← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

• وجه اشتراط أن يكون البلد كبيرًا: في البلد الكبير يكثر أهل العلم والمعرفة بدلائل القبلة، فمن أجل أن يعلم أنه إنما نصب محرابه باجتهاد جمع من العلماء اشترط أن يكون ذلك في بلد كبير، سواء أكان عامرًا أم خرابًا. ولهذا المعنى اشترط الشافعية في تقليد محراب القرية أن تكون بلدًا مطروقة يكثر المارون فيها؛ أو يتعاقب عليها قرون من المسلمين؛ لأن تكرار المارين أو تعاقب السنين دون أن يطعن في قبلتها أحد دليل على سلامتها من الخطأ. ولا شك أن القرية الصغيرة قد لا يتواجد فيها أهل المعرفة بدلائل القبلة، فلما كان هذا الاحتمال قائمًا لم يكن اجتهاد أهل القرية فوق التحري، ولكن السؤال، هل هذا يجعل تقليده ليس واجبًا، وهو لا ينفي الجواز، أو يجعل تقليده ممتنعًا مع قيام هذا الاحتمال؟ هذا ينبني على خلاف تقدم: هل يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر، فمن أوجب عليه الاجتهاد، ومنعه من التقليد سيرى منعه من تقليد محراب القرية. ومن يرى أن للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر، يكون تقليد محراب القرية من باب الجائز، وليس الواجب. وقد يُوجِدُ الباحث فرقًا بين المسألتين، ففي محراب القرية يكون مَنْ تولى نصب المحراب مجهولًا، فقد يكون مجتهدًا، وقد لا تتوفر فيه أهلية الاجتهاد، بخلاف تقليد المجتهد، والله أعلم، وعلى كل حال فإن مذهب الحنفية والحنابلة أضعف من مذهب المالكية والشافعية، والله أعلم. * * *

стр. 2557

الشرط الثاني في اشتراط أن تكون المحاريب قديمة المدخل إلى المسألة: • المحاريب المنصوبة عن طريق الاجتهاد تفيد الظن، وليس القطع. • المحاريب القديمة إذا تعاقبت عليها القرون دون أن يطعن في قبلتها أحد مظنة لإصابة القبلة، فيجوز للمجتهد تقليدها. • إذا تعارضت المحاريب القديمة والحديثة لم يجز تقليد أي منها؛ حتى يُعْلَمَ الأصوبُ منهما؛ لأن اختلاف المحاريب يضعف الثقة بها. • إذا قطع المجتهد بخطأ المحاريب القديمة لا يجوز له تقليدها، ولا يجوز له مخالفتها بمجرد توهم الخطأ. [م-٣٣٥] جاء وصف المحاريب بالقديمة عند الحنفية (١). وحددها بعضهم بالمحاريب التي نصبها الصحابة والتابعون، فليتأمل. جاء في فتاوى قاضي خان نقلًا من البحر الرائق «جهة الكعبة تعرف بالدليل، والدليل في الأمصار والقرى المحاريب التي نصبها الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين فعلينا اتباعهم في استقبال المحاريب المنصوبة، فإن لم يكن فالسؤال من الأهل» (٢). وذكر هذا النص في حاشية الطحطاوي، وزاد: وإن لم تكن -يعني محاريب منصوبة من الصحابة والتابعين- فالسؤال من الأهل أي أهل ذلك الموضع، ولو

стр. 2558

واحدًا فاسقًا إن صدقه» (١). فَقَدَّمَ المحاريبَ القديمة على أخبار أهل البلدة، وقدم أخبار أهل البلدة على الاجتهاد. وإذا قدمنا سؤال أهل البلد على الاجتهاد لم يكن هناك فرق بين المحاريب القديمة والجديدة؛ لأن المحاريب هي إخبار عن القبلة ممن بناها من أهل تلك البلدة، فلما كان خبرهم مقدمًا على التحري كانت محاريبهم مقدمة على التحري كذلك، فلا معنى للتخصيص بالمحاريب القديمة إلا أن يقال: لما قدم المحاريب القديمة على سؤال أهل القرية دل هذا على تقديم المحاريب القديمة على المحاريب الحادثة عند التعارض، إن كان قِيل بذلك فقد يكون له وجه. وإذا كانت المحاريب القديمة لها مرجح من كونها تعاقبت عليها قرون دون أن يطعن فيها أحد، فالمحاريب الجديدة لها مرجح من جهة أخرى وهي كون الوسائل الحديثة لمعرفة القبلة صارت أدق عن طريق استخدام الأقمار الصناعية، وخرائط قوقل، ووجدت أجهزة ذكية متخصصة في تحديد القبلة، حتى صار بإمكان آحاد الناس الوصول إلى معرفة القبلة في أي مكان وفي أي وقت، وهامش الخطأ محدود جدًّا، والله أعلم. * * *

стр. 2559

الشرط الثالث ألا تكون المحاريب مختلفة المدخل إلى المسألة: • اختلاف المحاريب في بلد واحد، أو الطعن بها يضعف الثقة بها. • من ألزم العمل بالمحاريب إنما ألزم بها؛ لاتفاق أهلها عليها، فكانت أقوى من الاجتهاد، فإذا كانت مختلفة فيما بينها فقدت هذه الصفة. • إذا اختلفت المحاريب كان مقطوعًا بخطأ أحدها، فيمتنع تقليدها كلها؛ لأن الصواب واحد، ولا التخير بينها؛ لأنه ترجيح لأحدها بلا مرجح. [م-٣٣٦] يشترط في المحاريب التي يقلدها المجتهد ألا تكون مختلفة الاتجاه، نص على هذا الشرط المالكية والشافعية. ولا أظن أحدًا يخالف في هذا الشرط؛ لأنها إذا اختلفت كان مقطوعًا بخطأ أحدها، فامتنع تقليدها؛ لأنه لا يمكن تقليدها كلها مع وجود الاختلاف فيما بينها؛ لأن الصواب واحد، ولا يمكنه التخير بينها؛ لأنه ترجيح لأحدها بلا مرجح. قال القرافي: «يشترط فيها: ألا تكون مختلفة، ولا مطعونًا عليها من أهل العلم، فمهما فُقِد أحد الشرطين لا يَجُزْ تقليدها إجماعًا، فإن الأصل في التكاليف العلم .... ومع الاختلاف أو الطعن من أهل العلم لا علم ولا ظن، بل نقطع مع الاختلاف بالخطأ، ونظنه مع الطعن» (١). ثم ضرب مثالًا بمحاريب القرى في الديار المصرية، فإنها مختلفة جدًّا، وقد صنف الزين الدمياطي وغيره من العلماء تصانيف فيها، ونبه على كثرة

стр. 2560

فسادها واختلافها (١). وهذا الشرط كما قلت ليس محل خلاف بين الفقهاء كما قال القرافي؛ لأن الحنفية والمالكية؛ إنما ألزموا العمل بها؛ لاتفاق أهلها عليها، فكانت أقوى من الاجتهاد، فإذا كانت مختلفة فيما بينها فقدت هذه الصفة، وكما لو دخل رجل بلدًا، فسأل أهلها عن القبلة، فاختلفوا لم يلزمه تقليد أحد منهم، وكان عليه أن يجتهد إن كان من أهل الاجتهاد. * * *

стр. 2561

الشرط الرابع أن تكون المحاريب سالمة من الطعن المدخل إلى المسألة: • إذا اشتهر الطعن بالمحاريب لم يصح تقليدها. • من ألزم العمل بالمحاريب إنما ألزم بها؛ لاتفاق أهلها عليها، فكانت أقوى من الاجتهاد، فإذا طعن بصحتها فقدت هذه الصفة. • الاختلاف اليسير في المحاريب مغتفر؛ لأن الفرض في القبلة إصابة الجهة، وليس إصابة العين، لقول عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة. • الاجتهاد في القبلة من الصحابي كالاجتهاد في مسائل الفقه، هم أقرب للصواب من غيرهم، لكنهم ليسوا معصومين من الخطأ. • لا يصح القول بأن الصحابة كلهم نصبوها، وأجمعوا عليها حتى يكون إجماعًا معصومًا من الخطأ، فإذا اختُلِفَ فيها، واشتهر الطعن بها لزم الاجتهاد فيها. • لا عبرة باعتراض الموسوس، ولا المتنطع، وإنما يقبل خلاف العارف إذا ذكر لكلامه مستندًا علميًّا. [م-٣٣٧] نص المالكية والشافعية على أن تكون المحاريب سالمة من الطعن حتى يقلدها المجتهد (١).

стр. 2562

قال إمام الحرمين: «ولو دخل بلدة أو قرية مطروقة، فيها محراب متفق عليه لم يشتهر فيه مطعن، فلا اجتهاد له مع وجدان ذلك، فإنه في حكم اليقين، ولو أراد ذو بصيرة أن يتيامن بالاجتهاد قليلًا، أو يتياسر، فظاهر المذهب أنه يسوغ ذلك» (١). فذكر إمام الحرمين شرطين لوجوب العمل بالمحاريب: الشرط الأول: الاتفاق عليها، فإن اختلفوا لم يعمل بها. وهذا سبق شرحه. الشرط الثاني: ألا يشتهر فيه مطعن. وظاهر قيد (الشهرة) أن الخلاف عليها إذا لم يشتهر لم يؤثر ذلك فيها، فهل الشهرة تعني كثرة من يطعن فيها، أو تعني انتشاره بين المجتهدين ولو من واحد؟ قال الشافعية: يكفي الطعن من واحد إذا ذكر له مستندًا، أو كان من أهل العلم بالميقات، فذلك يخرجه عن رتبة اليقين الذي لا يجتهد معه (٢). قال القرافي في تنقيح الفصول: «يقلد محاريب البلاد العامرة التي تتكرر الصلاة فيها .... وهذا بشرط ألا يشتهر الطعن فيها كمحاريب القرى وغيرها بالديار المصرية، فإن أكثرها ما زال العلماء قديمًا وحديثًا ينبهون على فسادها، وللزين الدمياطي في ذلك كتاب ولغيره، وقد قصد الشيخ عز الدين بن عبد السلام تغيير محراب قبة الشافعي والمدرسة ومصلى حولان، فعاجله ما منعه من ذلك، وكذلك محراب المحلة مدينة الغربية والفيوم ومنية ابن أبي خصيب وهي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، لا يجوز أن يقلدها عالم ولا عامي» (٣). وقال أيضًا: «ليس بالديار المصرية بلد نقلد محاريبها المشهورة حيث قلنا بالتقليد إلا مصر، والقاهرة، والإسكندرية، وبعض دمياط، أو بعض محاريب قوص، وأما المحلة، ومنية بني خصيب، والفيوم، فإن جوامعها في غاية الفساد؛

стр. 2563

فإنها مستقبلة بلاد السودان، وليس بينها وبين جهة الكعبة ملابسة» (١). وقال ابن العربي: «الحواضر التي تبنى فيها المساجد، كيف العمل فيها، وهي مختلفة المباني، متباينة الجهات في القبلة؟ قلنا: إن الذي تولى بنيانها عامتهم جهال، فالذي وقع منها على وجه الخطأ، فذلك موجب الجهل، والذي وقع منها على الإصابة، فإما أن يكون وقع بالاتفاق، وإما أن يكون بني على علم بالصواب، فالعامي يصلي في كل مسجد، والله حسيب كل أحد، والمجتهد يجتنب المساجد المخالفة للحق، فإذا دعت إلى ذلك ضرورة صلى وانحرف إن أمن الارتجاج والعقوبة، فإن لم يأمن صلى هناك، وأعاد على الحق في بيت، أو مسجد مبني على الصواب، والله أعلم» (٢). ومنع الحنفية الطعن في المحاريب القديمة التي نصبها الصحابة رضوان الله عليهم، وتعاقب عليها الناس دون إنكار، فلا يجوز مخالفتها: قال ابن عابدين: قوله: «(محاريب الصحابة والتابعين) فلا يجوز التحري معها، (الزيلعي). بل علينا اتباعهم (خانية)، ولا يعتمد على قول الفلكي العالم البصير الثقة: أن فيها انحرافًا خلافًا للشافعية في جميع ذلك كما بسطه في الفتاوى الخيرية، فإياك أن تنظر إلى ما يقال: إن قبلة أموي دمشق وأكثر مساجدها المبنية على سمت قبلته، فيها بعض انحراف، وإن أصح قبلة فيها قبلة جامع الحنابلة الذي في سفح الجبل؛ إذ لا شك أن قبلة الأموي من حين فتح الصحابة ومن صلى منهم إليها، وكذا من بعدهم أعلم وأوثق وأدرى من فلكي، لا ندري هل أصاب، أم أخطأ، بل يُرَجَّحُ خَطَؤُهُ، وكل خير في اتباع من سلف» (٣). وأجاز الشافعية في المحاريب المتفقة والتي لم يطعن فيها الاجتهاد بالتيامن والتياسر إذا ثبت للمجتهد وجود خطأ فيها كما سبق تقريره في مسألة سابقة.

стр. 2564

جاء في فتاوى السبكي: «العارف بأدلة القبلة هل يجوز له الاجتهاد فيها أو لا؟ إن قلنا: هو بمنزلة الخبر، فلا يجوز له الاجتهاد. وإن قلنا بمنزلة التقليد جاز الاجتهاد، بل قد يقال بوجوبه؛ لأن المجتهد لا يقلد المجتهد. والأظهر التوسط وهو أن يقال: إنه في الجهة بمنزلة الخبر، ولهذا اتفقوا على أنه لا يجوز الاجتهاد في الجهة، ولا نقول: إنه بمنزلة الخبر من كل وجه؛ لأنا نعلم أن الواضعين لم يشاهدوا الكعبة، فالأحسن أن يجعل المنع من الاجتهاد معللًا بتنزيل ذلك منزلة الإجماع، والإجماع قد يستند إلى الاجتهاد، وإذا تقرر الإجماع وجب اتباعه، وحرمت مخالفته، وهذا إنما يكون في بلد تصح دعوى الإجماع فيه وذلك يفتقر إلى طول زمان، وتكرر علماء إليه. هذا في الجهة، أما التيامن والتياسر فأمرهما خفي فلا يصح فيه معنى الخبر ولا معنى الإجماع، فلذلك يسوغ فيه الاجتهاد على الأصح. ويحتمل أن يقال بوجوبه على العارف بالأدلة كما في سائر الأحكام. ويحتمل أن يقال بالجواز دون الوجوب لأنا نعلم من سير السلف الرخصة في ذلك. إذا عرفت هذا فإنا نجد البلاد فيها بعض الأوقات محاريب مختلفة، فقد شاهدنا في الديار المصرية قبلة جامع الحاكم، وجامع الأزهر، وجامع الصالح وغيرها صحاحًا، وشاهدنا قبلة جامع ابن طولون وغيرها منحرفة إلى الغرب، والصواب التياسر فيها، وكذلك شاهدنا في الشام هذا الاختلاف بجامع بني أمية، وهو أقدمها وأشهرها فيه انحراف إلى جهة الغرب، وجامع تنكز فيه انحراف أكثر منه، وجامع جراح أكثرها انحرافًا، وهو السبب الداعي إلى كتابتي هذه الأوراق؛ لأنه لما علم كثرة انحراف قبلته تطوع جماعة من أهل الخير من أموالهم بما يعمر به، وتجعل قبلته صحيحة، فأردت أن أجعلها على الوضع الصحيح الذي تشهد له أدلة القبلة المسطورة في كتب أهل هذا العلم، فبلغني عن بعض المتفقهة وبعض العوام إنكار ذلك، وطلب أن يكون على قبلة جامع بني أمية ظنًّا منه أن قبلة جامع بني أمية هي الصواب الذي لا يجوز مخالفته؛ لأنها على ما زعم صلى إليها

стр. 2565

الصحابة فمن بعدهم. والجواب عن هذا من أوجه: أحدها: ما قدمناه من كلام الفقهاء في التيامن والتياسر، ولم يستثنوا جامع بني أمية في ذلك، بل كلامهم يشمله، ويقتضي أن الصحيح في مذهب الشافعي ﵁ جواز الاجتهاد فيه بالتيامن والتياسر. الثاني: ما قدمناه من قول كثير من أهل هذا العلم منهم قاضي القضاة بدر الدين أن قبلته منحرفة، وهذا يقتضي أنه لا يجوز فيه الخلاف، بل يجوز الاجتهاد فيه قطعًا، وإذا جاز، هل يجب أو لا؟ وجهان. الثالث: أن الواجب في القبلة إن كان الجهة، والتياسر لا يخرج عن الجهة، فالتياسر جائز ههنا، فيكون الذي دل عليه هذا العلم في هذه الصورة جائزًا، لا واجبًا، وإن كان الواجب العين حصل التردد في أن الواجب استقبال الأصل، أو التياسر، فمن يقول: الواجب الجهة يجوز التياسر قطعًا. ومن يقول بأن الواجب العين، ويسلم أدلة هذا العلم يوافقه، فهما متفقان على الجواز، ومختلفان في المحراب الأصلي، فكان المتفق عليه أولى من المختلف فيه. ومن يقول: بأن الواجب العين، ويقول: إن هذا العلم لا يلتفت إليه لا اعتبار بقوله. الرابع: أن جامع جراح ليس مستهدمًا، وإنما يقصد هدمه لإقامة القبلة على الحق .... الخامس: إن جامع بني أمية لم يبن جامعًا، وإنما كان من قبل الإسلام، فمن أين لنا أن بناءه على الكعبة؟ ولما فتح الصحابة دمشق لم يستوطنوها، بل صالحوا من كان فيها من النصارى، وكانوا في شغل شاغل من الجهاد في سبيل الله اشتغلوا في اليرموك وغيرها ولم يتفرغوا للنظر في ذلك … ومن صلى منهم فيه قد يكون معتقدًا أن الواجب الجهة دون العين، أو يعتقد وجوب العين، ونيته المخالفة، وتياسر قليلًا وليس ذلك مما يجب نقله، أو غير ذلك … » (١). • الراجح: أن محاريب الصحابة كغيرهم إن اختُلِفَ فيها واشتُهِرَ الطعن بها لزم الاجتهاد

стр. 2566

فيها، والقول بأن الصحابة نصبوها، هل يمكن أن يقال: نصبها الصحابة كلهم، وأجمعوا عليها حتى يكون إجماعًا معصومًا من الخطأ، أو أنها نصبت من بعضهم بالظن وبذل الوسع؟ فكان الاجتهاد في القبلة من الصحابي كالاجتهاد في مسائل الفقه، هم أقرب للصواب من غيرهم، لكنهم ليسوا معصومين من الخطأ، فإذا تبين الخطأ، وقطع بوجوده أصبح قول الصحابي كاجتهاده مع وجود النص لا يقبل، ووجب تصحيحه، إلا أنه يتثبت في دعوى وجود الخطأ حتى يتفق عليه عدد لا بأس به، كلهم يجزم به، يقينًا لا ظنًّا، ولا يلتفت إلى الانحراف اليسير؛ لأن القبلة هي الجهة في الأصح؛ لاتساع قبلة أهل المدينة فيما بين المشرق والمغرب، كما قال في حديث أبي أيوب: (ولكن شرقوا أو غربوا) فلا يحكم بالخطأ إلا حيث يثبت أن الخطأ اختلاف في الجهة، وهذا بعيد حصوله في المحاريب القديمة، والمدن الكبيرة حاضرة الإسلام كبغداد، ودمشق والرياض والقاهرة، وقد يوجد في محاريب القرى الصغيرة غير المطروقة، والله أعلم. * * *

стр. 2567

الشرط الخامس في اشتراط أن تكون المحاريب إسلامية المدخل إلى المسألة: • محاريب الكفار، أتكون بمنزلة الخبر، فيشترط عدالة من نصبها، فلا يستدل بها، أولا فيستعان بها في معرفة قبلة المسلمين، ولو كان من نصبها فساقًا، الظاهر الثاني. • الاستعانة بمحاريب الكفار إن كان المقصود منها وجوب تقليدها، ولا يسوغ معها الاجتهاد، فهذا لم أقف على قائل يقوله به، وإن كان المقصود منها استعانة المجتهد بها لمعرفة قبلة المسلمين، فهذا غير ممتنع، وقد استعان النبي ﷺ -في هجرته بدلالة مشرك، وقد كان الشأن أخطر من معرفة القبلة. [م-٣٣٨] اختلف العلماء في حكم الاستعانة بمحاريب الكفار لمعرفة القبلة: فقيل: لا يستدل بمحاريب الكفار؛ وهو نص الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). قال المرداوي الحنبلي في الإنصاف: «وهو المذهب وعليه الجمهور» (٢). يشير إلى وجود خلاف في المذهب. بل قال الشافعية والحنابلة: إذا لم يعلم أنها للمسلمين لم يلتفت إليها، زاد الحنابلة: وإن كان عليها آثار الإسلام؛ لجواز أن يكون الباني مشركًا عملها ليغر بها المسلمين (٣).

стр. 2568

ويفهم من كلام الحنفية والمالكية في التنصيص على تقليد محاريب المسلمين أنه لا تقليد لمحاريب الكفار (١). قال في الدر المختار: «وتعرف -يعني القبلة- بالدليل، وهو في القرى والأمصار محاريب الصحابة والتابعين» (٢). وجاء في فتاوى قاضي خان نقلًا من البحر الرائق «جهة الكعبة تعرف بالدليل، والدليل في الأمصار والقرى المحاريب التي نصبها الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين فعلينا اتباعهم في استقبال المحاريب المنصوبة، فإن لم يكن فالسؤال من الأهل» (٣). وقال القرافي: «يقلد محاريب البلاد العامرة التي تتكرر الصلاة فيها ويعلم أن إمام المسلمين بناها ونصبها، أو اجتمع أهل البلد على بنائها، قال لأنه قد علم أنها لم تنصب إلا بعد اجتهاد العلماء في ذلك، ويقلدها العالم والجاهل، وأما غير تلك

стр. 2569

فعلى العالم الاجتهاد» (١). وإذا كان المالكية يمنعون من تقليد محاريب قرى المسلمين إلا محرابًا لمصرٍ: أي بلد كبيرة، فمن باب أولى أنه لا يقلد محاريب الكفار (٢). واختار ابن قدامة، وتبعه الشارح: أنه لو علم قبلة الكفار، فله أن يستدل بها على قبلة المسلمين، مثل أن يرى قبلة النصارى في كنائسهم، وقد علم أنهم يصلون إلى الشرق، فإنه يستدل بها على القبلة؛ لأن خبرهم عن قبلتهم بمنزلة التواتر، وهم لا يتهمون فيه، وجزم به ابن تميم، ونقله ابن تيمية في شرح العمدة، ولم يتعقبه (٣). قال ابن قدامة في المغني «فأما محاريب الكفار فلا يجوز أن يستدل بها؛ لأن قولهم لا يستدل به، فمحاريبهم أولى، إلا أن نعلم قبلتهم كالنصارى، نعلم أن قبلتهم المشرق، فإذا رأى محاريبهم في كنائسهم علم أنها مستقبلة المشرق. وإن وجد محرابًا لا يعلم، هل هو للمسلمين أو لغيرهم اجتهد، ولم يلتفت إليه؛ لأن الاستدلال إنما يجوز بمحاريب المسلمين، ولا يعلم وجود ذلك. ولو رأى على المحراب آثار الإسلام، لم يُصَلِّ إليه؛ لاحتمال أن يكون الباني له مشركًا مستهزئًا، يَغُرُّ بِهِ المسلمين، إلا أن يكون ذلك مما لا يتطرق إليه الاحتمال، ويحصل له العلم أنه من محاريب المسلمين، فيستقبله» (٤). فالمحاريب لم يجعلها الحنابلة بمنزلة الخبر، حتى يشترط فيها عدالة من نصبها، فقد نص الحنابلة بأن محاريب المسلمين يلزم العمل بها، عدولًا كانوا أو فساقًا. ومحاريب الكفار إن كان المقصود من المسألة هو في وجوب تقليدها، ولا يسوغ للمصلي معها الاجتهاد، فهذا لم أقف على قائل يقوله به.

стр. 2570

وإن كان المقصود منها استعانة المجتهد بها لمعرفة قبلة المسلمين، فهذا غير ممتنع، وقد استعان النبي ﷺ -في هجرته بدلالة مشرك، وقد كان الشأن أخطر من معرفة القبلة، فالمستهدف هو رسول الهدَى عليه أفضل الصلاة والسلام، وكان الإغراء بالخيانة أشد حيث دفع المال الكثير لمن يدل على النبي ﷺ ، ومع ذلك اعتمد النبي ﷺ -على دلالته في الطريق، فلا يمنع أن يستعين المجتهد على كل شيء يفضي به إلى معرفة قبلة المسلمين، ومنه محاريب الكفار وعلاماتهم.

стр. 2571

الشرط السادس في اشتراط أن تكون المحاريب لبلاد عامرة المدخل إلى المسألة: • خراب البلاد لا يلغي اجتهاد أهلها في محاريبهم، كما أن موت العالم لا يلغي اجتهاده وأقواله. • المحاريب التي نصبت باجتهاد العلماء، ولو خربت كبغداد وإسكندرية والفسطاط يجوز تقليدها ما لم يعلم خطؤها، بخلاف خَرابٍ جُهِلَ ناصبُ محرابِهِ فلا يجوز تقليده. [م-٣٣٩] جاء وصف البلاد التي يعتمد محاريبها بأنها عامرة، قال القرافي في تنقيح الفصول «يقلد محاريب البلاد العامرة التي تتكرر الصلاة فيها، ويعلم أن إمام المسلمين بناها ونصبها، أو اجتمع أهل البلد على بنائها» (١). فهل كان هذا الوصف مقصودًا، بحيث لا تعتمد محاريب البلاد الخربة، أم أن هذا الوصف لقب، لا مفهوم له؟ ظاهر كلام الباجي والخرشي أن هذا الوصف مقصود: قال في الإشارة في أصول الفقه: «ومذهب مالك إذا دخل رجل إلى قريةٍ خرابٍ لا أحد فيها، وحضر وقت الصلاة، فإن كان من أهل الاجتهاد، ولم يَخْفَ عليه دلائل القبلة يرجع إلى ذلك، ولم يلتفت إلى غير ذلك، ولم يلتفت إلى محاريب يشاهدها في آثار مساجد قد خربت .... وأما إذا كانت محاريب منصوبة في بلاد المسلمين العامرة، وفي المساجد التي تكثر فيها الصلوات وتتكرر، ويعلم أن إمامًا للمسلمين بناها، واجتمع أهل البلد علي بنائها، فإن العالم والعامي يصلون

стр. 2572

إلى تلك القبلة، ولا يحتاجون في ذلك إلى الاجتهاد» (١). وقال الخرشي: «ولا يقلد أيضًا محرابًا، يريد إن كان البلد الذي هو فيه خرابًا أما لو كان البلد عامرًا يتكرر فيه الصلاة، ويعلم أن إمام المسلمين قد نصب محرابه، أو اجتمع أهل البلد على نصبه، فإنه يجب أن يقلده» (٢). والصحيح أنهم يقصدون بالبلاد الخراب إذا كان الناصب لمحرابه مجهولًا. قال الدردير في الشرح الكبير: «ولا يقلد المجتهد أيضًا محرابًا، إلا أن يكون لمصر من الأمصار التي يعلم أن محاريبها إنما نصبت باجتهاد العلماء ولو خربت كبغداد وإسكندرية والفسطاط، بخلاف خرابٍ جُهِلَ ناَصِبُ مِحْرَابِهِ» (٣). وقال الدسوقي في حاشيته: «فالمعتبر في محراب المصر الذي يجوز للمجتهد تقليده، أن يعلم أنه إنما نصب باجتهاد جمع من العلماء، سواء أكان عامرًا أم خرابًا، ولو قيد بالعامر لزم أنه لو طرأ خرابه لم يقلد محرابه، وهو لا يصح، قاله ابن عاشر فوصف العامرة في كلام ابن القصار كما في نقل التوضيح عنه طردي، لا مفهوم له» (٤). * * *

стр. 2573

الباب الثالث في أحكام القبلة بالنسبة للمستقبل الفصل الأول في اشتراط النية في استقبال القبلة المدخل إلى المسألة: • الشرط هو حصول الاستقبال، لا تحصيله؛ فلو وقف في الصف ليصلي، ولم يستحضر نية الاستقبال صحت صلاته. • الاستقبال معدود من الصلاة لوجوده فيها، فتشمله نية الصلاة، ولا يشترط له نية خاصة، كما لا يشترط عدد الركعات، بخلاف الوضوء فالموجود منه في الصلاة حكمه، وهو ارتفاع الحدث، لا حقيقة الوضوء، ولذلك لو حلف لا يتوضأ، وكان متوضئًا، ودام على ذلك لم يحنث، بخلاف الاستقبال. [م-٣٤٠] اختلف الفقهاء في اشتراط النية لاستقبال القبلة: فقيل: لا تشترط النية لاستقبال القبلة مطلقًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). جاء في البحر الرائق: «وأما نية استقبال القبلة فليست شرطًا على الصحيح كما ذكره في المبسوط سواء كان يصلي على المحراب أو في الصحراء» (٢). فقوله: (على الصحيح) إشارة إلى ما يقابله من قول آخر، ليس صحيحًا.

стр. 2574

وقيل: تشترط مطلقًا، وهو وجه في مذهب الشافعية (١)، وعده النووي غلطًا صريحًا. قال في المجموع: «نية استقبال القبلة وعدد الركعات ليس بشرط على المذهب، وبه قطع الجمهور، وفيه وجه: أنه يشترط، وهو غلط صريح» (٢). وقيل: تشترط إن كان يصلي في صحراء، فإن صلى على محراب لم تشترط، قاله بعض الحنفية (٣). جاء في غمز عيون البصائر: «وأما استقبال القبلة، فشرط الجرجاني لصحته النية، والصحيح خلافه كما في المبسوط، وحمل بعضهم الأول على ما إذا كان يصلي في الصحراء، والثاني على ما إذا كان يصلي إلى محراب، كذا في البناية» (٤). فصارت الأقوال في اشتراط نية الاستقبال ثلاثة: الأول: لا تشترط، وهو قول أكثر الأمة. الثاني: تشترط مطلقًا. الثالث: تشترط في الصحراء. • حجة من قال: تشترط النية: قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فكلف العبد بالاستقبال، وهو من جنس المأمور، فتشترط له النية قياسًا على الوضوء، بخلاف المنهيات كاجتناب النجاسة، فيحصل الامتثال ولو من دون نية. ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا: إنما الأعمال بالنيات، متفق عليه (٥). • حجة من قال: النية ليست بشرط: علل الحنفية بأن إصابة الجهة تحصل بلا نية (٦).

стр. 2575

وعلل بعضهم: بأنها من الوسائل، وهي لا تحتاج إلى نية كالوضوء، فالشرط حصولها لا تحصيلها (١). والصحيح أن النية للوضوء شرط، وكونه يقصد للصلاة لا يعني أنه ليس مقصودًا لذاته، فالمنوي من العبادات ضربان: أحدهما مقصود في نفسه كالصلاة. والثاني مقصود لغيره، وهو قسمان: أحدهما: ما يكون مقصودًا لغيره ومقصودًا لنفسه كالوضوء. والثاني: ما يكون مقصودًا لغيره فقط كالتيمم، ويدل على ذلك أن الشرع أمر بتجديد الوضوء دون التيمم. وقد بحثت هذه المسألة في كتابي موسوعة أحكام الطهارة. الصحيح التعليل بعدم اشتراط النية: بأن نية الصلاة تضمنت نية استقبال القبلة؛ لوجوده في الصلاة حقيقة، بخلاف الوضوء فإن الموجود منه في الصلاة حكمه، وهو ارتفاع الحدث، لا حقيقة الوضوء، ولذلك لو حلف لا يتوضأ، وكان متوضئًا، ودام على ذلك لم يحنث، بخلاف الاستقبال. • حجة من فرق بين المحراب والصحراء: لم أقف على دليلهم، وربما كان سبب التفريق أن الصحراء لم تتعين القبلة فيها، فاشترطت النية لتعيينها بخلاف المحراب، والله أعلم. • الراجح: أن نية الصلاة متضمنة نية استقبال القبلة، والله أعلم. * * *

стр. 2576

الفصل الثاني في اجتهاد المستقبل وتحريه القبلة المبحث الأول الاجتهاد في الحضر المدخل إلى المسألة: • وجود المحاريب في البلد لا تمنع من الاجتهاد في تحري القبلة من العارف بأدلتها. • المحاريب التي نصبت عن طريق الاجتهاد تفيد الظن، وإن كان ظن الجماعة أقوى من ظن الواحد، وتتابع الناس عليها دون انتقاد لها يقوي جانب الظن فيها، وإنما لم يجب عليه الاجتهاد معها توسعة. • المحاريب التي نصبت عن طريق الشارع كمحراب المسجد النبوي لا يجتهد معه، إلا أن يشق عليه معاينة المحراب. • إذا اجتهد في الحضر، فأصاب صحت صلاته؛ لحصول المقصود، وهو الاستقبال. • إذا اجتهد في الحضر، فأخطأ، فهل تصح صلاته؟ باعتبار أنه كان يمكنه الاستخبار، أو تقليد المحاريب، أو لا يعيد باعتبار أن كلتا القبلتين قبلة اجتهاد، فيه تأمل. [م-٣٤١] إذا اجتهد الرجل في القبلة في الحضر، ولم يسأل، ولم يقلد محاريب البلد: فقيل: إن أصاب صحت صلاته، وإن أخطأ أعادها، وهذا مذهب الحنابلة. وبه قال الحنفية، بشرط أن يكون بحضرته من يسأله، ولم يسأله، ولا يلزمه أن يقرع الأبواب. وحد الحضرة: أن يكون بحيث لو صاح به سمعه (١).

стр. 2577

جاء في حاشية ابن عابدين «لو كان بحضرته من يسأله، فتحرى، ولم يسأله، إن أصاب القبلة جاز؛ لحصول المقصود، وإلا فلا؛ لأن قبلة التحري مبنية على مجرد شهادة القلب من غير أمارة، وأهل البلد لهم علم بجهة القبلة المبنية على الأمارات الدالة عليها من النجوم وغيرها، فكان فوق الثابت بالتحري» (١). جاء في المحرر لأبي البركات: «ومن أخطأ القبلة في الحضر أعاد، وإن اجتهد في السفر وأخطأها لم يُعِدْ» (٢). • وجه القول بالإعادة: أن الحضر ليس محلًّا للاجتهاد؛ لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب، ولأنه يجد من يخبره عن يقين غالبًا، ولا يصار إلى الظن مع إمكان اليقين. وقيل: يعيد، وإن أصاب؛ وهو قول في مذهب الحنابلة، وهو ظاهر مذهب الشافعية بشرط ألا يشق عليه السؤال (٣).

стр. 2578

• وجه القول بالإعادة مطلقًا: أن فرضه السؤال، فمن ترك فرضه وجبت عليه الإعادة، كما لو صلى بلا اجتهاد، وأصاب، فإنه يعيد؛ لأنه ترك فرضه. ولأن الاجتهاد ظن، والمحاريب وأهل البلد يخبرون عن علم، ولا يصار إلى الظن مع إمكان العلم. وذهب المالكية في المشهور، إلى أن تقليد محاريب الأمصار جائز، لا واجب، ودلالة هذا القول تعني ثلاثة أشياء: أحدها: أن القبلة في الحضر من قبيل الاجتهاد، وليست من قبيل القطع. الثاني: أنه لا يلزمه سؤال أهل البلد عن القبلة؛ لأن خبر الواحد لا يكون بمنزلة محاريب البلد؛ فالمحاريب قد نصبت من قبل جماعة من أهل العلم والمعرفة، وإذا لم يلزمه تقليد المحاريب، وهي ثمرة اجتهاد جماعة من المجتهدين، لم يلزمه استخبار الواحد منهم، ولا تقليده. والثالث: أنه لو اجتهد، وأخطأ، فإنه يعيد ما دام الوقت باقيًا؛ لأن الإعادة الأبدية في الوقت وغيره تختص في قبلة القطع إذا أخطأها، لا في قبلة الظن.

стр. 2579

واستثنى المالكية مكة والمدينة؛ لأن القبلة فيهما قطعية، والقدرة على اليقين عند المالكية تمنع من الاجتهاد، فلو اجتهد، فأخطأ أعاد أبدًا. قال الونشريسي في المعيار المعرب: «ما ذكر من تقليد مساجد الأمصار فجائز لا واجب، وهو التحقيق في المسألة» (١). وقال الدردير في الشرح الكبير: «(ولا) يقلد المجتهد أيضًا (محرابًا إلا) أن يكون (لمصرٍ) من الأمصار التي يعلم أن محاريبها إنما نصبت باجتهاد العلماء». فعلق الدسوقي في حاشيته على هذا النص قائلًا: «(قوله: إلا أن يكون لمصر) أي فيجوز له حينئذٍ تقليده وقول عبق: فيجب تقليده فيه نظر؛ لأن ابن القصار، وابن عرفة، والقلشاني إنما قالوا: بجواز تقليده، ولا يفهم من المصنف إلا الجواز؛ لأن قوله (إلا لمصر) استثناء من المنع، وقد صرح في المعيار بالجواز ونفى الوجوب قائلًا: وهو التحقيق. اه» (٢). وقال الدسوقي: «لو اجتهد وأخطأ فإنما يعيد في الوقت … لأن القبلة على كلا القولين قبلة اجتهاد، والأبدية عندنا إنما هو في الخطأ في قبلة القطع» (٣). وجاء في جامع الأمهات: «القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد» (٤). وعلل خليل هذا: «لكون الاجتهاد معرضًا للخطأ» (٥). • الراجح: أن المصلي إذا كان من أهل الاجتهاد في دلائل القبلة، وبنى حكمه على أمارات، ودلائل محسوسة، فاجتهد، وأصاب، فإن صلاته صحيحة؛ لأن المحاريب في البلاد المختلفة قائمة على الاجتهاد، وليس على القطع، وإنما لم يجب عليه

стр. 2580

الاجتهاد توسعة، ولأن تتابع الناس عليها دون انتقاد لها يقوي جانب الظن فيها، فالظن المكتسب منها أقوى من ظن مكتسب من اجتهاد رجل واحد، إلا أن تقليدها لا يكون واجبًا إلا من عاجز عن الاجتهاد، أو تكون قبلتها مقطوعًا بها، كالقبلة في مكة، أو في الحرم النبوي، وأما غيرهما فليست معصومة من الخطأ، والله أعلم. * * *

стр. 2581

المبحث الثاني إذا اجتهد في القبلة فأخطأ الفرع الأول إذا تبين خطأ المجتهد وهو في الصلاة المدخل إلى المسألة: • تكليف المجتهد بالإعادة؛ لِتَحقق الخطأ تكليف له بالإصابة، والمجتهد لا يكلف بالإصابة، وإنما عليه بذل الوسع، وقد فعل. • إذا لم تجب على المجتهد في القبلة الإعادة إذا أخطأ بعد الفراغ من الصلاة، لم تجب عليه الإعادة إذا تبين له الخطأ في أثناء الصلاة. • المجتهد في القبلة قد تلبس بالعبادة على وجه مأذون له فيه، فإذا ظهر له أنه أخطأ بنى على صلاته. • اشتراط بعض الفقهاء لصحة البناء أن يظهر له الصواب مقارنًا لظهور الخطأ شرط لا دليل عليه، فإذا لم يظهر له الصواب يكون في حكم العاجز عن معرفة القبلة، والعاجز لا تبطل صلاته لعجزه. • إذا تبين له الخطأ في أثناء الصلاة انحرف إلى القبلة، وبنى قياسًا على من رأى نجاسة على نعليه، وهو في الصلاة، فإنه يطرحها، ويتمادى، وكذلك من صلى عريانًا ثم وجد سترة فإنه يستر عورته ويتم صلاته. [م-٣٤٢] إذا صلى المجتهد إلى جهة من الجهات، ثم ظهر له أنه أخطأ قبل الفراغ من الصلاة، فقد اختلف الفقهاء في المسألة إلى أقوال كثيرة:

стр. 2582

القول الأول: يستدير إلى قبلته ويبني مطلقًا، سواء أتيقن الخطأ، أم غلب على ظنه. وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، واختاره أشهب من المالكية، وخرَّجه صاحب الطراز قولًا (١). القول الثاني: مذهب المالكية. قسم المالكية القبلة إلى قبلة قَطْع: كمن بمكة أو بالمدينة أو بمسجد عمرو بن العاص. وقبلة اجتهاد: وهي ما عداها: فإذا أخطأ في قبلة القطع قطع مطلقًا، وابتدأ الصلاة. وإن أخطأ في قبلة الاجتهاد، فإن كان يسيرًا بنى مطلقًا، وإن كان كثيرًا، كمن استدبر القبلة، أو شرق، أو غرب، وكانت جهة القبلة جنوبًا، فإن كان مبصرًا بطلت صلاته، وإن كان أعمى صحت، فإن تمادوا بعد العلم بطلت صلاتهم (٢).

стр. 2583

القول الثالث: مذهب الشافعية. قال الشافعية: إذا ظهر له الخطأ، وهو في الصلاة، ولو يمنة، أو يسرة، فإما أن يكون ذلك عن يقين أو عن اجتهاد. فإن كان عن يقين (١)، فلهم فيها قولان: أحدهما: يلزمه الاستئناف، وهو الأظهر عندهم (٢). والثاني: إن بان له الصواب مقارنًا لظهور الخطأ بنى، وإلا بطلت (٣). وإن لم يكن الخطأ متيقنًا بل مظنونًا: فإن ظهر له الصواب مقارنًا بنى على ما صلى، حتى لو صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد فلا إعادة، بناء على أن الاجتهاد لا ينقض باجتهاد. وإن لم يظهر الصواب مقارنًا بطلت صلاته، حتى ولو قدر على الصواب عن قرب؛ لمضي جزء من صلاته إلى غير قبلة محسوبة، وهذا القول هو الأصح في مذهب الشافعية (٤). وقيل: إن قدر على الصواب عن قرب لم تبطل، وهو وجه مرجوح في

стр. 2584

مذهب الشافعية (١). قال النووي في المنهاج: «فلو تيقنه فيها -أي في الصلاة- وجب استئنافها، وإن تغير اجتهاده عمل بالثاني، ولا قضاء حتى لو صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد فلا قضاء» (٢). فقوله: (وجب استئنافها) أي من غير فرق أن يكون ظهر الصواب مقارنًا، أو تأخر. وقيل: يستأنف الصلاة مطلقًا، إذا تغير اجتهاده، وهو في الصلاة، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣). فهذا ما وقفت عليه من أقوال السادة المجتهدين على اختلاف المدارس الفقهية، وخلاصتها كالتالي: - يبني مطلقًا. - لا يبني مطلقًا. هذان قولان متقابلان: وفيه أقوال قائمة على التفصيل على اختلافهم فيه: فقيل: يعيد مطلقًا إن كان في مكة أو المدينة؛ أو كان في مسجد عمرو بن العاص. ويعيد في غيرها إن كان بصيرًا، وكان الانحراف كبيرًا، فإن كان أعمى، أو كان الانحراف يسيرًا بنى.

стр. 2585

وقيل: يعيد بشرط أن يتيقن الخطأ، فإن كان مظنونًا، وبان الصواب مقارنًا لظهور الخطأ بنى. وقيل: يبني، ولو تيقن الخطأ، إن كان الصواب مقارنًا. وقيل: يبني إذا اخطأ وتمكن من معرفة الصواب عن قرب، فإن طال الفصل بطلت. هذا ملخص الأقوال: • وسبب الخلاف: اختلافهم في فرض المجتهد في القبلة أهو الإصابة، أم الاجتهاد فقط: فإن قلنا: الواجب الاجتهاد، فلا إعادة؛ لكونه أتى بالواجب، وإن قلنا: الواجب الإصابة فقد أخطأها، فيعيد أبدًا (١). وهل الفرض في قبلة مكة والمدينة إصابة العين، فلا يصح الاجتهاد فيهما، أم يصح الاجتهاد إذا كان هناك حائل بين المصلي والكعبة وشق معرفة إصابة العين، خاصة مع ترجيح أن قبلة المدينة الجهة بدليل حديث أبي أيوب في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، وفيه: (ولكن شرقوا أو غربوا)، متفق عليه. فإذا وقفت على ذلك أخي الحبيب، فلننتقل إلى ذكر ما وقفنا عليه من أدلة القوم فقهنا الله وإياك في دينه، ورزقنا الله وإياك السداد. • دليل من قال: إذا ظهر الخطأ فإنه يبني مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٩٠١) ما رواه الدارقطني من طريق أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري، قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: بعث رسول الله ﷺ -سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي هاهنا قِبَلَ الشمال، فصلوا، وخطوا خَطًّا، وقال بعضنا: القبلة هاهنا قِبَلَ الجنوب، وخطوا خَطًّا، فلما أصبحوا، وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من

стр. 2586

سفرنا، سألنا النبي ﷺ -عن ذلك، فسكت، وأنزل الله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أي حيث كنتم (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثاني: (ح-٩٠٢) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا الأشعث بن سعيد أبو الربيع، وعمر بن قيس، قالا: حدثنا عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: أظلمت مرة، ونحن في سفر، فاشتبهت علينا القبلة، فصلى كل رجل منا حياله، فلما انجلت إذ بعضنا قد صلى لغير القبلة، وبعضنا قد صلى للقبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «مضت صلاتكم» ونزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. [البقرة: ١١٥] (٣). [ضعيف جدًّا] (٤). وجه الاستدلال من الحديثين: إذا كان من أخطأ في القبلة، ثم تبين له الخطأ بعد الفراغ لم يلزمه الإعادة، فكذلك إذا تبين له الخطأ في أثناء الصلاة. • ونوقش هذا: بأن هناك فرقًا بين ظهور الخطأ بعد الصلاة، وبين ظهوره في أثنائها، فظهوره في أثنائها كظهور الخطأ في الدليل قبل بت الحكم، فإنه يجب الاستئناف إجماعًا، وبعدها كظهوره بعد بت الحكم، وتنفيذه، فلا يؤثر (٥).

стр. 2587

• ورد هذا النقاش: بأن من رأى نجاسة على نعليه، وهو في الصلاة، فإنه يطرحها، ويتمادى، كما ثبت ذلك في حديث أبي سعيد عند أحمد، وأبي داود. وكذلك من صلى عريانًا، ثم وجد سترة، فإنه يستر عورته، ويتم صلاته، وقد مر معنا بحث هذه المسألة، وهاتان المسألتان في شروط الصلاة، فكذلك إذا علم بالخطأ في القبلة، فإنه يتحول، ويتم صلاته. • ورد هذا: بأن استقبال القبلة آكد؛ للاتفاق على شرطيته، بخلاف السترة، وطهارة الخبث؛ فإنها مختلف فيها (١). • ويجاب على هذا الرد: بأن الاختلاف في الدليل ليس مانعًا من الاستدلال به، والقياس عليه؛ فليس من شروط الاستدلال بالدليل أن يكون متفقًا عليه، حتى إذا اختلف فيه لم نَقِسْ عليه، والله أعلم. الدليل الثالث: أن من اشتبهت عليه القبلة، فاجتهد، فصلى، فقد امتثل الأمر الشرعي، ومن امتثل الأمر سقط عنه الطلب، سواء أأصاب أم أخطأ، وسواء أتحقق الخطأ أم ظنه؛ لأن التكليف مقيد بالوسع، فلا معنى لوجوب الاستئناف، وقد كانت صلاته امتثالًا للأمر الشرعي كالمُسَاِيِفِ يصلى إلى غير القبلة، ولا يكلف بالإعادة؛ لامتثاله الأمر الشرعي. الدليل الرابع: أن تكليف المجتهد بالإعادة؛ لتحقق الخطأ تكليف له بالإصابة، والمجتهد لا يكلف بالإصابة، وإنما عليه بذل الوسع، وقد فعل. الدليل الخامس: القياس على قولهم: إن قبلة المسافر على الراحلة هي جهة سيره، فإن خالفها عمدًا إلى غير القبلة بطلت صلاته؛ لأنه خالف ما هو قبلة في حقه، فكذلك هنا، فإن القبلة في حق المجتهد ما غلب على ظنه أنه قبلة، ولو خالفها بطلت.

стр. 2588

الدليل السادس: أن فرض التوجه إلى القبلة مبني على الاجتهاد، بدلالة أن من غاب عن الكعبة لا يتوصل إلى فرضه يقينًا، وإنما يصل إليه باجتهاده، فإذا أخطأ فقد انتقل من اجتهاد إلى اجتهاد، فلا يفسخ عليه الأول، كالحاكم إذا حكم باجتهاده، ثم بان له اجتهاد آخر، انتقل إليه، ولم يكلف نقض الاجتهاد الأول. الدليل السابع: (ث-٢٢٩) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوم صلوا في يوم غيم إلى غير القبلة، ثم استبانت القبلة، وهم في الصلاة، فقال: يستقبلون القبلة، ويعتدون بما صلوا، وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله ﷺ -حين أمروا أن يستقبلوا الكعبة، وهم في الصلاة يصلون إلى بيت المقدس، فاستقبلوا الكعبة فصلوا بعض تلك الصلاة إلى بيت المقدس، وبعضها إلى الكعبة (١). [حسن]. قال الحنفية: تبدل الرأي في معنى انتساخ النص، وذا لا يوجب بطلان العمل بالمنسوخ في زمان ما قبل النسخ، فكذا هذا. • ورد: بأن الماضي من صلاتهم لم يكن خطأ، بل هو صحيح، والطارئ نسخ، فبنوا الصحيح على الصحيح، بخلاف الخطأ، ولأن أهل قباء لم يكن منهم تقصير. • دليل من قال: لا يبني مطلقًا: قالوا: لا يجوز له أن يصلي صلاة واحدة باجتهادين، كما لا يحكم الحاكم في قضية واحدة باجتهادين. • ورد: بأن قياس الشبه من أضعف أنواع القياس، وهو معارض بما هو أقوى منه، وهو

стр. 2589

أننا لو ألزمناه أن يستأنف الصلاة نقضنا ما أداه من الصلاة بالاجتهاد باجتهاد بعده، وذلك لا يجوز، كالحاكم إذا حكم في قضية، ثم تغير اجتهاده لم ينقض ما حكم به بالاجتهاد الثاني. (ث-٢٣٠) وقد روى ابن المبارك، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، عن الحكم بن مسعود، قال: أتينا عمر، في الْمُشَرَّكَةِ (١)، فَلَمْ يُشَرِّكْ، ثم أتيناه العام المقبل فَشَرَّكَ، فقلنا له، فقال: تلك على ما قضيناه، وهذه على ما قضينا (٢). [رجاله ثقات إلا أن وهب بن منبه لم يسمع من الحكم بن مسعود] (٣).

стр. 2590

وجه الاستدلال: أن عمر لم ينقض اجتهاده الأول باجتهاده الثاني. • دليل من قال: يعيد في قبلة القطع إذا أخطأ مطلقًا وفي قبلة الاجتهاد إن كان كثيرًا: قبلة القطع كالمكي والمدني لا اجتهاد فيها؛ لأنه قادر على أن يصعد موضعًا مشرفًا هناك، أو على جبل أبي قبيس أو على غير ذلك؛ ولو بمشقة محتملة حتى

стр. 2591

يتحقق من موضع القبلة. وأما قبلة الاجتهاد، كالغائب عن مكة والمدينة، فالانحراف اليسير مغتفر؛ لتعذر إصابة العين. وأما الانحراف الكثير فإنه مبطل مطلقًا؛ قال القرافي في الذخيرة: لأن التوجه إلى القبلة متفق على شرطيته (١). وعلل بعض المالكية: لأن ظهور الخطأ في أثناء الصلاة كظهوره في الدليل قبل بت الحكم، وظهور الخطأ بعد الفراغ منها، كظهوره فيه بعد بت الحكم، ومعلوم أن القاضي إذا ظهر له الخطأ في الدليل قبل بت الحكم لا يسوغ له الحكم، وإذا حكم كان حكمه باطلًا، وإذا ظهر له الخطأ في الدليل بعد بت الحكم فقد نفذ الحكم ولا ينقض (٢). • ويناقش: قياسه على اجتهاد القاضي قياس بعيد، ذلك أن القاضي فرضه الإصابة؛ لرد المظالم، وإعطاء الحقوق لأصحابها قدر استطاعته، وفرض المجتهد في القبلة الاجتهاد، فإذا اجتهد، ولم يقصر، وأفرغ وسعه في التعرف على القبلة، فقد قام بما عليه، وكانت هذه قبلته المأمور بالتوجه إليها، فكل جهة انتصبت قبلة للمصلي في حق العمل أجزأته، وإن لم تكن قبلة في حق العلم، فإذا ظهر أنه أخطأ انحرف وبنى؛ ولم تبطل صلاته، وكل مكلف فعل ما أمر به شرعًا، فلا بطلان لسعيه أصاب، أو أخطأ، والله أعلم. • دليل من قال: إن تيقن الخطأ أعاد، وإن ظنه انحرف، وبنى على صلاته: شروط الصلاة مأمورات ومنهيات، والتوجه إلى القبلة من جملة المأمورات. وإذا تيقن الخطأ في القبلة فهو لم يَأْتِ بالمأمور به، والخطأ في ترك المأمور لا يسقطه، فيكون مطالبًا بفعله، كما لو صلى ناسيًا حدثه، فإنه يعيد الصلاة؛ لأن الوضوء من جملة المأمورات، بخلاف المحظور، فإنَّ تركَهُ نِسيانًا يسقطه، كما لو صلى، وعلى نعليه نجاسة، فإذا علم بها في صلاته فإنه يطرحها، ويبني على صلاته.

стр. 2592

وأما إذا كان الخطأ مظنونًا، ولم يتيقن، فإنه يبني على صلاته؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. وانظر الأدلة على التفريق بين المأمورات والمنهيات والجواب عنها في المسألة التالية بعد هذه، وهو ما إذا علم بالخطأ بعد الفراغ من الصلاة، فقد ناقشت الاستدلال بهذا الدليل والجواب عنه، والله أعلم. • دليل من قال: إذا أخطأ في القبلة وظهر الصواب مقارنًا بنى، وإلا بطلت: أن المجتهد إذا اجتهد في القبلة، وغلب على ظنه جهة من الجهات، كان مأمورًا بالصلاة إليها، فإذا ظهر له أنه أخطأ، سواء أكان الخطأ متيقنًا أم مظنونًا فإن ذلك لا يبطل صلاته؛ لأن دخوله في الصلاة كان مأذونًا فيه، وما ترتب على المأذون فهو غير مضمون، وإنما يشترط للبناء أن يظهر له الصواب في القبلة مقارنًا لظهور الخطأ ليبني على ما صلى، وحتى لا يفوت جزء من الصلاة إلى غير قبلة محسوبة، فإن لم يظهر له الصواب مقارنًا بطلت صلاته، وكان عليه أن يتحرى جهة القبلة؛ ليستأنف الصلاة. • وقد يناقش: بأن هذا الرجل قد تلبس بالعبادة على وجه مأذون له فيه، وظهر له أنه أخطأ، فكوننا نشترط لصحة البناء أن يظهر له الصواب مقارنًا لظهور الخطأ فهذا الشرط لا دليل عليه، فإذا لم يظهر له الصواب يكون في حكم العاجز عن معرفة القبلة، والعاجز لا تبطل صلاته لعجزه، وإذا أبطلنا صلاته، فقد لا يتمكن من معرفة القبلة فنكون أفسدنا صلاته من أجل مصلحة متوهمة، قد تتحقق، وقد لا تتحقق، خاصة أنه قد تلبس بالمأمور به على وجه مأذون، فلماذا لا نعتبر العجز عذرًا، ويكون حكمه حكم المتحير الذي لا يعرف القبلة؟ وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة في مسألة مستقلة، وأن هناك من الفقهاء من قال: يتخير فيصلي إلى أي جهة شاء، ومن الفقهاء من قال: يصلي وجوبًا إلى أربع جهات، وهناك من جعل هذا على سبيل الاختيار، ولم يوجبه. • دليل من قال: إن ظهر الصواب عن قرب بنى: هذا القول بناه صاحبه على أن اليسير في الشريعة مغتفر، كما اغتفر فقهاء

стр. 2593

الحنفية والحنابلة كشف العورة، ولو كان فاحشًا، إذا كان الزمن يسيرًا. وكما اغتفر على الصحيح كل نجس يسير عرفًا، كالعفو عن أثر الاستجمار ونحوه. ولأن المؤاخذة في اليسير حرج، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. • الراجح: الذي يظهر لي أن مذهب الحنفية والحنابلة أقوى، وأن من أذن له بالاجتهاد في معرفة القبلة، سواء أكان بمكة أم بالمدينة أم في غيرهما، إذا اجتهد، فبان له الخطأ، فإنه يبني على صلاته إنْ ظهر له الصواب، فإن لم يظهر له الصواب كان حكمه حكم المتحير في القبلة يصلي إلى أي جهة شاء عدا القبلة التي غلب على ظنه أنها خطأ، وإفساد العبادة لعجزه عن معرفة القبلة لا يصح حتى ولو كان يغلب على ظنه أنه يمكنه معرفة القبلة إذا أعطي وقتًا كافيًا للنظر والاستدلال، قياسًا على عادم الماء فإن له التيمم في أول الوقت والصلاة، ولو غلب على ظنه وصول الماء في آخر الوقت قبل خروجه، والله أعلم. * * *

стр. 2594

الفرع الثاني إذا تبين خطأ المجتهد بعد الفراغ من الصلاة المدخل إلى المسألة: • المجتهد في القبلة فرضه الاجتهاد، وليس الإصابة. • إذا اجتهد المصلي، وظن القبلة في إحدى الجهات، كانت هذه قبلته المأمور بالتوجه إليها في حق العمل، ولو صلى خلافها بطلت صلاته. • المجتهد في القبلة قد تلبس بالعبادة على وجه مأذون له فيه، فإذا ظهر له أنه أخطأ فقد مضت صلاته. • غاية المصلي الذي اجتهد، فلم يصب الكعبة، أن يكون ترك الاستقبال لعذر، وترك التوجه إلى القبلة لعذر لا يوجب القضاء، كحال المسايفة في أثناء القتال، يترك المصلي معها القبلة متعمدًا على الصحيح، ولا يقضي. [م-٣٤٣] إذا تبين الخطأ في القبلة بعد الفراغ من الصلاة، فقيل: صلاته صحيحة مطلقًا، ولا إعادة عليه، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، والقديم من قولي الشافعي، وبه قال المزني (١).

стр. 2595

جاء في المبدع: «ومن صلى بالاجتهاد، ثم علم أنه أخطأ القبلة، فلا إعادة عليه» (١). وقيل: صلاته صحيحة، ويعيدها استحبابًا في الوقت بصير منحرف عنها كثيرًا، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢)، وبه قال الزهري (٣). وقيل: إن غلب على ظنه أنه أخطأ، فلا إعادة عليه، وإن تيقن الخطأ، ففي المسألة قولان، أظهرهما وجوب الإعادة. وهذا مذهب الشافعية (٤). وقيل: إن تيقن الخطأ، وتيقن الصواب أعاد، فإن لم يتيقن الصواب فلا إعادة. وهو قول في مذهب الشافعية (٥). وقيل: يعيد صلاته مطلقًا. وهو قول سحنون والمغيرة (٦). وقيل: إن شرق أو غرب استحبت الإعادة في الوقت. وإن استدبر القبلة أعاد مطلقًا، وهو قول محمد بن مسلمة من المالكية (٧). فتلخص لنا من الأقوال ستة:
следующие страницы →