يتحقق من موضع القبلة.
وأما قبلة الاجتهاد، كالغائب عن مكة والمدينة، فالانحراف اليسير مغتفر؛ لتعذر إصابة العين.
وأما الانحراف الكثير فإنه مبطل مطلقًا؛ قال القرافي في الذخيرة: لأن التوجه إلى القبلة متفق على شرطيته (١).
وعلل بعض المالكية: لأن ظهور الخطأ في أثناء الصلاة كظهوره في الدليل قبل بت الحكم، وظهور الخطأ بعد الفراغ منها، كظهوره فيه بعد بت الحكم، ومعلوم أن القاضي إذا ظهر له الخطأ في الدليل قبل بت الحكم لا يسوغ له الحكم، وإذا حكم كان حكمه باطلًا، وإذا ظهر له الخطأ في الدليل بعد بت الحكم فقد نفذ الحكم ولا ينقض (٢).
• ويناقش:
قياسه على اجتهاد القاضي قياس بعيد، ذلك أن القاضي فرضه الإصابة؛ لرد المظالم، وإعطاء الحقوق لأصحابها قدر استطاعته، وفرض المجتهد في القبلة الاجتهاد، فإذا اجتهد، ولم يقصر، وأفرغ وسعه في التعرف على القبلة، فقد قام بما عليه، وكانت هذه قبلته المأمور بالتوجه إليها، فكل جهة انتصبت قبلة للمصلي في حق العمل أجزأته، وإن لم تكن قبلة في حق العلم، فإذا ظهر أنه أخطأ انحرف وبنى؛ ولم تبطل صلاته، وكل مكلف فعل ما أمر به شرعًا، فلا بطلان لسعيه أصاب، أو أخطأ، والله أعلم.
• دليل من قال: إن تيقن الخطأ أعاد، وإن ظنه انحرف، وبنى على صلاته:
شروط الصلاة مأمورات ومنهيات، والتوجه إلى القبلة من جملة المأمورات.
وإذا تيقن الخطأ في القبلة فهو لم يَأْتِ بالمأمور به، والخطأ في ترك المأمور لا يسقطه، فيكون مطالبًا بفعله، كما لو صلى ناسيًا حدثه، فإنه يعيد الصلاة؛ لأن الوضوء من جملة المأمورات، بخلاف المحظور، فإنَّ تركَهُ نِسيانًا يسقطه، كما لو صلى، وعلى نعليه نجاسة، فإذا علم بها في صلاته فإنه يطرحها، ويبني على صلاته.
стр. 2592
وأما إذا كان الخطأ مظنونًا، ولم يتيقن، فإنه يبني على صلاته؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وانظر الأدلة على التفريق بين المأمورات والمنهيات والجواب عنها في المسألة التالية بعد هذه، وهو ما إذا علم بالخطأ بعد الفراغ من الصلاة، فقد ناقشت الاستدلال بهذا الدليل والجواب عنه، والله أعلم.
• دليل من قال: إذا أخطأ في القبلة وظهر الصواب مقارنًا بنى، وإلا بطلت:
أن المجتهد إذا اجتهد في القبلة، وغلب على ظنه جهة من الجهات، كان مأمورًا بالصلاة إليها، فإذا ظهر له أنه أخطأ، سواء أكان الخطأ متيقنًا أم مظنونًا فإن ذلك لا يبطل صلاته؛ لأن دخوله في الصلاة كان مأذونًا فيه، وما ترتب على المأذون فهو غير مضمون، وإنما يشترط للبناء أن يظهر له الصواب في القبلة مقارنًا لظهور الخطأ ليبني على ما صلى، وحتى لا يفوت جزء من الصلاة إلى غير قبلة محسوبة، فإن لم يظهر له الصواب مقارنًا بطلت صلاته، وكان عليه أن يتحرى جهة القبلة؛ ليستأنف الصلاة.
• وقد يناقش:
بأن هذا الرجل قد تلبس بالعبادة على وجه مأذون له فيه، وظهر له أنه أخطأ، فكوننا نشترط لصحة البناء أن يظهر له الصواب مقارنًا لظهور الخطأ فهذا الشرط لا دليل عليه، فإذا لم يظهر له الصواب يكون في حكم العاجز عن معرفة القبلة، والعاجز لا تبطل صلاته لعجزه، وإذا أبطلنا صلاته، فقد لا يتمكن من معرفة القبلة فنكون أفسدنا صلاته من أجل مصلحة متوهمة، قد تتحقق، وقد لا تتحقق، خاصة أنه قد تلبس بالمأمور به على وجه مأذون، فلماذا لا نعتبر العجز عذرًا، ويكون حكمه حكم المتحير الذي لا يعرف القبلة؟ وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة في مسألة مستقلة، وأن هناك من الفقهاء من قال: يتخير فيصلي إلى أي جهة شاء، ومن الفقهاء من قال: يصلي وجوبًا إلى أربع جهات، وهناك من جعل هذا على سبيل الاختيار، ولم يوجبه.
• دليل من قال: إن ظهر الصواب عن قرب بنى:
هذا القول بناه صاحبه على أن اليسير في الشريعة مغتفر، كما اغتفر فقهاء
стр. 2593
الحنفية والحنابلة كشف العورة، ولو كان فاحشًا، إذا كان الزمن يسيرًا.
وكما اغتفر على الصحيح كل نجس يسير عرفًا، كالعفو عن أثر الاستجمار ونحوه.
ولأن المؤاخذة في اليسير حرج، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• الراجح:
الذي يظهر لي أن مذهب الحنفية والحنابلة أقوى، وأن من أذن له بالاجتهاد في معرفة القبلة، سواء أكان بمكة أم بالمدينة أم في غيرهما، إذا اجتهد، فبان له الخطأ، فإنه يبني على صلاته إنْ ظهر له الصواب، فإن لم يظهر له الصواب كان حكمه حكم المتحير في القبلة يصلي إلى أي جهة شاء عدا القبلة التي غلب على ظنه أنها خطأ، وإفساد العبادة لعجزه عن معرفة القبلة لا يصح حتى ولو كان يغلب على ظنه أنه يمكنه معرفة القبلة إذا أعطي وقتًا كافيًا للنظر والاستدلال، قياسًا على عادم الماء فإن له التيمم في أول الوقت والصلاة، ولو غلب على ظنه وصول الماء في آخر الوقت قبل خروجه، والله أعلم.
* * *
стр. 2594
الفرع الثاني إذا تبين خطأ المجتهد بعد الفراغ من الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• المجتهد في القبلة فرضه الاجتهاد، وليس الإصابة.
• إذا اجتهد المصلي، وظن القبلة في إحدى الجهات، كانت هذه قبلته المأمور بالتوجه إليها في حق العمل، ولو صلى خلافها بطلت صلاته.
• المجتهد في القبلة قد تلبس بالعبادة على وجه مأذون له فيه، فإذا ظهر له أنه أخطأ فقد مضت صلاته.
• غاية المصلي الذي اجتهد، فلم يصب الكعبة، أن يكون ترك الاستقبال لعذر، وترك التوجه إلى القبلة لعذر لا يوجب القضاء، كحال المسايفة في أثناء القتال، يترك المصلي معها القبلة متعمدًا على الصحيح، ولا يقضي.
[م-٣٤٣] إذا تبين الخطأ في القبلة بعد الفراغ من الصلاة،
فقيل: صلاته صحيحة مطلقًا، ولا إعادة عليه، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، والقديم من قولي الشافعي، وبه قال المزني (١).
стр. 2595
جاء في المبدع: «ومن صلى بالاجتهاد، ثم علم أنه أخطأ القبلة، فلا إعادة عليه» (١).
وقيل: صلاته صحيحة، ويعيدها استحبابًا في الوقت بصير منحرف عنها كثيرًا، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢)، وبه قال الزهري (٣).
وقيل: إن غلب على ظنه أنه أخطأ، فلا إعادة عليه، وإن تيقن الخطأ، ففي المسألة قولان، أظهرهما وجوب الإعادة. وهذا مذهب الشافعية (٤).
وقيل: إن تيقن الخطأ، وتيقن الصواب أعاد، فإن لم يتيقن الصواب فلا إعادة. وهو قول في مذهب الشافعية (٥).
وقيل: يعيد صلاته مطلقًا. وهو قول سحنون والمغيرة (٦).
وقيل: إن شرق أو غرب استحبت الإعادة في الوقت. وإن استدبر القبلة أعاد مطلقًا، وهو قول محمد بن مسلمة من المالكية (٧).
فتلخص لنا من الأقوال ستة:
стр. 2596
لا يعيد مطلقًا.
يعيد مطلقًا. وهذان قولان متقابلان:
تستحب الإعادة في الوقت.
وهناك أقوال بنيت على التفصيل على اختلافهم فيه:
فقيل: إن تيقن الخطأ أعاد، وإن غلب على ظنه أنه أخطأ لم يعد.
وقيل: إن تيقن الخطأ، وتيقن الصواب أعاد، وإلا فلا.
وقيل: إن شرق أو غرب أعاد في الوقت، وإن استدبر القبلة أعاد مطلقًا.
هذا مجمل ما وقفت عليه من الأقوال، والله أعلم.
• دليل من قال: لا يعيد مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٩٠٣) ما رواه الدارقطني من طريق أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري، قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله، قال: بعث رسول الله ﷺ -سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قِبَلَ الشمال، فصلوا، وخطوا خطًّا. وقال بعضنا: القبلة هاهنا قِبَلَ الجنوب، وخطوا خطًّا، فلما أصبحوا، وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي ﷺ -عن ذلك، فسكت، وأنزل الله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أي حيث كنتم (١).
[ضعيف] (٢).
قال البيهقي: لا نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًّا … (٣).
وفي الباب حديث عامر بن ربيعة ضعيف جدًّا (٤).
стр. 2597
الدليل الثاني:
(ح-٩٠٤) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا أحمد بن رشدين قال: أخبرنا هشام بن سلام البصري، قال: أخبرنا أبو داود الطيالسي، قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله السكوني، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبيه،
عن معاذ بن جبل قال: صلينا مع رسول الله ﷺ -في يوم غيم، في سفر إلى غير القبلة، فلما قضى الصلاة، وسلم، تجلت الشمس، فقلنا: يا رسول الله، صلينا إلى غير القبلة، فقال: قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله .
قال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا إسماعيل بن عبد الله، ولا عن إسماعيل إلا أبو داود، تفرد به: هشام بن سلام (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
المجتهد في القبلة فرضه الاجتهاد، وليس الإصابة، فإذا اجتهد وظن القبلة في إحدى الجهات كانت هذه قبلته المأمور بالتوجه إليها، ولو صلى خلافها بطلت صلاته، فكل جهة انتصبت قبلة للمصلي في حق العمل أجزأته، وإن لم تكن قبلة في حق العلم.
الدليل الرابع:
غاية المصلي الذي اجتهد، فلم يصب الكعبة، أن يكون ترك التوجه لعذر،
стр. 2598
وتَرْكُ التوجه إلى القبلة بعذر لا يوجب القضاء، كحال المسايفة في أثناء القتال يترك المصلي معها القبلة متعمدًا، ولا يقضي.
الدليل الخامس:
لو ألزمناه أن يعيد الصلاة أدى ذلك إلى نقض الاجتهاد باجتهاد مثله، وذلك لا يجوز، كالحاكم إذا حكم في قضية، ثم تغير اجتهاده لم ينقض ما حكم به بالاجتهاد الأول.
(ث-٢٣١) وقد روى ابن المبارك، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، عن الحكم بن مسعود، قال:
أتينا عمر في الْمُشَرَّكَةِ (١)، فَلَمْ يُشَرِّكْ، ثم أتيناه العام المقبل فَشَرَّكَ، فقلنا له، فقال: تلك على ما قضيناه، وهذه على ما قضينا (٢).
[رجاله ثقات إلا أن وهب بن منبه لم يسمع من الحكم بن مسعود] (٣).
• دليل من قال: يعيد مطلقًا:
الدليل الأول:
(ث-٢٣٢) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام، عن محمد قال:
صلى حميد بن عبد الرحمن في منزلنا، فقلت له: إن في قبلتنا تياسرًا، فأعاد (٤).
[صحيح].
• ونوقش هذا:
هذا فعل صحابي، والفعل لا عموم له بخلاف القول، وهو يحتمل عدة وجوه، فقد تكون الإعادة بسبب الخطأ في القبلة، وقد تكون الإعادة؛ لأنه أخطأ القبلة في الحضر، وكان عليه أن يسأل، وقد تكون الإعادة من باب الاستحباب
стр. 2599
كمذهب المالكية، أو من باب الاحتياط، فلا يلزم من هذا الفعل وجوب الإعادة على المجتهد، إذا اجتهد في السفر، وتحرى القبلة، ثم صلى بناء على اجتهاده، فظهر له أنه أخطأ، والله أعلم.
الدليل الثاني:
المصلي مأمور باستقبال القبلة، والاجتهاد وسيلة لتحصيل هذا المقصد، فإذا لم تفض الوسيلة إلى تحصيل المقصد، وجبت الإعادة؛ لتحصيل المقصد الذي لم يحصل بعد، والاكتفاء بالاجتهاد، ولو لم يحصل المطلوب إقامة للوسيلة مقام الغاية.
وذلك أن شروط الصلاة على قسمين:
مأمورات كالطهارة من الحدث، واستقبال القبلة، ونحوها.
ومنهيات أو محظورات، وبعضهم يطلق عليها التروك، أي التي أُمِرَ المكلَّفُ بتركها، كاجتناب النجاسة، والكلام في الصلاة والحركة الكثيرة فيها.
فالمأمورات يجب تداركها إذا فاتت؛ لأن المقصود منها تحصيلها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها، ومنه استقبال القبلة، فإذا لم يحصل بالاجتهاد صار مطالبًا بفعله، فتعاد الصلاة لتحصيله تداركًا لفواته.
وأما المنهيات، فهذه إذا تلبس بها المصلي ناسيًا، أو جاهلًا، فإن صلاته صحيحة، ولا يؤمر بالإعادة؛ لأن المنهيات الغاية منها التخلي عنها، فإذا لم يتعمد فعلها، بل فعلها إما ناسيًا، أو جاهلًا، فكأنه لم يرتكبها، فصحت العبادة.
والدليل على هذا التفريق بين المأمورات والمحظورات:
أن طهارة الحدث، وطهارة الخبث، كل منهما شرط في صحة الصلاة، والأولى لا تسقط بالنسيان، فلو صلى بلا طهارة ناسيًا لم تصح منه الصلاة بالإجماع، لأنها من باب فعل المأمور، والثانية لو صلى، وثوبه نجس صحت صلاته على الصحيح؛ لأنها من باب ترك المحظور.
(ح-٩٠٥) فقد روى أحمد، قال: ثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
стр. 2600
أن رسول الله - ﷺ - صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت، فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا، فإذا جاء أحدكم المسجد، فليقلب نعله، فلينظر فيها، فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض، ثم ليُصَلِّ فيهما (١).
[صحيح] (٢).
ومثله حديث معاوية بن الحكم، لما تكلم في الصلاة، ولم يؤمر بالإعادة لجهله بالنهي (٣).
وحديث يعلى بن أمية حيث أمره النبي ﷺ -بنزع الجبة عن المحرم، ولم يأمره بالفدية لجهله … لأن هذه من باب المنهيات (٤).
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
قياس القبلة على الحدث قياس مع الفارق، ذلك أن أمر القبلة مبني على التخفيف، بدليل تركها في نافلة السفر، بخلاف الطهارة.
الوجه الثاني:
كون المأمورات لا تسقط بالنسيان بخلاف المنهيات هذا دليله ظاهر، ولم
стр. 2601
يترك المصلي القبلة ناسيًا، ولا جاهلًا، وإنما بذل وسعه، واجتهد في معرفة القبلة، وظن القبلة في إحدى الجهات، فصلى ممتثلًا الأمر الشرعي، ولو لم يُصَلِّ لكان آثمًا، فإن كان التكليف في حقه هو الاجتهاد، وبذل الوسع، فقد فعل المأمور.
وإن كان التكليف في حقه هو الإصابة فقد سقط عنه ذلك بالعجز، وجميع أحكام الشريعة تسقط بالعجز عنها، وقد كان حين صلى عاجزًا عن إصابة القبلة، وكونه قدر على معرفة القبلة بعد الفراغ من الصلاة، لا يبطل ما صلاه وقت عجزه، كما لو قدر المتيمم على الماء بعد الصلاة لم تبطل صلاته؛ لتحصيل المأمور، وكما لو عجز عن الصلاة قائمًا، فصلى قاعدًا، ثم قدر على القيام بعد الفراغ من الصلاة فإنه لا يكلف الإعادة، فكذلك تحصيل القبلة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
أن هذا المجتهد قد تبين غلطه، فأشبه من اجتهد في الوقت، وصلى قبله غلطًا، أو الأسير إذا اجتهد في رمضان، فصام قبله غلطًا.
• ويناقش:
بأن فعل العبادة قبل وقتها أداءٌ لها قبل وجوبها عليه، فلم تجزئ، وليست الإعادة فقط لكونه أخطأ بالاجتهاد، بخلاف الاجتهاد في القبلة.
قال أبو الحسن القصار من المالكية وبعض الشافعية إن الغالط في رمضان وفي الوقت مأمور في هاتين المسألتين بطلب اليقين إذا أمكنه، فصار كالمتعدي في اجتهاده.
والغالط في القبلة غير متعدٍّ في اجتهاده؛ إذ لو انتظر، واستظهر لما تيقن القبلة، ومن كان متعديًا في اجتهاده، ومقتصرًا على الظن مع القدرة على اليقين، لم يعذر بغلطه، ومن كان غير متعدٍّ في اجتهاده، ولا قادر على اليقين عذر في اجتهاده (١).
وقد ناقشت مسألة العمل بالظن في دخول الوقت، فارجع إليه غير مأمور.
الدليل الرابع:
بأن إصابة القبلة ليس أمرًا عسيرًا، فلما غلط هذا المجتهد تبين أن غلطه إنما كان سببه التقصير في الاجتهاد، ولو أعطى النظرَ في الأمارات حقَّهُ لأصاب القبلة،
стр. 2602
وإذا انكشف تقصيره وجب ألا تجزيه صلاته.
• ويناقش:
بأن الخطأ في القبلة كثير، ويتكرر في الأسفار، فليس كل خطأ سببه التقصير في الاجتهاد، ولهذا قسم الفقهاء الاجتهاد في القبلة إلى ظن وقطع.
• دليل من قال: تستحب الإعادة في الوقت:
الإعادة في الوقت أصل عند المالكية، فرعوا عليه مسائل كثيرة، فتارة يرونه في ترك كل واجب في العبادة، ما لم يكن المتروك شرطًا، أو ركنًا فيها.
ويكون التعليل عندهم: إما لجبر النقص الذي حصل بترك الواجب، أو مراعاة الخلاف.
وتارة تكون الإعادة في الوقت لترك المستحب، ويكون تعليل الإعادة: طلبًا للكمال ما دام الوقت قائمًا (١).
وفي الحالين تكون الإعادة مستحبة، فإذا خرج الوقت لا يعيد، ولو تعمد تركها؛ لأن المتروك ليس بشرط في العبادة، وإنما تجب الإعادة أبدًا لو كان المتروك شرطًا أو ركنًا.
ومسألتنا هذه، هل خرجت عن هذا التقسيم، باعتبار أن المتروك شرط، ومع ذلك لم يوجب المالكية الإعادة أبدًا؟
الجواب: أن المالكية لم يوجبوا الإعادة أبدًا، باعتبار أن قبلة المكلف قبلة اجتهاد، وليست قبلة قطع، وهو قد اجتهد، فقام بالمأمور به، قال ابن رشد: «المشهور في المذهب أنه يعيد في الوقت من أجل أنه يرجع إلى اجتهاد من غير يقين» (٢).
стр. 2603
ولهذا جعلوا الخطأ في قبلة القطع يعيد أبدًا كالمكي والمدني، وكذا من ترك الاستقبال متعمدًا، فإنه يعيد أبدًا بلا خلاف عندهم، بخلاف ما لو صلى بالنجاسة عامدًا، فإنه يعيد في الوقت، هذا هو مبنى الفرق عندهم، والله أعلم.
قال ابن رشد: «وأما من صلى إلى غير القبلة متعمدًا، أو جاهلًا بوجوب استقبال القبلة، فلا اختلاف في وجوب الإعادة عليه أبدًا، وكذلك من صلى بمكة إلى غير الكعبة وإن لم يكن مشاهدًا لها، فهو كالمشاهد لها في وجوب الإعادة عليه أبدًا، من أجل أنه يرجع إلى يقين يقطع عليه؛ إذ يمكنه أن يصعد على موضع يرى الكعبة منه، فيعلم بذلك حقيقة القبلة في بيته» (١).
• ويناقش:
يشكل على قول المالكية أنهم قالوا: يعيد استحبابًا بنية الفرض، فالنية ومفعولها لا يتفقان حكمًا (٢).
فهو يصلي الأولى بنية أنها فرضه، ثم يصلي الإعادة بنية أنها فرضه، فيكون صلى الفرض مرتين، ولا يخرجهم من ذلك قولهم: إن الإعادة مستحبة، ولا قولهم: إن له أحدهما، والتعيين ليس للعبد.
فهذا الأصل عند المالكية ضعيف فيما أرى؛ لأن الصلاة إن كانت صحيحة فلا حاجة للإعادة؛ لأن الله لم يكتب على عباده فرض الظهر مرتين، وهو يصلي عندهم بنية الفرض في كل مرة.
وإن كانت باطلة، فلماذا يصحح المالكية الصلاة؟ فهم حين قالوا: يعيد في الوقت حكموا بصحة الصلاة؛ إذ لو كانت باطلة لم يعلقوا الإعادة على بقاء الوقت، بل كان عليه أن يعيدها أبدًا، في الوقت وغيره.
ولأن الذمة لو كانت مشغولة في وجوب الإعادة، لم يكن هناك فرق بين الوقت، وخارج الوقت.
стр. 2604
فالراجح أن العبادة إذا صحت لم تشرع إعادتها بنية الفريضة.
(ح-٩٠٦) فقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن حسين، حدثنا عمرو بن شعيب، حدثني سليمان، مولى ميمونة، قال:
أتيت على ابن عمر، وهو بالبلاط، والقوم يصلون في المسجد، قلت: ما يمنعك أن تصلي مع الناس، أو القوم؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ -قال: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين (١).
[صحيح تفرد به حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب] (٢).
• دليل من قال: إن تيقن الخطأ أعاد، وإن غلب على ظنه لم يعد:
علل بعض الشافعية وجوب الإعادة إذا تيقن الخطأ لفوات الاستقبال يقينًا، فلم يحصل المطلوب (٣).
كما علل سقوط القضاء إذا كان الخطأ مظنونًا؛ بأن الحكم بالخطأ مبني على اجتهاد، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وعلل عامة الشافعية وجوب القضاء مع تيقن الخطأ بقولهم: لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلم يُعْتَدَّ بما مضى، كالحاكم إذا حكم بحكم، ثم وجد النص بخلافه.
فقولهم: (تعين له الخطأ) احتراز من إبهام الخطأ، فإذا صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين، فإنه تيقن الخطأ في إحداهما، ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يتعين الخطأ في إحداهما.
وقولهم: (يقين الخطأ) احتراز منه إذا صلى إلى جهة، ثم هداه اجتهاده إلى: أن القبلة في جهة أخرى، فإنه قد تعين له الخطأ، ولا تلزمه الإعادة؛ لأنه لم يتيقن ذلك، وإنما ذلك من طريق الاجتهاد، والاجتهاد لا ينقض باجتهاد.
стр. 2605
وقولنا: (فيما يؤمن مثله في القضاء) احتراز من الأكل في الصوم ناسيًا، ومن الوقوف بعرفة يوم الثامن، أو يوم العاشر، على وجه الخطأ؛ فإنه لو قضاها لم يأمن أن يقع له في القضاء مثل ما وقع له في الأداء، وهذا سبب من أسباب سقوط القضاء (١).
هذا هو تعليل الشافعية في الفرق بين يقين الخطأ، وبين ظن الخطأ، وهو مبني على أن الفرض هو إصابة القبلة، فإذا تيقن أنه لم يصب وجبت الإعادة، وإذا كان ذلك مظنونًا لم تجب الإعادة، لأن الاجتهاد لا ينقض باجتهاد.
• ويناقش:
بأن المصلي مأمور بالاجتهاد في تحري القبلة، فإذا فعل ذلك فقد امتثل الأمر الشرعي، فلا معنى لوجوب الاستئناف، كالمسايف يصلى إلى غير القبلة في أثناء القتال؛ ولا يكلف بالإعادة؛ هذا على القول بأن المكلف فرضه الاجتهاد، ولو سلمنا أن فرضه الإصابة، فإنه عاجز عن الإصابة وقت الصلاة فيسقط؛ لأن التكليف مقيد بالوسع، وقد ذكرنا ذلك مفصلًا في الجواب عن الدليل السابق، فارجع إليه.
• دليل من قال: إن تيقن الخطأ، وتيقن الصواب أعاد، وإلا فلا.
المصلي إذا لم يظهر له الصواب في جهة القبلة لم يأمن أن يقع له في القضاء مثل ما وقع له في الأداء، فلا فائدة من أمره بالإعادة، وإنما تجب الإعادة إذا تيقن الخطأ، وظهر له الصواب.
• دليل من قال: إن شرق أو غرب أعاد في الوقت، وإن استدبر أعاد مطلقًا.
لأن الخطأ في الاستدبار أفحش من غيره، فمن استدبر الكعبة فقد ظهر خطؤه بيقين؛ لأنه ليس يتوجه إلى الكعبة بوجه، بل خطؤه من كل وجه، وإذا فات الشرط من كل وجه أمر بالإعادة أبدًا.
وأما من شرق أو غرب عن جهة الكعبة في تحريه فليس بمخطئ من كل وجه؛ لوجود توجه الكعبة منه بجزء من وجهه، وهو العذار، فاستحبت له الإعادة في الوقت.
стр. 2606
وهذا القول ضعيف؛ فهو مخالف لقول النبي ﷺ : لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا.
فالتوجه إلى القبلة لا يكون بالعذار، فمن استقبلها بجنبه فلم يستقبلها.
• الراجح:
أن المصلي إذا اجتهد وصلى، ثم تبين له بعد الصلاة أنه أخطأ، فصلاته صحيحة، ولا تشرع له الإعادة، والله أعلم.
* * *
стр. 2607
المبحث الثالث إذا شك المجتهد في القبلة بعد إحرامه
المدخل إلى المسألة:
• الشك في وجود المفسد بعد التلبس بالعبادة لا يفسدها.
• الاجتهاد في القبلة إنما يتغير باجتهاد مثله، أو يقين؛ وأما الشك فلا يؤثر فيه؛ لكون الشك لا يساويه.
• الاجتهاد ظاهر، والظاهر لا يزول بالشك.
[م-٣٤٤] الشك في مسألتنا هذه: هو التردد مع تساوي الاحتمالين، فإن كان أحدهما أرجح من الآخر، فالراجح ظن والمرجوح وهم.
وإنما فرقت بين الشك والظن في هذه المسألة خاصة، وإن كان الأصل عدم التفريق؛ لأن الاجتهاد في القبلة هو من قبيل الظن، فكان الشك درجة أقل منه.
فإذا اجتهد في القبلة، فلما دخل في الصلاة، حصل منه شك في قبلته، فإنه يتمادى فيها (١).
قال القرافي في الذخيرة نقلًا من صاحب الطراز: «لو شك المجتهد بعد إحرامه، ولم تتعين له جهة تمادى؛ لأنه دخل بالاجتهاد، ولم يتبين خطؤه» (٢).
• وجهه:
لأنه دخل فيها بالاجتهاد المبني على الظن الغالب، ولم يتبين خطؤه،
стр. 2608
والاجتهاد إنما يتغير باجتهاد مثله أو يقين؛ وأما الشك فلا يؤثر فيه؛ لكون الشك لا يساوي غلبة الظن التي دخل بها في الصلاة، ولأن الاجتهاد ظاهر، والظاهر لا يزول بالشك.
* * *
стр. 2609
المبحث الرابع في الرجل يصلي بلا اجتهاد ولا تقليد
المدخل إلى المسألة:
• أمر الشارع باستقبال القبلة، فمن قدر على الاجتهاد، وعَرَفَ الأدلة المنصوبة على القبلة، فلا يجزيه أن يصلي إلى جهة حتى يعلم، أو يغلب على ظنه أنها القبلة.
• إذا كان لا يجوز الاجتهاد مع إمكان اليقين، فكذلك لا يجوز الصلاة بمجرد ميل القلب مع إمكان الظن في حق من يمكنه النظر في الأدلة المنصوبة على القبلة.
• المصلي إذا دخل في الصلاة بلا تَحَرٍّ ولا تقليد في جهة القبلة احتمل أن تكون الجهة التي صلى إليها هي القبلة، واحتمل أن تكون القبلة غيرها، والصلاة لا تحتمل الشك في الشرط.
• الشك في تحصيل الشرط مبطل للصلاة مع القدرة على رفع الشك، وعلمه بعد ذلك أنه أصاب القبلة، لا يرفع تأثير الشك في أثناء الصلاة، لكونه شرع فيها من غير دليل تسكن إليه نفسه، ويرتفع به شكه.
[م-٣٤٥] إذا صلى الإنسان القادر على الاجتهاد بلا اجتهاد، أو صلى المقلد القادر على التقليد بلا تقليد، فإن أخطأ فعليه الإعادة قولًا واحدًا، واختلفوا في الإعادة إذا أصاب على أقوال:
القول الأول: مذهب الحنفية:
قال الحنفية «إن صلى من غير شك، ولا تَحَرٍّ، فصلاته صحيحة حتى يغلب على ظنه أنه أخطأ، فإن ظهر خطؤه لزمته الإعادة، ولو بعد الفراغ منها.
وإن شك، ولم يَتَحَرَّ، فصلاته باطلة، إلا إذا تبين يقينًا بعد الفراغ من صلاته أنه
стр. 2610
أصاب، فإن تيقن في أثناء صلاته لم تصح» (١).
• وجه قول الحنفية:
أن الرجل إذا صلى من غير شك في القبلة، ولا تَحَرٍّ، فصلاته جائزة؛ لأن التحري لا يجب عليه إذا لم يكن شاكًّا.
ولأن فعل المسلم محمول على الصحة ما أمكن اعتبارًا بالظاهر، حتى يتبين خلافه، فإن تبين، أو غلب على ظنه أنه أخطأ، فعليه الإعادة؛ ولو بعد الفراغ منها؛ لأن الثابت باستصحاب الحال يرتفع بالدليل؛ لأن ما ثبت بالدليل فوق ما ثبت بالاستصحاب، ولأن الظاهر يسقط اعتباره إذا تبين، أو غلب على ظنه الخطأ.
ولأن الحكم بجواز الصلاة هنا لانعدام الدليل المفسد، لا للعلم بالدليل المجوز، فإذا ظهر الدليل المفسد، وجبت الإعادة.
وأما إذا شك، فصلى، ولم يَتَحَرَ، فصلاته باطلة؛ لأنه لما شك لزمه التحري، وصار التحري فرضًا من فرائض الصلاة إلا أن يعلم يقينًا أنه أصاب القبلة (٢)؛ فتصح صلاته.
وإنما صحت صلاته إذا تيقن الإصابة؛ لأن التحري مطلوب لغيره، وما افترض لغيره يشترط حصوله، لا تحصيله، فإذا تيقن الإصابة دون الاجتهاد، فقد حصل المطلوب، بشرط أن يكون العلم بالصواب حصل له بعد الفراغ من الصلاة؛ لأنه إذا تيقن الإصابة في أثناء الصلاة بطلت صلاته؛ لأن حاله بعد العلم أقوى من حاله قبله، وبناء القوي على الضعيف لا يجوز عندهم، كما قالوا في بطلان صلاة المومئ إذا قدر على القيام بوسط الصلاة، فإنه يستقبل؛ لما ذكرنا، بخلاف ما إذا تيقن الصواب بعد الفرغ من الصلاة.
واشترط الحنفية في الأظهر يقين الإصابة؛ لأن الأصل أن صلاته لا تصح إذا شك ولم يَتَحَرَّ استصحابًا للحال؛ فإذا تبين يقينًا أنه أصاب ثبت الجواز، وبطل الاستصحاب.
стр. 2611
القول الثاني:
إذا أصاب صحت صلاته مطلقًا من غير فرق بين العلم بالإصابة في أثناء الصلاة أو بعدها، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
• وجه القول بالصحة:
يرى أبو يوسف «أنه لو شرع بالصلاة بلا تَحَرّ، ثم علم بالصلاة أنه أصاب، فإنه يمضي فيها؛ لأنه لو قطعها يستأنف إلى هذه الجهة، فلا فائدة» (٢).
ولأن لزوم التحري لم يفرض عليه إلا لتحصيل القبلة، فإذا حصلت من غير تَحَرٍّ حصل المقصود.
ولأن التحري درجات: فتارة يراد به بلوغ مرتبة الاجتهاد في معرفة الأدلة المنصوبة على الكعبة.
وتارة يراد ما عرفه ابن عابدين في قوله: قبلة التحري مبنية على مجرد شهادة القلب من غير أمارة (٣).
كما لو كان رجل لا يحسن الاستدلال، ولم يجد دليلًا، فإنه يتحرى جهةً تركن إليها نفسه، فيصلي إليها.
فصار التحري هنا يقصد به ميل القلب إلى جهة من الجهات بحيث تسكن إليها النفس، وإن لم يكن مبنيًّا على الاستدلال.
ومثله لو شك في عدد الركعات، أو عدد أشواط الطواف، فمالت نفسه إلى شيء أخذ به على قول، فهذا ترجيح دون أن يكون هناك دليل مادي على الترجيح.
وقد تكلم الفقهاء في الرجل لو اجتهد في القبلة، وغلب على ظنه أنها في جهة الغرب مثلًا، ثم تغير اجتهاده وهو في الصلاة، فإنه ينحرف ويعمل بالثاني، حتى إنه لو تغير اجتهاده أربع مرات فإنه يصلي إلى أربع جهات في صلاة واحدة، فهل اجتهاد
стр. 2612
هذا المصلي، وهو في الصلاة: يقصد به بذل الجهد في أدلة القبلة؟ وهل يصح ذلك منه وهو الصلاة، أو أن هذا مال قلبه إلى جهة أخرى؟ الظاهر الثاني؛ لأن في الصلاة شغلًا عن الاجتهاد، والنظر في علامات القبلة، وإنما يكون الاجتهاد قبل الصلاة.
إذا علم ذلك، فهذا المصلي وإن انتفى عنه التحري في مفهومه الأول، فلم يَنْتَفِ عنه التحري في مفهومه الثاني، فالذي صلى بلا اجتهاد، ولا تقليد لن يصلي إلا إلى جهة تميل إليها نفسه، جعلته يأخذ بهذه الجهة وحدها دون غيرها، وهذا الميل يخرجه من الشك: وهو التردد المساوي، وينقله إلى غلبة الظن، وإن كان الظن بعضه أقوى من بعض، وهذه الحالة من أقل درجاته، فمثله يكفي في العبادة، لقوله ﷺ : فَلْيَتَحَرَّ الصوابَ، ثم لِيُتِمَّ عليه (١)، فإذا علم أنه أصاب، صحت صلاته، وبهذا أخذ شيخنا محمد بن عثيمين يرحمه الله، والله أعلم (٢).
• ويناقش:
بأنه لا اختلاف بأن التحري درجات، ولكن السؤال: من قدر على الاستدلال، وعرف الأدلة المنصوبة لمعرفة القبلة، فهل يجزيه أن يترك هذا، ويأخذ بجهة لم يستدل عليها، وإنما ركنت إليها نفسه دون استدلال، ولا بذل جهد؟
فإذا كان لا يجوز الاجتهاد مع إمكان اليقين، فكذلك لا يجوز الصلاة بمجرد ميل القلب مع إمكان الظن في حق من يمكنه النظر في الأدلة المنصوبة على القبلة.
إن قياس هذا الرجل العالم بأدلة القبلة على رجل لا يحسن الاستدلال، ولم يجد من يقلده، فتحرى، وبذل جهده، فصلى إلى جهة تركن إليها نفسه، قياس الأول على الثاني قياس مع الفارق، فكيف إذا دخل في الصلاة ولم يبذل جهدًا مع قدرته على معرفة القبلة؟ وليس مَعَنَا من فعله إلا إحسان الظن به أنه لن يفعل إلا وقد مال قلبه إلى جهة من الجهات.
والدليل على وجود الفارق بين الرجلين: أن المجتهد إذا بذل جهده فالأصل في صلاته الصحة ولو أخطأ، والثاني: الأصل في صلاته الخطأ، فلا تصح حتى
стр. 2613
يعلم أو يغلب على الظن أنه أصاب، على القول بصحة صلاته، وإذا قام الفرق لم يصح القياس، والله أعلم.
القول الثالث:
ذهب الجمهور إلى أن من صلى بلا اجتهاد، ولا تقليد، أن صلاته لا تصح مطلقًا سواء أَعَلِمَ بالإصابة في أثناء الصلاة أم بعدها (١).
قال ابن رشد في المقدمات: «فإن صلى بغير اجتهاد لم تجزئه صلاته، وإن وقعت إلى القبلة» (٢).
• دليل الجمهور على بطلان الصلاة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
فأمر بالاستقبال إلى القبلة، فإذا صلى بلا تحرٍّ، ولا تقليدٍ، فقد ترك فرضه مع القدرة عليه، فلم تصح صلاته.
قال ابن قدامة: «المجتهد إذا صلى من غير اجتهاد، فأصاب .... فإن صلاته باطلة بكل حال؛ سواء أخطأ أو أصاب؛ لأنه لم يَأْتِ بما أُمِرَ به» (٣).
• ويناقش:
بأن الاجتهاد وسيلة، فهو ليس مقصودًا لذاته، وإنما يطلب لغيره، وهو حصول الإصابة يقينًا أو ظنًّا، وكذا التقليد، فإذا حصلت الإصابة سقطت الوسيلة لحصول الغاية.
стр. 2614
• ويرد على هذا:
هل المطلوب مطلق حصول الغاية، علم بها أو لم يعلم، أم المطلوب العلم أو الظن بحصولها من أول الصلاة؟ فإذا صلى، وهو يشك في حصولها بطلت صلاته.
الدليل الثاني:
أن المصلي إذا دخل في الصلاة بلا تَحَرٍّ ولا تَقْلِيدٍ احتمل أن تكون الجهة التي صلى إليها هي القبلة، واحتمل أن تكون القبلة غيرها، والصلاة لا تحتمل الشك في الشرط، فالشك فيه مبطل للصلاة مع القدرة على رفعه، وكونه علم بعد ذلك أنه أصاب القبلة، لا يرفع تأثير الشك في أثناء الصلاة، لكونه شرع فيها من غير دليل تسكن إليه نفسه، ويرتفع به شكه.
الدليل الثالث:
أنه صلى من غير دليل، فأشبه من ترك التوجه إلى الكعبة مع علمه بها.
• الراجح:
لدينا ثلاثة أقوال:
الصحة مطلقًا، والبطلان مطلقًا، والصحة إن علم بالإصابة بعد الفراغ من الصلاة، فإن علم في أثنائها بطلت.
والثالث؛ أضعفها فيما أرى؛ لأنه قائم على تعليل لا دليل عليه، وهو أنه إذا علم في أثناء الصلاة فإن حاله ما قبل العلم ضعيف، وبعد العلم أقوى؛ لعلمه بجهة القبلة، وبناء القوي على الضعيف لا يجوز، هكذا قالوا.
ويبقى النظر بين قول الجمهور والذي اختار البطلان مطلقًا، وبين قول أبي يوسف الذي يرى الصحة مطلقًا، ولكل قول دليله، وقول أبي يوسف وإن كان فيه قوة، إلا أن قول الجمهور فيه احتياط للعبادة لا يخفى، والله أعلم.
* * *
стр. 2615
المبحث الخامس في تحري الرجل العاجز عن الاجتهاد والتقليد للقبلة
المدخل إلى المسألة:
• من عجز عن الاجتهاد ولم يجد من يقلده سقط عنه وجوب استقبال القبلة؛ لأن جميع الواجبات تسقط بالعجز، ولأن القدرة شرط للتكليف.
• قال ﷺ : (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا)، فإذا كانت الأركان تسقط بالعجز، فالاستقبال من باب أولى.
• القبلة المأمور بالتوجه إليها المصلي: هو ما تيقن، أو غلب على ظنه أنها جهة الكعبة، ولو بالتقليد.
• لو قيل بجواز اعتبار ميل القلب بلا أمارة من وسائل الترجيح عند التعارض دون أن يكون ذلك واجبًا على المصلي فليس ذلك ببعيد.
• إمكان التقليد يمنع التحري إذا كان التحري ليس قائمًا على أصل أو أَمَارة. • التحري المبني على ميل القلب بلا دليل نوع من التخير القائم على التشهي.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: «الاجتهاد والتحري لفظان متقاربا المعنى، ومعناهما: بذل المجهود في طلب المقصود، إلا أن لفظ الاجتهاد صار في عرف العلماء مخصوصًا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة، وبذل المجهود في تعرف حكم الحادثة من الدليل.
أما التحري فقد يكون بدليل، وقد يكون بمجرد شهادة القلب من غير أمارة، فكل اجتهاد تَحَرٍّ، وليس كل تَحَرٍّ اجتهادًا» (١).
فالتحري: هو طلب أَوْلَى الأمرين وأحراهما، ولو كان بتحكيم القلب.
стр. 2616
فالاجتهاد في القبلة خاص بمن يعرف الأدلة المنصوبة على معرفة القبلة بخلاف التحري فهو عام في حق الكل، وهو ميل القلب دون أمارة أو أصل.
ولهذا قال السمرقندي الحنفي: «التحري في الأحكام مشروع في حق الكل؛ لأن التحري هو العمل بشهادة القلب عند عدم سائر الأدلة الشرعية والعقلية» (١).
وقال ابن عابدين: «قبلة التحري مبنية على مجرد شهادة القلب» (٢).
فإن عدم الميل إلى جهة من الجهات، فهو المتحيِّر، وسوف يأتي إن شاء الله بحثه في مسألة مستقلة
[م-٣٤٦] إذا عرفت الفرق بين الاجتهاد والتحري، نأتي إلى ذكر الخلاف في حكم تحكيم القلب في تحديد القبلة:
فقيل: «لا يتحرى، فإذا عجز عن التقليد أو تحير المجتهد تخير أي جهة شاء، وصلى، وهو نص خليل في مختصره، ونسب للكافة، وبه قال الشافعية في الأظهر إلى أنهم قالوا: يقضي الصلاة إذا قدر» (٣).
стр. 2617
قال خليل: «فإن لم يجد، أو تحير مجتهد تخير» (١).
فقوله: (فإن لم يجد) يعني لم يجد المقلد مجتهدًا يقلده، ولا محرابًا يعتمده.
وقوله: (أو تحير مجتهد) بأن خفيت عليه الأدلة بسبب مانع من غيم، أو حبس، أو التباس.
(تخيَّر) جهة من الجهات الأربع بلا تَحَرٍّ.
قال الخرشي: «العاجز إذا لم يجد من يسأله، ولم يجد من يقلده ولا محرابًا، فإنه يتخير له جهة من الجهات الأربع، ويصلي إليها مرة واحدة، قاله ابن عبد الحكم وعزاه سند للكافة» (٢).
стр. 2618
قال الدردير والعدوي وعليش وغيرهم: وهو المعتمد (١).
فنقلوا العاجز عن التقليد إلى التخيير، ولم يردوه إلى التحري، واستفتاء القلب (٢).
وقيل: التحري فرض إذا لم يجد المصلي من يخبره، أو تحير المجتهد عند انعدام الأدلة وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (٣).
واختاره بعض المالكية، وحكاه سحنون اتفاقًا في القبلة (٤).
قال ابن عابدين: «التحري معلق بالعجز عن تعرف القبلة بغيره» (٥).
стр. 2619
وقال الكاساني: «التحري عند انعدام الأدلة يقوم مقام الدليل الشرعي» (١).
وقال الكاساني: «المصير إلى التحري للضرورة» (٢).
وقال الجصاص: «جاز التحري في القبلة مع غلبة جهات غير القبلة؛ لأن القبلة لها جهة واحدة، وسائر الجهات ليست لها … لأن هذا مما تبيحه الضرورة» (٣).
ونص بعض الحنفية على أن التحري حكم خاص بصاحبه، لا يجوز تقليده، جاء في الكافي شرح البزدوي: «التحري في باب القبلة، لا يتعدى ممن ابتلي به، ولا يصير قبلة في حق غيره» (٤).
وجاء في الفواكه الدواني «فإن لم يجد المقلد من يقلده، أو تحير المجتهد فإنه يتخير جهة تركن إليها نفسه، ويصلي» (٥).
وذهب الدسوقي إلى جواز التحري من المقلد مع وجود المحاريب والمجتهدين.
قال الدسوقي في حاشيته: «لو وجد ذلك المقلد من يقلده من مجتهد أو محراب، وتَرَكَ تقليدَ ما ذكر، واختار له جهة تركن لها نفسه، وصلى لها كانت صلاته صحيحة إن لم يتبين خطؤه» (٦).
والظاهر أن ذلك على سبيل الجواز، ولم أقف على هذا القول لغيره، أعني جواز التحري من المقلد مع وجود من يقلده من مجتهد أو محراب، ولولا أنه نص على المقلد لقلت: ربما عنى بالتحري الاجتهاد، وليس استفتاء القلب، وتحكيمه.
فصارت الأقوال ثلاثة:
الأول: المنع، ويصلي إلى أي جهة، على خلاف في وجوب الإعادة إذا قدر على السداد.
الثاني: وجوب التحري إذا عجز عن سائر الأدلة من استخبار، واجتهاد وتقليد.
стр. 2620
الثالث: جواز التحري من المقلد الذي لا يحسن الاجتهاد، ولو مع وجود المحاريب والمجتهدين. وهذا أضعفها.
• دليل من قال: لا يتحرى:
الدليل الأول:
القياس على المجتهد في الأحكام الشرعية، فكما أن المجتهد في الأحكام الشرعية بغير أدلتها المنصوبة ليس بمجتهد، فكذلك المجتهد في القبلة لا يكون مجتهدًا إلا بمعرفة الأدلة المنصوبة على الكعبة، كالنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والأنهار.
الدليل الثاني:
لا يمكن تحصيل الظن إلا إذا كان قائمًا على أمارات تحمل عليه، وإلا نسب حكمه إلا التفريط والتقصير. قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
فجعل الاهتداء للشيء له علامات يُهْتَدَى بها، وليس حديث النفس، وميل القلب المجرد.
• دليل من قال: التحري فرض عند العجز:
الدليل الأول:
(ح-٩٠٧) ما رواه ابن أبي شيبة في مسنده، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز،
عن وابصة بن معبد، قال: قال رسول الله ﷺ : يا وابصة: استَفْتِ قلبك، واستَفْتِ نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثاني:
التحري ليس دليلًا من أدلة الشرع، وإنما هو طريق من طرق الترجيح عند تساوي الأمور المتعارضة، لا يُلْجَأُ إليه إلا عند الضرورة، وهو خير من قولنا للمصلي: صَلِّ كيف ما اتفق، بل نقول له: قد تساوى الأمران عندك، سواء أكنت مجتهدًا أم مقلدًا، فَتَحَرَّ أيهما تركن إليه نفسك، فخذ به، وصَلِّ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وميل قلب المؤمن من علامات الترجيح عند الضرورة، كالاستخارة
стр. 2623
يلجأ إليها العبد إذا لم تظهر له الخيرة.
• دليل من قال: يجوز التحري من المقلد مع إمكان التقليد:
لا أعلم له دليلًا يمكن الاستدلال به، فكيف يجوز للمقلد أن يحكم قلبه، وهو يرى المحاريب منصوبة للقبلة، ويرى المجتهدين العارفين بأدلة القبلة، ويترك كل ذلك ويصلي إلى جهة تركن إليها نفسه، وتكون صلاته مع ذلك صحيحة مطلقًا حتى يتبين الخطأ، ولو قال: هي خطأ حتى يتبين الصواب لقلت ربما رأى أن الاستخبار والتقليد وسيلة، فإذا حصلت الإصابة فقد حصل المطلوب، ولعل صاحب هذا القول لو استدل لقال: إنَّ فعلَ المسلم محمول على الصحة حتى يتبين الخطأ، ولقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
والصحيح أن إمكان التقليد يمنع التحري إذا كان التحري ليس قائمًا على أصل، أو أمارات يبني عليه تحريه، وإنما مجرد تحكيم للقلب دون أمارة، والله أعلم.
* * *
стр. 2624
المبحث السادس في عمل الرجل المتحير في جهة القبلة
المدخل إلى المسألة:
• جميع الواجبات تسقط بالعجز؛ لأن القدرة شرط للتكليف.
• العجز الحسي كالعجز الشرعي.
• إذا سقط التوجه إلى القبلة للخائف والمريض العاجز عن التوجه، ولا تجب عليهم الإعادة فكذلك هنا.
• المتحير إن كان فرضه الاجتهاد، فقد بذل وسعه، ولم يظهر له شيء، وإن كان فرضه التقليد فقد بحث ولم يجد مجتهدًا، والمكلف إذا فعل ما كلف به لم تجب عليه الإعادة، وصلى بحسب حاله.
[م-٣٤٧] من وجب عليه الاجتهاد أو التقليد أو التحري فلم يهتد لشيء كان متحيرًا في القبلة، وقد اختلف الفقهاء في الواجب عليه:
فقيل: يتخير أي جهة شاء، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، ورجحه ابن عابدين منهم، وهو المعتمد عند المالكية، والأظهر من مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة على اختلاف بينهم في وجوب الإعادة.
فقال: الحنفية والمالكية والحنابلة: لا إعادة عليه خلافًا للشافعية ورواية عن أحمد (١).
стр. 2625
وقيل: إن أخطأ أعاد، اختاره ابن حامد من الحنابلة (١).
جاء في المهذب: وإن لم يجد من فرضه التقليد صلى على حسب حاله حتى لا يخلو الوقت من الصلاة، فإذا وجد من يقلده أعاد» (٢).
قال العمراني: «وإن كان قد أصاب؛ لأنه استفتح الصلاة، وهو شَاكٌّ في القبلة» (٣).
وقيل: يؤخر حتى يقدر، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، ورجحه في زاد الفقير (٤).
وقيل: يصلي أربع مرات إلى أربع جهات، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، اختاره في شرح المنية، كما اختاره اللخمي وابن مسلمة من المالكية (٥).
جاء في زاد الفقير نقلًا من تبيين الحقائق: «لو تحرى، ولم يقع تحريه على شيء، يؤخر الصلاة. وقيل: يصلي إلى أربع جهات. وقيل يتخير» اه (٦).
• دليل من قال: يتخير أي جهة شاء:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
стр. 2626
الدليل الثاني:
التكليف مقيد بالوسع، فلا يجب التوجه إلى القبلة إلا لقادر عليه، فكما يسقط التوجه إلى القبلة للخائف، والمريض العاجز عن التوجه، ولا تجب عليهم الإعادة فكذلك هنا.
• وأجيب:
بأن هناك فرقًا بين الخائف والمريض العاجز حيث تصح صلاتهما مع تحقق المخالفة للقبلة، ولا تصح صلاة ما نحن فيه مع تحقق المخالفة، فافترقا.
• ورد:
بأن العجز بسبب الاشتباه إذا علم القبلة ارتفع العجز، هذا سبب وجود الفرق، وهو لا ينفي تأثير العجز مع قيامه، فالعجز الحسي كالعجز الشرعي.
الدليل الثالث:
أن هذا المكلف إن كان فرضه الاجتهاد، فقد بذل وسعه، ولم يظهر له شيء، وإن كان فرضه التقليد فقد بحث عن مجتهد، ولم يجده، والمكلف إذا فعل ما كلف به لم تجب عليه الإعادة، وصلى على حسب حاله.
• دليل من قال: تجب الإعادة:
قالوا: إن التباس جهة القبلة عذر نادر، والعذر النادر لا يسقط الإعادة عند الشافعية.
ولأن تعلم دلائل القبلة متيسر لكل أحد، فليس هو بمنزلة دقائق المسائل التي لا يعرفها إلا العلماء، لذلك يرى أكثر العلماء أن تعلم أدلة القبلة من فروض الأعيان، فإذا لم يتعلم فقد أُتِيَ من تقصيره، فلا يسقط عنه الإعادة.
• ويناقش:
بأن أمره بالصلاة بالوقت، ثم إيجاب الإعادة قول متناقض، فإن كانت الصلاة في الوقت صحيحة، فقد سقط بها الطلب، وإن كانت غير صحيحة، فلماذا من الأصل نأمره بالأداء، وهي لا تبرأ بها الذمة؟.
وعلى التسليم بأن تعلم أدلة القبلة فرض عين، وأنه مقصر في تعلمها، فإن
стр. 2627
التقصير يكون سببًا في الإثم، ولا يستدعي ذلك أن نأمره بصلاة نعلم قبل فعلها أنها لا تجزئ عنه، وأن فعله لها لن يسقط عنه طلب فعلها، فكنا في الحقيقة قد أوجبنا عليه صلاة واحدة مرتين، والله لم يوجب على عباده في الوقت الواحد إلا صلاة واحدة. والله أعلم.
• دليل من قال: يصلي أربع مرات إلى أربع جهات:
التوجه إلى القبلة من المقاصد الشرعية في الصلاة، والاجتهاد والتقليد وسيلة لتحصيل هذا المقصد، فإذا تعذر الاجتهاد والتقليد، فلا يمكن الوصول إلى هذا المقصد إلا بالصلاة أربع مرات إلى أربع جهات؛ لنتيقن أن إحداها قد أصابت جهة القبلة.
• وأجيب:
بأن المصلي إذا صلى أربع مرات لا يدري أيها فرضه، هل هي الصلاة الأولى، أم الثانية، أم الثالثة؟ وليس له مثيل في الشرع في إيجاب إعادة عبادة واحدة أربع مرات.
ولأنه يلزم منه الصلاة ثلاث مرات إلى غير القبلة يقينًا، وهو منهي عنه، وترك المنهي عنه مقدم على فعل المأمور، ولذا يصلي بالثوب النجس إذا لزم من غسل النجاسة كشف العورة عند الأجانب، على أن المأمور به هنا ساقط؛ لأن التوجه إلى القبلة إنما يؤمر به عند القدرة عليه، فإذا عجز عن التحري استوت في حقه الجهات الأربع، فيختار واحدة منها، وتصح صلاته، وإن ظهر خطؤه فيها؛ لأنه أتى بما في وسعه، والله أعلم.
• دليل من قال: يؤخر حتى يقدر:
القياس على فاقد الطهورين، وجه القول بالقياس: أن القبلة لما كانت عند عدم الدليل عليها هي جهة التحري، ولم يقع تحريه على شيء، صار فاقدًا لشرط صحة الصلاة، فيؤخرها، كفاقد الطهورين.
• ويجاب:
بأن هذا القياس إنما يصح على قول أبي حنيفة، والفقهاء مختلفون في حكم فاقد الطهورين على أقوال كثيرة.
стр. 2628
فقيل: يؤخر حتى يقدر على الطهارة، وهو قول أبي حنيفة (١)، والثوري (٢)، وقول في مذهب مالك (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: يصلي، ويعيد إذا قدر على الماء، أو على الصعيد، وهو اختيار ابن القاسم (٥)، والمشهور في مذهب الشافعية (٦)، وقول في مذهب الحنابلة (٧).
وقيل: يصلي على حسب حاله، ولا قضاء عليه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٨).
وقيل: لا يصلي، ولا يعيد، هو رواية عن مالك (٩)، وقول بعض الظاهرية (١٠)،
стр. 2629
وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور (١).
وهذا أضعفها، ويليه في الضعف، من قال: يؤخر حتى يقدر؛ لأن العبادة لا تسقط بالعجز عن شرطها، وقد يقدر، وقد لا يقدر، والراجح أنه يصلي، ولا يعيد، وانظر أدلة الأقوال في كتابي موسوعة الطهارة (٢).
• الراجح:
أن المتحير يتخير إلى أي جهة، فيصلي، ولا إعادة عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 2630
المبحث السابع في المجتهدَيْنِ يختلفان في القبلة
المدخل إلى المسألة:
• إذا كان الاختلاف في التيامن والتياسر، والجهة واحدة فيتبع أحدهما الآخر؛ لأن الاجتهاد في القبلة هو في إصابة الجهة، لا في إصابة العين على الصحيح.
• اختلاف الجهة لا يمنع من الاقتداء إذا كان كل واحد من المخالفين في الجهة هي قبلته المأمور باتباعها شرعًا، وإن لم تكن هي القبلة في واقع الأمر.
• من صحت صلاته في نفسه صح الاقتداء به في الجملة.
• اختلاف الجهة لا يمنع من الاقتداء، كائتمام من كان حول الكعبة بمن في مقابلتهم، وقياسًا على ائتمام العاجز عن الاستقبال بالقادر على ذلك.
• المخالف يرى أن صلاة صاحبه في نفسه صحيحة، وأنه يلزمه حكم اجتهاده، ولو خالف اجتهاده بطلت صلاته، وأن قبلته غير مقطوع ببطلانها، فمثل هذا لا يمتنع من الاقتداء به، وإن اختلفا في الجهة.
• لو صلى رجل يرى الوضوء من لحوم الإبل خلف من لا يتوضأ منها صح الاقتداء على الصحيح، فكذلك هنا.
[م-٣٤٨] إذا اختلف رجلان في القبلة:
فقيل: لا يتبع أحدهما الآخر، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة اختاره الخرقي (١).