العواقب، ولا مأثم يلحقه فيخاف، فالثقة به أدنى من الثقة بقول الفاسق؛ لكون الفاسق يعرف الله تعالى، ويخافه، ويتعلق المأثم بفعله ..
• ويناقش:
القائلون بالجواز يشترطون علم الصبي بالقبلة، وهو علم يدرك بالحس، وإذا وثق بالصبي في موضع الإمامة، وهي أعلى شأنًا من مجرد الأذان، وثق بخبره من باب أولى، والله أعلم.
وقيل: يقبل خبر الصبي في كل ما طريقه المشاهدة كدلالة الأعمى على القبلة بخلاف ما طريقه الاجتهاد، وهذا التفصيل منسوب للنووي من الشافعية (١).
فإذا أخبر الصبي عن جهة القبلة، وكان لا يخبر عن اجتهاد، وإنما عن مشاهدة، قبل خبره على الصحيح.
جاء في فتح العزيز: «وفي وجه يقبل في ذلك خبر الصبي المراهق، والفاسق أيضًا، ولا فرق بين الحر والعبد والذكر والأنثى؛ لأن طريقه الخبر، وأخبارهم مقبولة» (٢).
فنص على أن طريقه الخبر، وليس الاجتهاد.
قال النووي: «ولأنه يقبل خبره فيما طريقه المشاهدة، كما لو دل أعمى على محراب يجوز أن يصلي» (٣).
وهذا القول وسط، فإن أهليته للاجتهاد ناقصة، ولهذا لم تقبل ذمته التكليف، بخلاف الإخبار عن المحسوسات، فلا يحتاج فيها إلى انتصاب أهلية الاجتهاد، وإنما يحتاج إلى تمييز، وهو كامل التمييز.
• الراجح:
القول بقبول خبر الصبي إذا كان خبره مبنيًّا عن مشاهدة، وليس اجتهادًا، قول وسط، ولعله أعدل الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 2522
المسألة الثانية في وجوب خبر العدل إذا أخبر عن علم
المدخل إلى المسألة:
• المطلوب من المصلي إصابة القبلة، فإذا حصل له ذلك بخبر غيره أغنى ذلك عن القيام بنفسه؛ لأن العلم اليقيني لا يتفاوت.
• يجوز له تقليد من يخبره عن علم، ولا يجب عليه التقليد إذا كان قادرًا على الوصول إلى العلم اليقيني بنفسه.
• لا يجتهد الرجل في جهة القبلة مع وجود من يخبر عن علم؛ لأن الاجتهاد ظن، والإخبار عن علم يقين، ولا يصار إلى الظن مع إمكان اليقين.
[م-٣٢٨] من طرق معرفة القبلة الاستخبار: أي سؤال الناس عن القبلة، فإذا وجد الإنسان من يخبره عن القبلة، فإن أخبره عن علم ومشاهدة:
فقال الحنفية والحنابلة: يلزمه قبول خبره مطلقًا، ولا يجتهد (١).
جاء في الأصل: «وإنما يجوز التحري إذا أعجزه من يعلمه بذلك، وأما إذا كان
стр. 2523
له من يعلمه بذلك، لم يُجْزِهِ التحري» (١).
وظاهر مذهب المالكية، أنه إذا أخبره عن علم جاز له تقليده، ولا يجب (٢).
وقال الشافعية: «إن أمكنه الوصول إلى اليقين بنفسه، لم يأخذ بقول غيره، ولو كان يخبره عن علم. وإن عجز عن درك ذلك بنفسه، لزمه الأخذ بقوله، ولا يجتهد، وهو قول في مقابل الأصح عند الحنابلة» (٣).
стр. 2524
قال النووي في المنهاج: «ومن أمكنه علم القبلة حرم عليه التقليد والاجتهاد، وإلا أخذ بقول ثقة يخبر عن علم» (١).
فقوله: (وإلا أخذ بقول ثقة) يعني: وإن لم يمكنه علم القبلة أخذ بقول ثقة يخبر عن علم.
قال الخطيب في الشرح: «علم من عدم جواز الاجتهاد مع القدرة على الخبر،؟ عدم جواز الأخذ بالخبر مع القدرة على اليقين، وهو كذلك» (٢).
• وجه قول الجمهور:
أن الصحابة ﵃ كانوا يكتفون بالإخبار عنه، مع إمكان اليقين بالسماع منه.
ولأن العلم اليقيني لا يتفاوت، فلا معنى لاشتراط الشافعية، فالصحيح الاكتفاء بخبر الثقة المبني على اليقين.
ولأن المطلوب إصابة القبلة، فإذا حصل بخبر غيره، أغنى ذلك عن القيام بنفسه.
وقد دلت الأدلة على قبول خبر العدل، كتحول الصحابة عن القبلة، وهم في الصلاة، فمثله إذا أخبره عن علم بجهة القبلة، لزمه قبوله؛ فقوله ليس من باب الشهادة، وإنما هو خبر متعلق بالدين، يشبه الرواية، فرجع فيه إلى قول الثقة، فيقبل من الرجل، والمرأة، والحر، والعبد.
وإنما امتنع الاجتهاد مع وجود من يخبر عن علم؛ لأنه بمنزلة من يجتهد مع
стр. 2525
وجود النص القطعي.
ولأن الاجتهاد ظن، والإخبار عن علم يقين، ولا يصار إلى الظن مع إمكان اليقين.
• ويناقش:
لا يعتبر الأخذ بالاجتهاد مع إمكان اليقين من التعدي في الاجتهاد، كيف وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفتون غيرهم في حياة النبي ﷺ -في مسائل مبناها على الاجتهاد.
(ح-٨٩٨) فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن،
أن زينب بنت أبي سلمة، أخبرته عن أمها أم سلمة، زوج النبي ﷺ : أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة، كانت تحت زوجها، توفي عنها، وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ -فقال: انكحي (١).
ولم ينه النبي ﷺ -أبا السنابل عن الفتوى، وإن خالف الصواب، فدل على جواز العمل بالظن مع إمكان اليقين، وذلك بالرجوع إلى النبي ﷺ ، والله أعلم.
• وجه قول الشافعية:
إذا كان لا يجوز له الاجتهاد مع القدرة على اليقين، لا يجوز له اعتماد قول غيره، إذا كان قادرًا على الوصول إلى اليقين بنفسه.
ولأن الفرض على أحد القولين أن يعلم القبلة بنفسه، فإذا تعذر انتقل ذلك إلى تقليد غيره.
• الراجح:
يجوز للرجل أن يقلد الرجل إذا كان يخبره عن علم باتجاه القبلة، ولا يجب عليه تقليده إذا كان يمكنه أن يصل إلى العلم بالقبلة بنفسه، وأما تحريم الشافعية
стр. 2526
التقليد إذا كان يمكنه العلم فهذا بعيد؛ لأن الغاية هي الوصول إلى القبلة، سواء أكان ذلك بنفسه أم بغيره.
وأما إذا كان سيبني حكمه عن اجتهاد ظني، فلا يترك العلم إلى الظن، والله أعلم.
* * *
стр. 2527
المسألة الثالثة في تقليد الرجل إذا أخبر عن القبلة باجتهاد
المطلب الأول في تقليد القادر على الاجتهاد
المدخل إلى المسألة:
• لا دليل على أن معرفة دلائل القبلة من فروض الأعيان، والفروض لا تثبت إلا بدليل.
• المطلوب من المصلي إصابة القبلة، سواء أحصل له ذلك باجتهاده أم باجتهاد غيره، وهذا دليل على أنها من فروض الكفاية.
• إذا جاز تقليد المؤذن في دخول الوقت، وهو أحد شروط الصلاة، جاز تقليد المجتهد في جهة القبلة؛ لأن القبلة أخف من الوقت، فمن اجتهد في الوقت، فأخطأ، أعاد الصلاة أبدًا، ومن اجتهد في القبلة، فأخطأ صحت صلاته.
• كان الصحابة رضوان الله عليهم يفتون غيرهم في حياة النبي ﷺ -في مسائل مبناها على الاجتهاد، مع إمكان الرجوع إلى النبي ﷺ ، فإذا جاز التقليد مع إمكان اليقين، جاز التقليد مع إمكان الاجتهاد من باب أولى.
[م-٣٢٩] اختلف العلماء في تقليد الرجل يخبر عن القبلة باجتهاد:
فقيل: المجتهد لا يقلد غيره مطلقًا، بل يلزمه أن يجتهد بنفسه، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 2528
قال ابن عابدين الحنفي والخطيب الشافعي: «لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا» (١).
وقيل: يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر، وهو في مقابل الأصح عند الحنابلة (٢).
وقيل: يقلده إذا ضاق الوقت، اختاره ابن سريج من الشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: يقلده إن كان أعلم. وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
ومنزع الخلاف والله أعلم: معرفة القبلة أهي من فروض الأعيان، أم من فروض الكفايات؟
فمن قال: إنها من فروض الأعيان لزمه أن يجتهد بنفسه.
стр. 2529
ومن قال: إنها من فروض الكفايات: أجاز له أن يقلد مجتهدًا غيره.
والثاني: أقرب؛ لأننا إذا كنا نقلد المؤذن في دخول الوقت، وهو أحد شروط الصلاة، والقبلة أخف من الوقت، فمن اجتهد، فصلى يظن دخول الوقت، فظهر أنه لم يدخل أعاد أبدًا. ومن اجتهد فصلى إلى جهة يظن أنها القبلة، فأخطأ صحت صلاته.
وإذا كان هذا في تقليد العامة للمؤذن فكذلك للمؤذن نفسه أن يقلد غيره في دخول الوقت، ولا يلزم بالاجتهاد بنفسه، فكل من أذَّن بالوقت فإن أذانه صحيح، سواء أعلم المؤذن الوقت بنفسه أم بخبر الثقة.
(ح-٨٩٩) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه، أن رسول الله ﷺ -قال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، ثم قال: وكان رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (١).
وجه الاستدلال:
فهذا الحديث دليل على أنه لا يشترط علم المؤذن بنفسه بدخول الوقت، فإذا جاز للمؤذن أن يقلد، ولو أمكنه الاجتهاد، جاز للمصلي أن يقلد في جهة القبلة، ولو أمكنه الاجتهاد.
ولأن الاجتهاد في جهة القبلة ثمرته الوصول إلى الظن في معرفة القبلة، فلم يكن ظنه أولى من ظن غيره.
• دليل الجمهور على أن المجتهد لا يقلد مجتهدًا
قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٣].
فإذا كان المجتهد مأمورًا بالاعتبار، فمن لم يَأْتِ به يكون عاصيًا، وقد ترك العمل به في حق العامي؛ لعجزه عن الاجتهاد، فيبقى معمولًا به في حق المجتهد.
•ويناقش:
هذه الآية ليست نصًّا في محل النزاع، فالله أمر أولي الأبصار بالاعتبار مما حل ببني النضير من تخريب بيوتهم بأيديهم لمخالفة أمر الله ورسوله، فأولو الأبصار ليس مقصورًا على أهل الاجتهاد.
стр. 2530
• دليل من قال: يقلد غيره إن كان أعلم منه:
هذا القول مبني على أن الظن يتفاوت، فهو درجات بعضه أقوى من بعض، فظن الأعلم مقدم على ظن العالم، والظن الصادر عن جماعة، مقدم على ظن الواحد؛ لأن الإصابة من الجماعة أرجى من الواحد، وإن لم يكن ذلك لازمًا، لكن يكفي أن يكون هو الغالب.
ولهذا يقدم خبر أهل البلد عن القبلة على اجتهاد الأجنبي عن البلد مطلقًا، سواء أكان خبرهم عن يقين، أم كان عن ظن.
وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يجتهد مع وجود محاريب متفق عليها في البلد، ولو كان تنصيبها باجتهاد؛ لأن اتفاقهم عليها، وعملهم بها، وعدم وجود اعتراض عليها يقوي جانب الظن بالإصابة، حتى تكون عند بعضهم بمنزلة العلم بالقبلة، وهذا ما جعل الحنفية يقولون: الاستخبار أقوى من التحري، وهو ميل القلب بلا أمارة، وتعبيرهم بأفعل التفضيل (أقوى) يشير إلى أنه ليس قطعيًّا.
واتفاق أهل البلد على هذه المحاريب لا يعتبر إجماعًا؛ لأن الإجماع المعتبر عند أهل الأصول هو اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني.
فتبين بهذا أن الظن الأقوى مقدم على الظن القوي، والقوي مقدم على الضعيف، وذلك يجعل للمجتهد تقليد غيره إذا كان يقلد من هو أعلم منه.
• دليل من قال: يقلد إن ضاق الوقت وخشي فوات الصلاة:
هل يعتبر إذا ضاق الوقت، وخشي فوات العمل من باب تعذر الاجتهاد، فيسقط للضرورة، ويجوز له التقليد، كما هو اختيار ابن سريج الشافعي، أو لا يعتبر عذرًا، فيصلي بالتقليد، ويعيد إذا تمكن من الاجتهاد، كما هو مذهب الشافعية؟
وقول ابن سريج أقيس؛ لأن الاستقبال يسقط للضرورة كما في حال الخوف.
ولأن الوقت إذا ضاق حتى خشي خروج الوقت:
فإما أن يترك الصلاة حتى يتمكن من الاجتهاد، ولو خرج الوقت.
стр. 2531
وإما أن يصلي كيف ما كان بلا ترجيح.
أو يصلي بتقليد أحد المجتهدين ممن استفرغ وسعه وطاقته لمعرفة القبلة.
فالأول لا يمكن؛ لأن الصلاة غاية، والشرط وسيلة، ولا تضيع الغاية لعجزه عن وسيلتها، وكما لو عجز عن تحصيل الطهارة بالماء والتراب فإنه يصلي بلا طهارة على الصحيح، ولا يدع الصلاة، فكذلك هنا، فعلى تقدير أن يكون الاجتهاد في معرفة القبلة فرضًا عينيًّا عليه فإنه لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة، وعلى تقدير أنه قام بتأخير الصلاة عن وقتها، فقد يتمكن من معرفة القبلة بالاجتهاد، وقد يتحير، فلا يهتدي إلى معرفة القبلة، فكيف يؤخر الصلاة عن وقتها لمصلحة مظنونة، ليس متأكدًا من تحصيلها؟
وكما أنه إذا عدم الماء في الوقت، كان له أن يتيمم، ولو رجا حصوله بعد خروج الوقت، فكذلك هنا.
فبقي إما أن يصلي بلا اجتهاد، أو يقلد مجتهدًا آخر. والثاني أرجح بلا شك، فقد حصل له بالتقليد البناء على ظن مجتهد قد استفرغ جهده وطاقته في معرفة القبلة، فكان خيرًا له من أن يصلي بلا ترجيح، فتعين. والله أعلم.
وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. فقوله: إن كنتم لا تعلمون فإطلاق الآية يشمل المجتهد وغيره، والمجتهد قبل اجتهاده لا يعلم.
وكون الشافعية يأمرونه بالصلاة تقليدًا، ويوجبون عليه الإعادة تناقض؛ لأن صلاته بالتقليد إن كانت صحيحة فلا معنى لإعادة الصلاة، وإن كانت باطلة فكيف يؤمر بما هو باطل؟
ولم يوجب الله الفرض الواحد مرتين، ومن صلى ممتثلًا الأمر الشرعي فقد برئت ذمته، وسقط القضاء عنه.
•الراجح:
أرى جواز تقليد المجتهد لمجتهد آخر في حال السعة، ويجب إذا ضاق
стр. 2532
الوقت، وخشي خروجه، لأنه في حكم العاجز، فإما أن يقلد، وإما أن يخرج الوقت،
ولا شك أن الوقت آكد من تحصيل القبلة، فلو صلى قبل الوقت لم تصح الصلاة مطلقًا، بينما القبلة قد تسقط في حال الخوف، وتسقط في التطوع على الدابة للمسافر، وتسقط إذا اجتهد في السفر، فأخطأ، ولم يتبين له الخطأ إلا بعد الصلاة.
* * *
стр. 2533
المطلب الثاني في فريضة الجاهل المبصر
الفرع الأول في حكم التقليد مع إمكان التعلم
المدخل إلى المسألة:
• لا دليل على أن معرفة دلائل القبلة من فروض الأعيان، والمطلوب الاستقبال بأي وسيلة كانت.
• طلب الشارع منا التوجه إلى القبلة، فقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وترك لنا وسيلة تحقيق ذلك، سواء أحصل له ذلك باجتهاده أم باجتهاد غيره، وهذا دليل على أن تعلم أدلة القبلة من فروض الكفاية.
• لم ينقل عن النبي ﷺ -ولا عن السلف إلزام آحاد الناس تعلم أدلة القبلة في حق مقيم ولا مسافر، بخلاف شروط الصلاة وأركانها.
• لو وجب تعلم أدلة القبلة وجوبًا عينيًّا لوجب تعلم النجوم، فإنها من أخص علاماتها، ولا يوجد نص مرفوع بتعلم النجوم.
• إذا صح تقليد المؤذن في دخول الوقت، صح التقليد في التوجه إلى القبلة من باب أولى؛ لأن الخطأ في دخول الوقت يوجب إعادة الصلاة، بخلاف الخطأ في التوجه إلى القبلة، فلا يوجب الإعادة.
[م-٣٣٠] إذا كان الرجل جاهلًا بأدلة القبلة، وكان يمكنه أن يتعلم، فهل يسوغ له التقليد وهو قادر على التعلم؟
هذه المسألة ترجع إلى الخلاف في مسألة أخرى، هل تعلم أدلة القبلة فرض
стр. 2534
عين أو فرض كفاية.
فمن قال: إنه فرض عين مطلقًا، فسوف يوجب عليه التعلم، ويمنعه من التقليد.
ومن قال: فرض كفاية، فسوف يسوِّغ له التقليد بشرط وجود مجتهد يقوم به فرض الكفاية.
ومن قال: إن التعلم فرض عين لمن أراد أن يسافر، وليس معه مجتهد يمكن تقليده فلازمه امتناع التقليد للمسافر، ووجوب التعلم مع إمكانه، وتعذر التقليد؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن قال: إن تعلم أدلة القبلة مستحب فالتقليد عنده جائز مطلقًا.
وسوف تأتينا هذه المسألة بأدلتها في مسألة مستقلة إن شاء الله، إذا عرف هذا نأتي إلى التعرف على كل مذهب من مذاهب الأئمة عليهم رحمة الله.
القول الأول: مذهب الحنفية.
ظاهر مذهب الحنفية أنهم لا يرون التقليد في القبلة؛ إلا أن يخبر الرجل عن علم فإنه يلزم اتباعه، فإن أخبر عن اجتهاد قائم على الظن لم يتبعه.
وقد قال الحنفية في الرجل تشتبه عليه القبلة: إما أن يكون في الحضر، وإما أن يكون في المفازة.
فإن كان في مفازة اهتدى إلى القبلة بالنجوم، فإن لم يكن لوجود غيم، أو لعدم معرفته بها فبالسؤال من العالم بها، فإن لم يكن فإن عليه أن يتحرى.
فجعلوا المراتب ثلاثًا:
الأولى: أن يهتدي إليها بالاجتهاد في النظر في النجوم.
الثانية: إن لم يمكن الاجتهاد لغيم أو عجز، انتقل إلى سؤال رجل عالم بالقبلة، وقيد العالم أخرج اثنين:
الجاهل الذي لا علم له.
والمجتهد في معرفة القبلة؛ لأنه يخبر عن ظن.
الثالثة: إذا لم يوجد من يخبر عن علم فإنه يتحرى، وظاهره أنه لا يقلد من يخبره عن اجتهاد.
стр. 2535
وإن كان الرجل في الحضر فإن الاستدلال بالقبلة على ثلاث مراتب أيضًا:
المرتبة الأولى: المحاريب، إذا وجدت؛ لأنها بمنزلة العلم عندهم؛ لأنها لم تنصب إلا بحضرة جمع من أهل المعرفة بالأدلة.
المرتبة الثانية: الاستخبار بأن يوجد رجل من أهل هذا المكان عالم بالقبلة.
المرتبة الثالثة: إذا لم يجد محرابًا ولا رجلًا عالمًا من أهل هذا المكان فإنه يتحرى، ويقصدون بالتحري: استفتاء القلب بلا أمارة أو أصل، وهو لا يحتاج إلى معرفة بأدلة القبلة، بل يقدر عليه كل مكلف (١)، وسوف أبحث حكم التحري إن شاء الله في مسألة مستقلة.
قال ابن عابدين في حاشيته: «الحاصل أن الاستدلال على القبلة في الحضر إنما يكون بالمحاريب القديمة، فإن لم توجد فبالسؤال من أهل ذلك المكان.
وفي المفازة بالنجوم، فإن لم يكن لوجود غيم أو لعدم معرفته بها فبالسؤال من العالم بها، فإن لم يكن فيتحرى» (٢).
وجاء في تبيين الحقائق: «إذا كان بحضرته من يسأله عنها -أي عن القبلة- وهو من أهل المكان، عالم بالقبلة، فلا يجوز له التحري؛ لأن الاستخبار فوق التحري .... ولا يجوز التحري مع المحاريب» (٣).
فمنع من التحري بشرطين: الأول: وجود المحاريب؛ لأنها بمنزلة العلم، وسوف نناقشها إن شاء الله في مسألة مستقلة.
الثاني: أن يكون بحضرته من يسأله عن القبلة بشرط:
أن يكون من أهل المكان، وأن يكون عالمًا بالقبلة؛ لأن الأخذ بقوله ليس
стр. 2536
تقليدًا؛ وإنما هو اتباع لخبر ديني بمنزلة الرواية.
فلو كان لا علم له بالقبلة لم يتبعه سواء أكان من أهل المكان أم كان من غيره، وشمل هذا الجاهل، والمجتهد؛ لأنه لا يخبر عن علم، وإنما يخبر عن ظن.
ولو كان عالمًا بالقبلة، ولكنه ليس من أهل المكان فظاهر كلامهم أنه لا يتبعه، خوفًا من كونه يخبر عن ظن، أي عن اجتهاد (١).
فمن أخبر عن علم وجب اتباعه، ومن أخبر عن اجتهاد لم يقلد في اجتهاده، وقدموا عليه التحري، بالرغم من أن التحري معلق بالعجز عن معرفة أدلة القبلة، وتحكيم للقلب بلا أمارة.
قال ابن عابدين في منحة الخالق: «إذا عجز عن تعرف القبلة بغير التحري لزمه
стр. 2537
التحري .... قيدنا بالعجز عن التعرف إلا به؛ لأنه لو قدر على تعرف القبلة بالسؤال من أهل ذلك الموضع ممن هو عالم بالقبلة فلا يجوز له التحري؛ لأن الاستخبار فوقه لكون الخبر ملزمًا له ولغيره، والتحري ملزم له دون غيره، فلا يصار إلى الأدنى مع إمكان الأعلى بخلاف ما إذا لم يكن من أهله فإنه لا يقلده؛ لأنه كحاله» (١).
فظاهر كلام الحنفية أنهم لا يرون التقليد في القبلة (٢)؛ لأن القادر هو من كان قادرًا بنفسه، ومن قدر بغيره فليس بقادر إلا أن يخبر عن علم، فإن كان عن اجتهاد قدم عليه التحري، وهو مقدور لكل مكلف، فإن عجز عن التحري فقيل: يتخير وقيل: يصلى إلى أي جهة شاء، وسوف يأتي إن شاء الله بحث المتحير في القبلة في مسألة مستقلة.
القول الثاني: مذهب المالكية:
ذهب المالكية إلى تحريم التقليد إذا كان يمكنه تعلم أدلة القبلة.
قال القرافي: «وإن لم يكن عالمًا وأمكنه التعليم وجب التعليم وحرم التقليد» (٣).
وقال القرافي أيضًا: «ظاهر كلام أصحابنا أن التوجه للكعبة لا يسوغ فيه التقليد مع القدرة على الاجتهاد، ونصوا على أن القادر على التعلم يجب عليه التعلم، ولا يجوز له التقليد» (٤).
وقال ابن شاس: «أما البصير الجاهل بالأدلة، فإن كان بحيث لو اطلع على
стр. 2538
وجه الاجتهاد لاهتدى إليه، لزمه السؤال، ولا يقلد» (١).
القول الثالث: مذهب الشافعية:
في مذهب الشافعية ثلاثة أقوال مبنية على حكم تعلم أدلة القبلة.
الأول: اختار الرافعي، والنووي في المنهاج تحريم التقليد حضرًا وسفرًا، مع اتساع الوقت، فإن صلى مع اتساع الوقت لم تصح صلاته؛ لتقصيره، فإن ضاق الوقت صلى كيف كان، ووجبت عليه الإعادة (٢).
الثاني: يجوز له التقليد حضرًا وسفرًا، وهو مبني على أن تعلم أدلة القبلة ليست من فروض الأعيان، بل هو من فروض الكفاية (٣).
الثالث: إذا أراد السفر لزمه تعلم أدلة القبلة، ولازمه أنه لا يقلد في السفر، ويقلد في الحضر، وهو ما رجحه النووي في الروضة (٤).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
في مذهب الحنابلة ثلاثة أقوال:
أحدها، وهو المشهور، قالوا: لا يقلد إذا أمكنه التعلم، واتسع الوقت، فإن ضاق الوقت عن تعلم الأدلة جاز التقليد (٥).
قال التنوخي في الممتع: «إن أمكنه تعلم ذلك لزمه، فإن ضاق الوقت قبل
стр. 2539
التعلم جاز أن يقلد، كتعلم الفاتحة يجب مع السعة، ويجزئ غيرها مع الضيق» (١).
فمنعوا من التقليد بشرطين: إمكان التعلم، وسعة الوقت، وأجازوا التقليد للضرورة إذا خشي فوات الوقت.
وقيل: يجوز التقليد مطلقًا، وهو اختيار صاحب الإقناع (٢).
وقيل: لا يقلد مطلقًا، فإن أمكن التعلم في الوقت لزمه، وإن ضاق الوقت صلى أربع صلوات إلى أربع جهات، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
هذا مجموع أقوال السادة الفقهاء في حكم التقليد من الرجل القادر على تعلم أدلة القبلة، وخلاصتها كالتالي:
قيل: لا يقلد وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، واختيار الرافعي من الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.
وقيل: يقلد مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، اختاره صاحب الإقناع.
وقيل: لا يقلد إلا أن يضيق الوقت، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
وقيل: إن أراد السفر لزمه تعلم أدلة القبلة، ولازمه أنه لا يقلد في السفر، ويجب التعلم عند تعذر التقليد، ويقلد في الحضر، وهو ما رجحه النووي من الشافعية.
стр. 2540
• الراجح:
أن التقليد سائغ مطلقًا، وأن تعلم أدلة القبلة ليس من فروض الأعيان.
انظر أدلة هذه المسألة في مسألة: حكم تعلم أدلة القبلة أهو فرض عين، أم فرض كفاية، أم هو فرض عين على من أراد السفر؟
* * *
стр. 2541
الفرع الثاني في حكم تقليد العاجز عن تعلم أدلة القبلة
المدخل إلى المسألة:
• لا دليل على أن معرفة دلائل القبلة من فروض الأعيان، والمطلوب استقبال القبلة بأي وسيلة كانت.
• طلب الشارع منا التوجه إلى القبلة، فقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وترك لنا وسيلة تحقيق ذلك، سواء أحصل ذلك باجتهاده أم بتقليد، وهذا دليل على أن تعلم أدلة القبلة من فروض الكفاية.
• لم ينقل عن النبي ﷺ -ولا عن السلف أنهم ألزموا آحاد الناس بتعلم أدلة القبلة، لا في حق مقيم ولا مسافر، بخلاف شروط الصلاة وأركانها.
• لا يصار إلى الظن الضعيف مع إمكان ظنٍّ أقوى منه، فلا شك أن الظن في إصابة القبلة لدى المجتهد أقوى من الظن لدى المتحري الذي يُحَكِّم قلبه في معرفة جهة القبلة بلا أَمارة.
• العامي الذي ليست له ملكة الاجتهاد فرضه التقليد، فكذلك الشأن في القبلة.
• إذا ساغ تقليد المؤذن في دخول الوقت ساغ تقليد المجتهد في التوجه للقبلة.
• إن كان تعلم أدلة القبلة فرض عين، فالواجبات كلها تسقط بالعجز، وإن كان فرض كفاية ساغ التقليد مطلقًا.
الاجتهاد فريضة العالم، والتقليد فريضة العاجز، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. [النحل: ٤٣]
[م-٣٣١] إذا كان المكلف لا يعرف أدلة القبلة، ولا يملك أهلية التعلم، فاختلف الفقهاء إلى أقوال:
стр. 2542
القول الأول: مذهب الحنفية.
قال الحنفية: العاجز عن معرفة القبلة يتحرى (١)، بأن يُحَكّم قلبه، فإذا اختار جهة صَلَّى إليها، ولو بلا أمارة، ومعنى ذلك أنه لا يقلد.
قال في الدر المختار: «(ويتحرى): هو بذل المجهود لنيل المقصود (عاجز عن معرفة القبلة)» (٢).
وجاء في النتف في الفتاوى للسغدي: «القلب وهو قبلة من لا يعرف جهة القبلة فيتحرى بالقلب» (٣).
• حجة الحنفية:
أن التحري مقدور عليه من كل مكلف، وهو أن يحكم قلبه في معرفة جهة القبلة.
انظر أدلة التحري عند الحنفية، في مسألة مستقلة.
والتحري: رجوع المكلف إلى اجتهاد نفسه، بينما التقليد: هو رجوعه إلى
стр. 2543
اجتهاد غيره؛ والقادر: هو من كان قادرًا بنفسه، وأما من كان قادرًا بقدرة الغير لا يصير قادرًا؛ إلا أن يخبره عن يقين، فهذا يجري مجرى الأخبار عن علم، فيلزمه اتباعه، وليس هذا تقليدًا كاتباع الرواية.
فإن عجز عن التحري فهو المتحير، وسوف نبحثه في مسألة مستقلة.
• ويناقش:
بأن المجتهد يبذل جهده، في أدلة يتفق الفقهاء على أنها منصوبة لمعرفة القبلة، من نجوم، وشمس، وقمر، ورياح، وأنهار، وليس هو في بذل الجهد كيفما اتفق.
فالظن لدى المجتهد أقوى من الظن لدى المتحري الذي يحكم قلبه بلا أمارة، ولا يعرف أدلة القبلة، وإذا كان الظن بعضه أقوى من بعض عند الحنفية، ولا يصار إلى الظن الضعيف مع إمكان ظن أقوى منه، فلا شك أن الظن في إصابة القبلة لدى المجتهد أقوى من الظن لدى المتحري.
القول الثاني:
ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن العاجز يقلد (١).
قال ابن الحاجب المالكي: «والأعمى العاجز يقلد مسلمًا مكلفًا عارفًا .... والبصير الجاهل مثله» (٢). أي مثل الأعمى.
قال النووي في الروضة: «فإن عجز عن تعلم أدلة القبلة كالأعمى، والبصير الذي لا يعرف الأدلة، ولا له أهليةُ معرفتِها، وجب عليه تقليدُ مكلف … » (٣). ثم ذكر صفةَ من يجب تقليده.
стр. 2544
• حجة الجمهور:
قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ولأن التكليف بحسب الوسع.
وقياسًا على سائر أحكام الشريعة، فإن العامي الذي ليست له ملكة الاجتهاد، واستنباط الأحكام من النصوص يجوز له أن يتبع المجتهدين، فكذلك هنا.
ولأننا إن قلنا: إن تعلم أدلة القبلة فرض عين، فإن الواجبات كلها تسقط بالعجز.
وإن قلنا: إن تعلمها فرض كفاية ساغ التقليد مطلقًا.
وللقياس على جواز التقليد في الوقت، فإن بلالًا كان يؤذن، وكان الصحابة يفطرون ويمسكون بخبره، كما كانوا يصلون بمجرد الأذان.
القول الثالث:
قال داود: «من لا يعرف أدلة القبلة، أو إذا عُرِّفَ لا يعرف، يسقط عنه استقبال القبلة، ويصلي إلى أي جهة شاء» (١).
ولعله يرى أن القادر: هو القادر بنفسه، والمقلد قادر بغيره، فَلَمْ يُنَطْ بها حكم، فيسقط عنه الواجب لعجزه.
إن كان هذا دليله فهو ضعيف، فإن الاجتهاد فريضة العالم، والتقليد فريضة العاجز، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
• الراجح:
جواز التقليد مطلقًا؛ لأن تعلم أدلة القبلة ليست من فروض الأعيان،
* * *
стр. 2545
الفرع الثالث في تأتي الاجتهاد من الأعمى في أدلة القبلة
المدخل إلى المسألة:
• قال الشنقيطي: أجمعوا على أن الأعمى يقلد في القبلة (١).
• الأعمى القادر على الاجتهاد في معرفة القبلة يشق عليه الاجتهاد فليس كالمبصر، وهذا كافٍ في سقوط الاجتهاد عنه لو كان واجبًا عليه.
• الأصح أن تعلم أدلة القبلة ليست من فروض الأعيان؛ لأن المطلوب هو التوجه إلى القبلة، ولم يخاطب المكلف بتحصيل ذلك بنفسه.
[م-٣٣٢] فرض الأعمى أهو التقليد، أم يتأتى منه الاجتهاد؟
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الأعمى عليه أن يسأل عن القبلة؛ لأن معظم الأدلة تتعلق بالمشاهدة (٢).
قال الحنفية: إن وجد الأعمى وقت الشروع من يسأله، فلم يسأله لم تجز صلاته، وإن لم يجد من يسأله، أو سألهم فلم يخبروه تحرى (٣).
والتحري عند الحنفية -كما بينت في مسألة سابقة- ليس هو الاجتهاد في الأدلة، وإنما هو استفتاء القلب بلا أمارة.
وقال المالكية: لا يجوز للأعمى المجتهد أن يقلد غيره بل يسأل عن الأدلة؛
стр. 2546
ليهتدي بها إلى القبلة، وهذا يعني أن الأعمى يتأتى منه الاجتهاد (١).
قال الخرشي: «المجتهد لا يقلد غيره وإن كان أعمى، ولكن يسأل المكلفَ العارفَ العدلَ الرواية عن الأدلة، كسؤاله عن القطب في أي جهة، أو عن الكوكب الفلاني» (٢).
وإذا كان لا يقدر بنفسه، فهل مثل هذا يكون قادرًا على الاجتهاد؟
ولا شك أنه على فرض أن يكون بعض العميان قد يتأتى منه الاجتهاد كما لو العمى طارئًا عليه، إلا أن مشقة الاجتهاد عليه أكثر من مشقة المبصر.
وإذا شق عليه الاجتهاد سقط عنه، كما قال الجمهور: إذا شق على المكلف معاينة الكعبة، كما لو كان ذلك يحتاج إلى صعود جبل سقط عنه وجوب المعاينة.
وكما قال الحنفية بسقوط السؤال عن القبلة إذا كان يتطلب قرع الأبواب، فكذلك الأعمى قد يسقط تكليفه بالاجتهاد، ولو تأتى منه، إذا كان لا يحصل ذلك منه إلا بمشقة.
فإن كان يحصل منه الاجتهاد بلا مشقة، فهل يجتهد؟
هذا يتوقف على الخلاف في مسألة تقليد المجتهد لغيره، وفيه أقوال، ثالثها: إن ضاق الوقت، والراجح أن التقليد في القبلة جائز، ولو من المجتهد، والله أعلم.
* * *
стр. 2547
الفرع الرابع في الدلالة على القبلة بالمحاريب المنصوبة
المدخل إلى المسألة:
• المحاريب التي نصبت عن طريق الشارع لا يجوز مخالفتها كالمحراب النبوي.
• المحاريب التي نصبت عن طريق الاجتهاد لا يجب على المجتهد تقليدها، وكون تنصيبها قام به جماعة فهذا يجعلها مظنة الإصابة، لا قطعية الإصابة.
• إذا جاز للمجتهد أن يجتهد في مسائل العلم، وأن يخالف قول الجمهور بشرطه، فالقبلة من باب أولى أن يخالف المجتهد جماعة المجتهدين.
• اتفاق أهل بلد على جهة القبلة لا يعتبر إجماعًا؛ لأن الإجماع عند أهل الأصول إنما هو في اتفاق مجتهدي أمة محمد في عصر من العصور.
• كم من بلد قد تم نصب محرابه من أهل المعرفة، وتتابعوا عليه زمنًا طويلًا، وتعاقب عليه أجيال، ثم اكتشف أنه على غير جهة القبلة، فالإصابة من الجماعة ليست قطعية حتى يلزم التقليد.
[م-٣٣٣] الدلالة على القبلة قد يكون صريحًا باللفظ، كأن يخبره رجل عن جهة القبلة، وقد تقدم. وقد يكون دلالة كما في تقليد المحاريب، فلو دخل رجل بلدًا، فوجد فيها محاريب منصوبة، فهل له أن يجتهد، أو يلزمه تقليدها؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
فقيل: يلزمه العمل بهذه المحاريب مطلقًا، ولا يجتهد، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١).
стр. 2548
وقيل: يجوز للمجتهد تقليد هذه المحاريب إذا توفرت فيها شروط معينة، ولا يجب، وأما غير المجتهد فيجب عليه تقليدها مطلقًا، وهذا مذهب المالكية (١).
وقال الشافعية: إذا توفرت في المحاريب شروط معينة وجب تقليدها، ويجوز الاجتهاد بالانحراف عنها يمنة أو يسرة، لا بمخالفة جهتها (٢).
وسوف نعرض لشروط المالكية والشافعية في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى، إنما الذي يهمنا في هذا المبحث أن نعرف حكم تقليد هذه المحاريب.
وقيل: لا يجوز له العمل بمحاريب المسلمين، وهو قادر على الاجتهاد، وهو رواية عن أحمد (٣).
فتبين أن الفقهاء على أربعة أقوال:
وجوب تقليدها، والمنع من تقليدها. وهذان قولان متقابلان.
جواز تقليدها من المجتهد ووجوب تقليدها من غيره.
وجوب تقليدها في الجهة، وله الاجتهاد في الانحراف اليسير يمنة أو يسرة.
• ومرجع الخلاف:
هذه المحاريب أهي بمنزلة الخبر الديني، فلا يجوز الاجتهاد معها، أم اتباعها
стр. 2549
من باب التقليد؛ لأن من وضعها نصبها باجتهاد، وقبول قول المجتهد بغير دليل يصدق عليه أنه تقليد؟
وإذا كان اتباعها تقليدًا فلا يلزم المجتهد؛ لأن التقليد لا يلزم المجتهد.
وهذه المحاريب أتفيد العلم؛ لأنها بمنزلة الإجماع، وإن لم تكن إجماعًا بالمعنى الاصطلاحي؛ لأن اتفاق أهل البلد عليها، مع كثرتهم وتكرارهم، وسلامتها من الطعن يرقى إلى أن تكون بمنزلة الإجماع، أم أنها تفيد الظن، لأن تنصيبها كان عن طريق الاجتهاد؟
والقائلون بأنها تفيد الظن، منهم من أجاز الاجتهاد معها.
ومنهم من جعل الظن درجات، فرأى أن الظن في المحاريب أقوى من ظن المجتهد الواحد، ويمتنع العمل بالظني مع إمكان ظني أقوى منه.
إذا عرفت سبب الخلاف ومنزعه نأتي إلى تفصيل ذلك:
• وجه من قال: يجب تقليدها مطلقًا:
الحنفية جعلوا هذه المحاريب وإن كانت من قبيل الظن والاجتهاد إلا أنها فوق الاجتهاد بالتحري، لأنها نصبت بمعرفة أهل البلد، وأهل كل بلد أعلم بجهة قبلتهم من غيرهم عادة، فكان ذلك فوق الثابت بالتحري (١).
وقد جعل الحنفية الظن درجات، بعضه أقوى من بعض، فيتبع الأقوى في مقابلة القوي، ويتبع القوي في مقابلة الضعيف، فلا يصار إلى الأدنى مع إمكان الأعلى، ويمتنع العمل بالظني مع إمكان ظني أقوى منه.
ولهذا قال الحنفية: الاستخبار فوق التحري: أي إذا وجد من يخبره من أهل ذلك الموضع عن جهة القبلة لزمه اتباعه؛ لأن العمل بالدليل الظاهر واجب عند انعدام دليل فوقه. ولو كان في مفازة، فأخبره رجلان عن القبلة لم يلزمه قبول كلامهما (٢).
стр. 2550
وأما الحنابلة فجعلوا هذه المحاريب من قبيل اليقين.
قال ابن قدامة في الكافي: «الحاضر في قرية، أو من يجد من يخبره عن يقين ففرضه التوجه إلى محاريبهم، أو الرجوع إلى خبرهم؛ لأن هذا بمنزلة النص، فلا يجوز الرجوع إلى الاجتهاد معه، كالحاكم إذا وجد النص» (١).
وجاء في البناية: ولا يجوز التحري مع المحاريب … ونقل صاحب الشمائل إجماع المسلمين على هذا (٢).
• وجه قول المالكية: يجوز للمجتهد تقليد المحاريب، ولا يجب:
هذا القول من المالكية مبني على أن المحاريب إما أن تكون منصوبة بالاجتهاد، وإما أن تكون منصوبة بالشرع.
فما نصب منها بالشرع: كالقبلة في محراب مسجد المدينة لا تسوغ مخالفته.
وما نصب منها بالاجتهاد: لم يجب تقليدها، وكونها قد تم تنصيبها من جماعة فهذا يجعلها مظنة الإصابة، ولا يمكن القطع بإصابة القبلة، لهذا قال المالكية: يجوز تقليدها من المجتهد ولا يجب، وأما الذي لا يستطيع الاجتهاد فيجب عليه تقليدها.
ويمكن أن يستدل لهم بالنظر: فإذا جاز للمجتهد أن يجتهد في مسائل العلم، وأن يخالف قول الجمهور بشرطه، فالقبلة من باب أولى؛ لأن أهل هذا البلد لا يمكن أن يعتبر إجماعًا لا تجوز مخالفته؛ لأن الإجماع عند أهل الأصول إنما هو في اتفاق مجتهدي أمة محمد في عصر من العصور، وهذا لا يتحقق في محراب البلد، وكم من بلد قد تم نصب محرابه من أهل العلم والاجتهاد، وتتابعوا عليه زمنًا طويلًا، وتعاقب عليه أجيال، ثم اكتشف أنه على غير جهة القبلة، فالإصابة من الجماعة ليست قطعية حتى يلزم التقليد، والله أعلم.
• وجه قول الشافعية بوجوب تقليد الجهة، والاجتهاد في الانحراف اليسير:
وهذا القول من الشافعية منزعه أنهم يرون أن الاجتهاد في القبلة للبعيد هو
стр. 2551
الاجتهاد في إصابة العين، كما تقدم في نقل مذهبهم، وذكرنا أدلتهم (١).
ولهذا منعوا من الانحراف اليسير في مسجد النبي ﷺ ؛ للقطع في إصابة العين، وأذنوا للمجتهد إذا رأى محرابًا في بلد ما أن يجتهد في إصابة العين إن ظن أن المحراب فيه انحراف يمنة أو يسرة، ومنعوا من مخالفة جهة المحراب بالكلية؛ لأن الخطأ في الجهة مع استمرار الخلق واتفاقهم عليه ممتنع، لكن الخطأ في الانحراف يمنة أو يسرة مما لا يبعد (٢).
والحق أن الاجتهاد في القبلة للبعيد عن مكة هو إصابة الجهة، وأن الانحراف اليسير يمنة أو يسرة لا يؤثر في القبلة:
(ح-٩٠٠) لحديث أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ -قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا … ورواه مسلم (٣).
فقوله ﷺ : شرقوا أو غربوا مخاطبًا أهل المدينة دليل على أن ما بينهما قبلة، وأن الجهة كلها قبلة، وأن الانحراف اليسير لا يؤثر مطلقًا.
• وجه من قال: لا يجوز تقليدها من المجتهد:
هذا القول مبني على أن القادر على الاجتهاد مأمور بالاجتهاد، وأن المجتهد لا يجوز له تقليد المجتهد، وأن هذه المحاريب نصبت بالاجتهاد، فلا تفيد القطع بجهة القبلة، بل تفيد الظن، فإذا علم أو ظن المجتهد أن القبلة ليست في الجهة التي فيها المحاريب لا يجوز له تقليدها، فلو وجب عليه التوجه إلى ذلك المحراب لكان ذلك ترجيحًا للتقليد على الاجتهاد، وهذا لا يجوز، وعليه فالقادر على تحصيل جهة القبلة بالأمارات لا يجوز له تقليد محاريب البلاد.
• الراجح:
أن المحاريب المعتمدة تمنع الاجتهاد، إلا أن يقف المجتهد عن علم، وليس
стр. 2552
عن تَحَرٍّ واجتهاد على وجود خطأ في هذه المحاريب، فلا يجوز تقليدها، وليس له مخالفتها بالظن، وأن يكون الانحراف فيها شديدًا؛ لأن الانحراف اليسير لا يتيقن معه الخطأ، ولا يؤثر إذا كان الفرض هو استقبال الجهة، والله أعلم.
جاء في المجموع: «قال صاحب التهذيب وغيره: ولا يتيقن الخطأ في الانحراف مع البعد من مكة، وإنما يظن، ومع القرب يمكن اليقين والظن.
قال الرافعي: هذا كالتوسط بين خلاف أطلقه أصحابنا العراقيون: أنه هل يتيقن الخطأ في الانحراف من غير معاينة الكعبة من غير فرق بين القرب من مكة والبعد؟
فقالوا: قال الشافعي ﵀: لا يتصور إلا بالمعاينة. وقال بعض الأصحاب: يتصور» (١).
وربما كان القول بخطأ محاريب البلاد المعتمدة منشأه تكلف وتعمق من بعض الناس، لا يُحْتَاجُ إليه.
قال ابن رجب: «وربما أدى التدقيق في علم النجوم إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين في أمصارهم. كما وقع ذلك كثيرًا من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي إلى اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار، وهو باطل.
وقد أنكر الإمام أحمد الاستدلال بالجدي، وقال إنما ورد (ما بين المشرق والمغرب قبلة) يعني: لم يرد اعتبار الجدي ونحوه من النجوم» (٢).
* * *
стр. 2553
الفرع الخامس في شروط العمل بالمحاريب
الشرط الأول في اشتراط أن تكون المحاريب في بلد كبير
المدخل إلى المسألة:
• البلد الكبير يكثر فيه أهل العلم والمعرفة بدلائل القبلة، فاتفاق أهلها على محاريبها، وعدم الاعتراض والطعن فيها مظنة الإصابة بخلاف القرية الصغيرة.
• القرية الصغيرة إذا تكرر عليها المارون، أو تعاقب عليها السنون دون أن يطعن في قبلتها أحد دليل على سلامتها من الخطأ.
• المحاريب التي نصبت عن طريق الاجتهاد يجوز للمجتهد تقليدها، ولا يجب لأن اتفاق جماعة على تنصيبها يجعلها مظنة الإصابة، وليس القطع بإصابة القبلة.
[م-٣٣٤] اختلف الفقهاء في اشتراط أن تكون البلد كبيرةً لجواز تقليد محاريبها:
فقيل: لا يشترط، ويجب تقليد المحراب سواء أكان في قرية أم في بلد كبير، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١).
قال الزيلعي: «ولا يجوز التحري مع المحاريب» (٢).
فقوله: (المحاريب) عام يعم محاريب البلدة الكبيرة والقرية.
وفي بدائع الصنائع: «من دخل بلدة وعاين المحاريب المنصوبة فيها يجب
стр. 2554
عليه التوجه إليها، ولا يجوز له التحري» (١).
فقوله: (بلدة) نكرة في سياق الشرط فتعم كل بلدة.
وجاء في الشرح الكبير على المقنع: «وإن كان في مصر، أو في قرية من قرى المسلمين ففرضه التوجه إلى محاريبهم؛ لأن هذه القبلة ينصبها أهل الخبرة والمعرفة، فجرى ذلك مجرى الخبر، فأغنى عن الاجتهاد» (٢).
وقيل: يشترط أن يكون المحراب في مصر من الأمصار، فلا يقلد محراب قرية صغيرة، وهذا مذهب المالكية.
قال خليل: «ولا يقلد مجتهد غيره، ولا محرابًا إلا لمصرٍ» (٣).
قال في منح الجليل: «(إلا لمصرٍ) أي بلدٍ كبير حَضَرٍ نَصَبَ محرابَه إليها العلماءُ العارفون كَبَغْدَادَ، ومصرَ، والإسكندرية» (٤).
وقال الدسوقي: «(إلا لمصرٍ) هو بالتنوين؛ لأن المراد: أيُّ مصرٍ كان، وليس المراد بلدًا معينة حتى يكون ممنوعًا من الصرف» (٥).
وقال الشافعية: يجب تقليد محراب القرية الصغيرة بشرط أن يكثر المارون به، بحيث لا يقرونهم على الخطأ لو وجد، أو ينشأ فيه قرون من المسلمين، ولو كانت خربة، حتى قالوا: لو وجد قبلة، أو علامة في طريق هي جادة المسلمين. وجب التوجه إليها (٦).
стр. 2555
جاء في أسنى المطالب: «ولا اجتهاد في محاريب المسلمين ومحاريب جادتهم، بالجيم أي معظم طريقهم وقراهم القديمة، بأن نشأ بها قرون من المسلمين وإن صغرت وخربت إن سلمت من الطعن؛ لأنها لم تنصب إلا بحضرة جمع من أهل المعرفة بسمت الكواكب والأدلة، فجرى ذلك مجرى الخبر» (١).
وهل قولهم: (قرون) مجاز، أرادوا به أن تمضي عليها سنون لم يطعن فيها، أو ذلك على سبيل الحقيقة، فلا بد أن يمضي قرون، والقرن مائة سنة، وأقل الجمع ثلاث، فلا بد من ثلاثمائة سنة، وإلا لم يثبت هذا الحكم؟
قال السيوطي: «ليس المراد بالقرون ثلاثمائة سنة بلا شك، ولا مائة سنة، ولا نصفها، وإنما المراد جماعات من المسلمين صلوا إلى هذا المحراب، ولم ينقل عن أحد منهم أنه طعن فيه، فهذا هو الذي لا يجتهد فيه في الجهة، ويجتهد فيه في التيامن والتياسر، وقد عبر في شرح المهذب بقوله: (في بلد كبير، أو في قرية صغيرة يكثر المارون بها حيث لا يقرونه على الخطأ) فلم يشترط قرونًا، وإنما شرط كثرة المارين، وذلك مرجعه إلى العرف، وقد يكتفى في مثل ذلك بسنة، وقد يحتاج إلى أكثر بحسب كثرة مرور الناس بها وقلته، فالمرجع إلى كثرة الناس، لا إلى طول الزمان» (٢).
فصارت الأقوال الفقهية في اشتراط كبر البلد؛ لاعتماد المحراب ثلاثة أقوال:
لا يشترط مطلقًا، وهو مذهب الحنفية والحنابلة.
والثاني: يشترط مطلقًا، وهو مذهب المالكية.
الثالث: إن كانت القرية يكثر فيها المارون، أو نشأ فيها قرون من المسلمين وجب تقليده، وإلا فلا. وهذا مذهب الشافعية، وهو أعدلها، وهو يرجع إلى اعتبار شرط المالكية من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ، فإن القرية إذا كانت مطروقة كثيرًا من المسلمين، أو تعاقب عليها قرون صارت في حكم البلد الكبير، من حيث كثرة أهلها، فإن كبر البلد إنما يراد لكثرة أهلها، والله أعلم.
стр. 2556
• وجه اشتراط أن يكون البلد كبيرًا:
في البلد الكبير يكثر أهل العلم والمعرفة بدلائل القبلة، فمن أجل أن يعلم أنه إنما نصب محرابه باجتهاد جمع من العلماء اشترط أن يكون ذلك في بلد كبير، سواء أكان عامرًا أم خرابًا.
ولهذا المعنى اشترط الشافعية في تقليد محراب القرية أن تكون بلدًا مطروقة يكثر المارون فيها؛ أو يتعاقب عليها قرون من المسلمين؛ لأن تكرار المارين أو تعاقب السنين دون أن يطعن في قبلتها أحد دليل على سلامتها من الخطأ.
ولا شك أن القرية الصغيرة قد لا يتواجد فيها أهل المعرفة بدلائل القبلة، فلما كان هذا الاحتمال قائمًا لم يكن اجتهاد أهل القرية فوق التحري، ولكن السؤال، هل هذا يجعل تقليده ليس واجبًا، وهو لا ينفي الجواز، أو يجعل تقليده ممتنعًا مع قيام هذا الاحتمال؟
هذا ينبني على خلاف تقدم: هل يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر، فمن أوجب عليه الاجتهاد، ومنعه من التقليد سيرى منعه من تقليد محراب القرية.
ومن يرى أن للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر، يكون تقليد محراب القرية من باب الجائز، وليس الواجب. وقد يُوجِدُ الباحث فرقًا بين المسألتين، ففي محراب القرية يكون مَنْ تولى نصب المحراب مجهولًا، فقد يكون مجتهدًا، وقد لا تتوفر فيه أهلية الاجتهاد، بخلاف تقليد المجتهد، والله أعلم، وعلى كل حال فإن مذهب الحنفية والحنابلة أضعف من مذهب المالكية والشافعية، والله أعلم.
* * *
стр. 2557
الشرط الثاني في اشتراط أن تكون المحاريب قديمة
المدخل إلى المسألة:
• المحاريب المنصوبة عن طريق الاجتهاد تفيد الظن، وليس القطع.
• المحاريب القديمة إذا تعاقبت عليها القرون دون أن يطعن في قبلتها أحد مظنة لإصابة القبلة، فيجوز للمجتهد تقليدها.
• إذا تعارضت المحاريب القديمة والحديثة لم يجز تقليد أي منها؛ حتى يُعْلَمَ الأصوبُ منهما؛ لأن اختلاف المحاريب يضعف الثقة بها.
• إذا قطع المجتهد بخطأ المحاريب القديمة لا يجوز له تقليدها، ولا يجوز له مخالفتها بمجرد توهم الخطأ.
[م-٣٣٥] جاء وصف المحاريب بالقديمة عند الحنفية (١).
وحددها بعضهم بالمحاريب التي نصبها الصحابة والتابعون، فليتأمل.
جاء في فتاوى قاضي خان نقلًا من البحر الرائق «جهة الكعبة تعرف بالدليل، والدليل في الأمصار والقرى المحاريب التي نصبها الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين فعلينا اتباعهم في استقبال المحاريب المنصوبة، فإن لم يكن فالسؤال من الأهل» (٢).
وذكر هذا النص في حاشية الطحطاوي، وزاد: وإن لم تكن -يعني محاريب منصوبة من الصحابة والتابعين- فالسؤال من الأهل أي أهل ذلك الموضع، ولو
стр. 2558
واحدًا فاسقًا إن صدقه» (١).
فَقَدَّمَ المحاريبَ القديمة على أخبار أهل البلدة، وقدم أخبار أهل البلدة على الاجتهاد.
وإذا قدمنا سؤال أهل البلد على الاجتهاد لم يكن هناك فرق بين المحاريب القديمة والجديدة؛ لأن المحاريب هي إخبار عن القبلة ممن بناها من أهل تلك البلدة، فلما كان خبرهم مقدمًا على التحري كانت محاريبهم مقدمة على التحري كذلك، فلا معنى للتخصيص بالمحاريب القديمة إلا أن يقال: لما قدم المحاريب القديمة على سؤال أهل القرية دل هذا على تقديم المحاريب القديمة على المحاريب الحادثة عند التعارض، إن كان قِيل بذلك فقد يكون له وجه.
وإذا كانت المحاريب القديمة لها مرجح من كونها تعاقبت عليها قرون دون أن يطعن فيها أحد، فالمحاريب الجديدة لها مرجح من جهة أخرى وهي كون الوسائل الحديثة لمعرفة القبلة صارت أدق عن طريق استخدام الأقمار الصناعية، وخرائط قوقل، ووجدت أجهزة ذكية متخصصة في تحديد القبلة، حتى صار بإمكان آحاد الناس الوصول إلى معرفة القبلة في أي مكان وفي أي وقت، وهامش الخطأ محدود جدًّا، والله أعلم.
* * *
стр. 2559
الشرط الثالث ألا تكون المحاريب مختلفة
المدخل إلى المسألة:
• اختلاف المحاريب في بلد واحد، أو الطعن بها يضعف الثقة بها.
• من ألزم العمل بالمحاريب إنما ألزم بها؛ لاتفاق أهلها عليها، فكانت أقوى من الاجتهاد، فإذا كانت مختلفة فيما بينها فقدت هذه الصفة.
• إذا اختلفت المحاريب كان مقطوعًا بخطأ أحدها، فيمتنع تقليدها كلها؛ لأن الصواب واحد، ولا التخير بينها؛ لأنه ترجيح لأحدها بلا مرجح.
[م-٣٣٦] يشترط في المحاريب التي يقلدها المجتهد ألا تكون مختلفة الاتجاه، نص على هذا الشرط المالكية والشافعية.
ولا أظن أحدًا يخالف في هذا الشرط؛ لأنها إذا اختلفت كان مقطوعًا بخطأ أحدها، فامتنع تقليدها؛ لأنه لا يمكن تقليدها كلها مع وجود الاختلاف فيما بينها؛ لأن الصواب واحد، ولا يمكنه التخير بينها؛ لأنه ترجيح لأحدها بلا مرجح.
قال القرافي: «يشترط فيها: ألا تكون مختلفة، ولا مطعونًا عليها من أهل العلم، فمهما فُقِد أحد الشرطين لا يَجُزْ تقليدها إجماعًا، فإن الأصل في التكاليف العلم .... ومع الاختلاف أو الطعن من أهل العلم لا علم ولا ظن، بل نقطع مع الاختلاف بالخطأ، ونظنه مع الطعن» (١).
ثم ضرب مثالًا بمحاريب القرى في الديار المصرية، فإنها مختلفة جدًّا، وقد صنف الزين الدمياطي وغيره من العلماء تصانيف فيها، ونبه على كثرة
стр. 2560
فسادها واختلافها (١).
وهذا الشرط كما قلت ليس محل خلاف بين الفقهاء كما قال القرافي؛ لأن الحنفية والمالكية؛ إنما ألزموا العمل بها؛ لاتفاق أهلها عليها، فكانت أقوى من الاجتهاد، فإذا كانت مختلفة فيما بينها فقدت هذه الصفة، وكما لو دخل رجل بلدًا، فسأل أهلها عن القبلة، فاختلفوا لم يلزمه تقليد أحد منهم، وكان عليه أن يجتهد إن كان من أهل الاجتهاد.
* * *