الموالاة، ذكر ذلك الرافعي في فتح العزيز (١).
الدليل الخامس:
أن الفاصل الطويل من كلام، أو سكوتٍ يجعل الكلام لا يتصل بعضه ببعض، وهذا يخل بنظام الأذان، ولا يحصل المقصود منه، وهو الإعلام، فسامعه لا يعلم أنه يؤذن، لذا وجب عليه الاستئناف، بخلاف الفاصل اليسير، فإنه لا يمنع من اتصال الأذان بعضه ببعض، فيحصل به الإعلام، وهو المقصود الشرعي منه.
• دليل من قال: يستأنف إذا تكلم:
هذا القول لم أقف على دليلهم وسوف أستدل لهم ما أمكن:
الدليل الأول:
أن ظاهر هذا القول يدل على أنهم يرون أن الكلام في أثناء الأذان إما أن يعتبر زيادة في الأذان، وهو محرم، أو خروجًا عنه، وكلاهما يوجب الاستئناف.
الدليل الثاني:
القياس يقتضي وجوب الموالاة، كما أنه لو قال كلامًا، وأراد أن يلحق به استثناءً، أو شرطًا، أو عطفًا، وجب ألا يكون بينهما فاصل أجنبي، وكما تجب الموالاة في قراءة الفاتحة، فإذا كان ذلك يقطع الموالاة، فكذلك الأذان.
• ويناقش:
بأن المصلي إذا عطس، فحمد الله لم يقطع ذلك قراءته، وكذلك إذا مرَّت به آية رحمة، أو آية عذاب، فسأل، وتعوَّذ لم يقطع ذلك قراءته، فالأذان من باب أولى ألا يقطع ذلك أذانه، خاصة إذا كان يسيرًا.
• دليل من قال: الموالاة ليست شرطًا:
الدليل الأول:
لم يحفظ دليل من الشرع ينهى المؤذن عن الكلام في الأذان، والأصل الإباحة، وعدم الاشتراط، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، فمن منع من الكلام فعليه الدليل.
стр. 282
الدليل الثاني:
لو سلم أن التعاليل التي ذكرت تدل على مشروعية الموالاة في الأذان، فهي لا تكفي للقول باشتراطها، فالشرطية قدر زائد عن القول بالوجوب، فالشرط لا يثبت للعبادة إلا إذا جاء في الأدلة ما يدل على انتفاء الأذان بانتفاء الموالاة، أو نفي القبول للدلالة على نفي الصحة.
الدليل الثالث:
جاءت نصوص من الشرع تأمر برد السلام، وتشميت العاطس، وهي مطلقة، أو عامة، والمطلق والعام على إطلاقه وعمومه حتى يرد من الشارع ما يقتضي التخصيص أو التقييد، ولا يخصص كلام الشارع ولا يقيده إلا نص مثله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
(ح-١٠٧) وروى البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم (١).
ومن أخرج أحدًا من هذه النصوص فعليه الدليل.
الدليل الرابع:
صح التكلم مع الخطيب يوم الجمعة، ولو في غير شأن الخطبة، وإذا صح هذا في الخطبة، فالأذان أسهل.
(ح-١٠٨) فقد روى البخاري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس بن مالك، قال: أصابت الناسَ سنةٌ على عهد النبي ﷺ ، فبينا النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة قام أعرابي، فقال يا رسول الله: هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا .... الحديث (٢).
(ح-١٠٩) ومنها ما رواه الشيخان من طريق عمرو بن دينار،
стр. 283
عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين (١).
(ح-١١٠) وروى أحمد من طريق حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، قال:
سمعت أبي بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن، والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما (٢).
[حسن إن كان حسين بن واقد حفظه، فقد تفرد به] (٣).
стр. 284
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن المقيس عليه محل خلاف، فمن العلماء من يرى أن الفصل الطويل يقطع الخطبة، والأدلة الواردة تدخل في حد الكلام اليسير.
الوجه الثاني:
أن هناك فرقًا بين الأذان والخطبة، فكلمات الأذان متعينة، فيعد قاطعه معرضًا عنه، وليست كذلك الخطبة، فإن لفظها غير متعين.
стр. 285
الدليل الخامس:
لا يمكن أن يقاس الأذان على الصلاة، فإن الصلاة جاء النص بالنهي عن الكلام فيها، وأجمع العلماء على تحريمه فيها، بخلاف الأذان فإنه لا نص فيه على تحريم الكلام، ولا تشترط له الطهارة، ولا تجب له القبلة، ففارق الصلاة.
• دليل من فرق بين الأذان والإقامة:
حجة من فرق بينهما: أن الإقامة مبنية على الحدر والإسراع، فالكلام ينافي ذلك بخلاف الأذان المبني على الترسل والتمهل (١).
• دليل من فرق بين السكوت والكلام:
أن السكوت اليسير لا بد منه للتنفس، والاستراحة، ولا ينفك عنه أحد، فلا يستحب الاستئناف من السكوت اليسير، بخلاف الكلام فإنه يستحب الاستئناف، منه وإن كان يسيرًا.
هذا وجه الفرق بين السكوت والكلام اليسير.
وأما وجه الفرق بين السكوت الطويل والكلام الكثير: أن السكوت الطويل لا يجر لبسًا على السامعين فأمكن البناء، واستحب الاستئناف، بخلاف السكوت الطويل إذا تخلله كلام أجنبي عن الأذان، فهو يجعل السامع يظن أن الذي سمعه لم يكن أذانًا، أو لم يقصد به الإعلام بدخول الوقت فلم يمكن البناء على ما سبق.
• الراجح:
أرى أن قول الجمهور أقرب إلى الصواب، وأن الموالاة شرط، ولا يضر اليسير من الكلام والسكوت، والله أعلم.
стр. 286
مبحث في اشتراط الموالاة بين الإقامة والصلاة
مدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم التوقيت بين انتهاء الإقامة والدخول في الصلاة.
• الشروط لا تثبت إلا بدليل، والأصل عدم الاشتراط.
• الإقامة عبادة مستقلة عن الصلاة، ليست جزءًا منها.
• كون الإقامة دعوة للدخول في الصلاة لا يعني اشتراط الموالاة بينهما، كالأذان دعوة إلى الاجتماع للصلاة، ولا توقيت بينهما.
• كل فاصل بين الإقامة والصلاة من قول أو فعل إذا كان لمصلحة الصلاة فلا تعاد منه الإقامة، ولو طال الفصل.
• لا دليل على التفريق بين الفاصل الطويل والقصير، وبين العمل الكثير والقليل.
[م-٣٠] اختلف الفقهاء في حكم الموالاة بين الإقامة والصلاة:
فقيل: يكره الفصل بين الإقامة والصلاة لغير حاجة، وهذا يعني أن الموالاة ليست شرطًا، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية (١).
قال الكاساني: «يكره للمؤذن أن يتكلم في أذانه وإقامته لما فيه من ترك
стр. 287
سنة الموالاة» (١).
وقال خليل في التوضيح: «وتستحب الطهارة في الأذان والإقامة، واستحبابها في الإقامة آكد؛ لاتصالها بالصلاة» (٢).
ومن كتاب النوادر والزيادات «قال أبو بكر الأبهري: وإنما يكره أن يقيم من ليس على طهارة؛ لتكون الصلاة متصلة بالإقامة، لا عمل بينهما» (٣).
وقيل: الموالاة شرط، فتبطل الإقامة بسبب الفصل الطويل، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب المالكية، ومذهب الشافعية (٤).
جاء في الفواكه الدواني: «ولا بد من اتصالها بالصلاة، فإن تراخى بالإحرام أعادها» (٥).
وقال النووي في المجموع: وإن أقام في الوقت، وأخر الدخول في الصلاة، بطلت إقامته إن طال الفصل؛ لأنها تراد للدخول في الصلاة، فلا يجوز الفصل والله أعلم» (٦).
وقيل: لا يكره الفصل بين الإقامة والصلاة، وهو قول في مذهب الحنفية في مقابل المشهور (٧).
ونفي الكراهة يدل على إباحة الفصل بين الإقامة والصلاة.
стр. 288
• دليل من قال: لا تشترط الموالاة، ويكره الفصل بينهما:
الدليل الأول:
(ح-١١١) ما رواه البخاري من طريق عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم (١).
قال ابن رجب: «وظاهر هذه الرواية يدل على أنه صلى بالإقامة السابقة، واكتفى بها» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-١١٢) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (٣).
قال ابن حجر: «يؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة» (٤).
وأما أدلتهم على الكراهة فاحتجوا بأدلة القول الثاني القائلين بأن الموالاة شرط، إلا أنهم حملوا هذه الأدلة على كراهة الفصل بدلًا من القول بالشرطية.
من ذلك قوله: أتصلي فأقيم؟ وسيأتي تخريجه في أدلة القول الثاني.
ومن ذلك قولهم: إن الإقامة تراد للدخول في الصلاة، فَكُرِه الفصل بينهما.
• دليل من قال: إن الموالاة شرط:
الدليل الأول:
(ح-١١٣) ما رواه البخاري من طريق أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف
стр. 289
ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم … الحديث وهو قطعة من حديث طويل (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فأقيم) الفاء دالة على الترتيب والتعقيب.
• ونوقش:
ليس في الحديث دليل على الموالاة بين الإقامة والصلاة، نعم لو قال: (أقيم، فتصلي) لكان فيه دليل استحباب الموالاة عند من يرى الاحتجاج بقول الصحابي، وأما قوله: (أتصلي فأقيم؟) فالترتيب بين موافقة أبي بكر على الإمامة وبين الإقامة، وفي كلا الحالين لا دلالة فيها على الوجوب فضلًا عن الشرطية، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ث-٢٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان يؤذن على البعير، وينزل فيقيم (٢).
[صحيح].
• ويناقش:
(يؤذن وينزل) الواو لا تفيد ترتيبًا، وعلى التنزل، فالاحتجاج بفعل الصحابي غايته أن يدل على الاستحباب إذا قصد إلى التعبد بهذا الفعل، مع أنه ربما اختار الأنسب له؛ لأنه سوف ينزل ويصلي الفريضة على الأرض، وأما الاحتجاج بهذا على الشرطية أو الكراهة فلا ينهض هذا الفعل على الاستدلال.
الدليل الثالث:
أن الإقامة تراد للدخول في الصلاة، لهذا اشترط أن تكون متصلة بها من غير أن يتخللهما عمل.
• ويناقش:
أن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، وقد يقال: إن الإقامة إعلام بقرب
стр. 290
الدخول في الصلاة، فلا ينافيها وجود الفاصل، وهي عبادة مستقلة، قائمة بذاتها، ليست جزءًا من الصلاة، وصحة الصلاة ليست متوقفة على فعلها، وإن شرعت لها، وفعلها قبل الصلاة كافٍ في الامتثال، سواء أتصلت أم انفصلت، والله أعلم.
الدليل الرابع:
أن المؤذن يقول في إقامته (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة)، وهذه الجملة هي الجملة الوحيدة التي لا توجد في جمل الأذان، ومنها سميت الإقامة بالإقامة، وهو إعلام من المؤذن بقرب إقامتها، فالفصل الطويل يخالف ما أخبر به المؤذن.
• ويجاب:
بأن هذا هو الأصل في الإقامة، وأنها إيذان بقرب الدخول فيها، ولا ننازع في هذا، وإنما النزاع في دعوى أن يكون اتصالها بالصلاة شرطًا لصحتها، والأدلة الصحيحة الصريحة على خلافه، وإنما تؤخذ الشروط من نصوص الشارع، فإذا لم يوجد ما يدل على الشرطية فالأصل عدم الاشتراط، كيف وقد وجد ما يدل على نفي الشرطية، كما في حديث أنس، وأبي هريرة.
• دليل من قال: يجوز الفصل بلا كراهة:
الدليل الأول:
الأصل عدم الكراهة.
الدليل الثاني:
الكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل على الكراهة.
الدليل الثالث:
(ح-١١٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أخبرنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة،
عن سالم أبي النضر، قال: كان رسول الله ﷺ حين تقام الصلاة في المسجد، إذا رآهم قليلًا جلس لم يُصَلِّ، وإذا رآهم جماعة صلَّى (١).
الدليل الرابع:
لم يرد في النصوص توقيت بين الإقامة والدخول في الصلاة، والأصل عدم التوقيت.
الدليل الخامس:
دلت أدلة القول الأول على أن الموالاة ليست شرطًا، ولو كان الفصل بين الصلاة والإقامة مكروهًا لما فعله النبي ﷺ في مناجاته لأحد أصحابه، ولا يقال: إن هذا حاجة؛ لأنه لو عَلَّق الأمر بالحاجة لكان المقصود بالحاجة حاجة المصلين، أو الصلاة، لا حاجة آحادهم.
الدليل السادس:
كل الأدلة التي سقناها على عدم كراهة الإقامة من الراكب تصلح حجة لهؤلاء؛ باعتبار أن الإقامة من الراكب سبب في وجود فاصل بين الصلاة والإقامة، خاصة في الزمن الأول حين كانت آلة الركوب من الدواب، والله أعلم.
• الراجح:
أن الفصل بين الإقامة والصلاة من المباح خاصة إذا وجد حاجة لذلك، وأن اتصال الإقامة بالصلاة أولى من الفصل لما يشعره قوله في الإقامة: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، والله أعلم.
стр. 293
الشرط الثالث في اشتراط عدم الكلام في أثناء الأذان
المدخل إلى المسألة:
• يقدم المفضول الذي يخشى فوته على الفاضل الذي لا يخشى فوته، كتقديم حمد العاطس وتشميته وتقديم السلام ورده في أثناء الأذان، وفي أثناء قراءة القرآن على توالي كلمات الأذان، وقراءة القرآن، وكتقديم تحية المسجد على سماع خطبة الجمعة.
• كل كلام أو سكوت لا ينافي توالي كلمات الأذان كالكلام والفاصل اليسير فإن الحاجة والمصلحة تبيحه.
ويمكن أن يقال:
• الكلام الكثير والسكوت الطويل في أثناء الأذان يخل بالإعلام، حتى يبدو للسامع أن الذي جاء به لم يكن أذانًا، فلا يحصل المقصود منه.
• مراعاة حق توالي الأذان مقدم على الحق في رد السلام ونحوه، فالأول حق عام وسابق، والثاني حق خاص ومتأخر، ومراعاة العام السابق أحق من مراعاة الخاص المتأخر اللاحق.
• المسَلِّم على المؤذن يعرضه لأحد أمرين: إن لم يرد السلام فقد ترك واجبًا، وإن رد السلام فربما يخل بتوالي الأذان، خاصة إذا كثر المسَلِّمون، لهذا قيل: المشغول لا يُشْغَل.
[م-٣١] عرفنا في المسألة السابقة أن الكلام اليسير لا يقطع الموالاة في الأذان، وهذا من حيث الحكم الوضعي للكلام، وأما الحكم التكليفي للكلام في الأذان فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
стр. 294
القول الأول:
يكره الكلام مطلقًا، فلا يرد سلامًا، ولا يشمت عاطسًا، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد على خلاف بينهم في وجوب الاستئناف إذا تكلم (١).
واستثنى الشافعية من الكراهة الكلام إذا كان لمصلحة أو حاجة (٢).
وقال إسحاق: لا ينبغي للمؤذن أن يتكلم في أذانه إلا كلامًا من شأن الصلاة، نحو صلوا في رحالكم، ورجحه ابن المنذر في الأوسط، وهو يرجع إلى قول الشافعية (٣).
وأدلتهم هي نفس أدلتهم على اشتراط الموالاة.
стр. 295
• واحتجوا لذلك:
بأن النصوص التي جاءت بالكلام في الخطبة، أوالكلام في الأذان إنما كان ذلك إما لحاجةٍ، أو لمصلحة الصلاة، ومثل ذلك يرفع الكراهة، فإن كان الكلام بلا حاجة، ولا مصلحة فإنه يكره، لأن مثل ذلك يخل بجمل الأذان.
القول الثاني:
يكره السكوت والكلام اليسير في الإقامة مطلقًا، ولو كان هناك حاجة، ولا يكرهان في الأذان إن كان هناك حاجة، وإلا كرها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
جاء في مسائل أحمد رواية أبي داود: «قلت لأحمد: الرجل يتكلم في أذانه، قال: نعم. قلت لأحمد: يتكلم في إقامته، فقال: لا» (٢).
قال ابن رجب: «يكره -يعني الكلام- في الإقامة دون الأذان، وهو المشهور عن أحمد، والذي نقله عنه عامة أصحابه، واستدل بفعل سليمان بن صرد» (٣).
وقال الأوزاعي: يرد السلام في الأذان، ولا يرده في الإقامة (٤).
وقال الزهري: إذا تكلم في إقامته يعيد (٥).
• وجه التفريق بين الأذان والإقامة:
أن الإقامة يستحب حدرها، بخلاف الأذان.
القول الثالث:
لا يكره الكلام مطلقًا، وهو قول الحسن البصري، وعروة، وعطاء، وقتادة، ورجحه ابن حزم (٦).
стр. 296
وبه قال من المالكية عبد العزيز بن أبي سلمة وابن أبي حازم (١).
وهو قول الحسن البصري، فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن علية، قال: سألت يونس عن الكلام في الأذان والإقامة، فقال: حدثني عبيد الله ابن غلاب، عن الحسن أنه لم يكن يرى بذلك بأسًا (٢).
وقد ذكرنا أدلتهم في المسألة السابقة، والله أعلم.
وقول الشافعية قول وسط بين المنع المطلق، والإباحة المطلقة، فإن كان الكلام لمصلحة، أو حاجة أبيح؛ لأن الحاجة ترفع الكراهة، وإلا كره؛ لإخلاله بجمل الأذان، ويمكن للمؤذن أن يرد السلام، ويشمت العاطس، إما إشارة، وإما مع خفض الصوت بحيث لا يرفع صوته كالأذان، فلا يسمعه إلا من يعنيه، ولا يسمعه من يقصد بسماع الأذان.
стр. 297
مبحث في رد السلام من المؤذن
هذه المسألة فرع عن حكم الكلام في الأذان، والذي جعلني أفردها في مسألة مستقلة، أن رد السلام يختلف عن مجرد مطلق الكلام في الأذان، ذلك أن الكلام الأصل فيه الإباحة، ورد السلام الأصل فيه الوجوب، فإذا سُلِّم على المؤذن، فهل يرد السلام قيامًا بالواجب، أو يسقط الوجوب مراعاة لتوالي جمل الأذان؟
[م-٣٢] اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول:
يكره رد السلام، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والمنصوص عن أحمد في رواية علي بن سعد (١).
على خلاف بينهم:
فقيل: لا يرد مطلقًا، لا قبل الفراغ من الأذان، ولا بعده، وهو الأصح عند الحنفية (٢).
وقيل: يرد في نفسه، وهو قول أبي حنيفة (٣).
وقيل: يرد بعد الفراغ من الأذان، وبه قال محمد بن الحسن، وهو مذهب المالكية، حتى قال أصحاب مالك: يرد السلام، ولو لم يكن المُسَلَّم عليه حاضرًا (٤).
стр. 298
القول الثاني:
لا يكره رد السلام، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، إلا أن الشافعية قالوا: تركه أولى (١).
وما كان خلاف الأولى فهو ملحق بالمكروه؛ إلا أن المكروه ورد فيه نهي مخصوص، وخلاف الأولى لم يرد فيه نهي مخصوص، كترك السنن المؤكدة، وذكر الله على غير طهارة، ونحو ذلك.
القول الثالث:
يجب رد السلام، وتشميت العاطس، وهو اختيار ابن حزم (٢).
• وجه من قال بالكراهة:
أن السلام على المؤذن منهي عنه؛ لأن المُسَلِّم على المؤذن يعرِّضه لأحد أمرين: إما أن لا يرد، ورد السلام الأصل فيه الوجوب.
وإما أن يرد، والكلام في الأذان يخل بنظام الأذان، خاصة إذا كَثُر المُسَلِّمُون فقد يظن من سمع المؤذن أنه لا يقصد به الأذان، لهذا نَهَيْنَا عن السلام على المؤذن ابتداءً، وكرهنا الرد على المُسَلِّم.
• دليل من قال: يجب رد السلام وتشميت العاطس:
الدليل الأول:
جاءت نصوص من الشرع تأمر برد السلام وتشميت العاطس، وهي مطلقة،
стр. 299
أو عامة، والمطلق والعام على إطلاقه وعمومه حتى يَرِدَ من الشارع ما يقتضي التخصيص أو التقييد، ولا يخصص كلام الشارع ولا يقيده إلا نص مثله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
(ح-١١٥) وروى البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم (١).
ومن أخرج أحدًا من هذه النصوص فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
أن المفضول الذي يخشى فوته مقدم على الفاضل الذي لا يخشى فوته، كما قدمت تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة، على سماع الخطبة، وتحية المسجد سنة عند الجمهور، وسماع الخطبة واجب.
وكما يقدم رد السلام على قارئ القرآن على توالي القراءة، فكذلك يقدم رد السلام على توالي الأذان.
الدليل الثالث:
رد السلام لا يخل بالإعلام، لكونه يسيرًا، فلا ينافي توالي كلمات الأذان.
• دليل من قال: لا يكره رد السلام ولا يجب:
أما كونه لا يكره؛ فلأن رد السلام، وتشميت العاطس يختلف عن الكلام المباح التي لا تدعو له حاجة أو مصلحة، فالكلام إذا دعت له حاجة أو مصلحة فإنه مثل ذلك يرفع الكراهة.
ولم يجب عليه الرد في مثل هذه الحالة، لاشتغاله بالأذان، والمشغول لا يشغل.
• الراجح:
الأمر في هذا واسع؛ لأنه لا نص فيه، لكن ينبغي ألا يُسَلَّم على المؤذن ابتداءً؛
стр. 300
لأن المشغول لا يشغل، فإذا سلم عليه فليرد بعد الأذان إن كان المُسَلَّم عليه لا يفوت، وإن خشي فواته رد عليه، ورد السلام بالكلام لا يكره؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وهو يسير، لا يخل بنظم الأذان، وينبغي أن يكون رد السلام بصوت منخفض عن صوت الأذان حتى لا يلتبس بالأذان، والله أعلم.
стр. 301
الشرط الرابع في اشتراط دخول الوقت
المدخل إلى المسألة:
• الأذان المعهود لا يشرع إلا للصلوات الخمس المفروضة، ومنها الجمعة.
• الأذان قبل الفجر لا يمكن أن يكون للوتر؛ لأن الأذان لم يشرع للنوافل، ولا يمكن أن يكون للسحور؛ لأنه ليس بصلاة حتى يشرع الأذان للإشعار به.
• ما قال فيه المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح كان ذلك دعوة إلى الاجتماع لفعل الصلاة، ولهذا إذا لم يُرِد المؤذنُ الدعوة، قال: صلوا في رحالكم.
• إذا لم يُؤذَّن للتراويح والاستسقاء والعيد وغيرها من الصلوات التي يجتمع لها لم يؤذَّن للوتر أو للسحور من باب أولى.
• صلاة الفجر لها أذانان: أذان قبل وقتها للتأهب لفعلها، وأذان بعد دخول وقتها للاجتماع لفعلها، واختصت بذلك كما اختصت بالتثويب لكونها تأتي في وقت نوم الناس وفيهم السريع والبطيء، وللحصول على فضيلة التغليس، والأول لا يغني عن الثاني على الصحيح.
[م-٣٣] اتفق العلماء على أن الإقامة لا تقدم على الوقت مطلقًا (١).
[م-٣٤] كما اتفقوا على أنه لا يؤذن لغير الصبح قبل وقتها (٢).
стр. 302
لحديث مالك بن الحويرث: إذا حضرت الصلاة فليؤذِّنْ لكم أحدُكم وليؤمَّكم أكبركم (١).
وحضور الصلاة: أبلغ من دخول الوقت.
ويلحق بالصبح كذلك الأذان الأول للجمعة، والذي زاده الخليفة الراشد عثمان ﵁ على القول بأن الجمعة لا يدخل وقتها إلا بالزوال.
[م-٣٥] واختلفوا في الأذان للصبح قبل وقتها على أقوال:
فقيل: لا يؤذن لصلاة الفجر حتى يطلع الفجر، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ومحمد بن الحسن، وهو رواية عند الحنابلة (٢).
وقيل: يصح الأذان للفجر قبل دخول وقتها، وهو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقول أبي يوسف من الحنفية (٣).
وقيل: الأذان قبل الوقت يشرع في رمضان خاصة دون غيره، وهو قول عند الحنفية، وبه قال ابن القطان الفاسي، وابن دقيق العيد (٤).
стр. 303
وقيل: إذا لم يكن للمسجد مؤذنان، فلا يؤذن إلا بعد دخول الوقت حتى لا يلتبس الوقت على الناس، وإذا أذن للأول فلا يكتفى به عن الثاني، وهو قول ابن المنذر، وطائفة من أهل الحديث، ورجحه ابن حزم (١).
• دليل الجمهور على صحة أذان الفجر قبل الوقت:
الدليل الأول:
(ح-١١٦) ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن ابن زياد يعني الأفريقي، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي،
أنه سمع زياد بن الحارث الصُّدَائي، قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني يعني النبي ﷺ فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز، ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه - يعني فتوضأ - فأراد بلال أن يقيم، فقال له نبي الله ﷺ : إن أخا صُدَاءٍ هو أَذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم، قال: فأقمت (٢).
[ضعيف، واختلف على الأفريقي فيه في وقت الأذان] (٣).
وجه الاستدلال:
هذا الحديث يدل على أنه أذن قبل طلوع الفجر، واكتفى بذلك الأذان، ولم يعده بعد طلوعه.
• ونوقش:
بأن الحديث في إسناده الأفريقي، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم، قال الثوري كما في تهذيب التهذيب: جاءنا عبد الرحمن بستة أحاديث يرفعها إلى النبي ﷺ لم أسمع أحدًا من أهل العلم يرفعها … وذكر سادسها من أذن فهو يقيم (١). اه
وقد اختلف عليه، أكان الأذان قبل الفجر، أم بعد طلوع الفجر كما أفصح عن ذلك تخريج الحديث؟
الدليل الثاني:
(ح-١١٧) ما رواه الشيخان من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : إن بلالا يُؤَذِّنُ بليل، فكلوا واشربوا حتى يُؤَذِّنَ ابن أم مكتوم (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث: (يؤذن بليل) أي قبل طلوع الفجر، فدل ذلك على أن الفجر مستثنى
стр. 306
• وأجاب الحنفية على هذا الاستدلال بعدة أجوبة:
الجواب الأول:
ادعى الحنفية أن الأذان الأول إنما كان للتسحير لا للوقت (١).
(ح-١١٨) فقد روى البخاري من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي،
عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: لا يمنعن أحدَكم أو أحدًا منكم أذانُ بلالٍ من سحوره، فإنه يُؤَذِّنُ أو ينادي بليل؛ ليرجع قائمكم؛ ولينبه نائمكم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح … الحديث (٢).
فتبين منه أن أذان بلال إنما كان لأجل أن يرجع قائم الليل عن صلاته ويتسحر، ويستيقظ النائم فيتسحر، فهذا تصريح بكونه للتسحير، لا للفجر.
• ورد هذا من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن الحديث يخبرهم أن أذان بلال ليس مانعًا من السحور، وليس فيه أن الأذان انعقد من أجل السحور، ولو كان الأذان للسحور، لقال: إن بلالًا يؤذن لسحوركم، وبينهما فرق، وإذا كان الخبر كما قال ابن مالك في الألفية:
والخبر الجزء المتم الفائدة ............
فلا بد في الخبر أن يحمل فائدة مجهولة للمستمعين، فالذي يظهر أن أذان بلال كان يقع قريبًا من وقت الفجر حتى خشي النبي ﷺ أن يشتبه على الناس، فيمنعهم من إتمام سحورهم، لاعتقادهم أن الفجر قد طلع، فأخبرهم أن بلالًا يؤذن بليل، وأن ذلك لا يمنع الأكل والشرب، وليس الأذان من أجل التذكير بالأكل والشرب.
الوجه الثاني:
أن المقصود من الأذان لا يخرج عن ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون الأذان للتذكير بالوتر، وهذا لا يصح، لأن الوتر من صلاة النافلة، و لا جماعة له حتى ينادى له بقوله: حي على الصلاة. قال ابن
стр. 307
عبد البر: إجماع المسلمين على أن النافلة لا أذان لها ما دل ذلك على أن أذان بلال بالليل إنما كان لصلاة الصبح (١).
الاحتمال الثاني: أن يكون الأذان للسحور، وهذا أبعد؛ لأن السحور ليس بصلاة، حتى يمكن الإشعار به بقول المؤذن (حي على الصلاة حي على الفلاح) ولو احتاج السحور إلى تذكير لم يكن بصورة الأذان المفروض للصلوات الخمس، فهذه صلاة الكسوف التي يشرع لها الجماعة، ويدعى الناس للاجتماع إليها، ويقع الكسوف فجأة، والناس في غفلة لم يُنَادَ لها بالأذان المعهود، مع أنها من جملة الصلوات، فكيف بالسحور، والذي هو ليس بصلاةٍ أصلًا؟
الاحتمال الثالث: أن يكون الأذان الأول من أجل صلاة الفجر، ولكن ليس لفعلها، وإنما للتأهب لفعلها، وهذا ظاهر من قول المؤذن ودعوته للناس (حي على الصلاة حي على الفلاح)، فإن هذا النداء لم يناد به قط إلا للصلوات الخمس، ومنها الجمعة، فكيف يدعو المؤذن الناس بقوله: حي على الصلاة ثم يقال: إن الأذان ليس للصلاة. فإن قيل: وكيف يدعو الناس إلى الصلاة ولم يدخل وقتها بعد؟
قيل: لما كان الصبح يغشى الناس، وكثير منهم في حال النوم، فلو لم يؤذن للفجر إلا بعد طلوع الفجر لما تمكنوا من الوضوء، والغسل، والاجتماع في المسجد إلا بعد الإسفار كثيرًا، والناس فيهم السريع والبطيء، ومن سنة الفجر التغليس بها، فاقتضى ذلك أن يكون للصبح إعلامان: أذان بقرب الفجر، وفيه دعوة للتأهب للصلاة، وآخر للاجتماع لفعلها حتى إذا أذن الصبح كان بإمكانهم المبادرة للصلاة، وصلاتها في وقت الغلس كما هي السنة في وقت صلاتها، كما شرع الأذان الأول للجمعة لما كثر الناس، واتسعت المدينة، واحتاجوا للتذكير للرجوع من الأسواق والاستعداد للصلاة، فإذا علم ذلك، كان معنى قوله ﷺ : (ليرجع قائمكم، ولينتبه نائمكم) فالرجوع والانتباه من أجل التأهب لصلاة الصبح.
ويبقى الخلاف بين الجمهور، هل يجزئ هذا الأذان عن الأذان الثاني؟
والذي يظهر أنه لا يغني عن الثاني، ولم يصح قط حديث عن النبي ﷺ أنه كان يقتصر على الأذان الذي يقع قبل الوقت، وسيأتي بحث المسألة إن شاء الله تعالى
стр. 308
في فصل مستقل، والله أعلم.
الجواب الثاني للحنفية:
يحتمل أن يكون الأذان الأول بغير ألفاظ الأذان المعهودة.
وهذا بعيد؛ لأنه لو كان بغير ألفاظ الأذان لما خشي منه النبي ﷺ أن يلتبس بأذان الفجر، فيمنعهم من السحور؛ لأن التمييز حينئذٍ سيكون بالكلمات، وليس بالأشخاص.
الجواب الثالث للحنفية:
قال الطحاوي: إن بلالًا كان يريد الفجر فيخطئه لضعف بصره، فأمرهم رسول الله ﷺ ألا يعملوا على أذانه؛ إذ كان من عادته الخطأ لضعف بصره (١).
(ح-١١٩) واحتج لقوله بما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سعيد، عن قتادة،
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : لا يمنعنكم أذان بلال من السحور، فإن في بصره شيئًا (٢).
[رجاله ثقات، وقد تفرد بقوله: (إن في بصره شيئًا) محمد بن بشر، عن سعيد ابن أبي عروبة، ولا إخاله محفوظًا] (٣).
واحتج الطحاوي أيضًا بما في الصحيح: (ولم يكن بينهما إلا مقدار ما يصعد هذا وينزل هذا) (١).
فلما كان بين أذانيهما من القرب ما ذكرنا ثبت أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا،
стр. 311
وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال لما ببصره، ويصيبه ابن أم مكتوم؛ لأنه لم يكن يفعله حتى يقول له الجماعة: أصبحت أصبحت (١).
• وأجيب عن ذلك من وجوه:
أحدها: أن قول النبي ﷺ : (إن بلالا يؤذن بليل) يقتضي أن هذه كانت طريقته وعادته دائمًا، وليس عن خطأ قد يتعرض له نادرًا.
ثانيًا: أن نداء بلال قبل الوقت كان مرادًا للشارع، وليس نتيجة خطأ عارض.
(ح-١٢٠) ففي صحيح الإمام البخاري من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي،
عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: لا يمنعن أحدَكم أو أحدًا منكم أذانُ بلالٍ من سحوره؛ فإنه يؤذن أو ينادي بليل؛ ليرجع قائمكم؛ ولينبه نائمكم (٢).
وهذا صريح في أنه كان يؤذن قبل الفجر عمدًا؛ لغرض صحيح أفصح عنه النبي ﷺ بقوله: (ليرجع القائم، وينتبه النائم) والرجوع والانتباه من أجل السحور والتأهب لصلاة الصبح.
ثالثًا: أن القدح في أذان بلال، قدح باختيار النبي ﷺ له، فهو المؤذن الراتب للنبي ﷺ في سائر الأوقات، وكان بتعيين من النبي ﷺ ابتداءً، حتى فَضَّله على عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أُرِيَ الأذانَ، فلو كان في بصره ما يقدح في اعتماد خبره لَغَيَّرَه النبي ﷺ ، وقد استمر بلال على الأذان طيلة حياة النبي ﷺ ، وأراده له أبو بكر فامتنع (٣).
الدليل الثالث:
أن الأذان قبل الوقت في صلاة الصبح هو عمل أهل الحرمين، ينقلونه خلفًا عن سلف، حتى قال مالك في الموطأ: «لم تزل الصبح ينادى لها قبل الفجر، فأما
стр. 312
غيرها من الصلوات فإنا لم نرها ينادى لها إلا بعد أن يحل وقتها» (١).
قال ابن عبد البر تعليقًا على مقالة الإمام مالك: «فهذا يدلك على أن الأذان عنده مأخوذ من العمل؛ لأنه لا ينفك منه كل يوم، فيصح الاحتجاج فيه بالعمل؛ لأنه ليس مما ينسى» (٢).
• حجة من يقول: لا يجوز الأذان لصلاة الفجر حتى يطلع الفجر:
الدليل الأول:
(ح-١٢١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وداود بن شبيب المعنى قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد قد نام، ألا إن العبد قد نام، زاد موسى: فرجع فنادى: ألا إن العبد قد نام، قال أبو داود: وهذا الحديث لم يَرْوِه عن أيوب، إلا حماد بن سلمة (٣).
[رجاله ثقات إلا أنه شاذ، والمحفوظ عن أيوب معضلًا، ولا تثبت القصة عن بلال، وإنما رواه نافع، أن مؤذنًا لعمر ﵁، وهو منقطع، فالقصة بين عمر ومؤذنه] (٤).
الدليل الثاني:
(ح-١٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن شداد مولى عياض بن عامر،
عن بلال، أن النبي ﷺ قال: لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا، ومد يديه (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 320
الدليل الثالث:
(ح-١٢٣) روى الطبراني في مسند الشاميين، من طريق سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،
عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ ، قال: كنا لا نؤذن بصلاة الفجر حتى نرى الفجر، وكان يضع أصبعيه في أذنيه كلتيهما عند الأذان (١).
[ضعيف جدًّا على اضطرابه] (٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٢٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرَّقِّيُّ، عن عبد الكريم يعني الجَزَرِيَّ، عن نافع، عن ابن عمر،
عن حفصة أن النبي ﷺ كان إذا أذن المؤذن صلى ركعتين، وحرم الطعام، وكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر (٣).
[رجاله ثقات، إلا أن زيادة وكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر تفرد بها الجزري،