الدليل الثاني:
التكليف مقيد بالوسع، فلا يجب التوجه إلى القبلة إلا لقادر عليه، فكما يسقط التوجه إلى القبلة للخائف، والمريض العاجز عن التوجه، ولا تجب عليهم الإعادة فكذلك هنا.
• وأجيب:
بأن هناك فرقًا بين الخائف والمريض العاجز حيث تصح صلاتهما مع تحقق المخالفة للقبلة، ولا تصح صلاة ما نحن فيه مع تحقق المخالفة، فافترقا.
• ورد:
بأن العجز بسبب الاشتباه إذا علم القبلة ارتفع العجز، هذا سبب وجود الفرق، وهو لا ينفي تأثير العجز مع قيامه، فالعجز الحسي كالعجز الشرعي.
الدليل الثالث:
أن هذا المكلف إن كان فرضه الاجتهاد، فقد بذل وسعه، ولم يظهر له شيء، وإن كان فرضه التقليد فقد بحث عن مجتهد، ولم يجده، والمكلف إذا فعل ما كلف به لم تجب عليه الإعادة، وصلى على حسب حاله.
• دليل من قال: تجب الإعادة:
قالوا: إن التباس جهة القبلة عذر نادر، والعذر النادر لا يسقط الإعادة عند الشافعية.
ولأن تعلم دلائل القبلة متيسر لكل أحد، فليس هو بمنزلة دقائق المسائل التي لا يعرفها إلا العلماء، لذلك يرى أكثر العلماء أن تعلم أدلة القبلة من فروض الأعيان، فإذا لم يتعلم فقد أُتِيَ من تقصيره، فلا يسقط عنه الإعادة.
• ويناقش:
بأن أمره بالصلاة بالوقت، ثم إيجاب الإعادة قول متناقض، فإن كانت الصلاة في الوقت صحيحة، فقد سقط بها الطلب، وإن كانت غير صحيحة، فلماذا من الأصل نأمره بالأداء، وهي لا تبرأ بها الذمة؟.
وعلى التسليم بأن تعلم أدلة القبلة فرض عين، وأنه مقصر في تعلمها، فإن
стр. 2627
التقصير يكون سببًا في الإثم، ولا يستدعي ذلك أن نأمره بصلاة نعلم قبل فعلها أنها لا تجزئ عنه، وأن فعله لها لن يسقط عنه طلب فعلها، فكنا في الحقيقة قد أوجبنا عليه صلاة واحدة مرتين، والله لم يوجب على عباده في الوقت الواحد إلا صلاة واحدة. والله أعلم.
• دليل من قال: يصلي أربع مرات إلى أربع جهات:
التوجه إلى القبلة من المقاصد الشرعية في الصلاة، والاجتهاد والتقليد وسيلة لتحصيل هذا المقصد، فإذا تعذر الاجتهاد والتقليد، فلا يمكن الوصول إلى هذا المقصد إلا بالصلاة أربع مرات إلى أربع جهات؛ لنتيقن أن إحداها قد أصابت جهة القبلة.
• وأجيب:
بأن المصلي إذا صلى أربع مرات لا يدري أيها فرضه، هل هي الصلاة الأولى، أم الثانية، أم الثالثة؟ وليس له مثيل في الشرع في إيجاب إعادة عبادة واحدة أربع مرات.
ولأنه يلزم منه الصلاة ثلاث مرات إلى غير القبلة يقينًا، وهو منهي عنه، وترك المنهي عنه مقدم على فعل المأمور، ولذا يصلي بالثوب النجس إذا لزم من غسل النجاسة كشف العورة عند الأجانب، على أن المأمور به هنا ساقط؛ لأن التوجه إلى القبلة إنما يؤمر به عند القدرة عليه، فإذا عجز عن التحري استوت في حقه الجهات الأربع، فيختار واحدة منها، وتصح صلاته، وإن ظهر خطؤه فيها؛ لأنه أتى بما في وسعه، والله أعلم.
• دليل من قال: يؤخر حتى يقدر:
القياس على فاقد الطهورين، وجه القول بالقياس: أن القبلة لما كانت عند عدم الدليل عليها هي جهة التحري، ولم يقع تحريه على شيء، صار فاقدًا لشرط صحة الصلاة، فيؤخرها، كفاقد الطهورين.
• ويجاب:
بأن هذا القياس إنما يصح على قول أبي حنيفة، والفقهاء مختلفون في حكم فاقد الطهورين على أقوال كثيرة.
стр. 2628
فقيل: يؤخر حتى يقدر على الطهارة، وهو قول أبي حنيفة (١)، والثوري (٢)، وقول في مذهب مالك (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: يصلي، ويعيد إذا قدر على الماء، أو على الصعيد، وهو اختيار ابن القاسم (٥)، والمشهور في مذهب الشافعية (٦)، وقول في مذهب الحنابلة (٧).
وقيل: يصلي على حسب حاله، ولا قضاء عليه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٨).
وقيل: لا يصلي، ولا يعيد، هو رواية عن مالك (٩)، وقول بعض الظاهرية (١٠)،
стр. 2629
وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور (١).
وهذا أضعفها، ويليه في الضعف، من قال: يؤخر حتى يقدر؛ لأن العبادة لا تسقط بالعجز عن شرطها، وقد يقدر، وقد لا يقدر، والراجح أنه يصلي، ولا يعيد، وانظر أدلة الأقوال في كتابي موسوعة الطهارة (٢).
• الراجح:
أن المتحير يتخير إلى أي جهة، فيصلي، ولا إعادة عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 2630
المبحث السابع في المجتهدَيْنِ يختلفان في القبلة
المدخل إلى المسألة:
• إذا كان الاختلاف في التيامن والتياسر، والجهة واحدة فيتبع أحدهما الآخر؛ لأن الاجتهاد في القبلة هو في إصابة الجهة، لا في إصابة العين على الصحيح.
• اختلاف الجهة لا يمنع من الاقتداء إذا كان كل واحد من المخالفين في الجهة هي قبلته المأمور باتباعها شرعًا، وإن لم تكن هي القبلة في واقع الأمر.
• من صحت صلاته في نفسه صح الاقتداء به في الجملة.
• اختلاف الجهة لا يمنع من الاقتداء، كائتمام من كان حول الكعبة بمن في مقابلتهم، وقياسًا على ائتمام العاجز عن الاستقبال بالقادر على ذلك.
• المخالف يرى أن صلاة صاحبه في نفسه صحيحة، وأنه يلزمه حكم اجتهاده، ولو خالف اجتهاده بطلت صلاته، وأن قبلته غير مقطوع ببطلانها، فمثل هذا لا يمتنع من الاقتداء به، وإن اختلفا في الجهة.
• لو صلى رجل يرى الوضوء من لحوم الإبل خلف من لا يتوضأ منها صح الاقتداء على الصحيح، فكذلك هنا.
[م-٣٤٨] إذا اختلف رجلان في القبلة:
فقيل: لا يتبع أحدهما الآخر، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة اختاره الخرقي (١).
стр. 2631
وقيل: يصح ائتمام أحدهما بالآخر، وهو قول أبي ثور من الشافعية (١).
قال ابن قدامة: «قياس المذهب جواز ذلك … لأن كل واحد منهما يعتقد صحة صلاة الآخر» (٢).
وقيل: يصح الائتمام مع الكراهة، وهو منسوب إلى بعض المالكية.
قال ابن راشد المالكي: «رأيت في بعض كتب المالكية جواز الائتمام مع كراهة، فيصلي كل واحد إلى الجهة التي أداه إليها اجتهاده» (٣).
стр. 2632
وقيل: إن كان اختلافهما في التيامن والتياسر والجهة واحدة فتصح، وإن كان اختلافهما إلى جهات مختلفة لم تصح، وهو وجه عند الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة (١).
جاء في فتح العزيز: «ولو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر، والجهة واحدة، فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك، فهو كالاختلاف في الجهة، فلا يقتدى أحدهما بالآخر، وإلا فلا بأس» (٢).
فتلخص في المسألة أربعة أقوال:
- المنع مطلقًا، وهو قول الأكثر.
- الصحة مطلقًا.
- الكراهة.
- التفريق بين الاختلاف اليسير في الجهة الواحدة، وبين الاختلاف في جهات مختلفة.
قال ابن العربي في مثل هذه المسألة: «وهذه مسألة عظيمة الموقع، مستمدة من بحر تصويب المجتهدين، وتخطئتهم» (٣).
وقال القرافي: «لا يجري القول بأن كل مجتهد مصيب في القبلة؛ لتعارض أدلة الأحكام دون أدلة القبلة، فلا يقع الخلاف فيها بين عالِمَيْنِ، لكن بين عالم وجاهل» (٤).
стр. 2633
فإذا وقفت على أقوال السادة الفقهاء، فتعال معي نَدلِفْ إلى الحجج.
• حجة من قال: لا يؤم أحدهما الآخر:
قالوا: لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ صاحبه، فلم يَجُزْ أن يَأْتَمَّ به، كما لو خرجت من أحدهما ريح، واعتقد كل واحد منهما أنها من صاحبه، فإن لكل واحد منهما أن يصلي؛ لاعتقاده صحة صلاته، وليس له أن يأتم بصاحبه لاعتقاده بطلان صلاة صاحبه.
• ويناقش:
بأن هناك فرقًا؛ فإن صلاة المحدث باطلة بالاتفاق، والمخالف في القبلة غير مقطوع ببطلان قبلته، فافترقا.
• وجه من قال: يصح ائتمام أحدهما بالآخر:
ولأن ما يعتقده المأموم أنه خطأ من الإمام لا يمنع صحة صلاة الإمام، لا ظاهرًا ولا باطنًا؛ ولو تبين الخطأ للإمام لا يطالب بالإعادة؛ لأنه بني على اجتهاد، وهذا هو فرضه، بخلاف ما لو اعتقد المأموم أن الإمام محدث.
وإذا كان المخالف يرى أن صلاة صاحبه في نفسه صحيحة، وأنه يلزمه حكم اجتهاده، ولا يجوز له مخالفة اجتهاده، وأن قبلته غير مقطوع ببطلانها، فكيف يمتنع الاقتداء؟
ولأن اختلاف الجهة لا يمنع من الاقتداء، إذا كان كل واحد من المخالفين في الجهة هي قبلته المأمور باتباعها شرعًا، وإن لم تكن هي القبلة في واقع الأمر، فالعبرة في قبلة الاجتهاد هي القبلة الشرعية، لا الحقيقية، كدخول رمضان إذا حال معه غيم أو قتر، فإننا نكمل عدة شعبان، وإن كان فيه احتمال أن يكون الشهر قد دخل.
وقياسًا على ائتمام من كان حول الكعبة بمن في مقابلتهم وإن اختلفت جهاتهم، والفرق أن من في الكعبة تطابقت القبلة الشرعية مع واقع الأمر، بخلاف من يصلي باجتهاد، فإن القبلة في حقه هي القبلة الشرعية، حيث لا يكلف الإصابة، وقد صحح الشافعية صحة اقتداء العاجز عن استقبال القبلة بالقادر عليها وإن اختلفت جهتاهما، فإذا كان الاختلاف في الجهة بسبب العجز الحسي لا يمنع من الاقتداء، فكذا لا يمنع الاختلاف في الجهة بسبب الحكم الشرعي، ومثله لو
стр. 2634
تنفل مسافر راكبًا، ووجهه إلى المشرق، واقتدى به راكبٌ مُلْصِقًا ظهره بظهره صح الاقتداء مع اختلاف وجهيهما (١).
• ونوقش هذا:
بأن بطلان الصلاة لا يرجع إلى اختلافهما في الجهة، بل يرجع إلى اعتقاد كل واحد منهما ببطلان صلاة صاحبه؛ لعدوله عن قبلته، وأن الصواب لا يتعدد في مسائل الاجتهاد، فليس كل مجتهد مصيبًا، بخلاف الصفوف حول الكعبة فإن جميعهم على قبلة واحدة، لا يعتقد بعضهم فساد صلاة بعض، ومثله اقتداء العاجز بالمقتدر كل منهما لا يعتقد خطأ الآخر في القبلة، وقد أفتى بعض المالكية بأنه لو اشتبهت أواني طاهرة بغيرها على رجلين فأكثر، وكان الطاهر منها أكثر من واحد جاز أن يأتم أحدهما بصاحبه؛ إذ لا يجزم بخطأ إمامه هذا (٢).
• ورد هذا:
بأن اختلاف المجتهَديْنِ في القبلة، وإن اختلفا، فإن أحدهما لا يجزم بخطأ صاحبه، وإذا لم يقطع ببطلان صلاة صاحبه لم يمنع ذلك من الاقتداء، فقد عاب ابن مسعود على عثمان الإتمام بمنى، واسترجع لفعله؛ لمخالفته السنة، ومخالفته فعل أبي بكر وعمر، وصدرًا من خلافة عثمان ﵃ أجمعين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى خلفه أربعًا، فقيل له في ذلك، فقال: الخلاف شر (٣).
• وجه من قال: يصح الائتمام إن كان الخلاف في جهة واحدة:
بأن الانحراف اليسير في الجهة لا يؤثر، لحديث أبي أيوب الأنصاري المتفق عليه: ولكن شرقوا أو غربوا.
ولقول عمر ﵁: ما بين المشرق والمغرب قبلة، وسبق تخريجه (١).
стр. 2640
• وجه من قال: يصح الائتمام مع الكراهة:
لعل منزع الكراهة عند بعض المالكية وجود الخلاف.
فإن كانت الكراهة من أجل هذا، فهو قول ضعيف؛ لأن الكراهة حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي، وليس الخلاف بذاته دليلًا يُبْنَى عليه حكم شرعي.
ولأن قيام الجماعة مطلوب شرعًا، فإذا لم يكن هناك دليل على البطلان صار الاقتداء مطلوبًا؛ حرصًا على إقامة الجماعة، وكراهة الاقتداء لا تعدل مصلحة قيام الجماعة، والله أعلم.
• الراجح:
صحة الاقتداء وإن اختلفت الجهة، ما دام أن كلًّا من الإمام والمأموم قد اتبع الشرع في توجهه إلى ما يراه قبلة في حقه، والله أعلم.
* * *
стр. 2641
المبحث الثامن موقف المقلد من اختلاف المجتهدين
المدخل إلى المسألة:
• إذا اختلف المجتهدان في القبلة فالأقرب أن العامِّيَّ يتخير بينهما؛ لأنه لا يملك القدرة على الترجيح بينهما؛ فالترجيح فرع المعرفة، ولا معرفة لديه، ولا يمكنه معرفة الأوثق لأن ذلك يتطلب اجتهادًا لا يحسنه.
• إذا أمكن معرفة الأوثق باستفاضة أو غيرها، كان تقليده أولى، ولا يجب؛ لأنه لا يمكن الجزم بأن الأوثق هو الأصوب.
[م-٣٤٩] إذا اختلف على المقلد اجتهاد مجتهِدَيْنِ في موضع القبلة.
إن استويا في كل شيء، تخير المقلد في تقليد من شاء منهما؛ لعدم المرجح (١).
قال المرداوي: «ذكره القاضي في أصوله المختلفة بما يقتضي أنه محل وفاق» (٢).
وقيل: يخير إن كان اختلافهما في جهة واحدة، نص عليه الحنابلة (٣).
وقيل: يصلي مرتين، وهو قول في مذهب الشافعية (٤).
وسيأتي ذكر دليلهم ومناقشته إن شاء الله تعالى.
وإن تفاوتا:
فقيل: يتخير، والأولى تقليد الأوثق، والأعلم، وهذا مذهب الشافعية (٥).
стр. 2642
وقيل: يخير مطلقًا، وهو قول آخر في مذهب الحنابلة (١).
وقال في تصحيح الفروع: «اختاره القاضي، وأبو الخطاب، والشيخ الموفق في الروضة، نقله عنه المصنف في أصوله، ولم أره فيها، وقطع به المجد في موضع من المسودة. قال أبو الخطاب: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وقدمه المصنف في أصوله» (٢).
قال الزركشي في شرح الخرقي: «خرج بعض الأصحاب رواية بتقليد أيهما شاء بناء على تخيير العامي بين أحد المجتهِدَيْنِ» (٣).
ولأن العامي لا يملك القدرة على الترجيح بين المجتهدين؛ لأن الترجيح فرع المعرفة، ولا معرفة لديه.
• وأجيب:
بأن الترجيح ممكن من العامي؛ لأن أمارة القبلة حسية فإدراك الأصوب من العامي ممكن بخلاف الفتوى فإن أمارتها معنوية فلا يظهر للعامي التفاوت بين المجتهدين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن للعامي معرفة الأوثق بالاستفاضة من الناس، وبشهادة أهل الشأن، واعترافهم بعلمه وتسليمهم له بالحذق.
وقيل: يجب تقليد الأوثق في نفسه، وهو وجه في مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (٤).
ولا يلزم العامي عند الحنابلة تقليد الأعلم في الأحكام، قال الزركشي في شرح
стр. 2643
الخرقي: «وفرق أبو البركات بأن لزوم تقليد الأعلم يفضي إلى كلفة ومشقة» (١).
جاء في شرح منتهى الإرادات: «(ويتبع وجوبًا جَاهِلٌ) بأدلة القبلة عَاجِزٌ عن تعلمها الأوثَقَ عنده .... لأنه أقرب إصابة في نظره (ولا مشقة) عليه في متابعته، بخلاف تقليد العامِّيِّ الأعلمَ في الأحكام فإن فيه حرجًا وتضييقًا» (٢).
وإذا كان الترجيح هو في الأوثق في نفسه، أي ما يظنه في نفسه، والظن طريق للترجيح إذا تعذر اليقين.
وظاهر كلامهم أن ذلك، ولو كان من غير استناد إلى أمارة، لأنه جعل الحكم لنفسه، لا لأمارات ظهرت له، حتى ولم يكن هو الأوثق في واقع الأمر، ولأن الترجيح إذا كان مبنيًّا على أمارة كان هذا اجتهادًا، وهو لا يحسنه،؛ فكان المقصود بالأوثق في نفسه: أنه نوع من التحري واستفتاء القلب، وهو مقدور لكل أحد، كما يتحرى عند الشك في عدد ركعات الصلاة، وأشواط الطواف وعدد رمي الجمار، فكذلك يتحرى الأوثق من المجتهدين في نفسه، وكما قالوا في المقلد في القبلة إذا لم يجد من يقلده تحرى، فجعلوا التقليد مقدمًا على التحري، فإذا كان حقيقة التقليد: هو تقلد قول المجتهد بلا حجة، فكذلك التحري الذي هو دون التقليد، لا يكون مبنيًّا على أمارة، وإلا لكان فوق التقليد.
•ويشكل على قول الحنابلة أمران:
أحدهما: أنه لو قلد المفضول، فإن صلاته لا تصح؛ لأنه يجب عليه أن يتحرى الأوثق في نفسه.
قال التنوخي في الممتع: «والمراد بأوثقهما في نفسه: أعلمهما عنده، وأصدقهما قولًا، وأشدهما تحريًا لدينه، فعلى هذا لو قلد المفضول لم يصح، وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ترك ما يغلب على ظنه أن الصواب فيه» (٣).
ولو قالوا بأن تقليد الأوثق من باب الأولوية كالشافعية لكان ذلك واسعًا، أما
стр. 2644
الجزم بأن الأوثق هو الأصوب فبعيد، فقد أحاط الهدهد بما لم يحط به سليمان، وترك النبي ﷺ -اجتهاده في منزل اختاره في الحرب لرأي أحد أصحابه.
الثاني: لو كان العامي مكلفًا باتباع الأوثق لوجدت محفوظًا عن السلف الإنكار على العامي إذا ترك النظر في أحوال العلماء عند الفتيا في الأحكام وفي القبلة، ولم ينقل أن أحدًا أنكر على العوام في كل عصر ترك النظر في أحوال العلماء، فمن تأهل للفتيا كان أهلًا للأخذ عنه، ولو وجد من يعارضه بالفتوى من هو أقوى منه.
ورجح ابن القيم في أعلام الموقعين فيما إذا اختلف على المقلد مفتيان أنه يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه (١).
ويمكن أن يعتبر هذا قولًا آخر غير قول الحنابلة؛ لأن التحري هنا غير التحري عند الحنابلة، فالتحري عند الحنابلة يعود إلى ذات المجتهد، بأن يختار الأوثق، في ظنه.
واختيار ابن القيم يتوجه فيه التحري إلى اختيار الأصوب، بغض النظر عن حال المجتهد، وهذا عسر جدًّا أن يطلب من العامي بأن ينظر في الأصوب من الأقوال في الأحكام، وأنت ترى أن مثل هذا قد لا يحسنه بعض طلبة العلم فما بالك بالعامِّيِّ.
وقيل: يصلي مرتين، حكاه بعض الشافعية (٢).
وهذا القول مبني على أن القبلة لا تخرج عن اجتهاد الرجلين، وحتى يصيب القبلة بيقين، يحتاج إلى أن يصلي مرتين، إلى قبلتين مختلفتين، وإذا كان المنزع هو إصابة القبلة بيقين، فإنه يلزمه أن يصلي إلى الجهات كلها؛ لأن اجتهاد الرجلين إنما هو ظن، وليس بيقين، فقد تكون القبلة في غير ما قاله المجتهدان.
وعلى التسليم فإن إحدى الصلاتين ليست إلى القبلة بيقين، فكيف يؤمر بها،
стр. 2645
والمصلي لا يدري أي الصلاتين فرضه، ووجوب الفرض الواحد مرتين مخالف للشرع، فإن الله لم يوجب على العبد الفرض مرتين، وأن الخطأ في القبلة لا يؤدي إلى بطلان الصلاة، فلو صلى ثم تبين له أنه أخطأ بعد الصلاة، لم تبطل صلاته في الأصح.
وقيل: يتساقطان، ويُطْلَبُ مرجِّحٌ خارجٌ عنهما. ساقه الطوفي وغيره احتمالًا، ونقله صاحب تصحيح الفروع (١).
•وجهه:
أن المجتهدين إذا اختلفا فقولهما عند المقلد بمنزلة الدليلين إذا تعارضا، فيجب طلب الدلالة من غيرهما.
الراجح من الخلاف:
القول بالتخيير أقرب الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 2646
المبحث التاسع تجديد الاجتهاد لكل صلاة
المدخل إلى المسألة:
• تجديد الاجتهاد لا يجب إلا بدليل من الشرع، ولم يقم دليل من الشرع يوجب على المجتهد تجديد اجتهاده، والأصل عدم الوجوب.
• الأصل بقاء ما كان على ما كان، واستصحاب الظن الأول حتى يوجد ما يدعو إلى تغير الاجتهاد من ظهور دلائل تجعل المجتهد يشك في صحة اجتهاده الأول.
• إعادة الاجتهاد ليس مظنة للإصابة، فكم من مُفْتٍ أعاد الاجتهاد فانتقل من القول الأقوى إلى الأضعف.
[م-٣٥٠] المجتهد لا يخلو إما أن يتجدد له ما يقتضي الرجوع، أو لا:
فإن ظهر له ما يوجب تغير اجتهاده لم يجز له البقاء على الاجتهاد الأول، بل يجب عليه أن يجتهد ثانيًا بغير نزاع، ولا يجب عليه نقض الاجتهاد الأول كالمفتي، وهذا بَيِّنٌ لا إشكال فيه (١).
أما إذا لم يظهر له ما يوجب تغير اجتهاده، فاختلفوا في وجوب إعادة الاجتهاد عليه، كاختلافهم في المجتهد تقع له حادثة، فيجتهد فيها، ثم تقع له ثانية، هل يجب عليه إعادة الاجتهاد؟ (٢).
стр. 2647
والمسألة فيها أقوال:
القول الأول:
يجب عليه الاجتهاد لكل صلاة. وظاهره: لا فرق بين الفرض والنفل، ولا كونه ذاكرًا للدليل الأول أو ناسيًا له. وبه قال ابن الحاجب، وابن شاس من المالكية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
قال في المستوعب: «وعلى من فرضه الاجتهاد أن يجتهد لكل صلاة، فإن اتفق اجتهاده عمل عليه، وإن اختلف عمل بالثاني، ولا يعيد ما صلى بالاجتهاد الأول» (٢).
• حجة هذا القول:
الدليل الأول:
(ح-٩٠٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن
стр. 2648
محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس، مولى عمرو بن العاص،
عن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله ﷺ -يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر (١).
وجه الاستدلال:
قضى الحديث أن الحاكم يجتهد، فيصيب ويخطئ، فإذا اجتهد، فأفتى، أو حكم في جزئية معينة، لا يكون حكمه حكمًا كليًّا لما يحدث في المستقبل مما يماثلها؛ بل هو حكم جزئي، تعلق بتلك الحادثة عينًا وزمنًا، فإذا تجدد مماثل استأنف الاجتهاد؛ لإمكان أن يظهر له ثانيًا خلاف ما ظهر له أولًا، ولأن احتمال الخطأ في ذلك الاجتهاد كاحتمال الصواب، فتجديده نافع: فإما يؤكد حكمه الأول، فيزداد طمأنينة، أو يخالفه، فيتركه لما هو أقوى منه (٢).
الدليل الثاني:
وعلل الحنابلة: بأنها واقعة متجددة فتستدعي طلبًا جديدًا، كطلب الماء في التيمم (٣).
• ويناقش:
بأن القول بأن الواقعة الجديدة تستدعي طلبًا جديدًا، هي دعوى في محل النزاع، فلا دليل على الوجوب.
وكون الحكم مظنونًا، واحتمال الخطأ في الاجتهاد، لا يكفي لإعادة الاجتهاد، ذلك أن الاجتهاد الثاني لن يدفع احتمال وجود الخطأ، ولن يخرج عن دائرة الظن، فنخرج من ظن إلى ظن، وكم من مفتٍ أعاد الاجتهاد، فانتقل من القول الأقوى إلى الأضعف، فليست الإعادة مظنة الإصابة.
والقياس على طلب التيمم غير مسلم، فلا دليل على وجوب تجديد طلب الماء في التيمم بتجدد الصلاة، وقد ناقشت ذلك في كتابي موسوعة الطهارة، فانظره هناك.
стр. 2649
القول الثاني:
قالوا: لا يجب تجديد الاجتهاد، وهو قول في مقابل الأصح عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
إلا أن الشافعية اشترطوا ألا يفارق موضعه، فإن فارق موضعه وجبت إعادته قطعًا (٢).
• حجة هذا القول:
الدليل الأول:
تجديد الاجتهاد لا يجب إلا بدليل من الشرع، ولم يقم دليل من الشرع يوجب على المجتهد تجديد اجتهاده، والأصل عدم الوجوب.
الدليل الثاني:
الأصل بقاء ما كان على ما كان، واستصحاب الظن الأول؛ لأن الأصل عدم رجحان غيره عليه حتى يوجد ما يدعو إلى تغير الاجتهاد من ظهور دلائل تجعل المجتهد يشك في صحة اجتهاده الأول.
القول الثالث:
قال الشافعية: يجب الاجتهاد لكل صلاة مفروضة أداء أو قضاء، أو معادة، ولو منذورة دون النافلة في أصح الوجهين عندهم، بشرط ألا يكون ذاكرًا لدليل الأولى، فإن كان ذاكرًا لدليلها لا يجب عليه الاجتهاد قطعًا (٣).
وبه قال ابن هارون المالكي «إلا أنه لم يفرق بين الفرض والنفل» (٤).
ومعنى تذكر الدليل الأول: أن لا ينسى ما استند إليه في الاجتهاد الأول،
стр. 2650
كالشمس أو القطب. وقيل ألا ينسى الجهة التي صلى إليها أولا (١).
وقد يقال: إن هذا القول يرجع إلى القول بعدم تكرار الاجتهاد؛ لأن الباعث على إعادة الاجتهاد ليس تجدد الحادثة، وإنما هو نسيان مستند الحادثة الأولى، فصار الحكم الثاني وكأنه خَلْوٌ من المستند، لهذا طلب منه إعادة الاجتهاد، لا لذاته، وإنما لربط الحكم بدليله.
• حجة الشافعية على وجوب استئناف الاجتهاد:
قال الشافعية: إن تجديد الاجتهاد فيه فائدة: فهو إما أن يوافق الأول فيقوى الظن، أو يخالفه، ولا يكون إلا عن أمارة أقوى من الأول، فالأقوى أقرب إلى اليقين، أو يوجب التَّحَرِّي، وهو أيضا مفيد لدلالته على خلل الأول (٢).
وهذا التعليل يقضي أن يعيد الاجتهاد، ولو كان ذاكرًا لمستند الاجتهاد الأول؛ لأن هذه المصالح ليست مرتبطة بنسيان مستند الاجتهاد الأول، فليتأمل.
وأما وجه التفريق بين الفرض والنفل عندهم:
بأن النفل أوسع من الفرض، ولهذا لا يجب فيه القيام، ولا الاستقبال في السفر، ولا تكرير التيمم، ولا تبييت النية، ولا يلزم بالشروع على الصحيح (٣).
القول الرابع:
قال المالكية: إن كان الوقتان تختلف فيهما الأدلة اجتهد ثانية، وإلا فلا (٤).
قال خليل: وهو أظهر مما قاله ابن شاس وابن الحاجب (٥).
وفسر الخرشي قوله: (إن كان الوقتان تختلف فيهما الأدلة)، قال: «بأن كان في كل وقت بمحل، وإلا فلا» (٦).
قال العدوي في الحاشية: «بمحل: أي متباعد، لا إن كان قريبًا، فلا يلزم منه
стр. 2651
اختلاف الأدلة» (١).
فرجع قول المالكية إلى أحد قولي الشافعية المتقدم ذكره.
جاء في شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين: «خص بعضهم الخلاف بما إذا لم يفارق موضعه، كما في طلب الماء في التيمم، حتى إذا فارقه يجب التجديد جزمًا» (٢).
فظهر أن إعادة الاجتهاد كان بسبب تغير المكان، ومن المعلوم أن تغير المكان قد يكون سببًا لتغير القبلة، لا سيما إذا بَعُدَ عن المكان الأول، فلم يكن سبب إعادة الاجتهاد ترجع إلى الاجتهاد نفسه، كما هو مذهب الشافعية والحنابلة حيث يطلبون إعادة الاجتهاد، ولو كان في موضع واحد.
وبناء عليه أرى أن مذهب المالكية يرجع إلى القول بأنه لا يجب عليه تجديد الاجتهاد؛ لأنهم علقوا القول بإعادة الاجتهاد بأن كان في محل بعيد عن المحل الذي اجتهد فيه في المرة السابقة، وكان هذا المحل يوجب تغير أدلة القبلة.
فصارت الأقوال في المسألة ترجع في الحقيقة إلى ثلاثة أقوال:
- يعيد الاجتهاد مطلقًا.
- ولا يعيده مطلقًا.
- يعيده في الصلاة الواجبة دون النافلة، بشرط أن يكون ناسيًا مستند اجتهاده الأول.
وأما القول بأنه يعيد إن تغير المكان، وأوجب ذلك تغير أدلة القبلة، فهذا محسوب على القول بأنه لا يجدد الاجتهاد، كما قد علمت، والله أعلم.
• الراجح:
أنه لا يجب عليه تجديد الاجتهاد إلا أن يتجدد له ما يوجب إعادة النظر في اجتهاده الأول، والله أعلم.
* * *
стр. 2652
الشرط الثامن في اشتراط الطهارة للصلاة
الفصل الأول في الطهارة من الحدث
المبحث الأول في اشتراط الطهارة من الحدث للصلوات المكتوبة
المدخل إلى المسألة:
• شروط العبادة صفات فيها، متلقاة من الشارع، ومبناها على التوقيف.
• لا تصح صلاة بغير طهور، إما بالماء أو بالتيمم بشرطه.
•قال ﷺ لا تقبل صلاة بغير طهور، فنفي القبول عن العبادة إذا لم يقترن بمعصية دليل على كون الطهور شرطًا فيها.
• قال ﷺ : لا تقبل صلاة بغير طهور، فقوله: (صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة.
[م-٣٥١] اتفق المسلمون على أن الطهارة من الحدث شرط للصلوات فرضها ونفلها.
والأصلُ في وجوب هذا، الكتابُ، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
وأما وجوب ذلك من السنة:
(ح-٩٠٩) فقد روى الشيخان من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا
стр. 2653
أحدث حتى يتوضأ (١).
(ح-٩١٠) روى مسلم من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال:
ألا تدعو الله لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (١).
وأما الإجماع: فقال النووي: «الطهارة شرط في صحة الصلاة، هذا مجمع عليه، ولا تصح صلاة بغير طهور، إما بالماء أو بالتيمم بشرطه» (٢).
وقال أيضًا: «أجمعت الأمة على أن من صَلَّى محدثًا مع إمكان الوضوء فصلاته باطلة، وتجب إعادتها بالإجماع، سواء أتعمد ذلك أم نسيه أم جهله» (٣).
وقال في مغني المحتاج: ويحرم بالحدث حيث لا عذر: الصلاة بأنواعها بالإجماع (٤).
وقال العراقي في شرحه لحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، قال: «استدل به العلماء على اشتراط الطهارة في صحة الصلاة، وهو مجمع عليه، حكى الإجماع في ذلك جماعة من الأئمة» (٥).
وهذه المسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، فلا أطيل فيها، ولهذا قال ابن رشد في المقدمات: «وهذا معلوم من دين الأمة، وإجماع المسلمين، فلا معنى لإيراد النصوص فيه» (٦).
* * *
стр. 2654
المبحث الثاني في اشتراط الطهارة لصلاة الجنازة
المدخل إلى المسألة:
• كل صلاة تحريمها التكبير، وتحليها التسليم، فمفتاحها الطهور.
• كلام الشارع محمول على الحقيقة الشرعية إلا بقرينة، ومنه إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة.
• قال تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فالصلاة اسم جنس محلى ب (أل) فيفيد العموم، فيدخل فيه كل صلاة، فمن خص منه صلاة الجنازة فعليه الدليل.
• قال ﷺ : لا تقبل صلاة بغير طهور، فقوله: (صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة.
• لا خلاف أنه لا يصلى على الجنازة إلا إلى القبلة، ولو كانت دعاء لجازت إلى غير القبلة.
[م-٣٥٢] اختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة لصحة صلاة الجنازة:
فقيل: الطهارة شرط، وهو قول كافة الفقهاء (١).
وقال محمد بن جرير والشعبي وداود الظاهري: لا تشترط (٢).
قال النووي: «وهذا مذهب باطل، وأجمع العلماء على خلافه» (٣).
стр. 2655
ووصفه ابن عبد البر وابن بطال وابن رشد بأنه قول شاذ (١).
• وسبب الخلاف:
أن الصلاة المعهودة: هي ما كانت مشتملة على قيام، وركوع، وسجود، وجلوس، وقراءة، فهذه يتفقون على أنها صلاة شرعية.
ومطلق الدعاء، يتفقون على أنه ليس صلاة شرعية، وإطلاق الصلاة عليه من إطلاق الحقيقة اللغوية.
ويختلفون في حقيقة إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة، أيكون ذلك من إطلاق الحقيقة الشرعية، أم يراد منه حقيقته اللغوية؟
فمن رأى أن صلاة الجنازة، ليس فيها ركوع، ولا سجود، ولا جلوس، ولا تشهد، وأن المقصود منها الدعاء، رأى أن إطلاق الصلاة عليها حقيقة لغوية، فلم يشترط لها الطهارة.
ومن رأى أن صلاة الجنازة تشرع لها القبلة، وقراءة الفاتحة على الصحيح، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، رأى أن إطلاق الصلاة عليها من إطلاق الحقيقة الشرعية، فاشترط لها الطهارة من الحدث مع القدرة عليها.
• دليل الجمهور على اشتراط الطهارة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فالصلاة اسم جنس محلى ب (أل) فيفيد العموم في جنس الصلاة، كما هو مقرر في الأصول، فيدخل في الصلاة كل صلاة، فمن خص صلاة الجنازة من هذا النص فعليه الدليل.
стр. 2656
الدليل الثاني:
(ح-٩١١) ما رواه الشيخان من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه،
أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ (١).
(ح-٩١٢) وروى مسلم من طريق سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد،
قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (٢).
وجه الاستدلال:
قوله في الحديثين: (لا تقبل صلاة) ف (صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة، فكل صلاة لا تقبل بغير طهور، ولا من محدث حتى يتطهر.
الدليل الثالث:
(ث-٢٣٣) روى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر (٣).
[صحيح].
الدليل الرابع:
أن صفة صلاة الجنازة تجعل من إطلاق الصلاة عليها صلاة شرعية، وليست مجرد دعاء، فصلاة الجنازة، لها إمام، ومأموم، وصفوف (٤)، وتبدأ بالتكبير،
стр. 2657
وتنتهي بالتسليم (١)، ويقرأ فيها بالفاتحة على الصحيح (٢)، ولا يتكلم فيها، وكل هذه الصفات من خصائص الصلاة الشرعية.
وإذا أطلق الشارع عليها صلاة فألفاظ الشارع محمولة على الحقيقة الشرعية إلا بقرينة.
قال البخاري في صحيحه: قال النبي ﷺ : (من صلى على الجنازة) (٣)، وقال: (صلوا على صاحبكم) (٤)، وقال: (صلوا على النجاشي) (٥)، فسماها صلاة … ولا يتكلم فيها، وفيها تكبير، وتسليم … ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها .... وإذا انتهى إلى الجنازة، وهم يصلون يدخل معهم بالتكبيرة … وفيها صفوف وإمام (٦).
وقال ابن بطال: «وأجمعوا أنها لا تصلى إلا إلى القبلة، ولو كانت دعاءً كما زعم الشعبي لجازت إلى غير القبلة» (٧).
стр. 2658
وقال ابن القطان الفاسي: ولا خلاف أنه لا يصلى على الجنازة إلا إلى القبلة» (١).
ولا خلاف بين العلماء في مشروعية السلام من صلاة الجنازة، وإنما اختلفوا أيكفي تسليم واحد أم أكثر؟ (٢).
الدليل الخامس:
(ح-٩١٣) ما رواه أحمد من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية،
عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ -مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (٣).
[حسن، وابن عقيل مختلف فيه، والأكثر على ضعفه، وهذا الحديث من أحاديثه المقبولة، حيث يشهد له عمومات أخر، كحديث لا تقبل صلاة بغير طهور ونحوها، ويتقى من حديثه ما ينفرد به مما لا يوجد ما يعضده] (٤).
وجه الاستدلال:
أن كل صلاة يكون تحريمها التكبير، وتحليها التسليم، فمفتاحها الطهور، ومن ذلك صلاة الجنازة.
الدليل السادس:
حكى بعضهم الإجماع على وجوب الطهارة لصلاة الجنازة، ولم يمنعه خلاف الشعبي والطبري من حكاية الإجماع.
فقال النووي: «وهذا مذهب باطل -يعني مذهب الشعبي- وأجمع العلماء على خلافه» (٥).
ونقل الحطاب عن النووي قوله: «أجمعت الأمة على حرمة الصلاة، وسجود التلاوة والشكر، وصلاة الجنازة بغير طهارة، وما حكي عن الشعبي والطبري من
стр. 2659
تجويز الجنازة من غير طهارة باطل، والله تعالى أعلم» (١).
وتسوية النووي بين الخلاف في صلاة الجنازة والخلاف في سجدة التلاوة والشكر فيه نظر، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة.
وقال ابن عبد البر: «لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر، وهو إجماع العلماء، والسلف الخلف إلا الشعبي، فإنه أجاز الصلاة عليها على غير وضوء، فشذ عن الجميع، ولم يقل بقوله أحد من أئمة الفتوى بالأمصار، ولا من حملة الآثار» (٢).
وقال ابن القطان في الإقناع في مسائل الإجماع: «ولا يصلي أحد على جنازة إلا وهو طاهر، وهذا إجماع من السلف والخلف، إلا الشعبي، فإنه أجاز ذلك بغير وضوء فشذ؛ لأنه استغفار» (٣).
فلم يمنع العلماء خلاف الشعبي والطبري من حكاية الإجماع، وكأن هؤلاء العلماء لا يرون الخلاف الشاذ خارقًا للإجماع، والله أعلم.
• حجة من قال: لا تشترط الطهارة لصلاة الجنازة:
الحجة الأولى:
أن المقصود من الصلاة الدعاء، والطهارة ليست شرطًا فيه.
• وأجيب
بأن النبي ﷺ سماها صلاة، فقال: (صلوا على صاحبكم)، وألفاظ الشارع محمولة على الحقيقة الشرعية، ولو كان الغرض منها الدعاء ما أخرج النبي ﷺ أصحابه إلى المصلى حين دعاهم للصلاة على النجاشي، لأن الدعاء لا يرتبط بمكان (٤).
وكون الدعاء هو الغاية من الصلاة، لا يمنع أن يشترط لها صلاة مخصوصة، كالاستسقاء.
стр. 2660
الحجة الثانية:
أن صلاة الجنازة قيام مجرد، وحقيقة الصلاة ما كانت مشتملة على ركوع وجلوس وسجود.
• ويناقش:
بأن الصلاة جنس، يدخل تحتها أفراد كثيرة، وبعضها قد يختلف في الصفة عن بعض، واختلافها لا يمنع من إطلاق الصلاة عليها، فصلاة الكسوف لها ركوعان، وصلاة العيد لها تكبيرات متتالية بافتتاح كل ركعة، وكذا صلاة الجنازة وإن اختلفت صفتها فهي من جنس الصلاة، والاقتصار على القيام في صلاة الجنازة من أسرار التشريع وحكمه، وقد لا يحيط العقل القاصر بكل أسراره، ولعل من أسباب ذلك أن المصلين يصلون وبين أيديهم جنازة، وهي السبب في مشروعيتها، لهذا ترك السجود والركوع فيها حماية لجناب التوحيد، حتى لا يتصور أن الركوع والسجود ولو في الصورة للميت، وجعل التنقل فيها بالتكبيرات فقط، فيدخل فيها بالتكبير، فيقرأ الفاتحة، فإذا أراد أن يتنقل من قراءة الفاتحة كبَّر، فانتقل منها إلى الصلاة على النبي ﷺ ، ثم يتنقل بالتكبير إلى الدعاء للميت، فإذا فرغ من الدعاء للميت كبر، فإذا أراد الخروج من الصلاة سَلَّم، فكان هذا التنقل في صلاة الجنازة بمثابة الركعات في الفرض، ينتقل بينها بالتكبيرات، والله أعلم.
• الراجح:
لا يشك الباحث أن الطهارة شرط في صحة الصلاة على الجنازة، والله أعلم.
* * *
стр. 2661
المبحث الثالث في اشتراط الطهارة لسجود التلاوة
المدخل إلى المسألة:
• لا يوجد دليل صحيح على وجوب الطهارة لسجود التلاوة، والأصل عدم الوجوب.
• وجوب الطهارة لسجود التلاوة مرتب على صحة إطلاق اسم الصلاة عليه، ولم يصح في النصوص إطلاق الصلاة على ما دون الركعة.
• أطلق الشارع على الفاتحة اسم الصلاة في حديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) رواه مسلم، وإنما قسم الفاتحة، ولا تسمى الفاتحة صلاة على وجه الاستقلال، فكذلك السجود.
• ضابط الصلاة: ما افتتح بالتكبير، واختتم بالتسليم، وشرعت له قراءة الفاتحة، وسجود الشكر لا تحريم له، ولا تحليل على الصحيح، ولا تشرع له قراءة الفاتحة.
[م-٣٥٣] اختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة لسجود التلاوة:
فقيل: يشترط لصحة سجود التلاوة الطهارة من الحدث والخبث في البدن، والثوب، والمكان، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
стр. 2662
قال ابن رشد الجد في المقدمات: «وأما معرفة أحكام السجود، فإن أحكامه أحكام صلاة النافلة في أنه لا يكون بغير طهارة، ولا في موضع غير طاهر، ولا في وقت لا تحل فيه الصلاة، ولا لغير القبلة إلا للمسافر على دابته … » (١).
وقيل: لا تشترط الطهارة، وهو فعل ابن عمر ﵄، وبه قال الشعبي، واختاره الإمام البخاري، وأبو جعفر الترمذي من الشافعية، وابن حزم من الظاهرية، وابن تيمية الحنبلي (٢).
• وسبب الخلاف:
اختلافهم في سجود التلاوة، أهو صلاة، فيدخل في عموم قوله ﷺ : لا تقبل صلاة بغير طهور، أم ليس بصلاة، فيكون الأصل فيه عدم وجوب الطهارة له إلا بدليل خاص، ولا يوجد دليل خاصُّ على وجوب الطهارة لسجود التلاوة، والأصل براءة الذمة؟
انظر أدلة هذه المسألة في المجلد الرابع عشر عند الكلام على أحكام سجود التلاوة.
* * *
стр. 2663
المبحث الرابع في اشتراط الطهارة لسجود الشكر
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم وجوب الطهارة؛ لأن الوجوب حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي.
• كل موضع شرع فيه السجود وترًا فهو ليس بصلاة كسجود التلاوة والشكر، والعكس صحيح، كل موضع شرع فيه السجود شفعًا فهو مرتبط بالصلاة أو جزء منها.
• ضابط الصلاة: ما افتتح بالتكبير، واختتم بالتسليم، وشرعت له قراءة الفاتحة، وسجود الشكر لا تحريم له، ولا تحليل على الصحيح، ولا تشرع له قراءة الفاتحة.
• لم يصح في النصوص إطلاق الصلاة على سجود الشكر، ولا على ما دون الركعة.
• الصلاة حقيقة شرعية متلقاة من الشارع، ولم يأت في الشرع إطلاق اسم الصلاة على سجود التلاوة والشكر.
• قال ﷺ : إنما أمرتم بالوضوء للصلاة، حديث صحيح، وأصله في مسلم.
[م-٣٥٤] سجود الشكر: هو السجود الذي سببه شكر الله عند تجدد النعم، أو اندفاع النقم.
والخلاف في اشتراط الطهارة له كالخلاف في سجود التلاوة، بل هو أضعف؛ لأن سجود التلاوة مشروع بالإجماع، أما سجود الشكر فمختلف في مشروعيته بين الفقهاء، فالشافعية، والحنابلة ذهبوا إلى مشروعيته خلافًا للمالكية، حيث نص الإمام مالك على كراهته، وهو المشهور في المذهب.
واختار بعض المالكية أنه جائز (مباح)، وهي رواية ابن القصار عن مالك، وبه
стр. 2664
قال ابن حبيب (١).
هذا من جهة حكمه، وليس هذا موضع بحثه.
[م-٣٥٥] وأما الخلاف في اشتراط الطهارة له عند من يقول: إنه مسنون أو جائز.
فقيل: تشترط له الطهارة، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة، ومن قال بجوازه من المالكية (٢).
قال ابن ناجي في شرح الرسالة: «ويقوم من كلام الشيخ أن سجود الشكر على القول به يفتقر إلى طهارة وهو كذلك على ظاهر المذهب» (٣).
стр. 2665
وقيل: لا تشترط له الطهارة، وهو اختيار ابن تيمية، وبعض المالكية (١).
قال الحطاب: «لأن سِرَّ المعنى الذي يؤتى بالسجود لأجله يزول لو تراخى حتى يتطهر» (٢).
وأدلة الخلاف في المسألة هي أدلة الخلاف في مسألة سجود التلاوة، وقد ذكرتها في الفصل السابق، والحمد لله.
* * *