المجنون والصبي غير المميز بالاتفاق
واختلفوا في قبول خبر الصبي المميز:
فقيل: يقبل خبره، اختاره بعض الحنفية، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
стр. 2517
• وجه القول بقبول خبره:
الدليل الأول:
ذكر بعض الحنفية أن عبد الله بن عمر أتى أهل قباء، وأخبرهم بتحويل القبلة إلى الكعبة، وهم كانوا في الصلاة، فاستداروا كهيئتهم، وكان ابن عمر يومئذٍ صغيرًا على ما روي أنه عرض على رسول الله ﷺ -يوم بدر، أو يوم أحد على حسب ما اختلف الرواة فيه، وهو ابن أربع عشرة سنة، وتحويل القبلة كان قبل بدر بشهرين فقد اعتمدوا خبره فيما لا يجوز العمل به إلا بعلم، وهو الصلاة إلى القبلة، ولم ينكر عليهم رسول الله ﷺ (١).
• وقد اعترض بعض الحنفية:
بأن الذي أتى أهل قباء أنس بن مالك، أو أنه جاء أحدهما بعد الآخر وأخبرا بذلك، وإنما تحولوا معتمدين على خبر البالغ أنس بن مالك، وهذا الاعتراض ليس بسديد؛ لأن أنس أصغر من ابن عمر ﵃ (٢).
• ويجاب عن هذا:
الجواب الأول:
لم يرد مسندًا لا في حديث صحيح، ولا ضعيف أن ابن عمر أو أنسًا هما من أخبرا أهل مسجد قباء بتحويل القبلة، والحديث في الصحيحين وفي غيرهما لم يُسَمِّ الرجلَ، وإنما لفظه من مسند ابن عمر: (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ .... ) (٣)، وذكر الحديث، وكون الراوي للقصة ابن عمر في الصحيحين لا يعني أنه صاحبها، كما أن البراء بن عازب روى قصة مشابهة لرجل مَرَّ على قومٍ من الأنصار، وهم في صلاة العصر، فأخبرهم فتحولوا إلى الكعبة، ولم ينسب
стр. 2518
للبراء أنه صاحب القصة (١).
الجواب الثاني:
أن ابن عمر كان عمره حين حولت القبلة أربع عشرة سنة، ومن بلغ مثل ذلك فالغالب عليه البلوغ؛ لأن بلاد الحجاز أرض حارة يسارع البلوغ لفتيانها بخلاف الباردة فقد يتأخر.
الجواب الثالث:
أن أهل الحديث قد ذكروا أن الرجل الذي بلَّغ تحويل القبلة اسمه عباد بن بشر، وقيل: عباد بن نهيك، وذلك أن لدينا ثلاثة أحاديث:
حديث البراء، وحديث ابن عمر، وهما في الصحيحين، وفي الأول: أن ذلك حدث مع قوم من الأنصار في صلاة العصر.
والثاني: حدث مع أهل قباء في صلاة الصبح، وكلا الحديثين لم يُسَمِّ الرجل المبلِّغَ.
والحديث الثالث: حديث أنس، وهو في مسلم، وفيه .... فمر رجل من بني سلمة، وهم ركوع في صلاة الفجر … و الأحاديث الثلاثة لم تصرح باسم الرجل الذي بلغهم بالقبلة الجديدة.
قال الحافظ ابن حجر: «والجواب أن لا منافاة بينها؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، وذلك في حديث البراء ﵁، والآتي إليهم بذلك عَبَّاد بن بشر أو ابن نهيك.
ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء وذلك في حديث ابن عمر ﵄ ولم يسمَّ الآتي إليهم بذلك، وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه عَبَّاد بن بشر، ففيه نظر؛ لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوا محفوظًا، فيحتمل أن يكون عَبَّاد أتى بني حارثة أوَّلًا في وقت العصر، ثم توجه إلى أهل قباء، فأعلمهم بذلك في وقت الصبح.
ومما يدلُّ على تعددهما أن مسلمًا روى من حديث أنس: أن رجلًا من بني سلمة مَرَّ، وهم ركوع في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة،
стр. 2519
وبنو سَلَمَةَ غير بني حارثة» (١).
والحافظ يشير في تسمية الرجل إلى ما رواه الطبراني في الكبير، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، وأبو نعيم في معرفة الصحابة من مسند تويلة بنت أسلم ﵂ (٢).
فهذا ينفي ما ذكره بعض الحنفية من كون ابن عمر وأنس هما اللَّذان أتيا أهل قباء في صلاة الصبح، فلم يصح ذلك لا دليلًا ولا دلالة على المسألة.
الدليل الثاني:
إذا صحت إمامة الصبي في الصلاة، وكان مؤتمنًا على شروطها، وواجباتها، قُبِلَ خبره في القبلة من باب أولى؛ لأن الصلاة مقصد، والقبلة وسيلة، والعناية بالمقاصد أولى من العناية بالوسائل.
وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة تقديم الصبي للإمامة.
(ح-٨٩٧) روى البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن عمرو بن سلمة، قال: .... لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست،
стр. 2520
أو سبع سنين .... (١).
كما أن الصحيح أن الصبي من أهل الرواية تحملًا وأداءً إذا علم منه الصلاح، ولم يجرب عليه الكذب على الصحيح (٢).
وقيل: لا يقبل خبره؛ وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد القولين عن الشافعي، ومذهب الحنابلة (٣).
• واستدل هؤلاء بأدلة منها:
الدليل الأول:
أن خبر الصبي ليس بحجة؛ لأن الشرع لما لم يجعله وليًّا في أمر دنياه ففي أمر الدين أولى.
• ونوقش:
إذا صحت إمامته بالناس انتقض القياس، ثم التصرف في المال يحتاج إلى قدر زائد على البلوغ، وهو إيناس الرشد، بينما الإخبار بالقبلة يكفي عندكم البلوغ فكان الاحتياط في أمر الدنيا أشد.
الدليل الثاني:
الصبي لا يمكن الوثوق بخبره، فلا يمكن الركون إلى خبره أو اجتهاده، فيخشى من قبول خبره أن يتعدى خلله هذا إلى الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام العملية، لهذا احتاج قبول الخبر إلى اشتراط العدالة؛ للوثوق بخبره، والصبي غير محكوم له بها، فالعدالة من شروطها التكليف، والصبي لا يخاطب إلا بعد البلوغ، ولا يعرف انزجاره عن محظورات دينه قبل ذلك ليستدل به على عدالته، فلا نأمن عليه الكذب، أو التساهل؛ لضعف الوازع؛ لأن معرفته لله قاصرة، فلا يدرك
стр. 2521
العواقب، ولا مأثم يلحقه فيخاف، فالثقة به أدنى من الثقة بقول الفاسق؛ لكون الفاسق يعرف الله تعالى، ويخافه، ويتعلق المأثم بفعله ..
• ويناقش:
القائلون بالجواز يشترطون علم الصبي بالقبلة، وهو علم يدرك بالحس، وإذا وثق بالصبي في موضع الإمامة، وهي أعلى شأنًا من مجرد الأذان، وثق بخبره من باب أولى، والله أعلم.
وقيل: يقبل خبر الصبي في كل ما طريقه المشاهدة كدلالة الأعمى على القبلة بخلاف ما طريقه الاجتهاد، وهذا التفصيل منسوب للنووي من الشافعية (١).
فإذا أخبر الصبي عن جهة القبلة، وكان لا يخبر عن اجتهاد، وإنما عن مشاهدة، قبل خبره على الصحيح.
جاء في فتح العزيز: «وفي وجه يقبل في ذلك خبر الصبي المراهق، والفاسق أيضًا، ولا فرق بين الحر والعبد والذكر والأنثى؛ لأن طريقه الخبر، وأخبارهم مقبولة» (٢).
فنص على أن طريقه الخبر، وليس الاجتهاد.
قال النووي: «ولأنه يقبل خبره فيما طريقه المشاهدة، كما لو دل أعمى على محراب يجوز أن يصلي» (٣).
وهذا القول وسط، فإن أهليته للاجتهاد ناقصة، ولهذا لم تقبل ذمته التكليف، بخلاف الإخبار عن المحسوسات، فلا يحتاج فيها إلى انتصاب أهلية الاجتهاد، وإنما يحتاج إلى تمييز، وهو كامل التمييز.
• الراجح:
القول بقبول خبر الصبي إذا كان خبره مبنيًّا عن مشاهدة، وليس اجتهادًا، قول وسط، ولعله أعدل الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 2522
المسألة الثانية في وجوب خبر العدل إذا أخبر عن علم
المدخل إلى المسألة:
• المطلوب من المصلي إصابة القبلة، فإذا حصل له ذلك بخبر غيره أغنى ذلك عن القيام بنفسه؛ لأن العلم اليقيني لا يتفاوت.
• يجوز له تقليد من يخبره عن علم، ولا يجب عليه التقليد إذا كان قادرًا على الوصول إلى العلم اليقيني بنفسه.
• لا يجتهد الرجل في جهة القبلة مع وجود من يخبر عن علم؛ لأن الاجتهاد ظن، والإخبار عن علم يقين، ولا يصار إلى الظن مع إمكان اليقين.
[م-٣٢٨] من طرق معرفة القبلة الاستخبار: أي سؤال الناس عن القبلة، فإذا وجد الإنسان من يخبره عن القبلة، فإن أخبره عن علم ومشاهدة:
فقال الحنفية والحنابلة: يلزمه قبول خبره مطلقًا، ولا يجتهد (١).
جاء في الأصل: «وإنما يجوز التحري إذا أعجزه من يعلمه بذلك، وأما إذا كان
стр. 2523
له من يعلمه بذلك، لم يُجْزِهِ التحري» (١).
وظاهر مذهب المالكية، أنه إذا أخبره عن علم جاز له تقليده، ولا يجب (٢).
وقال الشافعية: «إن أمكنه الوصول إلى اليقين بنفسه، لم يأخذ بقول غيره، ولو كان يخبره عن علم. وإن عجز عن درك ذلك بنفسه، لزمه الأخذ بقوله، ولا يجتهد، وهو قول في مقابل الأصح عند الحنابلة» (٣).
стр. 2524
قال النووي في المنهاج: «ومن أمكنه علم القبلة حرم عليه التقليد والاجتهاد، وإلا أخذ بقول ثقة يخبر عن علم» (١).
فقوله: (وإلا أخذ بقول ثقة) يعني: وإن لم يمكنه علم القبلة أخذ بقول ثقة يخبر عن علم.
قال الخطيب في الشرح: «علم من عدم جواز الاجتهاد مع القدرة على الخبر،؟ عدم جواز الأخذ بالخبر مع القدرة على اليقين، وهو كذلك» (٢).
• وجه قول الجمهور:
أن الصحابة ﵃ كانوا يكتفون بالإخبار عنه، مع إمكان اليقين بالسماع منه.
ولأن العلم اليقيني لا يتفاوت، فلا معنى لاشتراط الشافعية، فالصحيح الاكتفاء بخبر الثقة المبني على اليقين.
ولأن المطلوب إصابة القبلة، فإذا حصل بخبر غيره، أغنى ذلك عن القيام بنفسه.
وقد دلت الأدلة على قبول خبر العدل، كتحول الصحابة عن القبلة، وهم في الصلاة، فمثله إذا أخبره عن علم بجهة القبلة، لزمه قبوله؛ فقوله ليس من باب الشهادة، وإنما هو خبر متعلق بالدين، يشبه الرواية، فرجع فيه إلى قول الثقة، فيقبل من الرجل، والمرأة، والحر، والعبد.
وإنما امتنع الاجتهاد مع وجود من يخبر عن علم؛ لأنه بمنزلة من يجتهد مع
стр. 2525
وجود النص القطعي.
ولأن الاجتهاد ظن، والإخبار عن علم يقين، ولا يصار إلى الظن مع إمكان اليقين.
• ويناقش:
لا يعتبر الأخذ بالاجتهاد مع إمكان اليقين من التعدي في الاجتهاد، كيف وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفتون غيرهم في حياة النبي ﷺ -في مسائل مبناها على الاجتهاد.
(ح-٨٩٨) فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن،
أن زينب بنت أبي سلمة، أخبرته عن أمها أم سلمة، زوج النبي ﷺ : أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة، كانت تحت زوجها، توفي عنها، وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ -فقال: انكحي (١).
ولم ينه النبي ﷺ -أبا السنابل عن الفتوى، وإن خالف الصواب، فدل على جواز العمل بالظن مع إمكان اليقين، وذلك بالرجوع إلى النبي ﷺ ، والله أعلم.
• وجه قول الشافعية:
إذا كان لا يجوز له الاجتهاد مع القدرة على اليقين، لا يجوز له اعتماد قول غيره، إذا كان قادرًا على الوصول إلى اليقين بنفسه.
ولأن الفرض على أحد القولين أن يعلم القبلة بنفسه، فإذا تعذر انتقل ذلك إلى تقليد غيره.
• الراجح:
يجوز للرجل أن يقلد الرجل إذا كان يخبره عن علم باتجاه القبلة، ولا يجب عليه تقليده إذا كان يمكنه أن يصل إلى العلم بالقبلة بنفسه، وأما تحريم الشافعية